المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقالات نقدية عن القصة القصيرة جدا



يوسف فضل
06-07-2012, 05:01 PM
أضع قصتي التالية عن فهمي للقصة القصيرة جدا كمقدمة للمقالات أدناه .
قصة (ق.ق.ج)
يحكى أن قصة قصيرة جدا لم تستطع أن ترى كل شيء لقصرها . راحت تسرد نفسها رصدا بلغة توترية استحواذية . بحروفها الأولى ، تمسك قارئها بأسلوب الحذف الفني والاقتصاد الدلالي وتلقه كالرصاصة في بؤرة الفكرة ، ثم تحمله برشاقة الإبهار إلى فضاء كلمة الحق حيث لا عقدة ولا حل، وتقفز فوق مكب القفلة لتحط بهدوء على شاطئ نظرية انسيابية الموج .

يوسف فضل


نشر ملحق الثقافية الذي تصدره جريدة الجزيرة وعلى مدى أسبوعين مقالات نقدية عن القصة القصيرة جدا . تبقى المقالات بمثابة اجتهادات عن القص الوجيز . ارفعها لمن يرغب الاطلاع عليها .


القصة القصيرة جداً: رؤى وإشكاليات
د. حسين المناصرة
(1) تقديم
كانت التجربة ماتعة، عندما استجبت لطلب الأستاذ القاص خالد اليوسف قبل أكثر من خمس سنوات، فكتبت مقاربة آنذاك عن جماليات القصة القصيرة جداً بعنوان:»جماليات المغامرة: قراءة في إشكاليات القصة القصيرة جداً». وقد بدا لي في حينها أن تلك المقاربة قد لاقت استحساناً ما من بعض متلقيها، وبخاصة من خلال عديد من إشارات الباحثين والدارسين إليها، وقد نشرت في المجلة الثقافية بجريدة الجزيرة مع ملف قصصي أعده اليوسف، يحوي قصصًا قصيرة جداً لقاصين سعوديين؛ حيث كانت تلك المقاربة في أجواء قصصهم...

فناقشت فيها عدداً من جماليات المغامرة السردية في القصة القصيرة جدًا؛ كاللغة السردية، والمجاز والتكثيف، والاحتفاء بالعادي والمألوف، والذات وإثارة الأسئلة، والمفارقة، والتجريب وعناصر السرد، وصدمة القارئ،... إلخ.

لكنني اليوم أجد قلمي متعثراً إلى درجة ما، بعد أن طلب مني القاص خالد اليوسف أن أكتب مرة أخرى في أجواء القصص القصيرة جداً، التي جمعها في ملف خاص، شارك فيه حوالي ستين قاصاً وقاصة، لهم أكثر من مئتين وخمسين قصة قصيرة جداً...

ولعلّ السبب المباشر في تعثري وقلقي تجاه مغامرة الكتابة مرة أخرى في هذا السياق - وربما عدم شعوري بمتعة القراءة - يكمن في ضرورة أن أتجاوز ما كتبته في القراءة السابقة من جهة، وأن أنظر إلى القاصين والقاصات بمنظور مختلف، خاصة بعد أن نشر بعضهم مجموعاتهم القصصية القصيرة جداً، وأيضاً دخل إلى حيز القصة القصيرة جداً عدد من القاصين والقاصات، ما يشير إلى أنّ هذا الملف فيه تنوع واضح وتفاوت في مستويات السرد أيضاً.

ليس بإمكان أية مقاربة نقدية أن تقول كل شيء عن هذه النصوص، أو أن تحلل النصوص كلها، أو تشير إلى الأسماء كلها، أو أن تحاول أن ترسم خصائص في الرؤى والجماليات لكل قاص وقاصة على حدة أو حتى مجتمعين...

فهذا أمر شبه مستحيل، وهو كتابة نقدية «غبية» على أية حال - إن جاز هذا التعبير القاسي - لأنّ قصة قصيرة جداً واحدة، تتكوّن - على سبيل المثال - من خمسة أسطر أو أقل، يمكن أن يعاد إنتاجها نقدياً في عشرين صفحة أو أكثر؛ كما يظهر في عديد من المقاربات النقدية المهمة لقصص قصيرة جداً بعينها.

بكل تأكيد، تعد الكتابة النقدية أو القراءة هنا مغامرة؛ لا تعرف كيف تبدؤها، وإلى أين سينتهي بك المطاف مغامراً، ومتعثراً، وغير مؤيد بقوى سحرية؛ كالحصان الذهبي، أو السيف الفضي المنتصر دوماً!! إذن، هي محاولة أو مغامرة للتفاعل مع بعض الأسماء والنصوص، ولا مناص من الحديث عن اللغة السردية، والتكثيف والمجاز، والعادي والمألوف، والمفارقة، والذات وإثارة الأسئلة، والمفارقة، والتجريب، وعناصر السرد، والصدمة، وغيرها.

