المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إلى عشاق القصة القصيرة جدا..أسئلة تنتظر أجوبة..!



م. هناء عبيد
09-06-2010, 07:06 PM
إلى عشاق القصة القصيرة جدا..أسئلة تنتظر أجوبة..إ


أصبحت القصة القصيرة جدا من الظواهر الملحوظة جدا في عالم الأدب الحديث، وقد أصبح لها وجودها الذي لا يمكن إنكاره، فبزيارة أي موقع أو منتدى أدبي يمكننا ملاحظة أن أعداد القراء لهذا النوع من الأدب قد تفوق على غيره. وهنا سأحاول التطرق إلى موضوع القصة القصيرة جدا من منظور شخصي بحت ليس له علاقة بتطور هذه النوعية من القصص أدبيا أو تاريخيا.


نظرا لتواجدي لمدة ليست بالقصيرة في بلاد لا تنطق بالعربية، وبالتالي إفتقار هذه البلدان للمكتبات التي تضم نخبة من الكتب العربية، بالإضافة إلى ظروف شخصية ومشاغل عديدة، فقد بعدت
المسافة بيني وبين العربية الفصحى لمدة لا أعتبرها بالقصيرة، لم أتابع خلالها ما حدث من تطور في عالم الأدب، حيث اقتصرت علاقتي بالعربية على معرفة أخبار بلادنا العربية وتطورات الأحداث فيها، وبذلك لم يتسنى لي المتابعة الكبيرة لأدبنا العربي الزاخر. ولكن بعد أن تجاوزت مرحلة ما من ظروف منعتني من الإطلاع على ما يزخر به أدبنا الجميل، ومع تطور عالم النت، وظهور العديد من المواقع الألكترونية المتخصصة بالأدب العربي، بدأت استرجاع علاقتي بالأدب العربي الذي أعشقه، وبدأت أتابع بعض الأعمال الأدبية لأدباء وشعراء دخلوا حديثا لمملكة الأدب، والحقيقة أنني تفاجأت بالكم الكبير من هؤلاء الأدباء والشعراء الذين دخلوا ساحة الأدب والِشعر حديثا، وكانت مفاجأتي الأكبر، حينما تعرفت إلى الأسلوب الحديث جدا الذي طرأ على أدبنا العربي، .والذي جعله أقرب إلى الأدب الغربي في الجوهر منه ألى العربي


ولا أنكر بأنني لم أستسغ هذا النوع من الأدب، وقد كتبت مقالا تعرضت فيه لنقد الشعر الحديث من وجهة نظري، والذي أجذ بأنه أقرب للألغاز والأحاجي منه إلى الشعر، ليس فقط للغموض الذي يحتويه بل لإحتوائه للثقافة الغربية التي لا تمت لحضارتنا وثقافتنا بصلة. وفي المعهد الطيب هنا وفي عدة مواقع أدبية أخرى تعرضت للقصة القصيرة جدا وأعترف بأنها لم ترق لي في البداية. ولكن مع التعود على هذا النمط الجديد من الكتابة، وجدت قلمي يخوض في معترك هذا اللون دون شعور، فقد وجدت في هذا اللون نوعا من التحدي للعقل بسرد قصة أو هدف أومغزى بإستخدام أقل عدد من الجمل مع التكثيف الشديد للأحداث، أي إختزال رواية بأشخاصها وتفاصيلها من خلال هذه الجمل القليلة العدد، لهذا فإنني أحاول الآن" كما غيري ممن وجد في هذا اللون متعة، وتحد، أن أتعرف على جميع العناصر والأساسيات التي تحيط هذا النوع من الأدب او الكتابة..
وبما أن هذا النمط له معارضون كما له مؤيدون فإنه يجب الخوض في كل الامور التي تجعله محط هجوم لإيجاد الحلول الوسط لجعله مستساغا للجميع بالقدر الممكن. ومن الإقتراحات التي أراها مناسبة، أن يندرج هذا النوع من الأدب تحت مسمى وتصنيف يبعد عن الأدب العربي حتى نحفظ للأدب التقليدي مكانته دون الإختلاط بهذا النوع الجديد من الأدب. فقد كانت الإعتراضات عليه بسبب كونه قد تطفل على الأدب التقليدي والتراث العربي بالدرجة الأولى، وأنه قد شوه مفهوم التذوق الأدبي الذي يعتمد على الوصف والإبداع في المفردات العربية الثرية التي اختزل إستعمالها من خلال هذا النوع من الأدب أو الكتابة.
ومن خلال هذا الموضوع سأعرض بعض الأسئلة التي ربما يجدها البعض بأنها قد تكررت كثيرا، ولكن لا بأس بإعادتها لما في الإعادة من إفادة، وأرجو أن يكون هناك تجاوبا من الإخوة المؤيدين والمعارضين على السواء للقصة القصيرة جدا


أبدأ بالأسئلة للجماعات المعارضة.


ما هي أهم الأمور التي تجعل من القصة القصيرة جدا نوعا غير مستساغ من الأدب العربي؟


هل هناك مسمى أنسب لهذا النوع من الكتابة، يقلل من معارضي إنتمائه للأدب العربي؟


وهذه الأسئلة لهواة القصة القصيرة جدا سواء الكتاب أو القراء


هل من التجني والظلم إبعاد القصة القصيرة جدا عن تصنيف الأدب العربي؟


ما هي أيجابيات كتابة القصة القصيرة جدا؟


أي الأمور يجعل القصة أكثر قوة الغموض أم الوضوح ام تعدد التأويلات لها؟


ما هي مواصفات القفلة المميزة؟


أي المواضيع أكثر إثارة في القصة القصيرة جدا السياسية، قضايا الساعة، النقد الساخر، القضايا الإجتماعية أم جميع ما تقدم؟


هل يجد من يكتب القصة بأنه من الأفضل أن تكون قراءة المتلقي هي نفس قراءته لها أم لا بأس من القراءات المختلفه؟


من هم قراء القصة القصيرة جدا من حيث الفئة العمريه، الثقافة، الجنس حسب إعتقادكم؟


هل الحوار مقبول في سرد القصة القصيرة جدا أم أنه يضعفها مثال قال قالت إلخ؟


هذه بعض الأسئلة المقترحة ويمكنكم التفضل بأسئلة وإستفسارات اخرى.


أرجو المشاركة لإثراء الفكرة، ولإيجاد بعض الحلول الوسط بين المعارضين والمؤيدين


تحياتي وتقديري للجميع

علي ابريك
09-06-2010, 07:30 PM
من حقك أن تسألي ..
هناء ..
أنتظر الاجابة من الفطاحل والخبرات بالمعهد ..
والهواة أمثالي ..
نحن مدارس سترين كم تتعدد الأفكار ..؟!
دمت بود

فايز الأشتر
09-06-2010, 10:53 PM
إلى عشاق القصة القصيرة جدا..أسئلة تنتظر أجوبة..إ


أصبحت القصة القصيرة جدا من الظواهر الملحوظة جدا في عالم الأدب الحديث، وقد أصبح لها وجودها الذي لا يمكن إنكاره، فبزيارة أي موقع أو منتدى أدبي يمكننا ملاحظة أن أعداد القراء لهذا النوع من الأدب قد تفوق على غيره. وهنا سأحاول التطرق إلى موضوع القصة القصيرة جدا من منظور شخصي بحت ليس له علاقة بتطور هذه النوعية من القصص أدبيا أو تاريخيا.


نظرا لتواجدي لمدة ليست بالقصيرة في بلاد لا تنطق بالعربية، وبالتالي إفتقار هذه البلدان للمكتبات التي تضم نخبة من الكتب العربية، بالإضافة إلى ظروف شخصية ومشاغل عديدة، فقد بعدت
المسافة بيني وبين العربية الفصحى لمدة لا أعتبرها بالقصيرة، لم أتابع خلالها ما حدث من تطور في عالم الأدب، حيث اقتصرت علاقتي بالعربية على معرفة أخبار بلادنا العربية وتطورات الأحداث فيها، وبذلك لم يتسنى لي المتابعة الكبيرة لأدبنا العربي الزاخر. ولكن بعد أن تجاوزت مرحلة ما من ظروف منعتني من الإطلاع على ما يزخر به أدبنا الجميل، ومع تطور عالم النت، وظهور العديد من المواقع الألكترونية المتخصصة بالأدب العربي، بدأت استرجاع علاقتي بالأدب العربي الذي أعشقه، وبدأت أتابع بعض الأعمال الأدبية لأدباء وشعراء دخلوا حديثا لمملكة الأدب، والحقيقة أنني تفاجأت بالكم الكبير من هؤلاء الأدباء والشعراء الذين دخلوا ساحة الأدب والِشعر حديثا، وكانت مفاجأتي الأكبر، حينما تعرفت إلى الأسلوب الحديث جدا الذي طرأ على أدبنا العربي، .والذي جعله أقرب إلى الأدب الغربي في الجوهر منه ألى العربي


ولا أنكر بأنني لم أستسغ هذا النوع من الأدب، وقد كتبت مقالا تعرضت فيه لنقد الشعر الحديث من وجهة نظري، والذي أجذ بأنه أقرب للألغاز والأحاجي منه إلى الشعر، ليس فقط للغموض الذي يحتويه بل لإحتوائه للثقافة الغربية التي لا تمت لحضارتنا وثقافتنا بصلة. وفي المعهد الطيب هنا وفي عدة مواقع أدبية أخرى تعرضت للقصة القصيرة جدا وأعترف بأنها لم ترق لي في البداية. ولكن مع التعود على هذا النمط الجديد من الكتابة، وجدت قلمي يخوض في معترك هذا اللون دون شعور، فقد وجدت في هذا اللون نوعا من التحدي للعقل بسرد قصة أو هدف أومغزى بإستخدام أقل عدد من الجمل مع التكثيف الشديد للأحداث، أي إختزال رواية بأشخاصها وتفاصيلها من خلال هذه الجمل القليلة العدد، لهذا فإنني أحاول الآن" كما غيري ممن وجد في هذا اللون متعة، وتحد، أن أتعرف على جميع العناصر والأساسيات التي تحيط هذا النوع من الأدب او الكتابة..
وبما أن هذا النمط له معارضون كما له مؤيدون فإنه يجب الخوض في كل الامور التي تجعله محط هجوم لإيجاد الحلول الوسط لجعله مستساغا للجميع بالقدر الممكن. ومن الإقتراحات التي أراها مناسبة، أن يندرج هذا النوع من الأدب تحت مسمى وتصنيف يبعد عن الأدب العربي حتى نحفظ للأدب التقليدي مكانته دون الإختلاط بهذا النوع الجديد من الأدب. فقد كانت الإعتراضات عليه بسبب كونه قد تطفل على الأدب التقليدي والتراث العربي بالدرجة الأولى، وأنه قد شوه مفهوم التذوق الأدبي الذي يعتمد على الوصف والإبداع في المفردات العربية الثرية التي اختزل إستعمالها من خلال هذا النوع من الأدب أو الكتابة.
ومن خلال هذا الموضوع سأعرض بعض الأسئلة التي ربما يجدها البعض بأنها قد تكررت كثيرا، ولكن لا بأس بإعادتها لما في الإعادة من إفادة، وأرجو أن يكون هناك تجاوبا من الإخوة المؤيدين والمعارضين على السواء للقصة القصيرة جدا


أبدأ بالأسئلة للجماعات المعارضة.


ما هي أهم الأمور التي تجعل من القصة القصيرة جدا نوعا غير مستساغ من الأدب العربي؟
-لأنه من المعروف عن العرب بانهم أمة كلام،ولذلك من الصعب عليهم تقبل
قصة في بضع كلمات.

هل هناك مسمى أنسب لهذا النوع من الكتابة، يقلل من معارضي إنتمائه للأدب العربي؟
- تسميات كثيرة،مثل:اقصوصة،لمحة،عبرة،ضوء...

وهذه الأسئلة لهواة القصة القصيرة جدا سواء الكتاب أو القراء


هل من التجني والظلم إبعاد القصة القصيرة جدا عن تصنيف الأدب العربي؟
-الأدب العربي واسع جداً ويمكنه احتواء كل الفنون الادبية.

ما هي أيجابيات كتابة القصة القصيرة جدا؟
-تتماشى مع عصر السرعة،وتوضح معاني ومفاهيم كثيرة،من خلال مقطع صغير.

أي الأمور يجعل القصة أكثر قوة الغموض أم الوضوح ام تعدد التأويلات لها؟
-الذي يجعل القصة أكثر قوة،هو وضوح السرد وتكثيفه لبيان فكرة أو موقف ما
بدلالة كبيرة وعميقة،ومن منطلق خير الكلام ما قل ودل.

ما هي مواصفات القفلة المميزة؟
-القفلة المميزة ليس لها مواصفات معينة،إنما تتبع مقدرة الكاتب على بيان
الدلالة والعبرة في نهاية القصة
أي المواضيع أكثر إثارة في القصة القصيرة جدا السياسية، قضايا الساعة، النقد الساخر، القضايا الإجتماعية أم جميع ما تقدم؟

-القصة القصيرة جداً،يجب أن تبحث كافة المواضيع،وفي كل الأتجاهات،وأنا أعتبرها
مثل رسوم الكاريكاتير تماماً.

هل يجد من يكتب القصة بأنه من الأفضل أن تكون قراءة المتلقي هي نفس قراءته لها أم لا بأس من القراءات المختلفه؟
- الكاتب دائماً يحاول أن يعبر عن فكرة ما،ويهمه أن تنصب قراءة القارئ
في هذه الفكرة تحديداً،وبيان معالمها وتفاصيلها.

من هم قراء القصة القصيرة جدا من حيث الفئة العمريه، الثقافة، الجنس حسب إعتقادكم؟
-حتى الأن لا يوجد فئة محددة تتابع القصة القصيرة جداً،ولكن بإعتقادي انها
تناسب جميع الأعمار والفئات.

هل الحوار مقبول في سرد القصة القصيرة جدا أم أنه يضعفها مثال قال قالت إلخ؟
-الحوار غير مقبول في القصة القصيرة جداً،لأنه يخل بمعاييرها،ويضعف من قوتها،ويذهب
من جمال السرد.

هذه بعض الأسئلة المقترحة ويمكنكم التفضل بأسئلة وإستفسارات اخرى.


أرجو المشاركة لإثراء الفكرة، ولإيجاد بعض الحلول الوسط بين المعارضين والمؤيدين


تحياتي وتقديري للجميع

الأستاذة م.هناء عبيد

شكراً لك على طرح هذا الموضوع القيم

حاولت الأجابة بإختصار وبساطة على الأسئلة،وربما اكون أصبت أو أخطأت

ولكن هذا رأي الشخصي في القصة القصيرة جداً وقد عبرت عنه

تحيتي ومودتي وتقديري للجميع.

طلال سيف
09-07-2010, 02:29 AM
ما هي أهم الأمور التي تجعل من القصة القصيرة جدا نوعا غير مستساغ من الأدب العربي؟
** لا أرى الأعمال الجيده غير مستساغة


هل هناك مسمى أنسب لهذا النوع من الكتابة، يقلل من معارضي إنتمائه للأدب العربي؟
الاختلاف حول التسمية لا يجعل من كونها قصة


وهذه الأسئلة لهواة القصة القصيرة جدا سواء الكتاب أو القراء


هل من التجني والظلم إبعاد القصة القصيرة جدا عن تصنيف الأدب العربي؟
إستحالة إبعادها


ما هي أيجابيات كتابة القصة القصيرة جدا؟
كإيجابيات المثل ، وهى الأهم والأكثر تأثير فى المتلقى ، وأعتقد أنها أهم من الرواية والقصة القصيرة


أي الأمور يجعل القصة أكثر قوة الغموض أم الوضوح ام تعدد التأويلات لها؟
لكل عمل قوى خصوصيته ، أحيانا تصاغ أعمالا بأسلوب مباشر وتظهر امكانية الكاتب وعلاقته باللغة وتجعل النص جيدا


ما هي مواصفات القفلة المميزة؟
ربما المفارقة وصنع الدهشة ، أو خلق التساؤولات


أي المواضيع أكثر إثارة في القصة القصيرة جدا السياسية، قضايا الساعة، النقد الساخر، القضايا الإجتماعية أم جميع ما تقدم؟
كل مايقدم شريطة قوته


هل يجد من يكتب القصة بأنه من الأفضل أن تكون قراءة المتلقي هي نفس قراءته لها أم لا بأس من القراءات المختلفه؟


من هم قراء القصة القصيرة جدا من حيث الفئة العمريه، الثقافة، الجنس حسب إعتقادكم؟


هل الحوار مقبول في سرد القصة القصيرة جدا أم أنه يضعفها مثال قال قالت إلخ؟
تخضع لمهارة الأديب

هذه بعض الأسئلة المقترحة ويمكنكم التفضل بأسئلة وإستفسارات اخرى.


أرجو المشاركة لإثراء الفكرة، ولإيجاد بعض الحلول الوسط بين المعارضين والمؤيدين

م. هناء عبيد
09-07-2010, 04:24 AM
من حقك أن تسألي ..
هناء ..
أنتظر الاجابة من الفطاحل والخبرات بالمعهد ..
والهواة أمثالي ..
نحن مدارس سترين كم تتعدد الأفكار ..؟!
دمت بود
الأخ الفاضل علي ابريك
تحياتي لمرورك الكريم
وأنا مثلك من الهواة بانتظار خبراء المعهد
تحياتي وتقديري
هناء عبيد

ophilia hamlet
09-07-2010, 04:34 AM
أتوقف ههنا وأطيل المكوث . . . .


شكراً لك سيّدتي لعظيم فائدة


شكراً لكم جميعا ً

م. هناء عبيد
09-07-2010, 06:14 AM
الأستاذة م.هناء عبيد

شكراً لك على طرح هذا الموضوع القيم

حاولت الأجابة بإختصار وبساطة على الأسئلة،وربما اكون أصبت أو أخطأت

ولكن هذا رأي الشخصي في القصة القصيرة جداً وقد عبرت عنه

تحيتي ومودتي وتقديري للجميع.
الأخ الفاضل فايز
أشكر لك مرورك الكريم الذي أقدره وأشكر مساهمتك ومجهودك الكبير في الرد على الأسئلة
والتي هي حصيلتك القيمة من خبرة وتجربة
تحياتي وتقديري واحترامي
هناء عبيد

نور تركماني
09-07-2010, 04:35 PM
ننتظر إجابات المختصين

أينكم يا رواد القصة القصيرة؟؟؟


تحياتي

جميل السلحوت
09-07-2010, 05:38 PM
مقاربة حول أدب القصة القصيرة جداً ... عمران أحمد



كل أدب جديد هو عدائي! العدائية تمتزج بالأصالة! وهي تقلق ما اعتاد عليه الناس من أفكار (أوجين يونسكو)

إن مصطلح الـ (ق. ق. جداً) توصيف اختزالي لنص حكائي محدد لا يستطيع أحد فيما أظن الإقرار بحداثته المطلقة لأنه موجود في شكله ومحتواه الراقيين ومتوافر في كم كبير من التراث الأدبي القديم ناهيك عن المعاصر , ولم يختلف كتابه على تنسيبه أو تصنيفه فالمسألة فيما يلوح لي أن ثمة حاجة موضوعية وملحة دعت إلى خلق أو بعث نص قصصي يحمل كل مواصفات الاختزال ومعانيه .

ومن الطبيعي أن يتصدى لهذا الأمر الكثير من الأدباء أو من السابحين في فلك الأدب الذين شجعهم على المضي في هذا السبيل أن بعض الأشكال الأدبية التي تشبه القصة القصيرة جداً في التراث العربي من النكتة والطرفة والشذرة والخبر قد نفضت عن أكتافها غبار السنين وقدمت دليلاً أو ما يشبه الدليل على أن هذا الضرب من الأدب لا يفتقد إلى الجذور وأن هذا المصطلح الذي ظهر على الساحة الأدبية وشغل المشتغلين بها وفرق ما بينهم فتحمس له من تحمس وسخر منه من سخر نائياً بنفسه عنه ومنشغلاً بمشكلات أعظم خطراً لا تكاد تكفيها بحسبه مجلدات من الروايات والقصص القصيرة فما بالك بالقصيرة جداً !

أن هذا المصطلح تسمية حديثة لفن قديم وإننا إذ نتفق مع جميع النقاد الذين يقولون أن معظم الفاشلين في ميداني القصة والشعر قد وجدوا في الـ (ق. ق. جداً) ملاذاً آمناً لأن هناك كتاباً يمارسونها هرباً من كتابة القصة العادية متوهمين فيها السهولة ما أدى إلى طوفان من القصص القصيرة جداً يفتقر إلى أبسط شروط هذا الفن من حدث متنامٍ كثيف وعمق في الفكرة ونهاية مفاجئة وامضة فإن الأمانة تفرض علينا عدم تجاهل النماذج الجيدة على قلتها ولا نستطيع إلا أن نمنحها الإعجاب والتعاطف ونستمد منها حجة في الدفاع عن حق الـ (ق. ق. جداً) في الحياة ، ففي هذا العصر ذي المزاج المتقلب والتطور المتسارع والإنجازات العلمية الخارقة يواجه الأدب بأشكاله المألوفة المقروءة خصوصاً تحدياً كبيراً يشعر به كل أديب ومشتغل في الأدب , هذا التحدي يتجسد في أشكال التعبير المختلفة والجديدة الوافدة منها خصوصاً فقد يكون من أهم أسباب وجود هذا الجنس الاستجابة لروح العصر القائم على السرعة والاختصار والتكثيف فالحاسب مثلاً قد جرى تصغيره عشرات المرات حتى انتهى قطعة يمكن حملها في الجيب بعد أن كانت الغرف تعجز عن استيعابه، وكذلك الوصف في كثير منه عبء ثقيل على الحكاية يوقف سير الحدث وقد يصرف القارئ عن القصة خاصةً أن إيقاع العصر إيقاع سريع لا يحتمل التمهيد والاستفاضة والإنشاء , فوظيفة الوصف تطوير الحدث وبناء الشخصية لا أكثر ولا أقل .

وأظن أن المحاولة الجديرة بالذكر لقوعدة هذا الجنس من الأدب هي محاولة الدكتور أحمد جاسم الحسين الذي يعد من أكثر المتحمسين لهذا الجنس الأدبي الـ (ق. ق. جداً) كما أسماه اختصاراً في كتابه الرائد (القصة القصيرة جداً) (*) . وقد ذهب الدكتور الحسين في كتابه المذكور آنفاً إلى أن أهم أركان هذا الجنس هي التالية :
القصصية/ الجرأة/ وحدة الفكر والموضوع/ التكثيف/ خصوصية اللغة والاقتصاد/ الانزياح/ المفارقة/ الترميز/ الأنسنة/ السخرية/ البداية والقفلة/ التناص .

قد يتبادر إلى الأذهان صعوبة اشتمال أي جنس أدبي على هذه الأركان مجتمعةً ولا سيما إذا كان هذا الجنس قصة صغيرة الحجم من هذا النوع وأنا أميل إلى هذا الرأي فليس من الصواب أن يسعى أي متصدٍ لهذا الجنس الأدبي إلى إرقاد قصصه على سرير لابروكروست وإلزامها بكل هذه الأركان والعناصر إنما أتصور ضرورة وجود نصفها على الأقل في القصة القصيرة جداً الواحدة وللمؤلف بعد ذلك مشروعية الاختيار – كما أرى – بين الأركان والعناصر الملائمة لقصته دون التزام بعناصر وأركان بعينها على أن الركن الأخطر والعنصر الأهم في أية قصة قصيرة جداً هو عنصر القصصية فكثيراً ما يقول لنا أحدهم : "هات من الآخر.. وبعدين" مما يعني أنه غير مستعد لتضييع وقته في الإصغاء إلى كلام يظنه فارغاً ولا يعنيه في شيء فكلنا يود مواجهة المواضيع والأحداث باختصار وبإيجاز لا يخل بالمعنى ، وهذه بالطبع مسؤولية ومسؤولية كبيرة جداً فأن يضعك أحدهم أمام الجديد والطريف والجميل والمختصر في مفاجأة تلو أخرى ومنعطف عقب آخر ويأخذ بيدك ويغزو قلبك وعقلك ويثير ما لديك من رغبات وحب فلن تجد نفسك إلا منساقاً إليه بكل سهولة لا لشيء إلا لكي تلبي فضولك وتشبع حاجتك إلى استطلاع كل ما هو طريف وطارئ من حولك وتلك هي مهمة القاص في القصة القصيرة جداً وبما أن الحكاية أية حكاية هي كذبة متفق عليها بين القارئ والكاتب فإن على الكاتب فوق ذلك أن يستخدم هنا كل ما من شأنه اجتذاب اهتمام الآخر وإقناعه وشد انتباهه فإذا فشل فلن يعني هذا سوى فشل أسلوبه والنتيجة هي خسارة هذا الآخر وإحجامه عن المتابعة .

القصة القصيرة جداً هي قصة الحذف الفني والاقتصاد الدلالي الموجز وإزالة العوائق اللغوية والحشو الوصفي الذي كان الدكتور طه حسين يدعو إليه بشكل غير مباشر في مجمل كتاباته وبشكل تبدو فيه الاستهانة بذكاء القارئ فمن الواجب والحال هذه أن يكون داخل القصة شديد الامتلاء وكل ما فيها حدثاً وحواراً وشخصياتٍ وخيالاً من النوع العالي التركيز بحيث يتولد منها نص صغير حجماً لكن كبير فعلاً كالرصاصة وصرخة الولادة وكلمة الحق ، أي أن المشكلة في التعامل مع هذا الجنس هي تشذيب وتهذيب واصطفاء يذهب بما هو زائد ونافل. فبنية هذا الأدب الوليد لا تقبل الترهل اللغوي ولا تتحمله إطلاقاً أما اللغة فيجب أن تكون متجاوبة مع التكثيف وبما يحمله ذلك التكثيف من إيحاءات ودلالات أي أن تكون رشيقة في إيصال المعنى والمضمون ، فلم يعد خافياً على أحد أن أكثر الفنون صارت تميل إلى الإيجاز في لغاتها التعبيرية والشعر مثلاً مال جزء منه إلى المقطعات والقصيدة القصيرة جداً لها حضور ما حتى إن نزار قباني – رحمه الله – وهو من هو كان يحرص في كل أمسية من أماسيه على إلقاء نماذج منها.

