عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 03-25-2008, 11:36 PM
الصورة الرمزية RedRose
تفضل بزيارة منتداي
RedRose RedRose غير متواجد حالياً
اشراف عام مساعد
نائبة رئيس تحرير نوارس أدبية
أديـــبـة

التكريم من الدرجة الأولى وسام التواصل 
 
تاريخ التسجيل: Aug 2006
الدولة: Jordan
المشاركات: 12,616
صوت لتميز الموضوع: 47
تم التصويت لتميز مواضيعه 0 مرة في 0 مشاركة
معدل تقييم المستوى: 30
RedRose will become famous soon enoughRedRose will become famous soon enough
رد: لوركــــــــــــــــــــا

لوركا والرسم



عرفت أني قتلت
فَتشوا المقاهي والمقابر والكنائس
فتحوا البراميل والخزانات
استباحوا ثلاثة هياكل ليسلبوا أسنانها الذهب
لم يجدوني .
أتراهم لن يجدوني أبدا ؟
نعم . لم يجدوني أبدا .

قليل جدا ما يقال عنه كرسام والكثير مما قيل أن الرسم كان بالنسبة له هواية راسخة في أعماقه ظل يمارسها يوميا وفي كل مكان تقريبا ، يمارس الرسم فوق مائدة المقهى وهو يحتسي فنجانا عابرا ويمارسه فوق منصة المشرب الذي أعتاد في فترات فراغه التردد عليه ويرسم في المطعم على قائمة الطعام وهو يتناول وجبته الخفيفة ، بل ورسم ذات مرة على مظروف رسالة وصلته للتو من صديقه سلفادور دالي :

(فيدريكو .. أقوم برسم بعض اللوحات التي تميتني فرحا وأشكل بطبيعة صافية بلا أدني انشغال فني ، أقابل أشياء .. تترك عندي شعورا عميقا وأحاول رسمها بأمانة أو بدقة ، وصلت إلى إدراك تام لكل المعاني ويتراءى لي أني أستحضر طفولتي وحبي الكبير للحشائش ولأشواك راحة البدن للأذن الحمراء تحت الشمس وريش الزجاجات الصغي، لا يبهجني هذا فقط لكن أيضا الكروم والحمير التي تسكن السماء) .
" دالي "

هذه الرسالة وغيرها محفوظة الآن في مؤسسة : فيدريكو غارثيا لوركا - والتي يضمها كتاب تذكاري مرفقة بصورها الضوئية إلى جانب مجموعة من الصور الشخصية للشاعر والرسام وأصدقاء لهما .
كان قلبه كما هو معروف ينبض شعرا بينما يده كحمامة أندلسية زرقاء اللون حمامة نشطة في كامل عنفوانها حمامة حلقت طويلا ثم مالت في طيرانها وحطت بهدوء على ورقة الرسم (أي ورقة أو سطح قابل للرسم) إلى أن تمكنت هذه اليد الماهرة من هذا الفن وصار بمقدور (لوركا) أن يرسم بيسر موضوعات عدة ، رسم الطبيعة الساكنة والقيثارات الناعسة ، رسم مساحات الظل المنبسطة إلى أبعد الحدود والمناظر الريفية بخطوط رشيقة تاركا السيطرة لسلم اللونين الأحمر والأصفر كما رسم بالأقلام الخشبية الملونة وكان يرسل البعض من هذه الرسوم إلى أصدقائه في غرناطة عندما حل في مدريد .. رسومات لا تبتعد كثيرا عن استكشاف قصائده فقد أعتاد منذ كان شابا صغيرا على تزيين رسائله برسوم يرسمها بألوان مائية خفيفة في رغبة منه للحرص علي أن الرسم لديه لا ينفصل عن الشعر :

يتفتح حقل الزيتون
ويغلق حقل الزيتون كمروحة
فوق الحرج .. سماء غامقة
مطر أسود من نجمات باردة
في ضفة النهر ترتجف العتمة والقصب
ويموج هواء داكن
أشجار الزيتون تضج بها الصرخات
سرب طيور مأسورة تشرع أذيالا متطاولة في الظل .