ويبقى السؤال المهم: ماذا سننتج في هذا السياق التعجيزي؟! وهل هذا الإنتاج المتوقع سيريح الناقد أو المبدع أو المتلقي؟! أم أن قطع اليدين ربما يبدو أخف عبئاً من الكتابة عن حوالي ستين قاصاً وقاصة وأكثر من مئتين وخمسين قصة قصيرة جداً في عدد محدود من الصفحات؟!

(2) ما القصة القصيرة جداً؟

رغم سهولة الإجابة عن هذا السؤال؛ إلا أنّ مشروعية القصة القصيرة جداً ما زالت تكمن في مشروعية الاعتراف بها، وبخاصة عندما نجد استسهالاً للكتابة في مجالها؛ وكأنّ هذا الفن السردي مُلقى على قارعة الطريق، بلا ثمن أو أنه بأسعار بخسة جداً، ومن ثمّ فإن من حق فلان أو علان أن يصبح قاصاً، بمجرد أن يكتب خمسة أو عشرة نصوص، وينشرها في موقعه الرقمي أو غيره.

الرواية نص، والقصة القصيرة نص، والقصة القصيرة جداً نص، وكاتب الرواية سارد كما هو حال كاتب القصة القصيرة جداً.

إذن - وفي هذا السياق تحديداً - يبقى السؤال مطروحاً: ما القصة القصيرة جداً؟! إنه سؤال محوري، يحدد مفهوم هذه القصة، وجمالياتها، ومدى مشروعيتها، ومتى تتعرى من الجماليات الفنية، وإلى أي درجة يمكن أن تكون نزقة، غير قابلة للتعريف أو التصنيف، ومن ثمّ فهي نص سردي، وهي تعبر عن ذاتها بذاتها، لا من خلال معايير أو إسقاطات أو أحكام مسبقة نكوّنها عن هذا الفن أو غيره...

يمكن أن نعود إلى مراجع عديدة، فنحاول من خلالها أن نستنتج تعريفات عديدة ومعايير قلقة أو غير مستقرة، تحاول أن تعرّف القصة القصيرة جداً... لكن المنظور التنظيري عادة ما يفقد أهميته في سياق مشروعية هذه الكتابة التجريبية، سواء أكانت هذه الكتابة سردية أم شعرية أم درامية أم غيرها.

وإذا تصورنا في المستوى السردي نفسه أن هناك رواية، وقصة، وقصة قصيرة، وأقصوصة، وقصة قصيرة جداً...

فإن الحجم يبدو هو المعيار الحاسم في التمييز بين هذه الأنواع السردية، كما هو حال الوزن والقافية - من الناحية الشكلية - عند التفريق بين الأنواع الشعرية، ولسنا هنا معنيين بهذه التعريفات كلها.

الحجم عتبة أولى مهمة لتعريف القصة القصيرة جداً، وهذا ما دعانا إلى التأمل السريع في حجم هذا الفن من خلال مجموع القصص الذي تجاوز مئتين وخمسين قصة قصيرة جداً، في هذا الملف الذي أعده القاص اليوسف، وكانت النتيجة أن أقل حجم في متن القصة القصيرة جداً بلغ أربع كلمات (حوالي خمس ق.ق. جداً)، وأن أكبر حجم لهذه القصة بلغ حوالي 270 كلمة (قصة واحدة)، في حين تراوح حجم جل القصص بين 20 و60 كلمة.

ولعلي أزعم أنّ نص القصة القصيرة جداً المثالي ينبغي أن يكون في حدود خمسين كلمة.

ومن ثمّ فإنّ أي حجم هو مبرر ومشروع وغير قابل للمصادرة ما دام يقل عن ثلاثمئة كلمة في تصورنا غير المثالي للسقف الأعلى الذي يصل إليه حجم القصص القصيرة جداً.