ولأن هذا النوع من الكتابة صعب للغاية ويتطلب قدرة عالية على التكثيف وتوصيل الرسالة في ذات الوقت فإن الجرأة في طرح المواضيع واصطياد اللقطة وتدوينها على الورق وإيجاد الحلول لنقاط الذروة بأسلوب هادف وساخر وجميل أمر يستحق الاهتمام خاصة إذا كان الكاتب في هذا الأدب متسلحاً بأدوات الجرأة وعلى ذلك فلا مانع أن يكون الكاتب ملماً أو على اطلاع بكافة الأجناس الأدبية ، وفي ذلك دليل على خصوبة هذا الجنس الأدبي المازج لجميع الأجناس الأدبية الأخرى المنفتحة بعضها على بعض فالقصة القصيرة جداً يمكنها أن تستفيد من أدوات الشعر كما أن الشعر يمكنه أن يستفيد من أدواتها وهذه الاستفادة مقيدة بشرط واحد هو ألا يطغى الشعر على بنيتها القصصية ومثالنا هنا هو ما كتبه جبران خليل جبران منذ ما يزيد على (80) عاماً في مجموعته التي كانت تحمل عنوان (المجنون) فقد كتب وقتئذ مجموعة قصص قصيرة جداً مستوفية جميع الأركان والعناصر التي يتطلبها هذا الجنس الأدبي والتي يذهب إليها معظم النقاد على قلتهم في الوقت الحاضر فتحت عنوان (الثعلب) كتب ما يلي:
"خرج الثعلب من مأواه عند شروق الشمس، فتطلع إلى ظله منذهلاً وقال: (سأتغذى اليوم جملاً) ثم مضى في سبيله يفتش عن الجمال الصباح كله وعند الظهيرة تفرس في ظله ثانية وقال مندهشاً: (بلى، إن فأرة واحدة تكفيني..).

ثم جاء بعده زكريا تامر وأثبت أحقية ومشروعية هذا الجنس في العيش جنباً إلى جنب مع الأجناس الأدبية الأخرى, ففي كتابه (النمور في اليوم العاشر) كتب هذه القصة وكانت بعنوان (محو الفقراء) :
"جاع المواطن سليمان القاسم، فأكل جرائد زاخرة بمقالات تمتدح نظام الحكم وتعدد محاسنه المتجلية في محو الفقر. ولما شبع، شكر الله رازق العباد، وآمن إيماناً عميقاً بما قالته الجرائد"

أما أحمد جاسم الحسين في كتابه (همهمات ذاكرة) فقد كتب قصةً بعنوان (بكاء):
فرحت كثيراً (باعترافه لها)، فلا أجمل من أن تسمع فتاة اعتراف شاب بحبها!
حين مر شرطي خافت وراحت تبكي، لم يهن على الشرطي أن يراها تبكي، فهو (مسؤول عن الأمن)، قاده إلى المخفر، وأجبره على (الاعتراف) لكنها لا تزال تبكي!.

وما تقدم قصص قصيرة جداً مكثفة وخالية من الزوائد والحشو الوصفي والاستطرادات ، إضافةً إلى تركيزها على خط قصصي هام وترصد بمهارة شديدة حالات إنسانية شديدة الصدق ، فقد نجح القاصان في إرباكنا فنياً مدينين بهذا الإرباك واقعنا القميء والضاحك دوماً ببلاهة وهذه القصص على صغر حجمها تطرح تساؤلات عديدة وهامة تدور حول وظيفة اللغة وعمق الفكرة وعودة الحياة إلى الكلمة التي تراجعت أمام طوفان الصور المزركشة والفاقعة والبراقة وبالتالي تراجعت الثقافة الحقيقية التي تخاطب العقل وتحاوره أمام ثقافة التسطيح والتعليب. فاللغة الزاخرة بهذه العوالم من اللامتناهيات والرموز والإشارات هي الذاكرة والحياة وهي الكاتب والكتابة معاً. وعلى ذلك فهذه القصص كما أعتقد قادرة على إعادة رسم الحياة المفتقدة بدفئها ونبضها البراقين كما يشاؤها القاص مقدماً الصورة التي يريد ناقلاً الواقع أحياناً بحلوه ومره عابثاً فيه أحياناًًً أخرى بدافع من السخرية والتهكم المريرين وذلك من خلال تقنيات مشغولة وعناصر منتقاة وكثير من المحفزات المتواشجة لتقديم سرد مراوغ عبر إيقاع قصصي ساحر يسلب اللب ، وينغرز سهاماً محرضة دائمة الأثر في أعماق النفس حاثةً إياها على الإمتاع والإبداع.

أخيرا ً:
إن ما يغري بالنقاش هو أن هذه القضية ، قضية القصة القصيرة جداً لم تحسم بعد ، ومن المعروف أنه إذا كثرت الاتهامات قل النقد ، ورغم كثرة مناقشة ذلك الموضوع واجتذاب أطرافه فثمة تقصير واضح في الدراسات والندوات والبحوث الجادة والكافية حول هذا الجنس والمسؤولية تقع على عاتق الجميع : أدباءً ونقاداً وباحثين ولا بد من الوقوف على أسباب هذا التجاهل خاصةً من قبل ذوي الاختصاص .

سيبقى هذا المجال ميداناً مفتوحاً لفرسانه القادرين على ترك بصماتهم للحاضر والتاريخ، وإذا كان في كل فن الغث والسمين فالزمن وحده هو الكفيل بأن ما ينفع الناس لا بد أن يمكث في الأرض .


(*) - صادر عن دار عكرمة بدمشق عام 1997

جميل السلحوت
09-07-2010, 05:41 PM
القصة القصيرة جدا بين النظرية والتطبيق
كتبت بواسطة صالح الزهراني

الكتاب : القصة القصيرة جدا بين النظرية والتطبيق
الجذور- الواقع – الآفاق ( دراسة نقدية)
المؤلف : د. يوسف حطيني
دار الأوائل للنشر والتوزيع
الطبعة الأولى : 2004 م
الصفحات : 168
———————-
- لا بد من هذا التوضيح :


أسوأ الكتب تلك التي تبحث عن منهج ضابط لها فلا تجده , وهذا الكتاب رغم أن المؤلف , ذيل عنوانه بدراسة نقدية , إلا أنه يبتعد عن هذه التسمية في أغلب المباحث .لسوء ترتيب المباحث , و الانطباعية في تقييم بعض النصوص , والانطلاق من أفكار مسبقة حول أركان القصة القصيرة جدا , وتقنياتها . هذا لا يعني أن الكتاب خال من الإشارات واللمحات المهمة والمفيدة حول ق ق ج .لعل أبرز أفكار الكتاب , تتمحور حول عناصر ق ق ج , وهي من وجهة نظر المؤلف ,خمسة عناصر رئيسة ( الحكائية , الوحدة الموضوعية , التكثيف , المفارقة , فعلية الجملة ) . وحول التقنيات التي أفاد منها رواد هذا الفن يرى المؤلف أن أبرزها ( التناص , التشخيص , الحوار , العنونة , الإيقاع اللوني ) .مشكلة الدراسة أن المصطلحات فيه عائمة , فما الحكائية ؟ وهل تختلف مثلا عن القصصية ؟ وما المفارقة ؟! ..إلخ . فالمؤلف يورد توضيحا بسيطا للمصطلح , ثم يشرع بذكر الأمثلة من ق ق ج , والأولى تحديد المصطلحات بدقة متناهية , ثم تحليل النصوص تحليلا شاملا . وعدم الاكتفاء بإيراد الشواهد فقط . وأخيرا , لابد لكل مهتم بشأن القصة القصيرة جدا , من الإطلاع على هذا الكتاب والإفادة منه , والتعرف على التجارب التي تناولها الدارس , كتجربة زكريا تامر , و أحمد جاسم الحسن , وغيرهم .


مقتبسات من الكتاب :


(1)
” إن نشوء الشكل الجديد ليس مشروطا بأن تكون له جذورا تراثية , وهولا يستمد شرعية وجوده من ذلك المعيار , لأننا إذا افتراضنا ذلك فإننا سنكون عاجزين عن تفسير ظهور النص الأول وخلوده في أي فن من فنون الأدب.” ص 11
(2)
” إن القصة القصيرة جدا , بوصفها نوعا أدبيا له أركانه وتقنياته , لا يعيبها أن تكون متأثرة بأي أدب عالمي , ولكن واقع الحال يبعد هذا الاحتمال من وجهين :
الأول / وجودها فعلا في تراثنا العربي الغني بأشكال مختلفة
الثاني / وجود سرد عربي متميز حديث صالح لأن يتطور وينتج أشكالا سردية جديدة ” ص12
(3)
تتعامل ق ق ج بشكل مختلف مع العناصر القصصية ” فالحدث الذي تقدمه لايتيح المجال لتقديمه عبر الوسائل غير المباشرة , كالحوارات الطويلة .. أوالمنولوجات , أو المذكرات , من هنا تنشأ الحاجة إلى الجملة الفعلية , أو الجملة الأسمية ذات الطاقة الفعلية ” ص25
(4)
” غياب الحكاية يفقد القصة القصيرة جدا أهم عناصرها ويحولها إلى خاطرة في أحس الأحوال ” ص28
(5)
“تعدالوحدة) وحدةالحبكة والعقدة بشكل خاص)ركنا لا غنى عنه , لأن تعدد الحبكات والعقد والحوافز المحركة للأحداث ,وتكرر النماذج المتشابهة , يمكن أن يقود إلى نوع من الترهل , الذي يفقد القصة القصيرة جدا تمركزها ” ص31
(6)
المفارقة عنصر مهم من عناصر ال ق ق ج , ” وتعتمد على مبدأ تفريغ الذروة , وخرق المتوقع , ولكنها في الوقت ذاته ليست طرفة , وإذا كانت القصة تضحك المتلقي , في بعض الأحيان , فإنها تسعى إلى تعميق إحساسه بالناس والأشياء ” ص 35
(7)
” إعطاء الأولوية لتطوير الحدث يتطلب استثمار الطاقة الفعلية للغة إلى أقصى حد ممكن لأن إهمال ذلك من شأنه أن يؤدي إلى ترهل الحكاية وعرقلتها عبر سرد وصفي ” ص39
(8)
“أفاد القصاصون إفادة عظيمة من التناص , وثمة من استخدم الامكنة وأسماء الأعلام ذات الرصيد الثقافي ولديني والتاريخي ” ص42
(9)
” عنوان القصة يمكن أن يقوم بدور كبير جدا في فهم دلالاتها , ومن الطبيعي أن يزداد العنوان أهمية حين تكون مساحة النص أصغر ..وقلما ينجح الكاتب في إطلاق عنوان مثير على قصته ,فقد يطلق عنوانا لا علاقة له بالقصة , وقد يطلق عنوانا يكشف نهاية القصة , وقد يترك قصته دون عنوان ” ص46
(10)
أفادت بعض القصص ” من الحوار المشهدي الذي يعطي الحدث سرعته الزمنية الفيزيائية بشكل يطابق الواقع , وهنا لابد من الإشارة إلى الحوار في القصة القصيرة جدا ليس قسريا, ولكنه قد يفيد إفادة جمة , وقد تقوم بعض القصص على الحوار فقط ..” ص46
(11)
” لقد أثبتت كثير من القصص القصيرة جدا أن هذا النوع الأدبي قادر بكفاءة , على حمل الهموم الكبيرة : الاجتماعية والوطنية والقومية والانسانية…مما يثبت أن قصر القصة لايعني بالضرورةقصر الرؤيا” ص49

جميل السلحوت
09-07-2010, 05:43 PM
ملامح القصة القصيرة جداً في قطوف قلم جريء

بقلم / أحمد حسن الخميسي
كلّما ولد جنس أدبي جديد لاقى قبولاً من فريق وصدوداً من فريق آخر، ويبقى الخلاف سجالاً بين الفريقين إلى أن يستوي الجنس الأدبي الجديد على سوقه مثبتاً وجوده من خلال مكوناته الفنية التي تؤهله للبقاء والاستمرار.‏

هذا ما حدث للقصة القصيرة جداً (ق ق ج) التي كثرت في الربع الأخير من القرن العشرين، ولاقت اهتماماً في التسعينات منه، ولاسيما في الآونة الأخيرة وعلى عدّة مستويات، فقد كتب عنها في الصحف والمجلات وألّف عنها الكتب، وأقيمت حولها الندوات في المراكز الثقافية والنوادي الأدبية في دمشق وحلب.‏

ومن الكتب التي اهتمت بهذا الجنس الأدبي كتاب صدر حديثاً بعنوان "قطوف قلم جريء"، الذي أعدّه وقدّم له الأديب أحمد دوغان، وصدر عن دار الثريا بحلب عام 2004، وبلغت صفحاته /115/ صفحة.‏

توّج هذا الكتاب بكلمة للأستاذ محمد كامل قطّان مدير المركز الثقافي بحلب، تحدّث فيها عن دور الأدب في حياة الإنسان، وما تقدمه مديرية الثقافة من خدمات للثقافة والمثقفين، ثمَّ تحدث عن القصة القصيرة جداً، وما تلقاه من دعم من المراكز الثقافية.‏

وكتب أحمد دوغان مقدمة للكتاب ذكر فيها اهتمام الأدباء بالقصة القصيرة جداً إبداعاً ودراسة، وتساءل هل ثبتت شرعية القصة القصيرة جداً بعد أن رأى عدد من الدارسين والنقاد هلال هذا الجنس الأدبي في سماوات الدوريات والصحف والمنابر؟.‏

وكان منهجه في إعداد الكتاب: أنه يثبت ترجمة للأديب، ويعقبها ببضع قصص قصيرة جداً له، ليطلع القارئ والدارس على إبداع الأديب في هذا المجال، وجاء ترتيب الأدباء ألف بائياً على الشكل التالي: د. أحمد جاسم الحسين، أحمد دوغان، د. أحمد زياد محبك، بشار خليلي، جورج شويط، خليل رحمو العجيلي، سائر جهاد قاسم، سامر أنور الشمالي، سهى جودت، سوزان إبراهيم، ضياء قصبجي، عبد الهادي قاشيط، مايا عبارة، د. محمد جمال طحان، محمد الخلف، محمد قرانيا، محمود علي السعيد، محمود محمد أسد، نجيب كيالي، هيمى المفتي، وصفية محبك، يوسف حطيني.‏

ذكر في آخر الكتاب توصيات الملتقى الأول للقصة القصيرة جداً الذي عقد في حلب عام 2003، وأهم ما جاء في هذه التوصيات: التحضير للملتقيات التي تعقد حول القصة القصيرة جداً سواء على المستوى التنظيمي أو على مستوى الأدباء الذين سيشاركون في نتاجهم، والاطلاع على النصوص التي ستشارك، وكتابة دراسة نقدية عنها، وتغطية الملتقى إعلامياً، ونشر ما يقدم في الملتقى، وتوسيع دائرة الملتقى ليشمل الريف بالإضافة إلى المدن.‏

وبعد أن قرأنا القصص القصيرة جداً التي ضمّها كتاب "قطوف قلم جريء" لمسنا فيها الملامح التالية:‏

1 ـ إن القصص القصيرة جداً تتراوح بين السطر والسطرين والصفحة الكاملة، فقصة "من صبر ظفر" للقاص أحمد جاسم الحسين، تتألف من /18/ كلمة وقصة "مدخل" للقاص محمد الخلف تتألف من /12/ كلمة، وقصة "البيت الأبيض" للقاص سامر أنور الشمالي تتألف من /18/ كلمة.‏

ومن القصص القصيرة جداً التي بلغت الصفحة أو أقل قصص بشار خليلي.‏

إن أقصر هذه القصص تحتوي على شخصية وحدث على أقل تقدير وهما متلازمان مع المكان والزمان، وبتقديري إن خلو (ق ق ج) من هذين الأمرين (الحدث والشخصية) يفقدانها الانتماء لهذا الجنس، وتصبح خاطرة أو نصاً نثرياً جميلاً.‏

وإن استطالة القصة عن الصفحة، واحتواءها على العديد من الشخصيات والأحداث قد يخرجها أيضاً عن الانتماء للقصة القصيرة جداً.‏

وقد لاحظت أن قصر القصة يُسهل علينا نقلها شفاهياً إلى الآخرين وبالتالي تكون متداولة بين الناس، ولقد أعجبتني بعض القصص فقصصتها على معارفي مبرزاً إعجابي بها، وهذه ميزة واضحة للقصة القصيرة جداً!!‏

2 ـ في هذه القصص تفاوت في الشكل والمضمون، وإن الذي أعجبني منها وشدني إليها الإدهاش في الحدث، والتمايز في الفكرة مثل قصص: بشار خليلي، وجورج شويط، وثمة غرائبية وأمور مدهشة في قصص نجيب كيالي.‏

3 ـ قرأنا في بعض أحداث ومواقف خلف الكلمات والسطور، شكّلت في داخلها مجموعة من الصور والمشاهد الرائعة، ممَّا يدل على براعة لدى الكاتب، ومدى تطور موهبته القصصية.‏

4 ـ بعض هذه القصص انتهى نهاية عادية، وبعضها انتهى نهاية مدهشة، ومنها ما انتهى نهاية مغلقة وبعضها بقيت النهاية مفتوحة يستطيع القارئ إكمالها، وقد تميزت بعض قصص أحمد جاسم الحسين بأنها جاءت مفتوحة النهاية بنقاط إذا ما وضعنا مكانها العنوان تكمل القصة مثل قصص "على موعد معها" و"لا أزال على وعدي" و"أقدم قصة قصيرة جداً".‏

يقول في آخر القصة الأولى (اعذرني..... في يوم تشييعك لم أستطع الحضور لأنني كنت.......) ولو وضعنا العنوان لاكتملت القصة!!‏

5 ـ جاءت عناوين القصص شفافة ومعبّرة، ولكن بعض القصص جاءت مثل قصص الأديب أحمد دوغان والقاصة ضياء قصبجي، فقد أورد دوغان خمس عشرة قصة بلا عنوان، وكذلك القاصة ضياء أوردت ثماني قصص، ومن الملاحظ أن هذه القصص المرقمة يجمعها خيط واحد، حيث وجدنا المرأة حاضرة في جميع قصص الدوغان، وهذه الطريقة برأيي ستربك القارئ إذا ما أراد أن يتحدث عن القصة أو يدرسها أو أن يوثقها.‏

6 ـ كُتبت القصص باللغة الفصحى المبسطة، ولم ترد فيها ألفاظ عامية إلا لماماً، ولعل السبب قلّة الحوار فيها.‏

7 ـ شخصيات القصة من البشر ما عدا بعضها جاءت طيوراً وحيوانات وجماداً، ولجوء الكاتب إلى الحيوانات والجمادات يكون أحياناً هروباً من المسؤولية فهو يرمز بهذه الأشياء إلى واقع سياسي أو اجتماعي، أو تلامس شخصيات مهمّة لا يريد أن يصرّح باسمها ومن القصص التي لجأت إلى الرمز قصة "مدخل" لمحمد الخلف الذي استخدم الطيور، وقصة "دهشة" لجمال طحان الذي استخدم العصفور والنملة وقصة "الديك الذي ربح مرتين" لعبد الهادي قاشيط الذي استخدم الديوك والدجاج...! واستخدم يوسف حطيني الرمال في قصة "الرمال".‏

8 ـ وفي بعض القصص أجواء تراثية تربط الماضي بالحاضر، حيث يدل الحدث على فكرة تصلح لكل زمان ومكان كما في قصة "رائحة" للكاتبة سوزان إبراهيم.‏

حيث شم الملك في القصر رائحة كريهة، وبدأ يبحث عن مصدرها، ويتّخذ الإجراءات لإزالتها لكنه لم يفلح، وجاء الجواب من الحكيم الذي رفع سبابته بهدوء مشيراً إلى رواء المالك ثمَّ قال: إنها البطانة يا مولاي!!‏

9 ـ معظم القصص تغرف من الواقع الاجتماعي والسياسي والوطني، فهي على الأغلب قصص واقعية مبنية على السرد بأسلوب سهل وبسيط، ولعلّه من الطرافة بمكان أن تكون القصة القصيرة جداً مادة لكتابة هذا الجنس الأدبي، فقد وردت قصص في هذا الكتاب تدور حول كتابة هذه القصة كما في قصة "على هامش عرس القصة القصيرة جداً، وقصة "أحلام" للدكتور جمال الطحان، وكما في قصة "أقدام قصة قصيرة جداً" للدكتور أحمد جاسم الحسين، وكما في قصة "أمسية قصصية" للقاص محمود محمد أسد.‏

هذه ملامح عامة للقصة القصيرة جداً، يمكن أن تساهم في وضع معالم فنية لكتابة هذا الجنس، لأنها مستخلصة من أكثر من مئة قصة لأدباء من مختلف التوجهات والمستويات الأدبية والثقافية.‏

ولعل هذا الكتاب يكون مرجعاً لكل من يريد أن يقدّم دراسة نقدية للقصة القصيرة جداً لما فيه من عدد وفير من هذا الفن القصصي الجديد، ولو أراد الدارس أو الناقد أن يجمعها مع ترجمة لكتابها لصعب عليه ذلك لذا يعد عمل الأديب أحمد دوغان عملاً هاماً فقد قدّم فيه مجموعة كبيرة طيبة من هذا الفن يستفيد منها كل طالب للقصة القصيرة جداً، سواء كان قارئاً أو ناقداً أو مطلعاً عليها أو على كُتابها، فله جزيل الشكر من القراء عامة ومن الأدباء خاصة....‏

