عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 08-12-2008, 10:30 PM
الصورة الرمزية محمد حامد القبي
محمد حامد القبي محمد حامد القبي غير متواجد حالياً
اشراف عام مساعد على واحة الأدب
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
العمر: 62
المشاركات: 648
معدل تقييم المستوى: 1
محمد حامد القبي is on a distinguished road
إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى محمد حامد القبي
قصّة قصيرة : نزوة عابرة

نزوة عابرة
كان هو قد تجاوز العشرين من عمره بثماني سنوات و كانت هي تصغره بخمسة أعوام ،تعرّفا على بعضهما في حفلة عرس بالقرية ، بعدها سرعان ما توطدت العلاقة بينهما،فتحولت إلى حب جارف،متأجّج عجّل بخطبتهما لبعضهما بعد موافقة عائلتيهما،ثم تم الزواج في وقت قياسي .
كان موظفا صغيرا بإحدى المؤسسات الحكومية ثم انتقل إلى العمل بإحدى المدن الساحلية في نفس خطته ، بعدها انتقل إلى العاصمة وتدرج في الرتبة إلى أن أصبح موظفا ساميا و إطارا كبيرا، و مرّت الأيام و دارت الأيام و مضت سنوات طويلة أنجب خلالها بنتا و ولدا ،و كان يعيش حياة هادئة ، هانئة مع زوجته و ابنيه ،وذات يوم ربيعي ،بينما كان بمكتبه منهمكا في دراسة أحد الملفات الكبرى ،العويصة التي تستدعي الكثير من التفكير والتركيز و التدبير والإعداد و المواجهة الكأداء إذ رنّ جرس الهاتف مرات عديدة متتالية، فتثاقل في رفع السماعة لكنّ الطرف الآخر أصرّ على إجراء هذه المكالمة فواصل الجهاز النداء،
عندئذ اضطر إلى الردّ :
- آلو، آلو ،من معي؟
- أنا ... أنا...
-من أنت؟
-أنا أمل ابنتك ، أريد مقابلتك يا أبي .
تملّكه شعور غريب جدا ، صوتها سيطر على أحاسيسه و وجدانه فأحسّ بأنه قريب منه جدا ،لم يتمكن من التخلص من ذلك الصوت في تلك اللحظات الرهيبة ،ولكنه جمع قواه و رد على صاحبته قائلا :
-أنا لديّ ابنة واحدة هي إخلاص .
لم يترك لها الوقت الكافي للرد على ما سمعته لأنه أغلق الخط بسرعة ، ثم تنفس الصعداء .
مضت أيام طويلة بل أسابيع ،لم تجدّد الاتّصال به ، فخال أنّها طوت الملفّ ،لكنّها أعادت الكرّة من جديد ،فعاملها بنفس الأسلوب ... بعدها انقطعت أخبارها لمدّة سنة كاملة، فبدأ ينسى ما حدث ، وذات مساء ربيعي فاجأته فتاة جميلة في مكتبه،كانت ممشوقة القدّ،هيفاء،ساحرة،تسلب الألباب،ردّدت على مسامعه نفس الكلام الذي سمعه بالهاتف قبل فترة،ارتبك في البداية ثمّ بقي واجما ، مذهولا ، لا يدري ما يفعل ، نظر إليها مليا فاتضح له أنّها تشبهه تماما ... بقيا وقتا طويلا يتأمّلان بعضهما البعض ثمّ ارتمت في أحضانه فلم يصدّها ... كانت تبكي في صمت ، بعدها هدأت قليلا ،فبادرها بالسّؤال :
- من أنت ؟ و ماذا تريدين بالضبط ؟
استردّت أنفاسها بعد أن مسحت دموعها ثمّ شرعت في سرد قصتها المثيرة و المؤثّرة :
" قبل تسعة عشر عاما ، لمّا كنت ذات يوم منشغلا في مكتبك ببعض الشؤون المهنية إذ رن جرس الهاتف فعجّلت بالرد :
-آلو من معي على الخط ؟
-أنا نرجس ،أريد أن أراك ...
-من تكون نرجس ... ؟
و نرجس هي أمّي ، أنت في الحقيقة عرفتها بمجرد أن سمعت صوتها
و لكنك تجاهلتها.
فردّت عليك لتوقظك من غفوتك المفتعلة :
-أنسيتني بهذه السرعة ؟ غريب أمر هذا الصنف من الرجال!!!
لكنك واصلت تجاهلك لها و استمرّ الحوار بينكما :
