| المقبرة مرآة الأحياء
المقبرة مرآة الأحياء
--------------------------------------------------------------------------------
المقبرة ، هذه المدينة الميتة المترامية الأطراف ، بحدودها التي لا حد لها ، هذه الضاحية الممتدة شمالا وجنوبا ، شرقا وغربا تخبأ بين ثناياها كل أسرار المدينة الحية بكل تفاصيلها وتناقضاتها : بآلامها ،بأفراحها و أحزانها ،بأحلامها وأسرارها ،إنها شاهدة حية ،بل أرشيف تاريخي تروي قصة المدينة ..!
وإذا أردت أن تتعرف على مدى النظام والقانون في مدينة ما ، فما عليك سوى أن تتأمل حركة سيرها ،وإذا أردت أن تتعرف على حياة الأحياء في مدينة ما ،فما عليك سوى أن تزور مقبرتها ، لتجد فيها ،وترى بعينيك كل ما تجهله من خبايا سكانها !
إن نظرت إلى الإطار العام للمقبرة ، ستجدها نسخة أصلية وطبيعية عن مدينة الأحياء، تحمل في ترابها الكثير من صفاتها :فهي تتلون بلون تربتها : حمراء ، سمراء أو بيضاء إن كانت تربتها كلسيه ، أما شكلها فتتأثر بتضاريسها ، سهلية ، جبلية أوصحراوية ،كما تتأثر المقبرة بمناخ المدينة العام : فهي خضراء إن كانت في المدينة ماء وحياة ، ورمادية إن كانت المدينة تفتقر إلى الماء والحياة ...
في كثير من البلدان المتقدمة ، كما نراها في بعض الأفلام ،المقبرة هي حديقة عامة تنبض بالحياة ، تغيب عنها صمتها ، صمت القبور المعهود ، ففيها الخضرة والورود ، الأشجار والنبات ، ناهيك عن النظافة والترتيب التي تتمتعان بها كل شبر من هذا الحي الشعبي - الراقي الكبير ،الذي لايعرف قبورا مخالفة في البناء،والمحمية حدودها بأسوار يتوسطها باب رئيسي كبير. عندما تراها أو تزورها لا ينتابك ، حتما ، شعورا بالحزن والرهبة ، بل تنتابك رغبة بالبقاء طويلا في هذا المكان الهادئ ،والذي يبعث في النفس البهجة والغبطة ، وكم يتمنى المرء الموت في مكان كهذا ! حيث تختفي هيبة الموت من الروح والجسد، حيث تختلط الحياة بالموت ، والأحياء بالأموات ، إذ لا يحس الموتى بالوحدة أو الوحشة ، فالكائن الحي خير جليس للميت ، إنهم يفرحون ، وخير دليل على ذلك ، تلك الفراشات التي تزين المكان ، والأطيار التي تغرد على الأشجار ،وكذلك الأزاهير التي تعطر جوها العام ،إنها لا تعرف من الفصول سوى الربيع ، وهي في ربيع أخضر دائم !
واحترام الأحياء للموتى أمر مقدس ، يظهر ذلك جليا على كل ضريح ،والذي يشبه إلى حد كبير بيوت الأحياء ، فلكل ضريح شاهدة ، مدون عليها بطاقته : اسمه ، تاريخ الولادة والوفاة ، لا أحد منسي أو مهمش ، بل لكل ميت هويته ، لكل ميت عنوانه، ولكل ميت قبره !
المقبرة يمكن أن تكون معيارا جميلا للحضارة والرفاهية والرقي ، كما يمكنها أن تكون في نفس الوقت شاهدة سوداء، بل صفراء كالموت ومحزنة للتخلف والجهل ، للفقر والبؤس ، إنها " ترمومتر " لإيقاع الحياة في نبض الموت !
أما عندما تزور مقابرنا ،فأنك تموت هناك دون احتضار ! حيث تتغلغل خيوط الموت الهلامية إلى روحك ،تحس بنفسك للوهلة الأولى بأنك واحد من الموتى ،فكل تراسيم الموت تمتثل أمام ناظريك ، وتتجسد في بقعة منسية ومهمشة : من بعيد تظهر علامات الغربة ،و الجفوة والجفاف على تربتها ،والحزن والأسى على "وجهها " في النهار ،وتتشح بالصفرة والشحوب و الاسوداد عند المساء ،حتى أشجارها – إن وجدت -تحمل أوراقا مصفرّة ، وعندما تقترب منها تشم رائحة الموت تنبعث من جنباتها ، فيصيبك الغثيان ودوخة في الرأس ، تقرأ "الفاتحة " سريعا ، تتأوه ، تتأفف ، تشعل سيجارة ، تتذكر محاسن المرحوم والموت قليلا،ثم تلوذ بالفرار منها ..وقد تتخذ قرارا بأنك لن تعود إلى هذا المكان ثانية ، ولكنك عائد إليها حتما !