-------
نقلاً عن جريدة الأسبوع الأدبي

جميل السلحوت
09-07-2010, 05:45 PM
القصة القصيرة جدا.. قراءة في التشكيل والرؤية (1/2)
د. حسين علي محمد
القسم الأول(1)
يقول الأديب والعالم الفيزيائي الدكتور أحمد زكي «ليس ألذ في أحاديث الناس من قصة، وليس أمتع فيما يقرأ الناس من قصة، والعقول قد تخمد من تعب، ويكاد يغلبها النوم، حتى إذا قلت قصة ذهب النوم، واستيقظت العقول، وأرهفت الآذان ...» (2).
وإذا كان «فن القصة القصيرة» ـ كما يرى جابر عصفور ـ فنا صعباً «لا يبرع فيه سوي الأكفاء من الكتاب القادرين علي اقتناص اللحظات العابرة قبل انزلاقها علي أسطح الذاكرة‏,‏ وتثبيتها للتأمل الذي يكشف عن كثافتها الشاعرية بقدر ما يكشف عن دلالاتها المشعة في أكثر من اتجاه» (3).
إذا كانت القصة القصيرة كذلك، فإن فن القصة القصيرة جداً أكثر صعوبة؛ لأنه مطلوب من القاص أن يُحقق ذلك في أقل عدد من الكلمات. وهو فن ظهر في السنوات الأخيرة، ينتمي إلى الفنون السردية، ويُحاول مبدعه من خلاله أن يقدم نصا سرديا مكتنزاً في عدد قليل من الكلمات لا يتجاوز مائة كلمة في غالبية الأحوال.
وهذا الفن ليس جنساً أدبيا جديدا مستقلا عن القصة والقصة القصيرة اللتين عرفهما الأدب.. كما أنه ليس تحديثاً لفن المقامات أو ألف ليلة وليلة بطريقة «حداثوية ومعصرنة جدا»(4)، كما يشير أحد الكتاب.
إننا نراه تطويراً لفن الخبر في تراثنا، وبخاصة تلك الأخبار التي كانت تجمع بين السخرية والمُفارقة، ومنها هذه الأخبار الأربعة التي وردت في كتاب «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي:
وقد وضعنا للخبر الأول عنوان [أحمقان، وثالثهما]، وهذا نصه:
حُكي أن أحمقيْنِ اصطحبا في طريق، فقال أحدهما للآخر: تعالَ نتمنَّ على الله، فإنَّ الطريقَ تُقطعُ بالحديث.
فقال أحدُهما: أنا أتمنّى قطائع غنم أنتفعُ بلبنِها ولحمها وصوفِها.
وقال الآخر: أنا أتمنّى قطائعَ ذئابٍ أرسلُها على غَنمِكَ حتى لا تتركَ منها شيئاً.
قال: ويحكَ! أهذا من حقِّ الصحبةِ وحُرمة العشرةِ؟!.
فتصايَحا، وتَخَاصَما، واشتدّت الخصومةُ بينهما حتى تماسكا بالأطواق، ثمَّ تراضَيَا أنَّ أولَ منْ يطلعُ عليهما يكونُ حكَماً بيْنهما، فطلع عليهما شيخٌ بحمارٍ عليهِ زقَّانِ منْ عسل، فحدّثاه بحديثِهما، فنزل بالزّقّين وفتحهما حتى سال العسل على التراب، وقال:
صَبَّ اللهُ دمي مثلَ هذا العسلِ إنْ لمْ تكونا أحمقين!» (5).
وأما الخبر الثاني فقد وضعنا له عنوان [مجنون بني عجل]، وهذا نصه:
حُكِي أن الحجاج خرج يوما متنزها، فلما فرغ من نزهته صرف عنه أصحابه وانفرد بنفسه، فإذا هو بشيخ من بني عجل، فقال له: من أين أيها الشيخ؟ قال: من هذه القرية. قال: كيف ترون عمالكم؟ قال: شر عمال؛ يظلمون الناس، ويستحلون أموالهم. قال: فكيف قولك في الحجاج؟ قال: ذاك، ما ولى العراق شر منه، قبحه الله، وقبح من استعمله! قال: أتعرف من أنا؟ قال: لا. قال: أنا الحجاج! قال: جُعلت فداك! أو تعرف من أنا؟ قال: لا. قال: فلان بن فلان، مجنون بني عجل، أصرع في كل يوم مرتين. قال: فضحك الحجاج منه، وأمر له بصِلة »(6).
وأما الخبر الثالث فقد وضعنا له عنوان [فجعله عذابي!]، وهذا نصه:
قال الأصمعي: رأيتُ بدويّةً من أحسنِ الناسِ وجهاً، ولها زوْجٌ قبيح، فقلتُ: يا هذه! أترضينَ أن تكوني تحتَ هذا؟ فقالتْ: يا هذا! لعلَّهُ أحسنَ إلى اللهِ فيما بينه وبيْنَ ربِّه، فجعلني ثوَابَه، وأسأتُ فيما بيني وبين ربِّي فجعله عذابي، أفلا أرضى يما رضي اللهُ به؟»(7).
والخبر الرابع وقد وضعنا له عنوان «مثل هذا!» يقول:
«قال الجاحظ: ما أخجلتْني إلاَ امرأة مرتْ بي إلى صائغ، فقالت له: اعملْ مثلَ هذا، فبقيتُ مبْهوتاً، ثم سألْتُ الصَّائغَ، فقالَ: أرادتْ هذه المرأةُ أنْ أعملَ صورةَ شيْطان، فقلتُ: لا أدري كيفَ أُصوِّرُهُ، فأتَتْ بكَ إليَّ لأصوِّرَهُ على صورتكَ»(.
***
والقصة القصيرة جدا مع اعتمادها على عناصر القص من شخصيات وأحداث وزمان ومكان وحبكة ونهاية نراها تمتاز بقدرتها على التكثيف الدلالي، وإثارة التأويلات المختلفة، وعنصر المفارقة فيها يُحكٍم استراتيجية النص التي يبغي الكاتب أن يُبرزها بوعي، وتستطيع فاعلية القراءة لاحقاً أن تُشارك الكاتب في تفعيل النص وإثراء دلالاته، اعتماداً على تقاطع المقروء مع مخزون الذاكرة، وما يُثيره من غنى دلالي، في ضوء النص / الزمان / المكان / القارئ .
وقد ظهر هذا الفن بعد سقوط الإيديولوجيات الكبرى‏,‏ ليعبر عن الإنسان العادي (الذي كان يعبر عنه الخبر في التراث)، ويؤكد على القيم الإنسانية التي تنطوي عليها‏ الكتابة الصادقة,‏ التي تتشوق للعدل والحرية‏,‏ وتنحاز إلي المظلومين والهامشيين، وتحاول أن تغمس مدادها في جراح مجتمعها لتكشف عن الأدواء السياسية والاجتماعية التي تستشري، وتصور الهامشيين الذين آن لهم أن ينتصفوا في شعرية شفيفة، أو سخرية مُخادعة تستطيع أن تنجو بهما دائماً من القمع والمصادرة.
وليست القضية ـ كما ينبغي أن تكون ـ قضية تغيير حجم النص المقروء فحسب من الحجم الكبير إلى حجم أقل في القص «فالرغبة الملحة في التغيير لا بد أن يكون وراءها دوافع جوهرية نابعة من متغيرات الحياة التي نعيشها»(9).
ولا تؤدي النماذج المتفوقة من القصص القصيرة جدا ما تريده علي نحو مباشر‏,‏ وإنما تشف عنها بأدوات سردية مقتدرة‏,‏ وبراعة تؤكدها الخبرة والممارسة‏.‏ ولذلك فكتاب القصة القصيرة جدا الناجحون في الساحة هم من تمرسوا سابقاً على كتابة القصة الموباسانية أو القصة الجديدة، وأكثرهم سوءاً هم من دخلوا هذا الفن بلا تجربة سابقة في التعامل مع فنون السرد.
يقول أحد المبدعين المجيدين هذا اللون، وهو عدنان كنفاني:
«وفي سبيل الوصول إلى ذلك لا بد أن نقرر أن الصعوبة تكون مضاعفة، فالكاتب المبدع عليه أن يحمّل نصّه كل تلك الشروط.. "الفكرة، والحدث من خلال التقاط لحظة الومضة، والشخوص، والمكان، والزمان، والعقدة الدرامية، ثم تصاعدها للوصول بها إلى الحلّ.. ويقدح شرارة المفاجأة والإبهار والدهشة في مخيّلة المتلقّي، إضافة إلى الجمل الوصفية، والكلمات الرشيقة، واختيار المواضيع التي تهمّ المتلقّي…الخ ما هنالك من شروط إضافية محببة ومشوِّقة" كل ذلك في جمل قليلة، ومضغوطة لا تسمح باستئصال كلمة واحدة، وإلا تفكك النص..
هي قصّة قصيرة إذن، تنطبق على فنيّتها ذات الشروط التي تنطبق على أيّ قصة قصيرة عاديّة أخرى، وما جاءت كلمة "جدّاً" إلا زيادة في التعريف، وهذا ليس أمراً جديداً مبتدعاً، وليست ولادة لمسخ يدخل على الأدب، كما أنها ليس نتاج عولمة، ولا خصخصة، ولا مستوردة من أسواق الجات أو غيرها، كما جنح البعض في الاتهام.. »(10).
إن فن القصة القصيرة جدا يتطلب من كاتبه الصدق في الطرح، مع العمق حتى يغني نصه بإشراقات تضع الضوء على دلالات النص مباشرة، وترينا ما غرسه في الميدان الأدبي من رايات تخفق بقيم الحق والخير والجمال، ومن خلال إشاراته إلى الحرية و الدعوة للتضامن مع هم الإنسان و صراعه مع قيود زمنه ، وتصوير إحباطاته المتنوعة وهمومه الكثيرة، وأفراحه الصغيرة، من خلال نصوص ينبغي أن تزهو بفنيتها وقدرتها على التعبير السردي المكتمل الموجز.
إن أهمية القصة القصيرة جدا تكمن في أن نصوصها الجيدة تكشف عن تعدّد حقولها الدلالية، وتُساعد القارئ على إعادة إنتاج الرمز الذي ينهض به وعليه، أي فيما يتصل بحال الرسالة التي يُريد المبدع إيصالها إلى المتلقي (أو المتلقين) سواء أكانوا أفراداً، أم مجتمعات، ويُغني النص ـ في حالته هذه ـ عن نصوص سردية طويلة، وإن كان بالطبع لا يمثل إشباعاً فنيا كالقصة الطويلة أو الرواية، إنما حسبه أن يُمتعنا فنيا وجماليا ـ في لحظات ـ بالإضافة إلى المستوى المعرفي اليسير.
فقد يبتعد الإنسان قليلاً أو كثيراً عن النص السردي الطويل فهما لمراميه أو تذوقاً لجمالياته، لأنه يحتاج إلى ساعات طوال، قد لا يكون تركيزه أثناء القراءة على الدرجة نفسها من الانتباه والتيقظ من بداية النص إلى منتهاه، لكن قصر نص القصة القصيرة جدا، الذي يجعل القارئ يطالعه في دقيقة واحدة ـ أو بضع دقائق ـ إذا أعاد تأملها أو قراءتها، يُتيح لـه التعايش مع النص، وتذوقه تذوقاً أقرب إلى الاكتمال.
يقول غسان كنفاني:
«لنتفق أولاً [على] أن مصطلح القصة القصيرة جداً وما يندرج تحت هذا العنوان لا يعني أن "من طرحوه" يبتدعون لوناً أو منهجاً أو جنساًً أدبياً جديداً. ولو عدنا إلى كثير من النصوص القديمة بدءاً مما جاء في (القرآن الكريم)، وكتب السلف، ومواقف الظرفاء، والشعراء، وأصحاب الحاجات في بلاطات الأمراء، وما تمخّض عنها من حكايات لم تكن تتجاوز الجمل القليلة، ولعل كتاب "المستطرف في كل فن مستظرف" لمؤلّفه الأبشيهي خير مثال.. وكذلك بعض النصوص التي جاءت في كتب الخلف وأكثرهم من الكتّاب الكبار محلياً وعالمياً، لوجدنا عشرات من النصوص أمثلة تصلح لتكون قصصاً قصيرة جداً، سمعناها أو قرأناها، وقبلناها، لأنها ببساطة حملت إلينا متعة القصّة مستوفية الشروط الفنيّة، ووصلتنا سهلة ... دون أن يفرضها علينا أحد تحت عنوان "قصّة قصيرة جدّاً" وكأنه مصطلح يوحي بابتداع جنس أدبيّ جديد.. ولعل الكلمة الوحيدة المبتدعة، والتي أثارت جدلاً بدأ ولم ينته هي كلمة "جداً"(11).
وبعيداً عن التنظير للقصة القصيرة جدا، حيث يرفضها البعض، بينما بعض النقاد يميل إلى «هذا النوع الأدبي القادر على حمل الهموم المختلفة اجتماعيةً ووطنية وقومية وإنسانية»(12)، سنحاول أن نحدد بعض سمات هذا الفن المراوغ، موضوعيا وفنيا:
ــــــــــــ
الهوامش:
(1) ورقة ألقيت في قسم الأدب بكلية اللغة العربية بالرياض، في يوم السبت 26/4/2003م، وقد زيدت فيها بعض الفقرات قبل نشرها هنا.
(2) د. أحمد زكي: في السماء، كتاب الهلال (العدد 603)، مارس 2001م، ص5.
(3) د. جابر عصفور: "أوتار الماء" عمل يستحق التقدير، الأهرام ـ العدد 42470، في 17/3/2003م.
(4) نزيه الشوفي: نظرة ما ...القصة القصيرة جدا... والتنظير الفاقع جداً‏، دمشق ‏الأسبوعي‏، ثقافة ‏الثلاثاء 4 أيلول 2001م.
(5) الأبشيهي(شهاب الدين محمد بن أحمد): المستطرف في كل فن مستظرف، تحقيق: د. مفيد محمد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت 1986م، 1/40 ، 41.
(6) السابق، 1/135 .
(7) السابق، 2/57 .
(8) السابق، 2/57 .
(9) د. نبيلة إبراهيم: مستويات لعبة اللغة في القص الروائي، مجلة «إبداع»، س 2، ع 5، مايو 1984م، ص7.
(10) عدنان كنفاني: القصّة القصيرة "جدّاً" إشكالية في النصّ، أم جدليّة حول المصطلح.!، موقع «عدنان كنفاني» على الإنترنت.
(11) السابق.
(12) د. يوسف حطيني: القصة القصيرة جدا عند زكريا تامر، الأسبوع الأدبي، العدد (778)، في 6/10/2001م، (من موقع المجلة على الإنترنت).

جميل السلحوت
09-07-2010, 05:48 PM
محنة القصة القصيرة جدا
ابراهيم سبتي

منقول عن "الحوار المتمدن"
بعد صدور كتاب انفعالات لناتالي ساروت عام 1932. انتبه كتاب القصة الى فن جديد يشبه القصة القصيرة ، لكنه يختلف عنه في بنائها وشكلها اطلق عليه القصة القصيرة جدا . ويعد ( انفعالات ) اول بادرة موثقة تؤرخ لبداية هذا الفن الجديد ، وكانت ترجمته الى العربية في السبعينيات قد نبه القصاصين الى هذا النوع من القص ، فبدات تظهر في الصحف والمجلات المتخصصة ، قصصا قصيرة جدا كان تاثير ساروت واضحا عليها ..
وبالرغم من ان مرحلة الرواد في القصة العراقية كانت تهتم بالنص لابشكله ، فقد ظل تطور النص الشغل الشاغل لقصاصي تلك المرحلة حتى صار من الصعب احداث أي تغيير في التكنيك العام للقصة فظل الاشتغال على النص وحده ، لكن بعض الخروقات قد حدثت في نمط كتابة القصة في ذلك الجيل ، كانت عبارة عن طفرات فنية اشرت مدى الحاجة الى تنويع الأساليب والدخول في تقنية القصة من باب الوعي بضرورة مواكبة تطور الأدب في العالم .. فنشر في الأربعينيات المحامي يؤيل رسام قصصا قصيرة جدا كما يقول الناقد باسم عبد الحميد حمودي ،فعد ذلك بداية لظهور هذا الفن في العراق .. ثم تلاحقت التجارب حتى بلغت درجة كبيرة من النضج الفني في مرحلتي الستينيات والسبعينيات ، فنشرت بثينة الناصري في مجموعتها (حدوة حصان ) الصادرة عام 1974 قصة اسمتها ( قصة قصيرة جدا ) .. ونشر القاص خالد حبيب الراوي خمس قصص قصيرة جدا ضمن مجموعته ( القطار الليلي ) الصادرة عام 1975 ، ونشرها عبد الرحمن مجيد الربيعي في نفس الفترة وكذلك جمعة اللامي واحمد خلف وإبراهيم احمد ..
ويبدو ان تطور وعي القاص واطلاعه على التجارب العربية والعالمية وتحليل النتائج المستخلصة ، أدى الى إنتاج نوع اخر من القصة يختلف كليا عن ما هو سائد أصلا ، مع إن بعض الدلائل تشير الى ان هذا الفن بدأ عراقيا في الأربعينيات ـ مقارنة بظهوره عربيا ـ
لو استثنينا تجربة القاص اللبناني توفيق يوسف عواد الذي اصدر مجموعته القصصية ( العذارى ) عام 1944 واحتوت على قصص قصيرة جدا لكنه اسماها ( حكايات ) .
وكان لمواكبة مجريات العصر والتطور التقني الهائل دوره في ولادة هذا الفن مع عد أي تطور مادي ملموس في الحياة يصحبه تطورا في المجال الادبي حتما ..
وبذلك برزت القصة القصيرة جدا معبرة عن وقائع الحياة السريعة التي تتطلب الاختصار في كل شئ .. فهي ليست وليدة اللحظة إذا ، آو إنها فن سهل الكتابة كما يتصور بعضهم ، بل هي من الفنون الصعبة وعملية التحكم بها لا تقل أهمية وصعوبة عن ابداع أي نص قصصي اخر ، وماتحتويه عناصر القصة ذاتها من مقدمة ومتن وخاتمة وبالتالي فهي تحتاج تكنيك خاص في الشكل والبناء ومهارة في سبك اللغة واختزال الحدث المحكي والاختصار في حجم الكلمات المعبرة عن الموضوعة المطروحة ..
من هنا كان التغيير في شكل القصة مهماً على الدوام كما تقول ناتالي ساروت ( ان مهمة الفن التجديد والتجدد والاستمرار ) في حين ان فن القصة القصيرة جدا سيصبح قديما بعد حين ، بعد ان يكون كتاب القصة قد ابتكروا شيئاً اخر في ضوء الحركة الدائمة للأشياء والمتغيرات السريعة للعصر ..
يقول ابن قتيبة المتوفى عام 276 هجرية بهذا الصدد ( ان كل قديم كان محدثا في زمانه ، كما ان كل مايعد محدثا في زمن ما سيصير قديما بمرور الايام والسنين ) .
فظهور القصة القصيرة جدا ليس غريبا او مفاجئا ( رغم التأثر الواضح بساروت ) لاسيما ان الادب العربي شهد ظهور حركات تجديدية كثيرة وخاصة في الشعر ولكنها لم تؤثر في استمرار يته ولم تهدد وجوده ..
ففي العصر العباسي الثاني ظهرت فنونا شعرية متعددة مثل القوما والدوبيت والكان كان ، وظهرت الموشحات في الاندلس وكانت حينها خروجا على اعاريض الخليل المعروفة ، وظلت محاولات التجديد مستمرة على شكل القصيدة حتى بدايات القرن العشرين حين ظهرت جماعة الديوان وابولو والمهجر ، وفي الاربعينيات ظهرت قصيدة التفعيلة وكانت بمثابة حركة تجديد كبيرة وثورة في مسيرة الشعر العربي التقليدي ولكنها جميعا لم تؤثر في القصيدة العربية وظلت بحور الخليل تمثل ديوان العرب في كل العصور ..
ونؤكد ان فن القصة القصيرة جدا لا يمكن ان يكون بديلا عن القصة القصيرة القائمة بذاتها .. فكل حركة ابداع لابد ان تاخذ حيزها من الانتشار والانفتاح كي تؤسس لها كيانا مستقلا ..
وفي مجال القصة القصيرة جدا ، يحتاج القاص تعاملا خاصا مع معطيات التطور الذي جعله يقتنص اللحظة السريعة ويحولها الى ممارسة فنية تحتوي مواصفات القصة القصيرة ولكن بشكل اخر ..
ان لجوء كتاب القصة الى هذا الفن ليست لانها اقل طولا من القصة المعروفة .. بل لقيمتها الفنية أولا ومهارة كاتبها ثانيا ، ذلك ان القاص لابد ان يتعامل بمهارة بطريقة البناء واختزال الحدث والاشتغال على مساحة اقل لا تحتمل المناورة من المفردات التي تؤدي الى المعاني الكبيرة التي تختصر السرد ، والقدرة على صنع الضربة النهائية بنجاح ..
فكان لابداع القاص عاملا كبيرا في نجاح هذا الفن وتاسيس جنس ادبي مشتق من القصة القصيرة قائم على الالتزام بالقيم الجمالية والوعي ونقل العوالم المادية المحسوسة عبر لغة مكثفة ..
عالميا يمكن عد ناتالي ساروت لها فضل الريادة في هذا الميدان ومن ثم كتبها بورخس وكالفينو وقد اعتمدوا التجريب والغرائبية في اخراج الحدث ومعالجته فنيا مع استخدام اللحظة العابرة كاساس في عملية القص ..
ان كاتب هذا النوع من القصة ، قد التزم بكل محددات فن كتاب القصةالقصيرة جدا واضافوا لها بعدا فنيا يستند الى ثقافة الوعي والسعي للمحافظة على جدية المصطلح .. ان الايقاع السريع للحياة وزيادة الخزين الثقافي للقاص اهلته للقيام بدوره في ابداع القصة القصيرة جدا التي تعتمد التكثيف والاختزال والضربة والمقدرة اللغوية والموضوعة المستندة من الواقع والتخيل وعلى اسس عصرية تقوم على تعقد وتشابك تفاصيل الحياة في ظل التقدم التقني وثورة المعلومات الهائلة ..
وعندما كتبت ساروت قصصها في ( انفعالات ) كان تاثيره مهما في الساحة الادبية الفرنسية والعالمية على حد سواء .. فقد ظهر لون جديد من فنون النثر القصصي حفز الاخرين على الاسهام في ترسيخه وانجاح فنية المصطلح الجديد .. حتى ان ساروت في كتابها اسهمت وبشكل مؤثر ، في اظهار مجموعة جديدة من الادباء الفرنسيين اطلعت بمسؤولية الكتابة الجديدة والدفاع عنها امثال بيكت ـ ميشيل بوتور ـ سارويان ـ سولير .. استخدمت ساروت تقنية متفردة في اظهار الجوانب الغريبة في القصة القصيرة جدا التي يسميها نقاد الادب بالاقصوصة وتتلخص في التكثيف والايحاء والايجاز ..
ومثلت هذه التقنية الانطلاقة الاكيدة لهذا الفن حسب رأي كثير من النقاد منهم توماس بيرنز الذي يقول ( ان سبب صعوبة الاقصوصة يترتب على ايجازها ان تكون العقدة يسيرة مباشرة ورسم الشخصيات موجزا محكما مقيدا بفحوى والعرض بليغا .) .
انتشر هذا اللون القصصي كونه فنا جديدا يستطيع القاص من خلاله اظهار ابداعه وبراعته ، عكس اعتقاد البعض من انه اسهل من القصة القصيرة ويمكن لاي كاتب ولو كان مبتدئا ان يتعامل معه ..
وقد ضجت الصحف الثقافية خلال السنوات الماضية بهذا الفن الجديد ، فكتبه الكثير من القصاصين على اختلاف اعمارهم اضافة الى الكتاب الطارئين على القصة الذين حسبوا انهم وجدوا ضالتهم في القصة القصيرة جدا ..
بعض الذين كتبوا هذا اللون ، اسهم فعلا وبجدارة في ترسيخه وتأسيس قاعدة متينة له من خلال نماذج استوفت شروط كتابته .. في حين توهم البعض الاخر بأن الاستسهال فيه سيضعهم في قائمة المتعاملين معه ..
اعتمد النوع الاول من الكتاب في قصصهم القصيرة جدا على الوحدة الموضوعية والحكاية والتكثيف والايحاء والايجاز والمفارقة ، فجاءت نصوصهم ناضجة مستوفية اسباب نجاحها حتى ان بعضها ترك اثرا لقوتها ولكون كتابها يعون اسرار اللعبة التي تؤهلهم لدخول نادي القصة القصيرة جدا الذي اسسته ناتالي ساروت ..
اما النوع الاخر من الكتاب فقد جاءت كتاباتهم بشكل خواطر فجة او اخبار او مقالة قصيرة سطحية عدوها قصصا قصيرة جدا متناسين ان هذا اللون يعتمد اساسا على الحدث المركز او المفارقة والايحاء وعلى العنوان الذي يعد اهم مفصل من مفاصلها ..
يقول وولتر كامبيل في بحثه الموسوم الشكل في ا لقصة ..
( لدى محاولة كتابة الاقصوصة عليك ان تستعرض وتحلل العشرات منها وتتصفح مجلدات المجلات الادبية وتقرأ ماتجده من الاتجاهات الحديثة لهذا
الشكل .. ) .
ويؤكد كاتب اخر ان انتاج اقصوصة صالحة للنشر يجب ان يكون التفكير فيها كثيرا وكتابتها ببطء وتأن .
وهذا مايؤكد صعوبة هذا الفن لا سيما ان كاتبه يجب ان يعي حقيقة عناصره ومقوماته ويدقق مايكتبه كما يقول باشلار ( المؤلف يجب ان يكون قارئا متيقظا الى اقصى حد ) .
نقديا لم يتم تناول تجارب القصة القصيرة جدا باهتمام يجعله يرصد تلك التجارب كاشفاالجوانب الفنية والتقنية فيها ، فكان تناول ما نشر من تجارب في هذا المجال لا يتعدى كونه مقالات متفرقة لا تدعو الى التركيز على هذا الفن كونه فنا جديدا وصعبا افرزته بعض الاسباب المتعلقة بالتطور السريع للحياة المعاصرة في جيع الاصعدة والوعي الذي وصل اليه كاتب القصة القصيرة الذي ثار على الانماط التقليدية مقتحما اساليب الحداثة المدعومة بالخطابات المعاصرة في تناول لغة القص وبناء النص وصياغة الحكاية ..
فكانت بعض المحاولات النقدية تتناول القصة القصيرة جدا وكأنها خارج نطاق التنظير ولم يتسن لهم اعلان موقف حاسم منها ..
لقد تحمل القاص ضرورات الوعي والتجديد في استنتاج خلاصة الابداع الادبي المعاصر فابصر نتاجه النور بعد محاولات وتردد خشية اقتحام الساحة القصصية الصعبة المرتكزة على مهارة الصنعة وقوانين الكتابة ، فكانت تلك المحاولات قد جاءت معبرة عن ضرورة ملحة في تاسيس جنس ادبي ينتمي الى فن القصة ولكنه يختلف بناء وصياغة .. وكان لابد من ان ينتبه الى هذه المحاولات وتأشيرها وعدها ضربا جديدا تضافرت عدة عوامل على اظهاره بهذا الشكل الذي نراه اليوم من الاهتمام باللغة المصاحبة للضربة النهائية ومختصرة الكثير من المراحل التي تحتاج لها القصة القصيرة ..
فيكون القاص قد ادرك تماما ماذا بوسعه عمله لانتزاع اعجاب الاخر المتحفز لالتقاط مواضع الابهار في النص .
وهذا مااكد عليه بعض النقاد الذين تعمقوا في دراسة النص كوحدة لها خصوصيتها ونجد رولان بارت في كتابه ـ درجة الصفر المئوي ـ يؤكد تلك الحقيقة بقوله ان النص الادبي هو وحدة مستقلة ومتكاملة ..
ان النقد القصصي يمر بخمول نسبي قد يكون متأتيا من عزوف اكثر النقاد عن الكتابة وتاشير تجارب القصة القصيرة جدا تحديدا وتركها تدور حول نفسها اذ لم تجد مايكتب عنها . وليست المشكلة كما يراها البعض في قلة النصوص المنشورة ضمن هذا اللون ، وانما في مستويات الذائقة والرؤية الموضوعية والتقنية التي تقدما هذه النصوص ..
وهكذا يكون النص القصصي القصير جدا قد ألب بعض النقاد عليه في حين صفق له نقاد اخرون وباركوه وعدوه وليدا قويا من رحم القصة القصيرة .. وبرأينا ان هذا الفن قد جسد وعي القاص وامكانية دخوله الى عوالم اخرى من التجدد والابتكار ..