-ماذا تريدين مني يا امرأة ... ؟
-أريد أن أراك في أقرب وقت ممكن لأحدثك في أمر هام و مستعجل لا ينتظر التأجيل .
-إن كنت مصرة على ذلك فسيكون اللقاء في الأسبوع القادم .
-لا، بل عشية اليوم .
أصرّت على موقفها ،فاتفقتما على موعد قريب وقت الخروج من الإدارة
في مكان بعيد عن أنظار الفضوليّين، و كان اللقاء ،و بمجرد أن شاهدتك أسرعت إليك و بادرتك هي بالحديث قائلة :
-ها أننا نجني ثمرة طيشنا في تلك الليلة المشؤومة عندما نهلنا من الخطيئة ما شئنا و النتيجة أنّ جنينا أضحى يتخبط في أحشائي فما العمل ؟
-أنت مخطئة في العنوان ،ابحثي عمّن اقترف معك هذا الذنب ، أنا رجل عفيف، متزوج ،فكيف تسمحين لنفسك بتشويه سمعتي ، هذا عيب كبير، أحذّرك من مغبة الاتصال بي مرة أخرى ...
بعد كلّ ذلك تركتها و انصرفت ... "
إثر هذه المقدّمة ،أطلقت الفتاة زفرة طويلة من أعماق أعماقها ثمّ واصلت سرد قصّتها بشكل مؤثّر جدّا :
"وقتها أحسّت كأنّ صاعقة قد نزلت على أمّ رأسها فأسقطتها بالضربة القاضية لأنّها لم تستطع تحمّل ما سمعته منك ،مرّت أشهر الحمل كأنّها دهر طويل قبل أن يفاجئها المخاض،في الأثناء فكّرت مرارا في الإجهاض وفكّرت أيضا في الانتحار لعلّها تستريح من هذا العبء و من هذا الضيف الثقيل لكنّها عدلت عن الفكرتين ...بعدها حللت أنا بهذا العالم الغريب بالمتناقضات والمصائب و يا ليتني ما جئت ،وقتها قرّرت أمّي أن تضحّي من أجلي بكل غال و نفيس حتّى تربّيني أحسن تربية... بعد فترة خطبها رجل لا يعرف شيئا عن حياتنا الماضية،فأخبرته أمي بكلّ شيء،ولم تخف عنه أمرا أو جزئية صغيرة من جزئيات حياتها المنقضية ،فكان شهما قبل الزواج و تستّر على الفضيحة التي لم تكن مسؤولة عنها وحدها و كنت أنت أحد بطليها ، إذ كنتما شريكين في حبك خيوطها عندما غرّرت بها ، وأخفيت عنها جانبا مهمّا من حياتك،ثمّ غدرت بها،وقتها كان يمكن أن تنهشها "الكلاب" البشرية لو لم تستوعب الدرس من تلك الزلّة وتلك النزوة العابرة... "
وقفت الفتاة تستردّ أنفاسها و تستعرض بقية مكوّنات الشريط والألم يمزّق أحشاءها و أوصالها دون أن تبدي أيّ امتعاض أو اعتراض على قساوة القدر و الزمان معا،ولكنها كانت "تأكل " بعضها البعض في صمت دون أن يتفطن إليها احد ،ثم واصلت الحديث قائلة :
" أبتي لا أطلب منك مالا أو أيّ شيء آخر غير أن تمنحني اسمك وتتركني أتلذّذ ترديده ومناداتك بأبي، هذه الكلمة التي حرمت منها طيلة عقدين من الزّمن ، في حين كان أندادي يتمتّعون بذلك و كنت أتعذّب عذابا كبيرا في صمت لا يكتوي بلظاه غيري، حتّى حان الوقت الذي لم تعد لديّ القدرة على التحمّل،فأنا أستعدّ لاجتياز امتحان الباكالوريا... أبتي ارحم شبابي واحن عليّ فأنا فلذة كبدك ، فأنا فلذة كبدك ، فانا فلذة كبدتك ..." كانت تردّد ذلك مرارا إلى أن أجهشت بالبكاء وسقطت على الأرض مغشيا عليها ، فأخذ يرشّها بالماء إلى أن استردّت وعيها ، عندها بدأت تحملق في عينيه فأثّر فيه الموقف إلى حدّ البكاء ، لقد بكى بكاء مرّا و احتضنها بقوّة وقال لها :
- " بنيّتي ،سامحيني ، أرجو أن تمكّنيني من بعض الوقت لأتدبّر الأمر وأعالج الموقف ... "

محمّد القبي
__________________
" بنيّ لا تنحن أمام أيّ كان ،
و لا تركع إلاّ أمام خالقك جلّت قدرته."

حامد القبّي
والدي تغمّده الله برحمته
رد مع اقتباس