عندما تزور مملكة الموتى ، تجد نفسك في مدينة متكاملة، بقبورها المتنوعة الأشكال والألوان : قبور طينية صغيرة وكبيرة ، قديمة وحديثة ، قبور إسمنتية ، رخامية مزينة ومزخرفة بالحجر الأبيض ، في كل قبر تنعكس مكانة الميت في الحياة ،أوالطبقة المنتمية إليها ، حيث يمكنك أن تميز بين الفقير والغني من خلال " كوخه أو قصره "، بين المرحوم العادي والمرحوم المدعوم الذي يتمتع بمكانة اجتماعية أو دينية ما، وهذه المكانة يمكن تلمسها من خلال مكان القبر : في الوسط ، في أعلى التلة ،أو على الأطراف ،ويمكن رؤية بعض القبور المقببة أو المسوّرة بسياج صغير تحيط بها بعض الأشجار ،وعادة ما تكون لأنفس كانوا في الحياة يحتلون مكانة ما في السلم الاجتماعي . عندما تتجول بين المقابر ستجدها مقسمة إلى أحياء مصغرة ، شعبية أو راقية،يتجاور فيها المتوفون فيما بينهم ، لدرجة تحسبهم جيرانا ! أما شبكة مواصلاتها فهي معقدة أيضا ، فكل الدروب تؤدي إليها ! وليست هناك أية أزمة مواصلات فيها !وتتمتع المقبرة أيضا بشوارع عامة وفرعية : طويلة ، ملتوية ، عريضة ، كما يمكن ملاحظة بعض الدروب الترابية الضيقة التي تربط بين أزقتها وحاراتها ، وهناك بعض الطرق فيها حيوية ،تنشط فيها حركة الزوار ،بينما تجد طرقا أخرى خالية من المارة ،إلا ما ندر تجد فيها زوارا ، وذلك خلال الأعياد أو في حالات دفن ميت جديد . وهناك أيضا مقابر مهمشة ومنسية ، كما كانت عليه الحال بيوتهم في الحياة ، ومقابر أخرى لا تخلوا من الزوار ،لأن الموت لم يستطع أن يسلب منهم مكانتهم بعد موتهم، كمقابر الشهداء مثلا ..!أما زوار المقبرة من الأحياء فهم أيضا متنوعون ومختلفون كالأموات، فبينهم النسوة التي تتخذن من المقبرة فسحة للقيل والقال ،وكذلك الرجال الذين يتناقشون فيما بينهم عن أمورهم التجارية ومشاريعهم الزراعية ، كما لو كانوا جالسين قي مقهى ، إضافة إلى المتسكعين اللذين يتخذونها ملاذا آمنا لشرب الخمر واللعب بالقمار ...إنها مدينة شاملة تجمع مابين الصالح والطالح ، ما بين العالم والجاهل، ما بين الفقير والغني، إنها مرآة كبيرة تنعكس فيها كل تناقضات الحياة في المدينة .
وتبقى زيارة الموتى دلالة دامغة على مدى قوة " صلة الرحم " ،و تواصل الأحياء فيما بينهم في الحياة اليومية: فكلما كانت العلاقات وطيدة بين السكان ، كلما كانت الزيارات للمقبرة أكثر ..ولكن ! مع اختفاء العلاقات الحميمية بين الأحياء ،و في عالم طغت فيه " الأنا " الفردية والأنانية بحكم الصعوبات الحياتية، وكذلك الجشع والمصالح المادية ، اختفى " الإنسان الحي " ليمكث في قوقعته منزويا ومعزولا ،ليعيش مكانه الكائن الجديد : " الحي – الميت " ،بجسد حي وبروح ميتة ، أصبحت النفس فيه قبرا صغيرا ، يحمله جسد هزيل ،منهك من العراك مع الحياة والموت ،يجعله يخطو كل يوم بخطوة نحو المقبرة الكبرى ... !
التعديل الأخير تم بواسطة مائسه ماجد ; 11-20-2008 الساعة 05:42 PM |