جميل السلحوت
09-07-2010, 05:50 PM
القصة القصيرة جدا جنس أدبي جديد

الدكتور جميل حمداوي
تمهيـــد أولـــــي:
ظهرت القصة القصيرة جدا منذ التسعينيات من القرن الماضي استجابة لمجموعة من الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية المعقدة والمتشابكة التي أقلقت الإنسان وما تزال تقلقه وتزعجه ولا تتركه يحس بنعيم التروي والاستقرار والتأمل، ناهيك عن عامل السرعة الذي يستوجب قراءة النصوص القصيرة جدا والابتعاد عن كل ما يتخذ حجما كبيرا أو مسهبا في الطول كالقصة القصيرة والرواية والمقالة والدراسة والأبحاث الأكاديمية.... كما لم تجعل المرحلة المعاصرة المعروفة بزمن العولمة والاستثمارات والتنافس الإنسان الحالي ولاسيما المثقف منه مستقرا في هدوئه وبطء وتيرة حياته ، بل دفعته إلى السباق المادي والحضاري والفكري والإبداعي قصد إثبات وجوده والحصول على رزقه؛ مما أثر كل هذا على مستوى التلقي والتقبل والإقبال على طلب المعرفة، فانتشرت لذلك ظاهرة العزوف عن القراءة ، وأصبح الكتاب يعاني من الكساد والركود لعدم إقبال الناس عليه، كما بدأت المكتبات الخاصة والعامة تشكو من الفراغ لغياب الراغبين في التعلم وطلبة القراءة والمحبين للعلم والثقافة.
هذا، ولقد تبلور هذا الجنس الأدبي الجديد- على حد علمي- في دول الشام وبالضبط في سورية وفلسطين، ودول المغرب العربي وخاصة في المغرب وتونس على حد سواء. إذاً، ماهو هذا الجنس الأدبي الجديد؟ وماهي خصائصه الدلالية والفنية والتداولية؟ وماهي أهم النماذج التي تمثل هذا المولود الجديد في عالمنا العربي؟ تلكم هي الأسئلة التي سوف نحاول رصدها في مقالنا هذا.
1- تعريف القصة القصيرة جدا:
القصة القصيرة جدا جنس أدبي حديث يمتاز بقصر الحجم والإيحاء المكثف والنزعة القصصية الموجزة والمقصدية الرمزية المباشرة وغير المباشرة، فضلا عن خاصية التلميح والاقتضاب والتجريب والنفس الجملي القصير الموسوم بالحركية والتوتر وتأزم المواقف والأحداث، بالإضافة إلى سمات الحذف والاختزال والإضمار. كما يتميز هذا الخطاب الفني الجديد بالتصوير البلاغي الذي يتجاوز السرد المباشر إلى ماهو بياني ومجازي ضمن بلاغة الانزياح والخرق الجمالي.
2- تعدد التسميات والمصطلحات:
أطلق الدارسون على هذا الجنس الأدبي الجديد عدة مصطلحات وتسميات لتطويق هذا المنتوج الأدبي تنظيرا وكتابة و الإحاطة بهذا المولود الجديد من كل جوانبه الفنية والدلالية، ومن بين هذه التسميات: القصة القصيرة جدا، ولوحات قصصية، وومضات قصصية، ومقطوعات قصيرة، وبورتريهات، وقصص، وقصص قصيرة، ومقاطع قصصية، ومشاهد قصصية، و فن الأقصوصة، وفقرات قصصية، وملامح قصصية، وخواطر قصصية، وقصص، وإيحاءات،والقصة القصيرة الخاطرة، و القصة القصيرة الشاعرية، والقصة القصيرة اللوحة....
وأحسن مصطلح أفضله لإجرائيته التطبيقية والنظرية، و أتمنى أن يتمسك به المبدعون لهذا الفن الجديد وكذلك النقاد والدارسون، هو مصطلح القصة القصيرة جدا لأنه يعبر عن المقصود بدقة مادام يركز على ملمحين لهذا الفن الأدبي الجديد وهما: قصر الحجم والنزعة القصصية.
3- موقف النقاد والدارسين من القصة القصيرة جدا:
يلاحظ المتتبع لمواقف النقاد والدارسين والمبدعين من جنس القصة القصيرة جدا أن هناك ثلاثة مواقف مختلفة وهي نفس المواقف التي أفرزها الشعر التفعيلي والقصيدة المنثورة و يفرضها كل مولود أدبي جديد وحداثي؛ مما يترتب عن ذلك ظهور مواقف محافظة تدافع عن الأصالة وتتخوف من كل ماهو حداثي وتجريبي جديد، ومواقف النقاد الحداثيين الذين يرحبون بكل الكتابات الثورية الجديدة التي تنزع نحو التغيير والتجريب والإبداع والتمرد عن كل ماهو ثابت، ومواقف متحفظة في آرائها وقراراتها التقويمية تشبه مواقف فرقة المرجئة في علم الكلام العربي القديم تترقب نتائج هذا الجنس الأدبي الجديد، وكيف سيستوي في الساحة الثقافية العربية ، وماذا سينتج عن ظهوره من ردود فعل، ولا تطرح رأيها بصراحة إلا بعد أن يتمكن هذا الجنس من فرض وجوده ويتمكن من إثبات نفسه داخل أرضية الأجناس الأدبية وحقل الإبداع والنقد.
وهكذا يتبين لنا أن هناك من يرفض فن القصة القصيرة جدا ولا يعترف بمشروعيته لأنه يعارض مقومات الجنس السردي بكل أنواعه وأنماطه، وهناك من يدافع عن هذا الفن الأدبي المستحدث تشجيعا وكتابة وتقريضا ونقدا وتقويما قصد أن يحل هذا المولود مكانه اللائق به بين كل الأجناس الأدبية الموجودة داخل شبكة نظرية الأدب. وهناك من يتريث ولا يريد أن يبدي رأيه بكل جرأة وشجاعة وينتظر الفرصة المناسبة ليعلن رأيه بكل صراحة سلبا أو إيجابا. وشخصيا ، إني أعترف بهذا الفن الأدبي الجديد وأعتبره مكسبا لاغنى عنه، وأنه من إفرازات الحياة المعاصرة المعقدة التي تتسم بالسرعة والطابع التنافسي المادي والمعنوي من أجل تحقيق كينونة الإنسان وإثباتها بكل السبل الكفيلة لذلك.
ولقد انصبت دراسات كثيرة على فن القصة القصيرة جدا بالتعريف والدراسة والتقويم والتوجيه، ومن أهمها كتاب أحمد جاسم الحسين\"القصة القصيرة جدا/1997م\"، وكتاب محمد محيي الدين مينو\" فن القصة القصيرة، مقاربات أولى/2000م\"، دون أن ننسى الدراسات الأدبية القيمة التي دبجها كثير من الدارسين العرب وخاصة الدكتور حسن المودن في مقاله القيم\" شعرية القصة القصيرة جدا\" المنشور في عدة مواقع رقمية الكترونية كدروب والفوانيس...ومحمد علي سعيد في دراسته \" حول القصة القصيرة جدا\" ، وحسين علي محمد في\" القصة القصيرة جدا، قراءة في التشكيل والرؤية\"،وعدنان كنفاني في\" القصة القصيرة جدا، إشكالية في النص أم جدلية حول المصطلح...!\"، والدكتور يوسف حطيني في\" القصة القصيرة جدا عند زكريا تامر\" ، علاوة على مقالات ودراسات أخرى منشورة هنا وهناك و التي تناولت القصة القصيرة جدا بمقاربات تجنيسية وتاريخية وفنية.
3- رواد القصة القصيرة جدا:
ومن أهم رواد القصة القصيرة جدا نستحضر من فلسطين الشاعر والقصاص فاروق مواسي، ومن سوريا المبدع زكريا تامر، ومحمد الحاج صالح، وعزت السيد أحمد، وعدنان محمد، ونور الدين الهاشمي، وجمانة طه، وانتصار بعلة ،ومحمد منصور، وإبراهيم خريط، وفوزية جمعة المرعي. ومن المغرب نذكر حسن برطال في مجموعة من أقاصيصه المتميزة بالروعة الفنية وهي منشورة في عدة مواقع رقمية وخاصة موقع دروب ، وسعيد منتسب في مجموعته القصصية ( جزيرة زرقاء 2003م)، وعبد الله المتقي في مجموعته القصصية( الكرسي الأزرق 2005م)، وفاطمة بوزيان في كثير من لياليها وكتاباتها الرقمية المتنوعة. ومن تونس لابد من ذكر الكاتب الروائي والقصاص المقتدر إبراهيم درغوثي. ومن السعودية لابد من ذكر فهد المصبح في مجموعته القصصية(الزجاج وحروف النافذة)...
4- الخصائص الفنية والشكلية:
تعرف القصة القصيرة جدا بمجموعة من المعايير الكمية والكيفية والدلالية والمقصدية والتي تحدد خصائصها التجنيسية والنوعية والنمطية:
أ‌- المعيار الكمــــــي:
يتميز فن القصة القصيرة جدا بقصر الحجم وطوله المحدد، ويبتدئ بأصغر وحدة وهي الجملة كما في قصة المغربي حسن برطال\"حب تعسفي\": \" كان ينتظر اعتقالهما معا...لتضع يدها في يده ولو مرة واحدة\"، إلى أكبر وحدة قد تكون بمثابة فقرة أو مقطع أو مشهد أو نص كما عند فاروق مواسي وسعيد منتسب وعبد الله المتقي وفاطمة بوزيان. وغالبا لا يتعدى هذا الفن الأدبي الجديد صفحة واحدة كما عند زكريا تامر وإبراهيم درغوثي وحسن برطال في \"ماسح الأدمغة\" و\"كلاب الگرنة\". وينتج قصر الحجم عن التكثيف والتركيز والتدقيق في اختيار الكلمات والجمل والمقاطع المناسبة واجتناب الحشو والاستطراد والوصف والمبالغة في الإسهاب والرصد السردي والتطويل في تشبيك الأحداث وتمطيطها تشويقا وتأثيرا ودغدغة للمتلقي. ونلاحظ في القصة القصيرة جدا الجمل القصيرة وظاهرة الإضمار الموحي والحذف الشديد مع الاحتفاظ بالأركان الأساسية للعناصر القصصية التي لايمكن أن تستغني عنها القصة إلا إذا دخلت باب التجريب والتثوير الحداثي والانزياح الفني.
ب‌- المعيار الكيفـــي أو الفنــي:
يستند فن القصة القصيرة جدا إلى الخاصية القصصية التي تتجسد في المقومات السردية الأساسية كالأحداث والشخصيات والفضاء والمنظور السردي والبنية الزمنية وصيغ الأسلوب، ولكن هذه الركائز القصصية توظف بشكل موجز ومكثف بالإيحاء والانزياح والخرق والترميز والتلميح المقصدي المطمعم بالأسلبة والتهجين والسخرية وتنويع الأشكال السردية تجنيسا وتجريبا وتأصيلا. وقد يتخذ هذا الشكل الجديد طابعا مختصرا في شكل أقصوصة موجزة بشكل دقيق في أحداثها كما في مقطع حسن برطال من نص:? حرب البسوس?:
\" السهام تنطلق...تضرب... الحناجر تصيح...? حبي ليك...يابلادي، حب فريد...? السهام تضرب... الأيادي تتشابك...? حبي ليك...يابلادي،حب عنيف...? السهام تضرب... الأجساد تتناطح...? الحب الغالي...ما تحجبو الأسوار...? انتهت المعركة...جثث هنا وهناك...صمت... جسد تحرك...لازالت فيه روح...حمل اللواء ثم قال:
- باسمكم جميعا نشكر مجموعة السهام...انه منظم الحفل...\".
يصور هذا المقطع القصصي القصير حدث الحرب بخاصية السخرية والتلوين الأسلوبي الكاريكاتوري والإيجاز المكثف بحمولات مرجعية انتقادية قوامها التهكم والأسلبة والتهجين والتكرار الساخر، وتوظيف مستويات لغوية مختلفة من أجل خلق باروديا نصية تفضح صيرورة التناقض والخلاف العربي. وعلى الرغم من هذا القصر الموجز، فالنص يحتوي على كل مقومات الحبكة السردية من أحداث وشخصيات وفضاء ومنظور سردي وكتابة أسلوبية متنوعة.
ويتخذ فن القصة القصيرة جدا عدة أشكال وأنماط كالخاطرة والأقصوصة واللوحة الشعرية واللغز والحكمة والمشهد الدرامي وطابع الحبكة السردية المقولبة في رؤوس أقلام كما في (ميركافا) لحسن برطال:\" كان يتكلم عن وقائع المعركة...صلبة المقاتلين...خيانة الجيش... ثم الهزيمة...\". ومن الأمثلة على اللوحة الشعرية قصة (في حوض الحمام) للكاتبة المتميزة فاطمة بوزيان التي كتبت بطريقة شاعرية تعتمد على التكرار وموسقة الحروف والانزياح البلاغي:
كان يشعر أن الماء الساخن يذيب كل شحمه الفائض...
يذيب كل تعبه...
يذيب شكوكه..
يذيب سوء التفاهم الذي بينه وبين البسكويت!
ي
ذ
و
ب
صار ماء لاطفولة له
فجأة تذكر مجرى الحوض
هب خائفا فعاد إليه
شحمه
تعبه
شكوكه
وسوء التفاهم الذي بينه وبين البسكويت
وتظهر هذه الشاعرية أيضا في( عروض خاصة) لفاطمة بوزيان:
في لحظات وحدته القصوى
كان يخرج هاتفه المحمول
ويضغط على أزرار الرقم المجاني
حيث الصوت الأنثوي الرخيم
يذكر بالعروض الخاصة
وكان يتذكر الأنثى والأمور الخاصة
وقد تتحول القصة القصيرة جدا إلى لوحة تشكيلية كما في( عولمة ) للكاتبة المغربية فاطمة بوزيان:
هم الأستاذ بالكتابة على السبورة تكسر الطبشور
حاول الكتابة بما تبقى في يده، خربش الطبشور
السبورة في صوت مزعج
اغتاظ . والتفت على يمينه قائلا
- اتفو على التخلف في زمن العولمة يسلموننا.
كما تتجسد القصة القصيرة جدا في عدة مظاهر أجناسية وأنماط تجنيسية كالقصة الرومانسية والقصة الواقعية والقصة الفانطاستيكية والقصة الرمزية والقصة الأسطورية، كما تتخذ أيضا طابعا تجنيسيا في إثبات قواعد الكتابة القصصية الكلاسيكية، وطابعا تجريبيا أثناء استلهام خصائص الكتابة القصصية والروائية المعروفة في القص الغربي الجديد والحداثي، وطابعا تأصيليا يستفيد من تقنيات التراث في الكتابة والأسلبة.
هذا، وتتميز الجمل الموظفة في معظم النصوص القصصية القصيرة جدا بالجمل الموجزة والبسيطة في وظائفها السردية والحكائية، حيث تتحول إلى وظائف وحوافز حرة بدون أن تلتصق بالإسهاب الوصفي والمشاهد المستطردة التي تعيق نمو الأحداث وصيرورتها الجدلية الديناميكية. وإذا وجدت جمل مركبة ومتداخلة فإنها تتخذ طابعا كميا محدودا في الأصوات و الكلمات والفواصل المتعاقبة امتدادا وتوازيا وتعاقبا. وتمتاز هذه الجمل بخاصية الحركة وسمة التوتر والإيحاء الناتج عن الإكثار من الجمل الفعلية على حساب الجمل الاسمية الدالة على الثبات والديمومة وبطء الإيقاع الوصفي والحالي والاسمي. ويتميز الإيقاع القصصي كذلك بحدة السرعة والإيجاز والاختصار والارتكان إلى الإضمار والحذف من أجل تنشيط ذاكرة المتلقي واستحضار خياله ومخيلته مادام النص يتحول إلى ومضات تخييلية درامية وقصصية تحتاج إلى تأويل وتفسير واستنتاج واستنباط مرجعي وإيديولوجي. ويتحول هذا النص القصصي الجديد إلى نص مفتوح مضمن بالتناص والحمولات الثقافية والواقعية والمستنسخات الإحالية خاصة عند الكاتب المغربي حسن برطال كما في( الثأر)،و( ماسح الأدمغة)، و( ثلاث زيارات لملاك الموت)،و(ميركافا)،و( الضمير المنفصل...لايستحق أن يكون كلمة)،و( مي شدياق)...، لذلك يحتاج هذا النص التفاعلي إلى قراءات عديدة وتأويلات مختلفة تختلف باختلاف القراء والسياقات الظرفية. ويساهم التدقيق والتركيز في خلق شاعرية النص عبر مجموعة من الروابط التي تضفي على النص الطابع القصصي والتراتبية المنطقية والكرونولوجية، بله عن خاصية الاختزال والتوازي والتشظي البنائي والانكسار التجريبي.
ومن حيث البلاغة ، يوظف الكاتب في نصه الأجناسي الجديد المجاز بكل أنواعه الاستعارية والرمزية من أجل بلورة صورة المشابهة وصورة المجاورة وصورة الرؤيا القائمة على الإغراب والإدهاش والومضات الموحية الخارقة بألفاظ إنشائية أو واقعية تتطلب تأويلات دلالية عدة لزئبقيتها وكثافتها التصويرية بالأنسنة والتشخيص والتجسيد الإحيائي والتضاد والانزياح والتخييل . ويمكن الحديث أيضا عن بلاغة البياض والفراغ بسبب الإضمار والاختزال والحذف . وكل هذا يستوجب قارئا ضمنيا متميزا ومتلقيا حقيقيا متمكنا من فن السرد وتقنيات الكتابة القصصية. كما ينبغي أن تكون القراءة عمودية وأفقية متأنية عالمة ومتمكنة من شروط هذا المولود الجديد، وألا يتسرع القارئ في قراءته وكتابته النقدية على الرغم من كون القصة القصيرة جدا هي كتابة سريعة أفرزتها ظروف العولمة وسرعة إيقاع العصر المعروف بالإنتاجية السريعة والتنافس في الإبداع وسرعة نقل المعلومات والخبرات والمعارف والفنون والآداب.
ج- المعيار التداولي:
تهدف القصة القصيرة جدا إلى إيصال رسائل مشفرة بالانتقادات الكاريكاتورية الساخرة الطافحة بالواقعية الدرامية المتأزمة إلى الإنسان العربي ومجتمعه الذي يعج بالتناقضات والتفاوت الاجتماعي، والذي يعاني أيضا من ويلات الحروب الدونكيشوتية والانقسامات الطائفية والنكبات المتوالية والنكسات المتكررة بنفس مآسيها ونتائجها الخطيرة والوخيمة التي تترك آثارها السلبية على الإنسان العربي ، فتجعله يتلذذ بالفشل والخيبة والهزيمة والفقر وتآكل الذات... كما ينتقد هذا الفن القصصي الجديد النظام العالمي الجديد وظاهرة العولمة التي جعلت الإنسان معطى بدون روح، وحولته إلى رقم من الأرقام، وبضاعة مادية لاقيمة لها، وسلعة كاسدة لاأهمية لها . وأصبح الإنسان- نتاج النظام الرأسمالي \"المغولم \" - ضائعا حائرا بدون فعل ولا كرامة، وبدون مروءة ولا أخلاق، وبدون عز ولا أنفة، معلبا في أفضية رقمية مقننة بالإنتاجية السريعة والاستهلاك المادي الفظيع ، كما صار مستلبا بالآلية الغربية الطاغية على كل مجتمعات العالم \"المعولمة\" اغترابا وانكسارا.
5- الخصائص الدلالية:
يتناول فن القصة القصيرة جدا نفس المواضيع التي تتناولها كل الأجناس الأدبية والإبداعية الأخرى، ولكن بطريقة أسلوبية بيانية رائعة تثير الإدهاش والإغراب والروعة الفنية، وتترك القارئ مشدوها حائرا أمام شاعرية النص المختزل إيجازا واختصارا يسبح في عوالم التخييل والتأويل، يفك طلاسم النص ويتيه في أدغاله الكثيفة، ويجتاز فراديسه الغناء الساحرة بتلويناتها الأسلوبية، يواجه بكل إصرار وعزم هضباته الوعرة وظلاله المتشابكة. ومن المواضيع التي يهتم بها هذا الفن القصصي القصير جدا تصوير الذات في صراعها مع كينونتها الداخلية وصراعها مع الواقع المتردي، والتقاط المجتمع بكل آفاته، ورصد الأبعاد الوطنية والقومية والإنسانية من خلال منظورات ووجهات نظر مختلفة،ناهيك عن تيمات أخرى كالحرب والاغتراب والهزيمة والضياع الوجودي والفساد والحب والسخرية و التغني بحقوق الإنسان...
استنتاج تركيبي:
وفي الأخير، نسجل ناصحين وموجهين أنه آن الأوان لتوسيع شبكة الأجناس الأدبية و تمديد رقعة نظرية الأدب بفنون جديدة أفرزتها ظروف العصر وسرعة إيقاع الحياة المعاصرة التي تفرض علينا شروطها ومتطلباتها التي لا يمكن الانسلاخ عنها أو تجنبها، فلا بد إذاً من التكيف والتأقلم مع مستجدات السياق الزمني الآني خاصة الفنية والأدبية منها، ولابد للمؤسسات التربوية الجامعية والثانوية والإعدادية والابتدائية والمؤسسات الثقافية الخاصة والعامة أن تعترف بكل المنتجات الجديدة في عالم الإبداع سواء أكان ذلك مستوردا من الحقل الغربي أم مستنبتا في الحقل العربي ، وذلك بالتعريف والدراسة والتشجيع وفرضها في المقررات والمناهج والبرامج البيداغوجية والديداكتيكية. ومن هذه الأشكال الأدبية التي نرى أنه من الضروري الاعتراف بها نستحضر أدب الخواطر وأدب اليوميات وأدب المذكرات وفن التراسل والأدب الرقمي وفن القصة القصيرة جدا و فن الزجل والقصيدة النثرية.

المصدر: مجلة أقلام

جميل السلحوت
09-07-2010, 05:53 PM
ماهية القصة القصيرة جدا ( للكاتب محمد معمري )
اختلف الكثير ممن كتبوا عن منبع هذا الفن ؛ فمنهم قال بأنه أتانا من أمريكا.. ومنهم من قال : أنه أتانا من الغرب.. ولا نجد من يقول أنه تراث عربي قديم ، دون أن يُلغي تراث الشعوب الأخرى.. ومهما يكن فشمس العرب تسطع من الغرب !..
ولا يفوتنا أن ميزة العرب من بين الشعوب كلها من لهم القدرة على وصف وتقصي الخبر والأثر كأنهم يمثلون فوق الخشبة ، أو كشاهد عيان .. وهذا راجع إلى قاموس اللغة العربية الزاخر بكل آليات التعبير التي يحتاجها الفيلسوف ، والأديب ، والشاعر ، والقاص...
وإذا كان البعض لا يهمه هذا الفن فتلك حرية الفرد التي تندرج ضمن اهتماماته وهواياته.. ولا يمكننا أن نتهمهم بكرههم ، أو عدم قبولهم لهذا الفن ! فهم فقط لا يهمهم الأمر إما مؤقتا أو إلى أجل مسمى... وكل إنسان قد يحب فنا، ولا يهتم بفن آخر...
والكثير ممن يكتبوا في هذا الفن ليسوا محنكين ، وإنما هواة.. يقرءون ويكتبون اقتداء.. وربما الاقتداء يكون في غير محله ! وهناك فئة أخرى تلج هذا الفضاء من بابه الواسع وتريد فرض وجود "الأنا".. ولكن سرعان ما يتضح أنهم ليسوا على شيء في هذا الفن الذي إن شئت قلت أن رواده قلائل جدا ً جداً ..
ورغم قصر النص فالقواعد العرفية التي يجب أن يخضع لها الكاتب في هذا المضمار جمة للغاية ؛ وهي ما سنتطرق إليها كماهية لهذا الفن .

* أنواع القصة:
كما أن القص ليس هو نمط واحد ، بل هناك أنماط كثيرة مثل :
القصة قصيدة ، النثر القصصي ، القصة الشاعرية ، القصة...
وعندما نقرأ هذه الأنماط يقع لنا ارتباك في الحكم على نوع القصة ! وأكثرنا نجده عندما يرتبك يرد على صاحب النص أنه يقرب إلى الخاطرة من القصة... والسبب أن هذه الأنواع تخضع للصيغ الشعرية ، والإيقاع النثري، والتقابل والتوازي... مما يجعل أسلوب القص يبتعد عن المألوف ويقترب من أسلوب الشعر...

* أركان القصة:
* لقد حدد الدكتور أحمد جاسم الحسين أركان القصة القصيرة جدا في:
1- القصيصة، 2- الجرأة، 3- الوحدة، 4- التكثيف.

* وحددها المبدع سليم عباسي في :
1- عنوان يخفي صدمة الخاتمة ، 2- الحكائية ، 3- المفارقة ،4- السخرية، 5- التكثيف، 6- الأنسنة، 7- الرمز، 8- الإيماء والتلميح والإيهام، 9- خاتمة مدهشة.
* وحددها الأستاذ نبيل المجلي في:
1- الحكائية، 2- التكثيف، 3- الوحدة، 4- المفارقة، 5- فعلية الجملة.

* وحددتها الدكتورة لبانة الموشح في:
1- الحكاية، 2- التكثيف، 3- الدهشة

* وحددتها الناقدة "بيوليطا روخو"، من فنزويلا، في :
1- المساحة النصية، 2- الحبكة، 3- البنية، 4- الأسلوب، 5- التناص.

* وحددها "لويس بريرا ليناريس" في:
1- عنصر الدهشة، 2- العلاقة بين العنوان والحبكة والنهاية، 3- تركيب الجمل داخل النص، 4- اجتناب الشرح والتوسع، 5- تنوع النهاية، 6- القاعدة السردية، 7- النص القصير جدا ليس نكتة.

* وحددها الناقد "راوول براسكا"، من الأرجنتين، في:
1- الثنائية – تتمثل في حادثتين متقابلتين-، 2- التناص، 3- الانزياح.

* وحددها الناقد "لاوروز زافلا"، من المكسيك، في:
1- الإيجاز، 2- الإيحاء، التناص، 3- الطابع التقطيعي، 4- الطابع الديداكتيكي.

ولكن هنا نجد خلطا بين الأركان والمميزات! لذلك نستطيع أن نستخرج من هنا القواعد والمميزات:
- الأركان:
1- عنوان له علاقة بين الحبكة والنهاية يخفي المفاجأة، 2- السرد، 3- الحبكة، 4-التكثيف، 5- الرمز، 6- التناص، 7- المقابلة، 8- البنية، 9- المفارقة، 10- خاتمة لها علاقة مع العنوان ومفاجئة، 11- التصوير البلاغي، 12- الانزياح التركيبي...

- المميزات:
1- عدم الشرح والتوسع، 2- تركيب الجمل داخل النص، 3- الأسلوب، 4- الجرأة، 5- الوحدة، 6- فعلية الجملة، 7- الإيماء والتلميح والإيهام، 8- الإيجاز، 9- الإيحاء، 10- السخرية؛ وأحبذ شخصيا السخرية في القصة البسيطة، 11- الوصف المقتضب، 12- الإيقاعية...

* أقسام القصة وفروعها:
يقع الكثير في الحكم الخاطئ على قصة لأنه يجهل تماما أقسام القصة وفروعها؛ ولا أقصد أنواع القصة التي تعني القصة، القصة القصيرة، الرواية..
وبالتالي فالقصة تنقسم إلى قسمين:
1- القصة المركبة:
إن القصة المركبة هي التي تتوفر فيها كل عناصر القص، وهي التي تحتمل تأويلات كثيرة؛ وستأتي نقط عناصر القص في مكانها المناسب.
والقصة المركبة بدورها تتفرع إلى فروع؛ ومن بين هذه الفروع نجد: المعقدة، الرمزية، المشفرة، النثرية، القصيدة...
نستنبط منها الحكمة، الموعظة، التجربة، وتفتح أمامنا عالم الفكر...