الرسام - دالي - الذي عرف : لوركا - وهو شاب في مطلع العشرينات من عمره يصف لنا الجهد البالغ الذي بذله لوركا ليترك رسومه علي رسائله وأعماله الشعرية :

ليست هناك صورة شعرية
تبدو خالية من لون مرتعش
محاطة بقوس قزح من الأنغام الموسيقية .

ففي بداياته الأولى مع الرسم استخدم لوركا نظاما أصيلا للألوان الأساسية لرسم الجبال المجاورة: أخضر بحري شاحب ، بني خفيف ، أحمر ، بني غامق . رسومات تخرج منها تدريجات الإيقاعات الجديدة المحجبة مغمورة بالألوان الأرجوانية . كما أستعمل سلما ثانيا للألوان لاستدعاء المدينة بواجهاتها المتعددة ، أرجواني تفاحي ، أخضر ، وردي مبيض ، والنرجسي.
وثمة سلم لوني آخر أكثر رقة ونعومة ، فعندما يأتي المساء فانه يكسو القرى والجبل رداء حريريا مشربا بالفضة مع بريق اللؤلؤ . ألوان الصقيع ، القرنفل ، اللؤلؤ القديم ، الزفير والعقيق وكلما تقدم النهار بدت ألوان(لوركا) جديدة من صباحه إلى مسائه عن تتابع كل إمكانيات الضوء . وكما كان - لوركا - يتمتع بقدرة فائقة علىالرسم والحديث ، كان أيضا لا يحتكر الكلام كله لنفسه بل يترك للآخرين متسعا لأحاديثهم ويظل منتبها إليهم صامتا ومشدودا إلى قسمات وجوههم يرصد انفعالاتهم وتعبيراتهم الطارئة يقتنص ما يجول في داخلهم بينما قلم الرصاص بين أنامله ينتقل علىسطح الرسم بخفة ونعومة عبر الانحناءات وتعرجات الوجه البشري ضمن إجادة تامة مما جعل رسوماته الآن تنافس أشعاره ومسرحياته في الأهمية والعناية من قبل دارسي هذا الشاعر العملاق .

البنت الحلوة تجمع زيتونا
والريح أمير الأبراج
يأخذ هذى الحلوة بالخصر
فرسان أربعة
مروا فوق جياد أندلسية
الأزرق والأخضر والأقباء السود
"يا فتاة تعالي إلى قرطبة"
مصارعو ثيران فتيان مروا .. بخصور مرهفة
وثياب نارنج وسيوف فضة
"يا فتاة تعالي لاشبيلية"
لكن الفتاة الحلوة لم تأبه
حين صار الأصيل أرجوانا مضاء
جاء هذا الفتي حاملا زهرات القمر
"يا فتاة تعالي لغرناطتي"
لكن الفتاة الحلوة لم تأبه
البنت الحلوة ظلت تجمع زيتونا
وذراع الريح الربداء تطوقها.. تأخذها بالخصر.

ومثل فان جوخ فإن لوركا كان يحب أن يري الألوان ويقدمها إلى أبصارنا وهي مجلوة قد صقلت حتى بلغت أقصي درجات بريقها وتألقها . فالريح ليست فقط ذات لون معين ولكنها من العنف بحيث تتخذ هيأة (عجوز زمردي) واللون يطارد الحسناء، والفواكه صفراء مخملية ، وللمنازل البيضاء نصاعة الجير ولا يمكن لأي ظل أن يستقر على الجدران النيلية بشوارع جارته الخفية .
وعلى نحو مفاجئ يلوح لوركا بإشارة الوداع ويقول هامسا:

حين أموت
فلتدعوا الشرفة مفتوحة
يأكل الطفل برتقالا
(أنى لا أراه من الشرفة)
الحاصد يحصد قمحه
(أسمعه من هذى الشرفة)
حين أموت
فلتدعوا الشرفة مفتوحة .
__________________

اجمع براعم الورد
ما دمت قادرا على ذلك

مدونتي

http://sahar.blogsland.net
رد مع اقتباس