2- القصة البسيطة:
إن القصة البسيطة هي التي تتوفر فيها كذلك عناصر القص، إلا أنها لا تحتمل التأويلات، ونستنبط منها كذلك الحكمة، الموعظة...
وهي كذلك تتفرع إلى عدة فروع؛ ومن بينها نجد: النكتة، النوادر، الطرائف، وهذا النوع يسلي القارئ لأنه يتميز بسخريته ولا يخلو هو الآخر من الحكمة والموعظة... وكذلك الحب، المشاكل، الحوادث، الخبر... وكلها ينتهي القارئ منها بانتهاء القراءة ويفهم ما هو مكتوب لأنها لا تفتح الآفاق أمام القارئ...

ومن خلال ما هو مركب وبسيط نستطيع تقسيم القصة إلى ما هو ثقافي، سخري، طفولي، شعبي، اجتماعي، سياسي...


وبما أن هذا الفن أعتبره وليدا يحتاج إلى عناية كبيرة أرى أن يكون بين عشاق هذا الفن روح التوجيه؛ بحيث كل كاتب ينطلق من فكرة أن ما يكتبه يحتاج إلى تعديلات ينتظرها من زملائه بالملاحظات والنقد اللذان ليسا سوى توجيه إلى فضاء قد يفتح أمام الكاتب آفاقا جديدة فتتولد في نفسه معاني جديدة لهذا الفن، وليس من الضروري أن تكون كل الملاحظات والانتقادات صائبة نظرا للمولود الجديد الذي الكل يجهل مصيره في المستقبل... من هذا الباب يجب على كل كاتب في هذا المضمار أن تكون له رغبة شديدة في نقد نصوصه حتى يستفيد الجميع من الأخطاء التي طالما نراها ممدوحة بمجاملات لا تخدم لا هذا الفن، ولا الكاتب، ولا القارئ.. ولكن الملاحظات والانتقادات يجب أن تكون مبرهنة بالدلائل العرفية والمتداولة...

ونطرح السؤال: لماذا كل هذه الشروط لبناء عالم فن وليد؟
ويكون الجواب لأنه فن يطلب من القارئ بسرعة فائقة تقويم النص، وتشخيص عيوبه كأنه مقطع صغير لمعزوفة يعرفها الكل؛ إذا ما سقط الميزان في العزف ترى النفوس قد توقفت عن الحركة التي شحنتها بها الموسيقى.. ومن ثم تراها غضبت أو اشمأزت...

إلى حد هنا أكون قد ساهمت في إيصال ماهية القصة القصيرة جدا بشكل وجيز؛ حيث بينت أنواع القصة التي أقصد بها القصة قصيدة، النثر القصصي، القصة الشاعرية، القصة... وأركان القصة التي قدمت فيه رؤِية خاصة بأركان القصة القصيرة جدا، ومميزاتها.. ثم أقسامها التي أقصد بها ما هو مركب وفروعه، وما هو بسيط وفروعه؛ وقد رأيت أن أضع السخرية في البسيط، وهذا ليس قطعا، وإنما أردت أن لا يفهم من السخرية النكتة، وقد تكون السخرية في المركب ولكن حتما يكون مستواها عاليا جدا...
وفي الأخير أرى أن تفتح قلوب عشاق هذا الفن للتوجيه قبل أن يفطم الرضيع، أو يشب على حب الرضاع.

جميل السلحوت
09-07-2010, 05:56 PM
القصة القصيرة جدا
حوار مع حسين المناصرة
حوار هيام المفلح ( قاصة وإعلامية سعودية)
( 1 )

ما الذي يعنيه لك مصطلح "قصيرة جدا" ؟

يحدد مصطلح "قصيرة جدا " جماليات جنس أدبي سردي هو " القصة القصيرة جدا " في مواجهة الجماليات السردية الأخرى التي من ببينها على وجه التحديد : الرواية، والقصة، والقصة القصيرة ، فتقع بنية القصة القصيرة جدا – ضمن هذا التحديد- في المستوى الرابع من جهة نوعية الحجم التنازلية من الأوسع إلى الأضيق ؛ وبذلك تغدو القصة القصيرة جدا أصغر حجم يمكن تصوره في مجال سياق القص بمفهومه العام داخل دائرة السرد المتعددة الأجناس ، والتي تضم إلى جانب القص ، السيرة الذاتية ، والحكاية ، والمسرحية .. الخ .
في ضوء ما سبق يعني لنا تحديد هذا المصطلح أن نفرض جماليات خاصة تعنى بهذا النوع من السرد ، ربما من أبرزها: تحقيق درجة عالية من التكثيف اللغوي والاختزال في المضامين ، بحيث تكون القصة القصيرة جداً في حدود مئة كلمة ؛ و تحقيق درجة عالية من الشعرية في اللغة والدلالات عن طريق تشكيل الإيقاع اللغوي الحاد في موسيقاه الخارجية والداخلية؛ وتحقيق درجة عالية من الكسر والتجاوز لتقليدية الزمكانية والحدث والشخصية و اللغة التقريرية المباشرة .. ؛ وتحقيق درجة عالية من الانفتاح على مفهوم التجريب في سياق ما يعرف بجماليات الحداثة الأدبية ؛ وتحقيق درجة عالية من الانفتاح - إلى حدود الحيرة - في تجنيس هذا النوع من القص ، لأنه يتكئ على تداخل الأجناس الأدبية وغير الأدبية مما يشكل مفهوم "النص المفتوح " في حقل حساسية الكتابة الجديدة .
على هذا النحو تبدو جماليات القصة القصيرة جداً جزءاً حميماً من تعريف هذا المصطلح الذي يعني كما أسلفت استحضار جماليات خاصة بجانب تحقق الجماليات العامة التي تتصف بها السرديات على وجه العموم .

(2)

هل تفضل تسمية "القصة القصيرة جدا " على"القصة الصغيرة" أو "الأقصوصة " ؟

أعتقد أن مصطلحي" القصة الصغيرة " و" الأقصوصة" ،غير صالحين الآن على أية حال في الدلالة على مفهوم القصة القصيرة جداً، بصفته مصطلحاً شائعاً إلى حد ما ، وذلك لسببين : الأول : أن مصطلح القصة القصيرة جداً يكاد يكون مصطلحاً محورياً مستقراً في تجنيس هذا الشكل من الكتابة، ومن هنا يصبح الترادف في المصطلحات عبئا قد يسبب الإرباك والبلبلة، كما هو الحال في " قصيدة النثر" و "الشعر المنثور" و "النثر الشعري" و "النثيرة" … والثاني يخص دلالات المصطلحين المذكورين ، حيث يمكن أن تكون الأقصوصة دالة على قصة مكتوبة في صفحتين مثلا ، وهذه الدلالة لا تصلح بكل تأكيد في مجال القصة القصيرة جداً ، لأن مصطلح الأقصوصة قد يرادف في بعض الأحيان مصطلح " القصة القصيرة " . وكذلك يعد مصطلح "القصة الصغيرة " مصطلحا عير دال في الإبداع ، وإن كان من الممكن أن يكون دالاً في مجال قصة الأطفال مثلاً، لأن المعنى العام للصغير يكاد ينحصر في العمر لا في المساحة أو الحجم.
ومادام المصطلح قد استقر نسبياً في الإبداع والنقد ، فإنه يصعب علينا أن نفضل عليه مصطلحا آخر ، لم يحقق وجوده الفعلي على مستوى الشيوع والتكرار في الاستخدام ، من هنا اقترح على من يستخدم أحيانا هذين المصطلحين الغريبين إلى حد ما عن حيز القصة القصيرة جداً بمفهومها الواضع ، أن يفكر ملياً ويتراجع عن إطلاق التسميات الجزافية ، سواء أكانت التسمية عن طريق هذين المصطلحين أم عن طريق غيرهما ، إذ هناك عشرة مصطلحات أخرى – على الأقل - سميت بها القصة القصيرة جدا !!

(3)

ما العلاقة بين القصة القصيرة جدا والقصيدة الومضة واللقطة السينمائية ؟

تبدأ العلاقة الحميمة بين هذه الأجناس الثلاثة انطلاقا من كونها إنتاج الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين على وجه التحديد ، ففي هذه الفترة الزمنية مالت الفنون الأدبية والتصويرية إلى الاقتصاد كثيراً في تكويناتها الجسدية ، فتواصل بعض المبدعين مع الحالة الإبداعية الجديدة التي تتشكل من خلال إيقاع " الدفقة "؛ سواء أكانت هذه الدفقة شعرية أم نثرية أم تصويرية .. الخ . من هنا نجد التداخلات الجمالية والرؤيوية كبيرة بين هذه النصوص ، التي قد تغدو بدورها نصاً شاملاً ، يصلح أن ينظر إليه على أساس أنه قصة قصيرة جداً من زاوية ، وقصيدة نثرية ومضية من زاوية أخرى ، ولقطة سينمائية من زاوية ثالثة .. ولايعني هذا التوصيف أن تكون حدود هذه النصوص ضيقة فعليا،فهي إن كانت ضيقة من جهة الحجم ، فإنه يفترض بها أن تكون من خلال لغتها منتمية إلى " جوامع الكلم " التي ألفاظها محدودة ، و معانيها ودلالاتها متشعبة وعميقة .
وبكل تأكيد فإننا حين التأمل في هذه الظاهرة النصية الجديدة ، سنجد الحالة الجمالية للنص القصير جداً - مهما تكن ملامح شكله - منسجمة إلى حد كبير جداً مع المقولة البلاغية العربية المشهورة : "خير الكلام ما قل ودل" ، وبذلك "تتكرس" من الناحية الجمالية العلاقة بين الأثافي الثلاث ( القصة القصيرة ، والقصيدة الومضة ، واللقطة السينمائية ) في كونها تشترك معا في تحقيق هذه المقولة الجمالية قديما وحديثا . يضاف إلى ذلك أن عناصر اللغة التصويرية المكثفة ، والإيقاع المتوتر السريع ، و الصدمة الإبداعية العالية ، والرؤية العميقة المفعّلة جمالياً عن طريق الإيحاء والرمز والغموض ، وصفة الانفتاح على الأجناس الأدبية المختلفة.. كلها عناصر جمالية مشتركة تدفع باتجاه تكوين العلاقة الحميمة بين هذه الأجناس الثلاثة ، فلا نعود من منظور إيجابي قادرين على أن نميز كثيراً بين القصة القصيرة جدا والقصيدة الومضة، أو بينهما وبين اللقطة السبنمائية التي ارتفعت درجة حساسيتها في النصوص العربية التجريبية الجديدة، وذلك انطلاقا من كونها تشترك في جماليات انضوائها تحت مفهوم " النص المفتوح" .

( 4 )

هل القصة القصيرة جدا نص مكتمل ؛ أم هي مشروع نص قصصي ؟

يبدو أننا نبالغ إذا تحدثنا عن القصة القصيرة جداً بصفتها نصاً مكتملاً في الوقت الراهن ، فالنص المكتمل – عموما – سواء أكان نصا إبداعيا أم نقديا هو نص أسطورة أو خرافة،فالكتابة الجديدة مهما كان شكلها ، على وجه العموم، هي كتابة تفترض نفسها غير مكتملة ، لأنها كتابة تجريبية تسعى إلى عدم التشكل في معايير جمالية ثابتة، وهذه الحالة ستعني إلى حد ما – من وجهة نظري - أن الكتابة الجديدة ستبقى في حدود مشروع النص، أو بالأحرى هي نص التجريب في الحساسية غير المكتلة أو فيما سمي "الكتابة عبر النوعية " ، وهنا نتصور جماليات هذه الكتابة تبحث دوما في أسلوب من أساليب التمرد على تشكلها في ذاتها بوصفها نصوصاً نزقة لا تخضع للمعايير الجمالية النقدية المألوفة ، أي أننا ما زلنا نتكهن تجريبياً بالجماليات التي تخص القصة القصيرة جداً ، وقد ينطبق هذا على القصة القصيرة عموما ؛ لأنها فن وسطي، ظلم بوقوعه بين عملاقي الإبداع الشعر والرواية ؛ لذلك ما زال هذا الفن يستعير جمالياته من هنا أوهناك ، ففيه قدر من جماليات الرواية ديوان العرب في القرن العشرين ، وفيه قدر آخر من جماليات الشعر ديوان العرب قديما وحديثا ..
في هذا السياق لا نعيب القصة القصيرة جدا إذا قلنا عنها: " إنها مشروع نص قصصي" ؛ إذ يعني هذا الوصف التشبث بكسر المستقر أو الثابت في المعيارية الجمالية للإبداع التقليدي، وعلى وجه التحديد في معياريات جماليات السرد التقليدي ، ولأنها ( القصة القصيرة جدا) مشروع نص تجريبي ، له حساسية جمالية خاصة، وشروط تاريخية خاصة ، فإن جمالياته الحقيقية تبقى عصية على التنميط الذي يحد من انفتاحها على الإبداع والحياة ، والاستعارة منهما ما تراه مناسبا لكينونتها التي تتسم بسمات النص الإشكالي الجديد الذي يفرض جمالياته من ذاته،لا من المحاكاة لآراء نقدية أو لجماليات معيارية معينة ؛ نتوقع أن يوصف بها النص المكتمل، فيما لو تحقق وجوده !!

(5)

هل القصة القصيرة جدا تعبر عن مرحلة متطورة،أم هي استجابة لسرعة العصر؟

هي تعبير عن مرحلة متطورة ، وفي الوقت نفسه استجابة لسرعة العصر !!
كل الفنون الأدبية مالت بعد السبعينيات من القرن الماضي إلى الكتابة القصيرة جداً ، في الشعر ، والرواية، والقصة القصيرة ، والمسرحية، والمقالة ، والنقد .. وهذا الميل غدا جزءاً من ظاهرة الانفتاح الثقافي ، أو من العولمة الثقافية بمفهومها التكنولوجي، أو من انتشار الوعي والثقافة بين جمهور الناس، لذلك شعر المبدع بأنه أحد مسارب الوعي والثقافة ، وأنه يجب أن يكون مختلفا في مواجهة ذاته والآخر بوصفهما إنساناً جديداً مختلفاً عن الإنسان القديم ..
إن المبدع الجديد في مواجهة إنسان حديث ندعي أنه ذكي بفعل عوامل ثقافية كثيرة ، مارس التركيز في الكتابة بصفتها ترتكز على الإيماء ، والغموض ، والحذف ، والاختزال ، وترك المهم من أجل الأهم .. وأن يترك ما وراء السطور للمتلقي كي يكتشف ما يكتشف .. وعلى هذا الأساس مال الإبداع عموما إلى النوعية المكثفة ، وابتعد عن التسجيلية التاريخية المسطحة .. من هنا نستطيع أن نصف القصة القصيرة جداً بكونها تعبر عن مرحلة متطورة أو مرحلة جديدة في الإبداع وفي تفاعلات المشهد الثقافي عموما ، فغدا الإبداع لا يحتمل جماليات: التفصيل، والاستطراد ،والحشو، والفضفضة .. إنه إبداع يتصف بملامح " خير الكلام ما قل ودل " ، كما أسلفت.
ولا يعيب القصة القصيرة جداً في الوقت نفسه أن تكون ابنة زمنها وعصرها ، وأن تستجيب لسرعة العصر ، وأن تتخلص من المادة الطويلة التي لم تعد تجذب القراء، حيث المادة القصيرة جداً هي التي يفترض أن تشد القراء إلى أعماقها ، نحن الآن في زمن يقول لنا: "ما تكتبه في مئة صفحة اكتبه في عشر صفحات ، وما تكتبه في عشر صفحات اكتبه في صفحة واحدة ، وما تكتبه في صفحة اكتبه في ثلاثة اسطر ..".
لم يعد الأدب وهو الآن في مرحلة التقهقر على وجه العموم في مواجهة الفضائيات والإنترنت يمثل ثقافة ديوان العرب ، لذلك لا يحتاج المتلقي إلى الأحجام الأدبية ، من هنا قد نتوقع أن تصير القصة القصيرة جداً خلال القرن الواحد والعشرين ديوان العرب الجديد .

(6)

في رأيك: ما مفهوم الاختزال / التكثيف ؟

مفهوم الاختزال أو التكثيف مفهوم متشعب إذا أخذنا بعين الاعتبار جماليات البلاغة العربية في تكوين الجمل السردية من منظور الابتعاد عن التقريرية والمباشرة لصالح الصورة الفنية، أو من منظور إيجازي القصر والحذف ، بوصفهما يؤكدان على الاقتصاد في التعبير عن المعاني على طريقة جوامع الكلم ، أو من منظور أن تكون الألفاظ على قدر المعاني على طريقة " خير الكلام ما قلّ ودل" .. أما إذا أخذنا بعين الاعتبار جماليات السرد فإن القصة القصيرة جداً لا تخرج عموما عن توظيف بعض عناصر البنية السردية المتمثلة في اللغة والشخصية والزمكانية والحدث والحبكة والعرض .. بحيث يكون هذا التوظيف في حدود الحاجة الضرورية الموائمة لسياق الاختزال والتكثيف ، بصفة هذه الإشكالية الجمالية المكثفة أبرز سمات القصة القصيرة جدا التي ترتقي في لغتها إلى مستوى الشعر الجيد .

(7)

هناك من يعتبر الاقتصاد إرهاقا لبعض مكونات القصة،ما وجهة نظرك في هذا ؟

من الناحية المبدئية يمكن أن نعد ترادفات الاختزال / التكثيف / الاقتصاد - بعد أن وضحنا مفهومها - سلاحا ذا حدين : حده الأول إيجابي في حال أن يكون التكثيف عنصرا جماليا يتطلبه الموقف القصصي ، وهنا يغدو غير التكثيف عبئا وركاكة في البنية السردية ، وعلى هذا الأساس يفترض أن تكون القصة القصيرة جدا إحالة سريعة إلى جزئيات سردية ، بمعنى أن تكون القصة القصيرة جداً تعبيراً عن حالة نفسية أو واقعية أو خيالية قصيرة جداً أو مكثفة جداً ، ومن غير المعقول أن يكون موضوع القصة القصيرة جداً فضفاضا إلى حد أن يصلح موضوعا لقصة قصيرة أو موضوعا لرواية. وإن تحوّل إلى ذلك يغدو سلبيا ، ومن هذه الحالة السلبية ينطلق الحد الثاني السلبي أيضا ، والذي يخص عجز المساحة اللغوية القصيرة جداً عن التعبير عن موقف قصصي يبدو أنه غير صالح في تشكيل بنية القصة القصيرة جداً، وفي حال الإصرار على كتابة القصة القصيرة في ضوء هذا التشوه نجدها في هذه الحالة قصة مبتورة، أو هي جسد بلا رأس وأطراف ! وهنا أيضا ، وبكل تأكيد، يعد الاقتصاد في اللغة إرهاقاً لمكونات القصة القصيرة جداً التي يظلمها كاتبها في عدم قدرته على فهم قدراتها الجمالية المحدودة نسبياً في الكم لا النوع .


(8)


لماذا تكتب القصة القصيرة جدا ؟
أرى أن المبدع الجيد لا يختار الشكل الفني لتجربته الإبداعية، لأن الشكل الفني هو الذي يفرض ذاته على مبدعيه . من هنا تبدو القصة القصيرة جدا ابنة التجربة الإبداعية التي تستدعيها ، فهي شكل يتدفق بالحيويتين السردية والشعرية ، ولعل أبرز ملامح هذا التدفق أنها تتشكل من خلال دفقة مكثفة تعبر عن لحظة شعورية أو واقعية أو متخيلة .. وبإمكان القاص في زمن واحد أن يكتب عدة قصص قصيرة جداً في جلسة واحدة عندما يشعر أنه محكوم بعدة تجارب توهّجه أو تعذبه ، قد يكون بين هذه القصص في النهاية وحدة موضوعية أو وحدة شعورية تجعل منها نصوصا " برقية " منفتحة على رؤى أو دلالات عميقة .
وعلى أية حال فإن معظم كتاب القصة القصيرة تطوروا إلى حد ما في تجربتهم الإبداعية ، فكتبوا القصة القصيرة جداً ، لأنهم شعروا بمسئوليتهم الحقيقية عن نشأة القصة القصيرة جدا وتطورها ، بل إنهم غدوا يتحملون مسئولية التنظير لجمالياتها من خلال نصوصهم ، ومن خلال تطبيق بعض رؤاهم وتنظيراتهم على نصوص الآخرين .

(9 )

ما دور الناقد في تأطير هذا النوع من القص ؟

مازالت الدراسات النقدية محدودة جداً في مجال القصة القصيرة جدا ، وهذا يعود إلى حداثة نشأة هذا الجنس الأدبي ، بحيث لا يتجاوز عمرها الفعلي خمسة عشر عاما ، ابتداء من منتصف الثمانينيات. لذلك يقع العبء على عاتق النقاد وتحديداً على عاتق القاصين النقاد الذين يتوجب عليهم أن يضعوا من الناحية التنظيرية الجماليات المنتظر تحقيقها في القصة القصيرة جدا ، وأن يدرسوا من الناحية التطبيقية ما أنتج من مجموعات وما تناثر من قصص قصيرة جدا في الصحف المختلفة ، بحيث تؤكد هذه الدراسات التطبيقية على أن القصة القصيرة جدا ليست فناً مجانياً ، يمكن أن يمارسه أي كاتب متسلق، فتصبح القصة القصيرة جدا مجرد خواطر وعبارات متناثرة لا تسمن ولا تغني عن جوع ، وفي هذا العمل يمكن أن تنفى نصوص كثيرة ، وتخرج من دائرة القصة القصيرة جداً ، كما يجدر أن يحذر من نزعة تحول القصة القصيرة جدا إلى مجرد قصائد نثرية مشوهة !! طبعا ليس من حقنا أن نصادر مشروعية أية كتابة يكتبها أي إنسان مهما كانت درجة كتابته ، لكن من حقنا أن نعلي من شأن الكتابة الجيدة، و"نحضحض" من شأن الكتابة المتواضعة فنيا .

(10)

وما دور القارئ / المتلقي حيال مثل هذا النص ؟
لم يستوعب المتلقي بعد هذا النوع من السرد ، إذ يعتقد في داخله أنه جنس أدبي أو كتابه لا تنتمي إلى عالم الحكاية أو القصة التي تربى عليها ، فهو لا يقتنع – مثلا - أن تكون القصة في حدود سطر ونصف أو خمسة أسطر أو عشرة أسطر .. ومن هذا المنطلق نعد هذا الدور من المتلقي دوراً سلبياً ، فالعبرة في زمننا لم تعد بالحجم ، بل إن الكتابة في مجملها لا يتحسن وضعها من خلال حجمها ؛ لذلك لا بد أن يستوعب المتلقي جماليات القصة القصيرة جداً، فيؤكد من خلال ذائقته المتطورة أن الكتابة الجديدة على وجه العموم تميل إلى هذا الاختزال أو التكثيف ، وأن شيوع بعض النماذج القصصية السلبية في هذا المجال واستسها كتابة هذا النوع من السرد ، لا يعني أن العيب في القصة القصيرة جداً؛ لأنها على الرغم من حجمها القصير جداً فهي تبقى قصة ليس بإمكانها أن تكون متقنة نسبياً إلا من خلال مبدع له دور فاعل في كتابة القصة الطويلة والقصيرة على وجه العموم

جميل السلحوت
09-07-2010, 05:58 PM
نقد فني - القصة القصيرة جدا – مفهومها – امتداداتها وشرعيتها الأدبية"


بقلم : خالد عبد اللطيف.
تتشكل القصة القصيرة جدا،باعتبارها جنسا أدبيا يرتبط أسا بعنصر الحكي والسرد،ويجعل من الكلمة الإبداعية قناة أساسية لتصوير كل تمظهرات البنى السوسيو ثقافية والحضارية والتاريخية،وفق صياغة محددة من قاص يمتلك أليات الملاحظة والتقصي،والاحتكاك بالواقع الإجتماعي،وانتاج قيم فنية وجمالية وأخلاقية،تعتمد عنصر المساءلة والمهارة والتتبع لكل التحولات المجتمعية وسبر أغوار التيمات النفسية لشخصيات القصة القصيرة جدا.




وإذا كان الحكي هو قوام كل نتاج ابداعي،فإنه في القصة القصيرة جدا،يمتلك خصوصية متفردة،من حيث تناول المضامين ذات البعد الهادف والملتزم،في قوالب فنية تعتمد على الإختزال في التعبير،والتركيز في الرؤية،والدقة في تسلسل الأحداث وتتابعها.
لقد ظلت القصة القصيرة جدا،مثار اختلاف شديد بين النقاد والمهتمين والباحثين،من حيث تباينهم في وضع تعريف محدد يقننها،وتبيان مفهومها،وأليات اشتغالها.
فهناك من يراهن في تعريف القصة القصيرة جدا بالتركيز على الشكل،باعتباره بنية تراهن على لغةالقصة،وتركيبتها،وشخصياتها وزمانها ومكانها وتسلسل الأحداث فيها،في حين هناك صنف أخر من النقاد يعتبرالمضمون والمحتوى،هو الخصيصة الجوهرية في القصة القصيرة جدا،باعتبارالقارئ يرى في المحتوى البؤرة المتوهجة الأكثر إغراء ،وانحذابا للقراء بمختلف أطيافهم وتصوراتهم وأرائهم.
وتيار ثالث يجمع بين الشكل والمضمون،ويرى في التوفيق بينهما أفقا إبداعيا متميزا،يثبت جدارة المبدع،ويرفع من رتبته الإبداعية الخلاقة.
هل يمكن اعتبار القصة القصيرة جدا نصا زئبقيا،يرى في تطوره الفني سيرورة ابداعية مميزة؟ هل هي حداثة فاعلة في المشهد الابداعي بصفة عامة؟
في الطريق الى وضع مفهوم للقصة القصيرة جدا تواجهنا مجموعة من التعريفات،تتظافر كلها في النهاية للوصول الى هذا المفهوم.فادغار آلان بو القاص الأمريكي يعتبرها مجموعة من الوقائع تقرأ في جلسة واحدة.
في حين يعتبرها شكري عياد على أنها تسرد أحداثا وقعت حسب تتابعها الزمني،أما بالنسبة للناقد الانجليزي آلان فورستر فيعتبر القصة القصيرة جدا تعتمد على الحكاية،وكون الحكي خاصية تختزل الوقائع في جمل قصيرة تقرأ بسرعة.
واجمالا يمكن تحديد خصوصيات القصة القصيرة جدا فيما يلي:
أ: توفرها على درامية الحدث،" الحركة – التوتر- الفعل" هذه الدرامية تعطي للقصة القصيرة جدا وحدتها البنائية الكاملة وتعتبر عنصرا أصيلا فيها.
ب: القصة القصيرة جدا تمس منطقة التأثير وهي منطقة يلتقي فيها التفكير بالانفعال على مستوى حاد تقريبا،
د: أن تتصل تفاصيل الخبر وأجزاؤه وتتماسك تماسكا عضويا متينا من أجل توفيرالوحدة الفنية .
ن: الشخصية: لايوجد نص قصصي قصير جدا بدون شخصية او بطلة،فالشخصية لامجال للتفرقة بينها وبين الحدث لأن الحدث هو الشخصية وهي تعمل او الفاعل وهو يفعل.
ك: المعنى: لكي تكون القصة القصيرة جدا مكتملة لابد أن تتوفر على معنى معين،وإلا أ صبحث أقرب الى التاريخ،وليس هناك حدث بل معنى،وينبغي أن تتوفر كل عناصر القصة على خدمة المعنى.
و: الرمزية: هناك خصيصة أساسية في القصة القصيرة جدا هي الرمزية باعتبارها عنصرا يساعد على تحريك مظاهر التفكير لدى القارئ وتأويل العمل وتحليله، وفق معطيات معرفية وأليات منهجية موجودة مسبقة موجود في ذهن المتلقي.
ه: لحظة التنوير: وهي التي تجلو لنا الموقف او الحدث أو النهاية،ولذلك فإن القصة القصيرة جدا تكتسب أهمية خاصة إذ هي النقطة التي تتجمع فيها وتنتهي اليها خيوط الحدث كلها فيكتسب الحدث معناه المحدد.
ق: الغموض: من بين التقنيات المتداولة في القصة القصيرة جدا،مفهوم الغموض الذي يعطي للنص الابداعي امكانية وجود قراءات متعددة وليست قراءة واحدة،وتدبير اليات جديدة للنقاش والحواروالمحاورة والتحاور.
ف: نسيج القصة: العلائق العامة للقصة القصيرة جدا تراهن على:
- اللغة – الحوار – الوصف – السرد،وهذه العناصر هي التي يتكون منها نسيج القصة وينبغي أنت تتفاعل فيما بينها بأن تساهم في تجسيم الحدث وتحريكه وصبغه بألوان حية.
خ: تحطيم الأقانيم الثلاثة التقليدية : البداية – الوسط – العقدة
ه: خلق قيم فاعلة ومؤثرة في المتلقي،تتوسل للإيحاءات ورسم الشخصية واستبطانها من الداخل ووصف الجو أو الموقف بدلا من السرد التقليدي.
لقد راهنت القصة القصيرة جدا على تداول خطاب متجدد متنوع،يعتمد على الايجاز في التعبير،والإختزال في القول،من خلال الإرتقاء بمضمون القصة القصيرة جدا في توظيفها للأبعاد السوسيولوجية والسيكولوجية والتاريخية والأنثربولوجيا،باعتبار أن توظيف عدد كبير من المرجعيات في القصة القصيرة جدا، هو مربط الفرس بالنسبة لدعاة الحداثة في الإبداع،واسثتمار الثرات بطريقة ذكية وكذا الأسطورة ومفاهيم القناع،وهي مفاهيم اجرائية يلح نقاد القصة القصيرة على وجودها واستغلالها بطريقة واعية وباستقلالية في التفكير والشعور.
بقي السؤال الجوهري في هذه المداخلة على الشكل التالي:
هل القصة القصيرة جدا تمثل امتدادا للقصة القصيرة والأقصوصة والقصة الطويلة؟ هل يمكن الحديث عن وجود قطيعة فنية ومعرفية بين الأجناس المذكورة والقصة القصيرة جدا؟ هل القصة القصيرة جدا لها امتدادات في الترات العربي القديم،أم أنها مستوردة من الغرب؟ تلكم أسئلة متعددة تحتاج الى تظافر وجهات النظر للخروج بفكرة أن أي عمل ابداعي ينبغي أن يستنبت لا أن تستورد؟ وتلك معضلة أخرى.


خالد عبد اللطيف/ ناقد من المغرب

جميل السلحوت
09-07-2010, 06:00 PM
مدخل إلى تعريف القصة القصيرة جدا وتاريخ نشاتها وتطورها

بقلم : زمن عبد زيد

لكل زمن حداثته المصحوبة بإشكاليات عديدة مع ما هو موجود وسائد وتلك الإشكاليات تتبلور في الصراع بين القديم والجديد .

فالحداثة تنطلق من دوافع ذاتيه لها علاقة بالمنتج ودوافع خارجية لها علاقة بالمتلقي والمحيط الاجتماعي والسياسي والاقتصادي , فتتظافر هذه الدوافع لتأسس نمطا جديدا تطلق عليه مصطلحات كثيرة منها التجريب والحداثة و( لا يكاد يختلف احد من الباحثين في أن الفن العظيم كان دائما وعبر كل العصور ، هو ذاك الذي يمثل خرقا للعادي اليومي من مألوف القيم والأشكال الجمالية المضمونية ،أو اللغوية بل تكاد تنسب إلى الخرق للمألوف والمستقر من القيم ،كل التطورات والإبداعات التي تشمل حقول الثقافة والأدب والفنون والعلوم )1 , وحتما إن هذه الدوافع تتأثر جدليا بما تفرضه الحضارة المعاصرة من تكنولوجية وبيئة سياسية واجتماعية واقتصادية وما ينتج من إشكاليات في تلقي وتقبل هذا الصنف الحداثوي أو ذاك وهذه الإشكاليات تلعب دورا بارزا في ترسيخ هذا الفن فضلا عن المبدع والذي يكون أداة تنفيذية تحرك وتهز مربعات الصورة النصية فيعاد تنسيق هذه المربعات لتظهر لنا صورة نصية جديدة فالمبدع وبوعي مسبق يقوم بتشكيل منتج جديد يحمل سمات جنس أدبي معين مع الاحتفاظ بخواصه الذاتية وعلى أساس هذه الإشكاليات والدوافع تتحول بنية الخطاب الفني للقصة إلى كتابة أشكال وحداثات بحسب التحولات التي تحدث في الواقع لأنه من ( العسير أن تنتاب الواقع تحولات في بنيته الأساسية دون أن تتحول معها بنية الخطاب القصصي )2 فبسبب المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تظهر طاقات منتجة تتدخل في تغيير المكونات النصية أما على مستوى الخطاب القصصي أو على مستوى الشكل فليس الهدف رغبة عابرة في التلاعب بالمعيار الكمي للنص وإنما ( الرغبة الملحة في التغيير لا بد أن يكون وراءها دوافع جوهرية نابعة من متغيرات الحياة التي نعيشها ) 3 وبالتالي إن اهتمام الكاتب والمتلقي على حد سواء بهذا الجنس الأدبي لم يأت من فراغ وإنما استجابة لمجموع تلك المتغيرات المعقدة والمتشابكة التي أقلقت نمطية الشكل والخطاب في القصة وما تزال تقلقهما فضلا عن إيقاع الزمن السريع الذي يستوجب قراءة النصوص القصيرة جدا بعدما عزف المتلقي عن القراءة نتيجة غز التكنولوجيا ومفردات الحياة اليومية ذات الإيقاع السريع والصاخب وان كان هناك من أعاد نشأة القصة القصيرة جدا إلى أصول قديمة قدم الحضارة البابلية والسومرية والأشورية وهناك من يعد هذا الجنس تحديثا للمقامة وألف ليلة وليلة أو انه تطويرا لفن الخبر في تراثنا وبخاصة الأخبار التي تمازج بين المفارقة والسخرية ولا يهمنا فيما إذا كان للقصة القصيرة جدا هذه الجذور التاريخية من عدمها وإنما يهمنا تاريخ تشكل ملامحها بالصورة التي هي عليه ألان ونقدمها على أنها جنس أدبي مستحدث له سماته الخاصة ويحمل مقومات نجاحه وديمومته .

نشأة القصة القصيرة جدا :

ظهرت أل ( ق.ق جدا ) في أمريكا اللاتينية مع بدايات القرن العشرين لتنتقل بعد ذلك إلى أوربا الغربية ثم رهصت في العقود الأخيرة من القرن العشرين في بلاد الرافدين والشام وخاصة سورية وفلسطين وظهرت في المغرب وتونس بشكل متميز وناضج في بداية الألفية الثالثة ولان للمغرب خصوصية في غلبة المشهد القصصي على الشعري فأننا نستطيع تتبع مراحل تطور هذا الجنس الأدبي في المغرب كأنموذج - على الرغم من تأخر ظهوره في المغرب نسبة للعراق والشام - لبيان أهمية هذا الجنس الأدبي وأحقيته بالتعايش السلمي مع الأجناس الأدبية الأخرى والكف عن محاربته .

حظيت القصة القصيرة جدا في المغرب باهتمام كتاب القصة أمثال محمد إبراهيم بوعلو ومحمد زفزاف واحمد زيادي واحمد بوزفور وزهرة زيراوي وحسن برطال ومصطفى لغتيري ومحمد تنفور وعبد العالي بركات وسعيد بو كرامي وجمال بو طيب . فقد كتب هؤلاء القصة القصيرة جدا منذ 1983 ، وقد تميز المغرب بوجود مجموعة من الكتاب قد تخصص في كتابة هذا الجنس وخصصوا مجموعات تحت لواءه ثم ما لبثوا أن قاموا بأعمال تجريبية كاستخدام تقنيات جمالية وفنية أحدثت اهتزازا في كلاسيكية القصة القصيرة جدا كالانفتاح على الأجناس الأدبية الأخرى والتلاعب بالنسق السردي وإعمال الاستعارة والتشخيص والترميز ، فتطور هذا الجنس في المغرب ليس بالغريب فالكتاب المغاربة تواقون للتجريب استجابة لعوامل موضوعية أو تاريخية أو سياسية فإدريس الناقوري يقول في حديث عن التجريب في الأقصوصة المغربية

( ان كل العامل الحاسم في هذا التحول ، إنما يتمثل في طبيعة الواقع الموضوعي ، التاريخي والسياسي ، الذي سجل عدة تناقضات تبلورت في صراعات كثيرة ) 4 ومن أهم المجاميع التي ظهرت حاملة هوية هذا الجنس الأدبي : مجموعة محمد إبراهيم بوعلو تحت عنوان ( خمسون أقصوصة في 50 دقيقة ) ومجموعة جمال بو طيب تحت عنوان ( زخة … ويبتدئ الشتاء ) ومجموعة حسن برطال تحت عنوان ( أبراج ) ومجموعة مصطفى لغتيري تحت عنوان ( مظلة في قبر ) فضلا عن القصص المتميزة كقصة جمال بو طيب ( ياسين والوادي ) وقصته

( تلفزيون) وقصة مصطفى لغتيري ( مالك الحزين) وقصته ( المومياء)

مسميات الجنس الأدبي:-

مر هذا الجنس الأدبي بمسميات عديدة ففي اليابان تدعى ( قصص بحجم راحة اليد ) وفي الصين ( قصص أوقات التدخين ) , وفي أوربا اللاتينية سمية ( قصص ما بعد الحداثة ) وفي أمريكا ( قصص الومضات ) وهناك تسميات عديدة مثل ( قصة الأربع دقائق ) و ( العشرون دقيقة ) و ( القصص السريعة ) و ( القصص الصغيرة جدا ) و ( المجهرية ) و ( قصص برقية) و(الصعقة ) و ( شرارات ) و ( بورتريهات ) و ( مشاهد قصصية ) و ( القصة القصيرة الشاعرية ) و ( قصص قصيرة جدا )

سمات القصة القصيرة جدا :-

لنجاح أي جنس أدبي جديد لا بد من حمله لتوصيفات محددة إلى حد ما تجعل له مساحته الخاصة , لذلك لابد من تعريف هذا الجنس الأدبي وفق تلك التوصيفات .

القصة القصيرة جدا :- جنس أدبي حديث يمتاز بقصر الحجم والإيحاء المكثف والنزعة السردية الموجزة والمقصدية الرمزية والتلميح والاقتضاب والتجريب والجملة القصيرة الموسومة بالحركية والتوتر وتأزم المواقف والأحداث .

انطلاقا من هذا التعريف نلاحظ إن القصة القصيرة جدا فن اشد صعوبة من القصة القصيرة رغم ان فن القصة القصيرة ( لا يبرع فيه سوى الأكفاء من الكتاب القادرين على اقتناص اللحظات العابرة قبل انزلاقها على سطح الذاكرة )5 فكيف بالقصة القصيرة جدا , وإذا تجاوزنا بعض التوصيفات السابقة في تعريف هذا الجنس الأدبي فحتما اننا لا نستطيع تجاوز معيارين مهمين هما :-

1- المعيار الكمي 2- معيار الكيفية والمقصدية .

فالمعيار الكمي هو الذي يحدد قصر حجم القصة أما معيار الكيفية والمقصدية فبهما تقوم المقومات السردية كالأحداث والشخصيات والبنية الزمانية - وان كانت توظف بشكل مكثف - ولا بد من الإشارة إلى أن المعيار الكمي يتحقق من التكثيف واختيار الجمل المناسبة والابتعاد عن الإسهاب واللجوء إلى الإضمار والحذف , وتلعب اللغة دورا مهما وأساسيا في القصة القصيرة جدا لضرورة احتواء هذا الجنس الأدبي على اللغة الشعرية فأدغار الان بو يقول

( يجب ألا تكتب كلمة واحدة لا تخدم غرض الكاتب )6 ويوسف إدريس يقول في حديث له عن القصة القصيرة ( إن الهدف الذي أسعى إليه هو أن أكثف في خمس وأربعين كلمة ,- أي في جملة واحدة تقريبا - الكمية القصوى الممكنة من الإحساس , باستخدام اقل عدد ممكن من الكلمات )7 فالتكثيف هاجس كل مبدع يريد الارتقاء بنصه لمستوى العالمية ويمكننا استعارة مقولة الناقد ( اج.ئي.يتس ) في كتابه ( القصة القصيرة الحديثة ) حين وصف هيمنجواي بـ

( الرجل ذي الفأس الذي يقتلع غابة كاملة من الإطناب )8.

شعرية القصة القصيرة جدا :

على الرغم من خصوصية هذا الجنس الأدبي من حيث قلة الأحداث التي يحتويها إلا انه ما يزال جنسا أدبيا ينتمي للسرد لأننا ننظر للنص على أساس ( مستوى تنسيق الإشارات السردية . لا على مستوى الأحداث )9 ولذلك فان شعرية النص السردي لابد أن تتحقق في القصة القصيرة جدا ، فالعلاقة بين الشعرية والسردية علاقة العام بالخاص ، فالشعرية تهتم بالأشكال الأدبية كافة والسردية : ما هي إلا شعرية مقيدة) 10 والعنصر المشترك بين الشعر والفنون النثرية هو ان كلا منهما يشتغل باللغة كمادة أولية ( لكنهما يفترقان في كيفية توظيفها )11 فاللغة عنصر مهم لبث الروح في القصة وجعلها كائن نابض في الحياة حتى تبتعد عن الرتابة , فكاتب القصة الجيد يرتكز ويؤكد على أهمية اللغة فهذا موسى كريدي في عام 1965 يؤكد على اللغة فيقول ( ومشكلة قصاصينا أيضا، إنهم لم يفهموا بعد عبقرية اللغة وطواعيتها ، لم يدركوا إدراكا واعيا قدرتها على الأداء والتعبير ) 12 فالكاتب حينما يقوم بالتمرد والتجاوز على اللغة التقريرية واليومية فانه يضعنا ( قسرا في حالة من الوعي والانتباه ) 13 فالقصة المشحونة بلغة عالية قادرة على ( التصوير بدءا من ابسط أنواع المجاز ) 14 لذلك نلاحظ أن اغلب القصص القصيرة جدا والتي حققت حضورا كبيرا مشحونة بالشعرية ، والغريب إن من يهاجم هذا الجنس الأدبي يضرب معوله في حائط شعريتها العالي محاولا إخراجها من بيت السرد وإبقائها على باب الشعر تنتظر إذن الدخول ، ويمكنني التصور إن النص القصصي سواء كان ( قصة قصيرة أو أقصوصة أو قصة قصيرة جدا ) لابد أن يمتلك لغة شعرية عالية، واذكر بما أطلقه الناقد شجاع مسلم العاني على الشعرية في القصة القصيرة الجديدة حين قال ( إن هذا التيار يقترب من الاتجاهات الجديدة في القصص العالمي المعاصر ) 15 ومن يقرا القصص القصيرة جدا قراءة متأنية ومنصفة يدرك أن الشعرية خصيصة ذاتية كامنة في هذا الجنس الأدبي ، فالبنية الداخلية للنصوص الجيدة من هذا الجنس تؤهله للسكن في بيت عائلته ( السرد) وهو لا يضمن الشعر كنص خطابي مقحم وإنما يميل لإنتاج نص سردي بتراكيب ذات معان عالية لتصبح اللغة الشعرية جزءا من النسيج الكتابي وركنا مهما من أركان بناء القصة القصيرة جدا وبذلك يحقق هذا الجنس خطابا قصصيا تفاعليا متطورا عما كان عليه خطاب القصة القصيرة مبشرا باجناسية تتناغم مع ما تدعو له دراسات ما بعد الحداثة فضلا عن تناغمه مع توصيفه الكمي ، والمتتبع الجيد لهذا الجنس يكتشف انه تطور طبيعي للقصة القصيرة والأقصوصة فلو عدنا إلى الستينيات لوجدنا القصة القصيرة عرفت هذا الاتجاه الشعري ، فالدراما والشعر راحا يتناغمان في خلق تجربة جديدة وبذلك انعطفت القصة القصيرة نحو التجريب والحداثة حين اشتغلت على الثيمة الشعرية تضمينا كما فعل القاص احمد خلف في قصته ( نزهة في شوارع مهجورة) في مجموعته التي تحمل ذات الاسم فضمن قصيدة الشاعر محمد الماغوط على لسان بطل قصته ، ومن القصص الستينية التي اشتغلت بلغة شعرية قصة ( الصوت العقيم ) لعبد الرحمن مجيد الربيعي في مجموعته ( السيف والسفينة) ، فالقصة القصيرة في تجربتها أدخلت اللغة الشعرية إلى النص في حين إن أل( ق.ق.جدا) اعتمدت النسيج الشعري في تكوينها وتبقى الكلمة الفصل لهذا الجنس الأدبي فيما سيحققه من حضور في الوسط الأدبي .

المصادر

•1- طراد الكبيسي ، النقطة والدائرة ، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد 1987 ص 83- 84

•2- د. صبري حافظ - الموسوعة الصغيرة - عدد 347 - القصة العربية والحداثة - وزارة الثقافة والإعلام - بغداد.

•3- د. نبيلة ابراهيم : مستويات لعبة اللغة في القص الروائي ، مجلة إبداع س2 ،عدد 5 ،مايو 1984 ص 7

•4- ضحك كالبكاء ، إدريس الناقوري ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد 1986 ، ص 82.

•5- د. جابر عصفور : ( أوتار الماء ) عمل يستحق التقدير ، الأهرام - العدد 42470، في 17/3/2003 .

•6- عمران عز الدين احمد ، مجلة المنار الالكترونية.

•7- المصدر نفسه .

•8- عبد الواحد محمد : القصة اليابانية القصيرة ، مجلة الأديب المعاصر عدد 34،صيف 1992، ص 49 .

•9- قضايا الرواية الحديثة ، جان ريكادو ، ترجمة صباح الجهيم ، وزارة الثقافة والإرشاد القومي ، دمشق ، 1977 ، ص 125.

10- ينظر : النص الروائي ، تقنيات ومناهج ، بيرنار فاليط ، ترجمة : رشيد بنجدو ، الهيأة العامة لشؤون المطابع الأميرية ، 1999 ص 100.

11-د. علي كاطع خلف - شعرية السرد العربي ، قراءات في السرد العربي المعاصر، كتاب بانقيا 3 ، سلسلة تصدر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في النجف 2008 ، ص 97.

12- حول القصة القصيرة ، موسى كريدي ، مجلة الكلمة ، العدد الأول ، 1967 ص 27.

13- نظرية الأدب ، اوستن وارين ، ورينيه ويلك ، ترجمة : محي الدين صبحي ، المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب ، دمشق 1972 ص 25 .

14- المصدر نفسه ص 82.

15 - في أدبنا القصصي المعاصر ص48 .

علي ابريك
09-07-2010, 07:06 PM
هناء أعتقد أنّ أخي جميل قدم لك الكثير ..
وأنا كهاوي أعلم أنّ تراثنا العربي القديم به مثل القصة القصيرة جدا .. ولكن لا اهتمام من أدبائنا إلاّ بنظريات الغرب لأدبية .. رغم أنّ جذور ذلك لدى البادية كان موجودا أيضا فالقصة القصيدة فن أحتضن القصة القصيرة جدا قبل أن يفعل الغرب ذالك ..
عموما يجب أن تفهمي حقيقة أخرى بجانب اللغة .. ق.ق.ج. هي قصة من غير حشو (دخل ببطء وكأنه ظلا يزحف و و و و)و بها كثيرا من التركيز والتكثيف .. ولكتها ليست ألغازا .. فما يحمله هذا التكثيف من إيحاءات ودلالات يكون كافيا لإيصال المعنى ومضمون الحدث للمتلقي ..
فقط .. تذكري أنّ الجميع يتمنون أن يرون أنطلاقتك سريعا ..
دمت بود

م. هناء عبيد
09-08-2010, 03:28 PM
ننتظر إجابات المختصين



أينكم يا رواد القصة القصيرة؟؟؟




تحياتي

تحياتي وتقديري لمرورك الكريم
كل عام وأنت بألف خير
هناء عبيد

المصطفى الدقاري
09-08-2010, 07:18 PM
الأستاذة هناء
أشكرك على طرح هذا الموضوع للنقاش وأعتذر عن التأخر في دخول هذا الصالون الأدبي الراقي
من خلال استقراء للعديد من الآراء وخاصة المعارضة للقصة القصيرة جدا، وجدت أن الحكم على هذا الجنس السردي ينطلق من مرجعية معينة قد تكون هي الرواية أو القصة القصيرة، وهذا له دلالته، وهي الانطلاق من موقف قبلي من القصة وهو الشيء الذي عطل النقاش وعطل ربما تطور هذا الجنس أو على الأقل جعله يتطور بعيدا عن التنميط وبعيدا عن النقد والمتابعة.
وعلى هذا الأساس يجب الانطلاق من التسليم بأن القصة القصيرة ليست هي الرواية ولا القصة القصيرة بل قد لا تربطها علاقة بهذين الجنسين علما بأن نظرية الأدب الحديثة قد أزالت كل الحدود بين الأجناس. إذن فإن ق.ق.ج جنس أدبي قائم الذات، له بنيته وله شعريته التي تختلف عن بنية الجناس الأدبية الأخرى..
لي عودة للنقاش

غلاب فؤاد
09-09-2010, 01:40 AM
تحايا وبعد
س1
ما هي أهم الأمور التي تجعل من القصة القصيرة جدا نوعا غير مستساغ من الأدب العربي؟.........
اختلف معك الراي في سؤالك هذا فرغم ان القصة القصيرة جدا اوvery short storyبدعة فنية في إطار فن القصة. و أقول بدعة ، لأنها شيء مستحدث . إذ لم يظهر في عالمنا العربي كفن و كتابة إلا في تسعينات القرن الماضي . و لكن استطاع بسرعة أن يجد له مكانا تحت الشمس، و وسط الزحام . بل استطاع أن يملك مريدين و مريدات ، و معجبين ومعجبات. و قد يكون الفن الوحيد الذي لم يجد معارضة من المحافظين ، إلا ما لا يكاد يذكر
س2
هل هناك مسمى أنسب لهذا النوع من الكتابة، يقلل من معارضي إنتمائه للأدب العربي؟
أطلق الدارسون على هذا الجنس الأدبي الجديد عدة مصطلحات وتسميات لتطويق هذا المنتوج الأدبي تنظيرا وكتابة و الإحاطة بهذا المولود الجديد من كل جوانبه الفنية والدلالية، ومن بين هذه التسميات: القصة القصيرة جدا، ولوحات قصصية، وومضات قصصية، ومقطوعات قصيرة، وبورتريهات، وقصص، وقصص قصيرة، ومقاطع قصصية، ومشاهد قصصية، و فن الأقصوصة، وفقرات قصصية، وملامح قصصية، وخواطر قصصية، وقصص، وإيحاءات،والقصة القصيرة الخاطرة، و القصة القصيرة الشاعرية، والقصة القصيرة اللوحة…. وأحسن مصطلح أفضله لإجرائيته التطبيقية والنظرية، و أتمنى أن يتمسك به المبدعون لهذا الفن الجديد وكذلك النقاد والدارسون، هو مصطلح القصة القصيرة جدا لأنه يعبر عن المقصود بدقة مادام يركز على ملمحين لهذا الفن الأدبي الجديد وهما: قصر الحجم والنزعة القصصية.
.......
س3
هل من التجني والظلم إبعاد القصة القصيرة جدا عن تصنيف الأدب العربي؟...
اكيد ...
القصة القصيرة فن يعتمد دقّّة اللّغة ، و حسن التّعبير الموجز ، و اختيار الّلّفظة الدّالة ، التي تتّسم بالدّور الوظيفيّ fonctionnelو التّركيز الشّديد في المعنى . و التّكثيف اللّغوي الذي يحيل و لا يخبر . و لا يقبل الشّطط و لا الإسهاب ، و لا الاستطراد و لا التّرادف ، و لا الجمل الاعتراضية ، و لا الجمل التّفسيرية . و المضمون الذي يقبل التّأويل ، و لا يستقر على دلالة واحدة . بمعنى يسمح بتعدّد القراءات ...و وجهات النظر المختلفة
فلانها كذالك فحتما لن يكتبها غير متمرس خبير باللّغة . قاص بارع في البلاغة : متقن للّغة المجازية langage figuré متنبه لكمياء الألفاظ ، و فلسفة المعنى ، و عمق الدّلالة . قاص لا تتحكم فيه حلاوة الألفاظ ؛ فيقتنصها لحلاوتها ، بل لما يمكن أن تخدم به السياق المقتضب . قاص لا يغتربالقصر المجمل لقصره . أو الإٌسهاب المطول لإسهابه ، و لكن يهتمّ بالمعنى على أنيقدَّم بنسق لغوي فنيّ في غاية من الاقتصاد . ليمكن القارئ الشّغوف بفن القصّ القصير، أن يقرأ داخل اللّغة intra - linguistique لأنّ القراءة السّطحية لا تجدي نفعاً إزاء هذا النّوع من القصّ .إذ لا بد من قراءة ما بين السّطور القليلة . و خلف الكلمات المعدودة . فهناك لغة التّضمين homonymique
فاذا كانت القصّة القصيرة جدا و صاحبها كما رأينا . فلابد أن نجزم صراحة انه من الظلم الكبير ان نصنفها في خانة غير خانة الادب العربي الصحيح
س4
ما هي أيجابيات كتابة القصة القصيرة جدا؟...
اهم شيء اعتمادها الحوار بأقل الألفاظ و
التقليل من اللغة الواقعية ما أمكن، إلا ما يفرضه النص ثم اعتماد الشكل البلاغي لتحقيق التأمل والتأويل...الخ
س5
أي الأمور يجعل القصة أكثر قوة الغموض أم الوضوح ام تعدد التأويلات لها؟..
لتكون القصة القصيرة جدا اكثر قوة يجب ان تتوافر فيها كل مقومات المعيار الكمــــــي.. الكيفـــي أو الفنــي
وما ذكرته يدرج ضمنهما ما عدا الوضوح
س6
ما هي مواصفات القفلة المميزة؟
ان تكون
1 ـ قفلة مفاجئة . غير متوقعة من قبل المتلقي . و لكن لها صلة بالموضوع .
2 ـ تحدث توثراً و انفعالا ، لنسقها الدّلالي و الّصدامي .
3 ـ تبعث علىالتّأمل و التّساؤل .
4 ـ تفتح آفاق التّأويل و التّحرّر من تخوم النّص .
5 ـتاتي عفوية مع سياق الكتابة .
6 ـ لا تُصنّع ،و لا تعدّ ، سواء من قبل أو منبعـد ، ففي ذلك تكلف .
7 ـ تضفي جمالية دلالية على النّص ، لما تكتنزه منمعنى.
8 ـ تأتي على نسق بلاغي forme rhétorique يضفي مسحة فنية على النص .
9 ـتتسم بطابعها الوظيفي fonctionnel في النّص.
10 ـ تتسم بالميزة الجوهرانية essencialiste في النّص.
أمام هذه الخصائص كلّها ، متجمّعة أو في معظمها ، يتبين مقدار الأهمية القصوى التي تحتلّها القفلـة . بل كثير من القصص القصيرة جداً تفقد دلالتها و متعتها و قيمتهـا فقط ، لأنّ القفلة اصطناعية artificiel خالية من العفوية الفنّية .
س7
أي المواضيع أكثر إثارة في القصة القصيرة جدا السياسية، قضايا الساعة، النقد الساخر، القضايا الإجتماعية أم جميع ما تقدم؟......
برايي ان المواضيع الاكثر اثارة في القصة القصيرة جداهي تلك التي تصور الذات في صراعها مع كينونتها الداخلية وصراعها مع الواقع المتردي، والتقاط المجتمع بكل آفاته، ورصد الأبعاد الوطنية والقومية والإنسانية من خلال منظورات ووجهات نظر مختلفة،ناهيك عن تيمات أخرى كالحرب والاغتراب والهزيمة والضياع الوجودي والفساد والحب والسخرية و التغني بحقوق الإنسان...
ويبقى في الاخير ان لكل موضوع مهما كان جاذبيته ...كله متوقف على قدرات الكاتب الفكرية والفنية والابداعية في تصوير الحدث او المشهد او الفكرة ..الخ
س8
هل يجد من يكتب القصة بأنه من الأفضل أن تكون قراءة المتلقي هي نفس قراءته لها أم لا بأس من القراءات المختلفه؟
اعتقد انه يجد لذة في القراءات المختلفة وربما هي سبيله لاكتشاف افكاراو رؤى اخرى لم يكن ليراها في نصه
س9
من هم قراء القصة القصيرة جدا من حيث الفئة العمريه، الثقافة، الجنس حسب إعتقادكم؟
يجب على الاقل من وجهة نظري المتواضعة اي يكون القرائ ملما بالحدالأدنى من شروط الكتابة ومواصفات الجنس الأدبي،وان يكون بالغا وناضجا عقليا جسديا وفكريا
كي لا تتحول علاقة القاريء بالكاتب إلى علاقة اعتباطية وتنتهي إلى الابتذال
س10
هل الحوار مقبول في سرد القصة القصيرة جدا أم أنه يضعفها مثال قال قالت إلخ؟

الحوار او المحادثة التي تدور بين شخصيات العمل،هوأحد أهم التقنيات الفنية المشاركة في بناء العمل، وذالك لأنه

نافذة يطل منها القاريء على ثنايا القصة ووسيلة فنية لتقديم الشخصيات والاحداث والتعريف بها
اعتقد انه انجع في الرواية او القصة القصيرة خصوصا
وفي القصة القصيرة جدا باعتقادي هو عامل يضعفها اكثر من ان يقويها كون القصة القصيرة اجمل شكل ومضمونا في السرد
..........
اتمنى ختاما عموم الفائدة
تحياتي واحترامي

م. هناء عبيد
09-09-2010, 07:46 AM
ما هي أهم الأمور التي تجعل من القصة القصيرة جدا نوعا غير مستساغ من الأدب العربي؟

** لا أرى الأعمال الجيده غير مستساغة


هل هناك مسمى أنسب لهذا النوع من الكتابة، يقلل من معارضي إنتمائه للأدب العربي؟
الاختلاف حول التسمية لا يجعل من كونها قصة


وهذه الأسئلة لهواة القصة القصيرة جدا سواء الكتاب أو القراء



هل من التجني والظلم إبعاد القصة القصيرة جدا عن تصنيف الأدب العربي؟

إستحالة إبعادها


ما هي أيجابيات كتابة القصة القصيرة جدا؟
كإيجابيات المثل ، وهى الأهم والأكثر تأثير فى المتلقى ، وأعتقد أنها أهم من الرواية والقصة القصيرة


أي الأمور يجعل القصة أكثر قوة الغموض أم الوضوح ام تعدد التأويلات لها؟
لكل عمل قوى خصوصيته ، أحيانا تصاغ أعمالا بأسلوب مباشر وتظهر امكانية الكاتب وعلاقته باللغة وتجعل النص جيدا


ما هي مواصفات القفلة المميزة؟
ربما المفارقة وصنع الدهشة ، أو خلق التساؤولات


أي المواضيع أكثر إثارة في القصة القصيرة جدا السياسية، قضايا الساعة، النقد الساخر، القضايا الإجتماعية أم جميع ما تقدم؟
كل مايقدم شريطة قوته


هل يجد من يكتب القصة بأنه من الأفضل أن تكون قراءة المتلقي هي نفس قراءته لها أم لا بأس من القراءات المختلفه؟



من هم قراء القصة القصيرة جدا من حيث الفئة العمريه، الثقافة، الجنس حسب إعتقادكم؟




هل الحوار مقبول في سرد القصة القصيرة جدا أم أنه يضعفها مثال قال قالت إلخ؟

تخضع لمهارة الأديب


هذه بعض الأسئلة المقترحة ويمكنكم التفضل بأسئلة وإستفسارات اخرى.




أرجو المشاركة لإثراء الفكرة، ولإيجاد بعض الحلول الوسط بين المعارضين والمؤيدين

الأستاذ طلال
أشكر مشاركتك الكريمة، وأقدر مجهودك الكبير
مرورك أثرى الفكرة وأضاف إلينا ومضات منيرة
تحياتي وأحترامي
وكل عام وأنت بألف خير
هناء عبيد

م. هناء عبيد
09-09-2010, 10:53 PM
الأستاذ جميل المحترم
ألف تحية على مجهودك الكبير بأضافة هذا المجموعة من المقالات القيمة عن القصة القصيرة جدا
لقد أثريت القسم بهذه المبادرة القيمة
تحياتي وتقديري
هناء عبيد

م. هناء عبيد
09-11-2010, 08:41 PM
أتوقف ههنا وأطيل المكوث . . . .




شكراً لك سيّدتي لعظيم فائدة




شكراً لكم جميعا ً


تحياتي لك أوفيليا على تواجدك القيم

يعقوب احمد يعقوب
10-13-2010, 02:15 AM
الاخت هناء الجواب قد يكون بغاية البساطه / ساندويتش/ مودتي

م. هناء عبيد
10-14-2010, 05:53 AM
الأستاذة هناء
أشكرك على طرح هذا الموضوع للنقاش وأعتذر عن التأخر في دخول هذا الصالون الأدبي الراقي
من خلال استقراء للعديد من الآراء وخاصة المعارضة للقصة القصيرة جدا، وجدت أن الحكم على هذا الجنس السردي ينطلق من مرجعية معينة قد تكون هي الرواية أو القصة القصيرة، وهذا له دلالته، وهي الانطلاق من موقف قبلي من القصة وهو الشيء الذي عطل النقاش وعطل ربما تطور هذا الجنس أو على الأقل جعله يتطور بعيدا عن التنميط وبعيدا عن النقد والمتابعة.
وعلى هذا الأساس يجب الانطلاق من التسليم بأن القصة القصيرة ليست هي الرواية ولا القصة القصيرة بل قد لا تربطها علاقة بهذين الجنسين علما بأن نظرية الأدب الحديثة قد أزالت كل الحدود بين الأجناس. إذن فإن ق.ق.ج جنس أدبي قائم الذات، له بنيته وله شعريته التي تختلف عن بنية الجناس الأدبية الأخرى..
لي عودة للنقاش
أستاذ المصطفى الدقاري
أشكرك كل الشكر على مجهودك الطيب
دائما يسرني تواجدك القيم
دمت بألف خير

م. هناء عبيد
10-14-2010, 05:56 AM
تحايا وبعد
س1
ما هي أهم الأمور التي تجعل من القصة القصيرة جدا نوعا غير مستساغ من الأدب العربي؟.........
اختلف معك الراي في سؤالك هذا فرغم ان القصة القصيرة جدا اوvery short storyبدعة فنية في إطار فن القصة. و أقول بدعة ، لأنها شيء مستحدث . إذ لم يظهر في عالمنا العربي كفن و كتابة إلا في تسعينات القرن الماضي . و لكن استطاع بسرعة أن يجد له مكانا تحت الشمس، و وسط الزحام . بل استطاع أن يملك مريدين و مريدات ، و معجبين ومعجبات. و قد يكون الفن الوحيد الذي لم يجد معارضة من المحافظين ، إلا ما لا يكاد يذكر
س2
هل هناك مسمى أنسب لهذا النوع من الكتابة، يقلل من معارضي إنتمائه للأدب العربي؟
أطلق الدارسون على هذا الجنس الأدبي الجديد عدة مصطلحات وتسميات لتطويق هذا المنتوج الأدبي تنظيرا وكتابة و الإحاطة بهذا المولود الجديد من كل جوانبه الفنية والدلالية، ومن بين هذه التسميات: القصة القصيرة جدا، ولوحات قصصية، وومضات قصصية، ومقطوعات قصيرة، وبورتريهات، وقصص، وقصص قصيرة، ومقاطع قصصية، ومشاهد قصصية، و فن الأقصوصة، وفقرات قصصية، وملامح قصصية، وخواطر قصصية، وقصص، وإيحاءات،والقصة القصيرة الخاطرة، و القصة القصيرة الشاعرية، والقصة القصيرة اللوحة…. وأحسن مصطلح أفضله لإجرائيته التطبيقية والنظرية، و أتمنى أن يتمسك به المبدعون لهذا الفن الجديد وكذلك النقاد والدارسون، هو مصطلح القصة القصيرة جدا لأنه يعبر عن المقصود بدقة مادام يركز على ملمحين لهذا الفن الأدبي الجديد وهما: قصر الحجم والنزعة القصصية.
.......
س3
هل من التجني والظلم إبعاد القصة القصيرة جدا عن تصنيف الأدب العربي؟...
اكيد ...
القصة القصيرة فن يعتمد دقّّة اللّغة ، و حسن التّعبير الموجز ، و اختيار الّلّفظة الدّالة ، التي تتّسم بالدّور الوظيفيّ fonctionnelو التّركيز الشّديد في المعنى . و التّكثيف اللّغوي الذي يحيل و لا يخبر . و لا يقبل الشّطط و لا الإسهاب ، و لا الاستطراد و لا التّرادف ، و لا الجمل الاعتراضية ، و لا الجمل التّفسيرية . و المضمون الذي يقبل التّأويل ، و لا يستقر على دلالة واحدة . بمعنى يسمح بتعدّد القراءات ...و وجهات النظر المختلفة
فلانها كذالك فحتما لن يكتبها غير متمرس خبير باللّغة . قاص بارع في البلاغة : متقن للّغة المجازية langage figuré متنبه لكمياء الألفاظ ، و فلسفة المعنى ، و عمق الدّلالة . قاص لا تتحكم فيه حلاوة الألفاظ ؛ فيقتنصها لحلاوتها ، بل لما يمكن أن تخدم به السياق المقتضب . قاص لا يغتربالقصر المجمل لقصره . أو الإٌسهاب المطول لإسهابه ، و لكن يهتمّ بالمعنى على أنيقدَّم بنسق لغوي فنيّ في غاية من الاقتصاد . ليمكن القارئ الشّغوف بفن القصّ القصير، أن يقرأ داخل اللّغة intra - linguistique لأنّ القراءة السّطحية لا تجدي نفعاً إزاء هذا النّوع من القصّ .إذ لا بد من قراءة ما بين السّطور القليلة . و خلف الكلمات المعدودة . فهناك لغة التّضمين homonymique
فاذا كانت القصّة القصيرة جدا و صاحبها كما رأينا . فلابد أن نجزم صراحة انه من الظلم الكبير ان نصنفها في خانة غير خانة الادب العربي الصحيح
س4
ما هي أيجابيات كتابة القصة القصيرة جدا؟...
اهم شيء اعتمادها الحوار بأقل الألفاظ و
التقليل من اللغة الواقعية ما أمكن، إلا ما يفرضه النص ثم اعتماد الشكل البلاغي لتحقيق التأمل والتأويل...الخ
س5
أي الأمور يجعل القصة أكثر قوة الغموض أم الوضوح ام تعدد التأويلات لها؟..
لتكون القصة القصيرة جدا اكثر قوة يجب ان تتوافر فيها كل مقومات المعيار الكمــــــي.. الكيفـــي أو الفنــي
وما ذكرته يدرج ضمنهما ما عدا الوضوح
س6
ما هي مواصفات القفلة المميزة؟
ان تكون
1 ـ قفلة مفاجئة . غير متوقعة من قبل المتلقي . و لكن لها صلة بالموضوع .
2 ـ تحدث توثراً و انفعالا ، لنسقها الدّلالي و الّصدامي .
3 ـ تبعث علىالتّأمل و التّساؤل .
4 ـ تفتح آفاق التّأويل و التّحرّر من تخوم النّص .
5 ـتاتي عفوية مع سياق الكتابة .
6 ـ لا تُصنّع ،و لا تعدّ ، سواء من قبل أو منبعـد ، ففي ذلك تكلف .
7 ـ تضفي جمالية دلالية على النّص ، لما تكتنزه منمعنى.
8 ـ تأتي على نسق بلاغي forme rhétorique يضفي مسحة فنية على النص .
9 ـتتسم بطابعها الوظيفي fonctionnel في النّص.
10 ـ تتسم بالميزة الجوهرانية essencialiste في النّص.
أمام هذه الخصائص كلّها ، متجمّعة أو في معظمها ، يتبين مقدار الأهمية القصوى التي تحتلّها القفلـة . بل كثير من القصص القصيرة جداً تفقد دلالتها و متعتها و قيمتهـا فقط ، لأنّ القفلة اصطناعية artificiel خالية من العفوية الفنّية .
س7
أي المواضيع أكثر إثارة في القصة القصيرة جدا السياسية، قضايا الساعة، النقد الساخر، القضايا الإجتماعية أم جميع ما تقدم؟......
برايي ان المواضيع الاكثر اثارة في القصة القصيرة جداهي تلك التي تصور الذات في صراعها مع كينونتها الداخلية وصراعها مع الواقع المتردي، والتقاط المجتمع بكل آفاته، ورصد الأبعاد الوطنية والقومية والإنسانية من خلال منظورات ووجهات نظر مختلفة،ناهيك عن تيمات أخرى كالحرب والاغتراب والهزيمة والضياع الوجودي والفساد والحب والسخرية و التغني بحقوق الإنسان...
ويبقى في الاخير ان لكل موضوع مهما كان جاذبيته ...كله متوقف على قدرات الكاتب الفكرية والفنية والابداعية في تصوير الحدث او المشهد او الفكرة ..الخ
س8
هل يجد من يكتب القصة بأنه من الأفضل أن تكون قراءة المتلقي هي نفس قراءته لها أم لا بأس من القراءات المختلفه؟
اعتقد انه يجد لذة في القراءات المختلفة وربما هي سبيله لاكتشاف افكاراو رؤى اخرى لم يكن ليراها في نصه
س9
من هم قراء القصة القصيرة جدا من حيث الفئة العمريه، الثقافة، الجنس حسب إعتقادكم؟
يجب على الاقل من وجهة نظري المتواضعة اي يكون القرائ ملما بالحدالأدنى من شروط الكتابة ومواصفات الجنس الأدبي،وان يكون بالغا وناضجا عقليا جسديا وفكريا
كي لا تتحول علاقة القاريء بالكاتب إلى علاقة اعتباطية وتنتهي إلى الابتذال
س10
هل الحوار مقبول في سرد القصة القصيرة جدا أم أنه يضعفها مثال قال قالت إلخ؟

الحوار او المحادثة التي تدور بين شخصيات العمل،هوأحد أهم التقنيات الفنية المشاركة في بناء العمل، وذالك لأنه

نافذة يطل منها القاريء على ثنايا القصة ووسيلة فنية لتقديم الشخصيات والاحداث والتعريف بها
اعتقد انه انجع في الرواية او القصة القصيرة خصوصا
وفي القصة القصيرة جدا باعتقادي هو عامل يضعفها اكثر من ان يقويها كون القصة القصيرة اجمل شكل ومضمونا في السرد
..........
اتمنى ختاما عموم الفائدة
تحياتي واحترامي
الأخ الفاضل غلاب
أشكر هذا المجهود الرائع الذي قدمته
لقد أثريت الموضوع بمعلوماتك القيمة
دمت بألف خير
هناء عبيد

م. هناء عبيد
10-14-2010, 05:59 AM
الاخت هناء الجواب قد يكون بغاية البساطه / ساندويتش/ مودتي
الأستاذ يعقوب المحترم
تحيتي لك، ماذا تعني بالساندويتش هل تعني القصة أم الجواب، أنا أرى بأنها بسكويته
كل تقديري لحضورك الدائم المتميز

يعقوب احمد يعقوب
11-12-2010, 03:16 PM
]القصة القصيرة جدا

بقلم : محمد علي سعيد ــ عكا / الجليل

( حتى لا يحصل للقصة القصيرة جدا ما حصل للشعر الحديث…!!!؟؟؟ )
وتعم الفوضى والخلط.. فتصبح الحكاية والطرفة والنكة وموقف المفارقة والحكمة وجملة النثر أو الشعر وغيرها قصة قصيرة جدا

القصة القصيرة جدا، هو المصطلح (1) الذي أُفضله لهذا الجنس الأدبي (2) القديم جدا في جذوره والحديث جدا في خصائصه ..فهو قديم لأن الإنسان هو توأم القصة وما دام الإنسان حيا ستبقى القصة ترافقه كظله ، وما حياة الإنسان إلا مجموعة من الحكايات \ القصص القصيرة يعبر بها عن نفسه أو عن الآخرين أو عنهما معًا نتيجة لتفاعله العقلي والوجداني ، ناهيك عن حب الإنسان الغريزي وارتياحه للحكاية التي ترافق طفولة المجتمع البشري وتشكل إحدى المراحل الأساسية الأولى من تكوين المجتمع لوعيه وبنمو المجتمعات وتقدمها ( كاختراع الكتابة خاصة ) تتطوّر الحكاية من مرحلة الانتقال / التواصل الشفهي إلى مرحلة التدوين وتصبح عماد جميع الفنون القصصية فيما بعد.
إن هذا الأمر ليس مقتصرا على شعب دون آخر ، ولكن بعض الشعوب طوّرت الحكاية وبلورتها بصورة أسرع حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من الخصائص الفنية وأصبحت جنسا أدبيا جديدا عُرف بالقصة بدلا من الحكاية .
إن جميع الأجناس القصصية تعود في جذورها إلى الحكاية وما تنوعها واختلاف خصائصها إلا بسبب تباينها في محاولات إعادة التنظيم للمبنى \ الهيكل التقليدي المعروف للحكاية فمن التتابع المنطقي للأحداث والعناصر زمنا ومكانا وموقفا وشعورا إلى التداخل ومن الفجوات البسيطة والواضحة إلى الصعبة والمركبة ومن استقلالية الصوت الواحد إلى تداخل الأصوات ومن التصوير إلى التصور وغير ذلك .
وبسبب التواصل بين الشعوب تنتقل الأجناس الأدبية من شعب لآخر .. والقصة القصيرة بمفهومها الحديث هي وليدة القرن التاسع عشر في أوروبا ويجمع أكثر النقاد ومؤرخو الأدب بأن العرب أخذوا القصة القصيرة عن أوروبا في الربع الأول من القرن العشرين ترجمة في البداية ثم تقليدا ثم إبداعا (3) .. إن التفاوت الزمني بين ظهور القصة القصيرة في البلاد العربية قصير ومتقارب جدا والسبب يعود إلى التشابه الكبير للواقع المعايش لديها ، ولذا فلا أهمية لدراسة موضوع الريادة .
" القصة القصيرة جدا " جنس أدبي كغيره لم ينشأ فجأة أو من فراغ وإنما تطور وتناسل مما سبقه في رحلة شاقه ومركبه ومليئة بالإرهاصات الفردية من التأسيس حتى التجنيس ..
وهكذا تتراكم التجارب حتى تتبلور الصورة ويكون الاعتراف بها جنسا أدبيا مستقلا ، وابنا شرعيا لظروف العصر وروحه فكرا ومضمونا ، مبنى وإيقاعا ..
" القصة القصيرة جدا " وان كانت أحدث الأجناس الأدبية حيث تعود في نشأتها من حيث التأسيس والتجنيس إلى بداية النصف الثاني للقرن العشرين والى الكثير من الإرهاصات في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين غربيا وعربيا ( كافكا ) و (جبران خليل جبران ) ، ولكن جذورها تعود إلى أعماق تراثنا العربي المليء بالنصوص القصصية القصيرة كالطرائف والحكايات والأساطير والنكات والأجوبة المسكتة والأخبار والملح عامة والنوادر خاصة التي امتازت بتلخيص التجارب الإنسانية وتقطيرها ضمن موقف فكري في أسلوب يمتاز بالإيجاز والتركيز على حدث واحد وهو في حالة ذروته وتوهجه وتقديمه بالإيحاء والرمزية وليس بصورة صريحة ومباشرة ناهيك عن المفارقة وروح الفكاهة والسخرية والتأنيس والنهاية الذكية والتي تضطرك إلى الابتسامة والإيماءة بالرأس ومتابعة التأمل والتفكير والتأويل.
وقد قيل " الطرفة هي القليل الذي يحتوي الكثير " و "البلاغة هي الإيجاز" . أليست هذه من صفات " القصة القصيرة جدا " الحالية ، أيضا ؟
وحاليا ، فالقصة القصيرة جدا هي ثمرة الظروف التي أصابت العالم العربي بعد هزيمة عام 1967 من صدمه أثرت في شخصية الإنسان العربي عامة والمثقف خاصة ، ففقد الأديب ثقته بكثير من المسلمات والمعتقدات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والنفسية والدينية وغيرها فبحث الأديب عن قالب \ جنس أدبي جديد يتفق وروح العصر ومتطلباته من سرعة وتركيز وكثافة وإيحاء كي يمارس فيه رفضه وغضبه وتمرده وثورته ويعلن فيه عن موقفه بحرية دون خوف ويضمن لأدبه القراءة وكانت القصة القصيرة جدا هي الشاهد والضمير لأنها الأكثر استجابة لظروف المرحلة ومناخها .
إن الكثير من دارسي الأدب وناقديه يعتبرون عام 1967 منعطفا حادا وحاسما في تطورت الفن القصصي الحديث عامة والقصة القصيرة جدا خاصة ( وكذلك النص الشعري الحديث ) ولكن بالإمكان أن نشير إلى أن الحداثة في الأدب العربي تزامنت مع حركات التحرر والاستقلال الوطني وظاهرة التحرر من الماضي السياسي والاجتماعي والاقتصادي وغيره أثّرت على الأدب فكان لا بد له من التحرر من مضامينة ومبانيه ولغته إلى غير مألوفها وهكذا بدأت الحداثة و كانت هزائم العرب المتتالية والمتقاربة زمنيا ( 1967 ثم محاصرة بيروت ، حرب الخليج عام 1990 ، الإنتفاضة الأولى والثانية ، حرب الخليج 2003 ) سببا في اتساع الشرخ بين الأديب والمجتمع وبداية إرهاصات ما بعد الحداثة ..
إذا كانت الرواية ثمرة الثورة الصناعية وتطور البرجوازية في القرن التاسع عشر وكانت القصة القصيرة ثمرة الصحافة والراديو في القرن العشرين, فإني أرى بان القرن الحادي والعشرين سيكون قرن القصة القصيرة جدا لأنها ثمرة لصدمة الحداثة وما بعد الحداثة من سرعة متسارعة ووقت خال الفراغ بسبب انهماك الإنسان وانشغاله في همومه اليومية والمستقبلية، ناهيك عن ثورة الاتصالات الّتي تجذب الإنسان إليها جذب الضوء للفراش فتسرق منه الوقت القليل للقراءة وتضعف حوافزها, وحياة معقدة ومركبة ومتناقضة ومضغوطة ، وزوال الفواصل المكانية والزمانية والحضارية بسبب العولمة والثورة المعلوماتية واختلاط الأوراق وزعزعة البديهيات الثقافية ، والأخلاقية والاجتماعية وانهيار النماذج ومأسسة الذاتية والأنانية وضياع الحقيقة وانقلاب المفاهيم وخلخلة التوازن وفقدان المصداقية والسير العاري للملك .
إن امتداد القصة القصيرة جدا إلى أعماق تراثنا العربي وكونها حاليا استجابة مباشرة لظروف العالم العربي بعد عام 1967 عامة وحرب الخليج الأولى 1990 خاصة ، يجعلني أعتقد بأن هذا الجنس الأدبي ليس من تأثير الغرب المباشر علينا كالرواية والقصة القصيرة وإنما هو عربي الحسب والنسب، وهذا لا ينفي تأثير الغرب في بلورة بعض الخصائص وإثرائها.

من مميزات القصة القصيرة جدا
الأدب هو ثمرة الظروف الحضارية بجوانبها المتعددة التي يمر بها المجتمع وكل تغيير أو تطور في هذه الظروف يؤدي إلى مثيله في مفهوم الأدب وبالتالي إلى تعدد المذاهب الأدبية وكثرة الأجناس الأدبية لأنها قوالب التعبير ووسائله. وهذا التطور في الأدب لا يمكن نسبته إلى أديب بعينه مهما بلغ من العبقرية ، فالتطور يحصل نتيجة تراكم نتاجات أدبية من إرهاصات ومحاولات أدت إلى تطور جزئي ومستمر إلى أن يتحرر الجنس الأدبي من سابقه أو سابقيه الّتي تناسل منها ويحصل على استقلاليته . ومن يقرأ مسيرة تطور الأجناس الأدبية يلاحظ أن الكتاب العباقرة لم يبتدعوا جنسا أدبيا بقدر ما رسخوا مميزات ووضحوا ملامح هذا الجنس الأدبي الجديد ، ومع ذالك فإن تطور الأدب يقع تحت تأثيرين أساسيين : الأول خارجي والثاني داخلي.
اللغة هي وسيلة التعبير للأدب في إيصال رسالته الإنسانية ، وتستمد جماليتها من علاقتها المميزة بالجنس الأدبي الذي تخضع له ، وجمالية اللغة هذه ( من مفردات وتعابير وتراكيب ومبان وأساليب بلاغية وغير ذالك ) خاضعة إلى درجة كبيرة توجيهات الجنس الأدبي . وقد انتبه الأدب العربي منذ القدم ( ابن خلدون والجاحظ ) لهذه الظاهرة المعروفة اليوم باسم " أسلوبية الجنس" وتحدث عن تأثير الفن / الجنس الأدبي على أساليب لغته ، وأنها تختلف من جنس لآخر وعلى الكاتب أن يكون واعيا لذالك، والحكمة العربية واضحة المعنى " لكل مقام مقال ، و ،لكل حادث حديث" .
لكل جنس أدبي مميزات أسلوبية ولغوية وخصائص فنية خاصة به ، تفرض نفسها على الكاتب وعلى القارئ وعلى الناقد أيضا. فليس من الصواب أن تحكم على جنس أدبي ما بأدوات تقييم لجنس أدبي آخر ( الرواية والنوفيلا ، القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا ، القصيدة الموزونة وقصيدة النثر ) .
إن هذا التوجيه من قبل الجنس الأدبي هو في الحقيقة قيد يحدد من حرية المبدع ، فهو بمثابة المؤسسة ولكل مؤسسة تقاليدها وأعرافها وقوانينها التي تلزم كل من ينتمي إليها طوعا أو قصرا، وهذه القيود تساعد في توضيح وتحديد ملامح ومميزات وهوية الأجناس الأدبية وعدم زوال أو محو الحدود فيما بينها.وبهذا تقلل من الفوضى لأنها القواسم المشتركة العامة لجميع الأدباء .
وتجدر الإشارة إلى أن هذه القيود لا تعني حرمان المبدع من حريته ، فله مطلق الحرية في اختيار الجنس الأدبي، أولا ، وحرية الحركة داخل إطار هذه القيود/ المميزات، ثانيا، وفي تطوير وإثراء أو تهميش وتجاهل ما يريده من هذه القيود / المميزات ، ثالثا.
وأخيرا وليس آخرا، فيما يلي بعض الملاحظات :
ـ هذا الجنس الأدبي لمّا يزل في طور التطور والتبلور.
ـ رغبة في التسهيل، قمت بالوقوف على عدّة تقنيات كان بالإمكان دمجها في ميزة أساسية واحدة.كميزة التفجية الّتي تشمل عدة تقنيات منها : الإغراب والحذف والتناص
ـ ليس بالضرورة أن تحتوي القصة القصيرة جدا جميع هذه التقنيات والمميزات.

1- الحدث في الذروة :
هذا الجنس الأدبي يجب أن ينتمي إلى النص القصصي المبني على الشخصيات ونمو الأحداث فجميع المصطلحات تقريبا التي تعبر عنه تذكر صراحة مفردة " القصة " .. أقول هذا لأن الكثير من النصوص التي تندرج ضمن هذا الجنس الأدبي ( حسب رأي كاتبيها ) تخلو من هذه الميزة الأساسية وبهذا فهي تخرج من إطار هذا الجنس الأدبي لتدخل إطار جنس أدبي آخر كالخاطرة أو المقالة أو النص الوصفي أو جمل الوعظ أو الحكم أو الشعارات والقريبة من الأقوال المأثورة أو أي نص أدبي ساكن.
والنص القصصي متحرك لأنه يعتمد على سرد جمالي للأحداث، يُنتج وحدات أو خلايا سردية تكوينية تتواصل فيما بينها في سياقات وعلاقات متنوعة من أجل بناء النص القصصي وهذا التنوع هو أحد أسباب تنوع قوالب القصة. .. وإذا كان الحد الأدنى للقصة القصيرة هو تطورها في ثلاثة مراحل نمو على الأقل ، أو ثلاثة أحداث : الأول يشكل حالة البداية أو السبب ويكون ساكنا والثاني يشكل التحوّل للحدث ويكون متحركا والثالث يشكل حالة النهاية أو النتيجة ويكون ساكنا كالأول.إن نص القصة القصيرة جدا يجب أن يقدم قصة يكون الحدث فيها في ذروته نبضا وتوهجا دون تفاصيل وإلا فهو لا ينتسب لهذا الجنس الأدبي.
ومن باب التشبيه فإننا إذا أردنا الرواية علينا أن نضئ الغابة ( شريحة من المجتمع ) من جميع زواياها الأربعة ، ولهذا نكتفي بإضاءة الغابة من زاوية واحدة لنحصل على قصة قصيرة تكشف موضعا واحدا من الغابة ، ونجعل الناظر ( القارئ ) يحيط بكل ما يحتاجه من إحاطة شمولية وإشباع لفضوله وحب استطلاعه ، فالمدلول الحسي للرواية هو الرّي للأرض وإشباع الظمأ ، وأما المدلول الحسي للقصة فهو القص وتتبع الأثر وتطور المفهوم في الأدب إلى اقتطاع حادثة أساسية من سياقها الزّمني ، وأما القصة القصيرة جدا فهي إضاءة سريعة من مصباح واحد تكشف حدثا واحدا في قمة تركيزه ولحظة ذروته القريبة جدا من النهاية إلى درجة التماهي معها .

2- الاقتصار اللغوي:
جميع المصطلحات الأدبية التي تعبر عن هذا الجنس الأدبي تقريبا تشترك بأن النص يجب أن يكون قصصيا أولا وقصيرا ثانيا .. وعليه فالقصر ميزة \ خصيصة أساسية لهذا الجنس الأدبي .. وهذا القصر الكلامي من الصعب تحديده بأبعاد مادية محسوسة وقابلة للقياس كعدد الكلمات أو زمن القراءة .. فبعض القصص لا تتعدى السطرين وبعضها تتعدى العشرين سطرا فالمهم ليس الكم الكلامي ، وإنما وظيفته المقتصرة على خدمة النص ..هل وجوده هو من باب الحشو أو الإطناب والاستطراد أو التوسع الأفقي أو السطحي أم أن عدم وجوده هو من باب التكلف في التعقيد وجعل النص أُحجية ولغزا ؟*
ابتعدت عن مصطلحات الإيجاز والحذف والكثافة لأن تعاريف القصة القصيرة أجمعت عليها، وعليه فالقصة القصيرة جدا هي الأكثر إيجازا وكثافة واختزالا وهي بالتالي عملية اختصار لقصة قصيرة ضمنية .. ولهذا يتوهم البعض أنه بالإمكان تحويل كل قصة قصيرة إلى قصة قصيرة جدا بالإيجاز والتكثيف والحذف والاختزال ، والعكس صحيح أيضا . وهذا يناقض الفهم الصحيح للجنس الأدبي, فهما جنسان أدبيان مختلفان جوهريا وإن تشابهت الملامح والمميزات والتقنيات بينهما .
آثرت مصطلح الاقتصار اللغوي لأنه يحمل في دلالاته الاقتصاد اللغوي و الإيجاز والكثافة والتركيز والاختزال والحذف وما إلى ذلك, بالإضافة إلى أنه يعنى استعمال الكم الكلامي الضروري لبناء النص فلا تبذير ولا بخل وبهذا نتجنب المناقشة والاختلاف حول طول النص أو قصره ويصبح معيار حكمنا على أهمية وضرورة ودور كل كلمة وكلمة ومدى اقتصار وظيفتها وملاءمتها في خدمة النص مبنى ومعنى وليس على عددها ، لأن اللغة بناء جمالي يلائم طبيعة الجنس الأدبي , فوظيفة اللغة في النص الجيد هو بناء النص من فكرة وحدث وحالة وليس الاقتصار على نقله أو تصوره . وإن كنت أرى أنه من المفضل مراعاة القصر وإلا فلا حاجة لوجود " القصيرة جدا" في مصطلح هذا الجنس الأدبي . وبكلمات في القصة القصيرة لا وجود إلا للشيء الأساسي والمقتصر على وظيفته.

3- التطرف في مميزات القصة القصيرة :
إن تعريفات القصة القصيرة ،( ومنذ إدغار ألن بو وموبسان وغوغول وتشيخوف ) تتحدث عن التركيز والإيجاز والاختزال والكثافة في الشخصيات و الأحداث والزمان والمكان والاكتفاء بالإيحاء فهي تدور حول حادث واحد ينمو بسرعة في اتجاه واحد غير متشعب ضمن حبكة مركزة نحو النهاية ولا وجود واضح للذروة البنائية لأنها تتمحور في نهايتها حيث التأزم والذروة ولحظة التنوير وكل ذلك لتترك في القارئ وحدة الأثر أو الانطباع .. وليس كما الرواية حيث تتنوع فيها الشخصيات وتتشعب الأحداث وتكثر الأماكن وتتداخل الأزمنة وغير ذالك .
وجميع هذه المميزات تقريبا وغيرها موجودة في القصة القصيرة جدا .. ويرتفع السؤال بحدة " ما الفرق ؟ " والجواب أن هذه المميزات موجودة ولكن بصورة متطرفة بحيث تصبح القصة القصيرة جدا مقارنة بالقصة القصيرة هي الأكثر تركيزا وإيجازا واختزالا وكثافة والأقصر زمنا والأسرع نموّا والمكتفية بشخصية مركزية واحدة وحدث في ذروة ونهاية نموه ومكان محدد أو غير محدد بالمرة .. وبداية مباشرة تقريبا بدون تمهيد وسرعة مندفعة الحدث نحو الذروة ، لأن الاهتمام هو بنهاية القصة وهذا من أسباب الإيجاز والاقتصار أيضا.. وهذا لا يعني أبدا بأن اختصار القصة القصيرة يجعلها قصة قصيرة جدا لأن الاختلاف بينهما جوهري رغم ما نجده من التشابه في أساليب التعبير والخصائص الفنية ، لأنها في تجاوزها من جنس لآخر عليها أن تتكيف لطبيعة بيئتها الجديدة وهذا مما يساعد على عدم زوال الحدود بين الأجناس الأدبية وحفاظ كل جنس أدبي على مميزاته وتقنياته الّتي تبلور هويته إلى حد بعيد مهما بلغ التماس والتمازج . بالإضافة إلى أن القالب / الجنس الأدبي ليس وعاء للتجربة وإنما هو التجربة نفسها والتجارب تختلف باختلاف الظروف التي تؤدي إلى ظهور أجناس أدبية جديدة تقدم تجارب مختلفة من حيث المضمون والموقف واللغة والمبنى.

4- الشعريّة القصصية:
" القصة القصيرة جدا " تناسلت في الأساس من النص القصصي ومن الشعر ، فمن النص القصصي أخذت الشخصية والحدث ومن الشعر أخذت الاقتصاد اللغوي والاقتصار على الضروري ذي الدلالة من تركيز وكثافة وإيجاز وحذف ناهيك عن التوهج والنبض والرمز والإيحاء والقراءات المتعددة ..
وعليه فبالإمكان اعتبارها الأدب الوسيط بين النص القصصي والشعري والساكن في مساحة المزج بين القص والشعر نتيجة انزياح كل طرف نحو الآخر دون فقدان القصصية ، من جملة السرد وتتابع الحدث .. والحذر من التحول إلى الشعر ، فالنثر يوفر الفكرة في تتابع جمالي مطرد والشعر يوفر الحالة الشعورية أو التجربة في ثوب من الدهشة والإثارة .



وهذا الانزياح لا يقتصر بالضرورة على اللغة والمبنى بل يتعداهما إلى المضمون والفكر والقيم والمعطيات المألوفة والمعتقدات السائدة .. لان الانزياح يعني الرفض والتمرد على الموروث والمألوف والمتداول جاعلا النص أكثر دينامية وتوترا وغنى وذالك بما يوفره له من دلالات وإيحاءات وإشراقات متعددة بسبب اتساع زاوية المعنى بين ضلعي المعجمي والمجازي . والقصة القصيرة جدا هو القالب المناسب ..

5- الدهشة:
بسبب الكثير من التقنيات أو الخصائص التي تميز القصة القصيرة جدا من نهاية لا تنتهي مع نهاية القراءة بل تبتدئ البحث والتأويل, وإغراب وتوهج للحدث وهو في الذروة ورمز ومفارقة, وتتابع الأحداث في فوضى منظمة بالنسبة للكاتب لكنها غير متوقعة بالنسبة للقارئ , وفجوات وأسلوب شاعري وغير ذلك يصاب القارئ بالدهشة والحيرة والإثارة والمفاجأة والابتسامة أثناء القراءة ولكنها تتعمق مع انتهائه من قراءة النص .. لأن الدهشة تكون نتيجة لمجمل النص فمحور القصة وتركيز الحبكة يقعان في نهايتها .. هذه الدهشة تضطر القارئ إلى القراءة من جديد وإعادة النظر من جديد وفهم العلاقات بين عناصر النص من جديد من أجل ترتيب منطقي إيحائي لما بدا من ترتيب فوضوي وغير منطقي للوهلة الأولى .

6- الإغراب:
الإغراب هو الإتيان بغير المألوف (4) على مستوى الحدث أو الشخصية أو المكان أو الزمان، وهو يجعل الواقع النّصي غريبا عن الواقع الخارجي وهذه الغرابة تربك القراءة التلقائية البسيطة والمتوقِعة لأنها تعتمد على التتابع المنطقي للأحداث، وترفع مستوى النص من الصراحة المباشرة إلى الرمزية والغموض ومن التأويل الواحد إلى تعدد التأويلات ، وتجعل من القراءة حوارا مثمرا بين النص والقارئ وعمق هذا الحوار يتعلق بثقافة القارئ وجودة النص ، ناهيك عن الاقتصار والاقتصاد اللغوي الذي يفرضه على النص ، وعليه فالإغراب تقنية / خصيصة مهمة جدا لهذا الجنس الأدبي .
وهي من أهم أساليب" التفجية"(5) المتعلقة بالقارئ والنص، فالقارئ تقع عليه مسؤولية ملء الفجوة بينه وبين النص والتي كانت نتيجة مباشرة للفجوة الأولى والتي أحدثها الإغراب بين النص وواقعه الخارجي
وهذه الفجوة تبطئ عملية القراءة تستفز القارئ وتتحدى ثقافته فيضطر أن يستعد للحوار وذلك بترتيب قرراته العقلية والوجدانية وحتى المادية ويقوم " بالهجوم " على النص ويقوم النص بالتمنع والدفاع وتطول المعركة ويستسلم ليعلن عن ضحالة ثقافته أو عدم استعداده أو يستمر الحوار

7- أكثر من قراءة:
نص " القصة القصيرة جدا " يوفر للقارئ المُحاور والفعال أكثر من قراءة أو تأويل ( قراءة سياسية، اجتماعية ، فلسفية ، إنسانية ، اقتصادية ، نفسية وغير ذلك، وإن كانت القراءة الفكرية \ الإنسانية \ الفلسفية المصبوغة بالعبثية هي الأساس ) .. ولهذا فالنص ليس صريحا ومباشرا يقدم ما عنده من مضمون في نثر بسيط ساذج لا يعرف أي انزياح في المعنى أو المبنى ، ولكنه نص فني راق وصعب جاء ليطرح فكرا يتحدى ثقافة القارئ العقلية والوجدانية ويحاوره في أكثر من مجال وحقل وعلى أكثر من مستوى .. وهذا ما يجعل هذا الجنس الأدبي يختلف عن قصة المثل الخرافي ( قصص كليلة ودمنة ، قصص أيسوب ) لأن هذه القصص تقدم تفسيرا حياتيا واحدا بمعنى أنه يوجد لشخصياتها وأحداثها ما يوازيها في الحياة ، وأما بالنسبة للنادرة واليها تعود القصة القصيرة جدا في جذورها فهي تقدم قراءة فكرية واحدة من خلال مرجعية تاريخية محددة ومعروفة زمانا ومكانا وأشخاصا بينما القصة القصيرة جدا محررة من هذه المرجعية .
وبهذا فهي ترفض القارئ الذي يكتفي بقراءة السطور والاكتفاء بأخذ المعنى الصريح والمباشر، وتتصالح مع القارئ الذي يتجاوز قراءة السطور محاولة التفسير والفهم والاستفادة وأخذ المعنى الضمني من خلال قراءة ما بين السطور ، ولكن القارئ الذي تتمتع بالعلاقة معه هو الذي يتجاوز القراءتين فلا يكتفي بأخذ المعنى وإنما يعتمده من أجل إعطاء معان متعددة من خلال التأويل وقراءة ما وراء السطور .. وعندها تكون القراءة عبارة عن حوار ممتع وجميل ومثر بين القارئ والقصة.. وكما كتبت في كتابي ( مسافر في القطار 1972) " إن العمل الأدبي الناجح لا يسلم نفسه من المعاشرة الأُولى ".. ولما أزل أحمل هذا الرأي.
************
1 ـ المصطلح
أزمة المصطلح في الأدب العربي معروفة للجميع ، يوجد نقص وفي الوقت نفسه توجد عدة مصطلحات للظاهرة الأدبية الواحدة ، وتعود الأسباب الى عدة عوامل منها :
ـ تقصير المؤسسات الأدبية واللغوية في عدم مواكبة التطورات السريعة في كل مجالات الحياة عامة والأدبية خاصة.
ـ عدم الاتفاق بين هذه المؤسسات على مصطلح واحد وذالك لأسباب ذاتية / نفسية أكثر منها موضوعية.
ـ الجهود الفردية المستقلة ، وقد يتعصب كل أديب لاقتراحه لأسباب ما، فتكثر المصطلحات للظاهرة نفسها.
ـ من المصطلحات التي استعملت لهذا الجنس الأدبي على سبيل الذكر لا الحصر : القصة القصيرة جدا ، القصة الجديدة ، القصة الحديثة ، القصة اللحظة ، القصة البرقية ، القصة الذرية ، القصة الومضة ، القصة القصيرة القصيرة ، القصة القصيرة للغاية ، القصة الشعرية، الأقصوصة القصيرة ، اللوحة القصصية .

2 ـ الجنس الأدبي
الأدب كائن حي يرفض الاستقرار في مذهب أدبي واحد وبعض أجناس أدبية ، فهو ينمو ويتطور ويتأثر ويتناسخ ويتغيّر ويتبلور في بناء فني للغة يعبر أو يخلق التجارب الإنسانية العليا من خلال هندسته للنفس الإنسانية وصياغته الأخرى والبديلة للواقع الذي يعيشه الأديب ، فيزيدنا معرفة وفهما وإحساسا بأنفسنا وبالحياة ويربطنا بهما أكثر ارتباطا مؤثرا يجعل لنا قيمة ومكانا ذا دلالة في رحلة البحث عن الحقيقة .
إن التطور والتغيير الذي يصيب الواقع الحضاري من أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية وثقافية ونفسية ومادية يفرضان تغييرا في مفهوم الأدب الذي يستمد مادته الخام الأولى من مناخ هذا الواقع الحضاري وظروفه. بالإضافة إلى دور التفرد الفذ للأديب العبقري والمجتهد ، لأن موقف الأديب يتشكل طبقا لظروف مجتمعه وعالمه متراوحا بين التأييد أو المصالحة أو الرفض .
هذا التطور والتغيير في مفهوم الأدب تعريفا ووظيفة يتطلب بالضرورة تعبيرا مناسبا لروح العصر وملامحه واحتياجاته وهكذا ينشأ المذهب الأدبي كثمرة لظروف الواقع المختلفة واتجاها جديدا وعاما في التعبير يعكس موقفا فكربا مؤثرا في نسب التعامل مع دعائم التعبير الأدبي المعروفة من عقل وعاطفة وخيال وأسلوب . ويبقى المذهب الأدبي سائدا حتى تضعف أو تتلاشى أسبابه فيتخلى تدريجيا عن مكانه لمذهب أدبيا جديد يكون أكثر استجابة الظروف الواقع الجديد والدائم التجدد وعبقرية الأديب واجتهاده وهذا لا يعني أبدا اختفاء جميع ملامح وآثار المذهب الأدبي السابق .
وهكذا توالت المذاهب / المدارس الأدبية بدءا بالكلاسيكية ثم الرومنسيه ثم الواقعية ثم الرمزية ثم الوجودية وغيرها وانتهاء بالحداثة ثم ما بعد الحداثة .
وإذا كان المذهب الأدبي يعكس توجها فكريا عاما في التعبير فأن الأجناس الأدبية على اختلافها هي الوسائل والقوالب التطبيقية للمذهب الأدبي ولكل جنس أدبي ملامحه وصفاته وتقنياته وتقاليده ومواضيعه الخاصة به والتي تميزه عن غيره , والأجناس الأدبية تتناسل من بعضها البعض كما المذاهب الأدبية بالإضافة إنها تعيش متجاورة في ظل المذهب الأدبي الواحد , وهذا التجاور يعني التأثر المتبادل فيما بينها وكثيرا ما يحدث لصفة ما تنتقل من جنس أدبي إلى آخر وتصبح مركبا أساسيا فيه وهذا التجاوز أ, التبادل مهما كثر لن يلغي نهائيا الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية بل يثريها .
تجدر الإشارة إلى أن نظريه الأجناس الأدبية قد مرت في عدة مراحل أبرزها :
ا- نقاء الجنس الأدبي ووضوح الحدود بينها .
ب- تناسل الأجناس الأدبية من بعضها البعض .
ج- استقلالية النص الأدبي واعتباره جنسا أدبيا قائما بذاته بسبب ما يحدث مؤخرا بين الأجناس الأدبية من التجاور والتجاوز والتماس والتداخل , والتشابك والتمازج … مما أدى إلى زوال الكثير من الحدود بينها ونشأ النص العبر نوعي / جنسي .

3- بدايات القصة القصيرة :
في عام 1913 نشر ميخائيل نعيمه (لبنان) قصته القصيرة (العاقر )
في عام 1917 نشر محمد تيمور (مصر) قصته القصيرة (في القطار)
في عام 1904 نشر محمد لطفي جمعه (مصر) قصته القصيرة (في بيوت الناس ) ولكن تجاهل ريادتها قد يعود إلى كونها قريبة من الفن القصصي للمقامات وليس من الفن القصصي الحديث والخارج من عباءة موباسان وادغار الن بو وغوغول وتشيخوف .
4- الإغراب :
تحول المرأة إلى شجره في قصة (خضراء ) لزكريا تامر .
وجود الأسد داخل الثلاجة وأكله من قبل الزوجين في قصة (افتراس) لمحمد علي سعيد.
افتراس النعجة الضعيفة للأسد في قصة (الشهوة ) لأحمد أسدى .

5 - التفجية :
هذا مصطلح اللغوي من وضع أستاذ الأدب الحديث في جامعة حيفا الناقد د . إبراهيم طه وقد نشر دراسة بعنوان (نظام التفجية وحواريه القارئ) في مجلة الكرمل العدد 14 لعام 1993 الصادرة عن قسم اللغة العربية في جامعة حيفا (لقد استعمل المصطلح شفويا فبل ذلك بكثير أثناء محاضراته) .
وهو يقسم الفجوات إلى مجموعتين :
ا- فجوات النص : وتعنى باستبدالات مكانيه داخل النص فقط وتشمل : الاستطراد , الاسترجاع , التضليل , التغليق , التدريج / التمديد .
ب- فجوات القارئ وتعنى بالحوار بين القارئ والنص وتشمل : الحذف , نظام الترميز , الإغراب , التناص , العلاقات الضدية .[/b]

م. هناء عبيد
11-13-2010, 06:05 AM
اشكرك استاذ يعقوب على هذه الإفادة الكبيرة
كل مودتي

بهجت مناصرة
12-06-2010, 01:18 AM
الاخت هناء لقد احسنت فقد اتت هندستك على زوايا السؤآل الذي يعري اضلعنا فتدخل الزملا وشيدو البنيان الذي يقينا من لسعات البرد الناقده
تحياتي لك وللزملاء الذين شاركو