ومع تحديد الحجم لا نزعم أيضاً بأن القصة القصيرة جداً قد أصبحت معرّفة تعريفاً جامعاً مانعاً، وإن كان الحجم ضرورياً في تعريفها أو تحديد مفهومها من الناحية الشكلية؛ لأن هذا الفن يحتاج إلى قيم جمالية وإنشائية أخرى، تفضي به إلى أن يكون قصة قصيرة جداً ذات مستويات محددة في عناصرها السردية أو في اللغة المكثفة المشحونة بالرؤى والدلالات المتشكلة في متنها، إضافة إلى سلامة اللغة والتراكيب؛ لأنّ هذه القصة لا تحتمل الترهل والركاكة والإنشائية المسطحة، واللغة الشعرية التجريدية، التي تفضي بهذه القصة إلى ثوب آخر هو قصيدة النثر، التي لها شروطها وجمالياتها، وهذا ما يفسر كتابة بعض القصص كأسطر شعرية مشابهة لقصيدة النثر، وهذا لا يضير - على أية حال - القصة القصيرة جداً؛ لأن كثيراً من نصوص قصيدة النثر يمكن أن يعدّ قصصًا قصيرة جداً، لو كتب بالطريقة السردية لا الشعرية، وهذا يجعل المساحة الفنية ليست شاسعة بين خطابي القصة القصيرة جداً وقصيدة النثر، إذا حافظ هذان الخطابان على حجم القصة القصيرة جداً- كما أسلفنا.

إذا اعتبرنا تعريف القصة القصيرة جداً حجماً من جهة، وشروطاً فنية من جهة أخرى؛ فإنّ الاحتراف في كتابة هذه القصة ينبغي أن يكون من ضمن التجربة المتكاملة للقاص؛ الذي ينبغي - إلى درجة ما - أن يكون على وعي تام بكون كتابة القصة القصيرة جداً أمراً ليس سهلاً، وأنّ القاص ينبغي أن يكون كشاعر قصيدة النثر الذي يكتب شعر التفعيلة والشعر العمودي؛ لذلك يكون كاتب القصة القصيرة جداً قاصاً في الأصل (يكتب القصة القصيرة) وربما روائياً أيضاً؛ حيث يصبح هناك معنى لكتابة القصة القصيرة جداً من خلال احترافية الكتابة، دون أن يكون في هذا الأمر تعميم ومصادرة لمشروعية الكتابة وكتابها... لكننا نلحظ أن كثيراً من المبرِّزين في هذا الفن القصير جداً، هم في الأساس قاصون وروائيون في الوقت نفسه، وفي الأقل هم قاصون من خلال وجود مساحة اختلاف محدودة بين خطابي القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً.

(3) سيميائية العناوين

يعد العنوان في أي خطاب إبداعي دلالة سيميائية محورية، خاصة إذا نظرنا إلى كثير من الدراسات النقدية التي اتخذت العناوين مجالاً للدراسة، بصفتها عتبات تشير إلى بعض السيميائيات والدلالات المفضية إلى تكوين قيم جمالية في حجم العنوان ومجاله ودلالاته الظاهرية والعميقة، من خلال كونه المفتاح الرئيس أو أحد المفاتيح الرئيسة لاكتشاف النص أو الخطاب وتفسير محمولاته الفنية والدلالية.

من جهة الحجم، بدت عناوين القصص القصيرة جداً محققة لشروط حجم العنوان في الاقتصار على كلمة واحدة، حيث تجاوزت العناوين ذات الكلمة الواحدة مئتي عنوان، وذات الكلمتين أربعين عنواناً، وذات ثلاث الكلمات ستة عناوين، وذات أربع الكلمات عنواناً واحداً فقط.

وهذا الأمر يشير إلى أن القصة القصيرة جداً لا تحتمل أكثر من كلمة واحدة؛ لأن المتن محدود الكلمات، ومن ثمّ فإن العنوان ينبغي أن يكون ومضة دلالية، والدلالة عادة تنطلق من كلمة، كما ينطلق المعنى من الجملة، والفكرة من نص القصة القصيرة جداً.

وكان واضحاً في جلّ القصص -إن لم يكن في كلها- أن العنوان هو بؤرة المتن حضوراً أو غياباً، وهذا يشير إلى أن حجم القصة القصيرة جداً لا بدّ أن يفضي إلى إفراز هذا العنوان أو إنتاجه، بصفته خلاصة القصة أو زبدتها أو القلب الذي تنبض من خلالها، أو أية دلالة أخرى مشابهة.

وعندما نتأمل جيداً في دلالات العناوين وحقولها؛ فإننا نجدها - في العموم - قد جاءت من حقول عديدة، يمكن تلخيص أهمها في الآتي:

1- حقل الإنسان: علي، إنسان، حورية، بنت الجيران، الأعرج، المسؤول، فتاة، أنا، الأعمى، مواطنة، جميلة، فرحان، صديق، رجل، مجنون، سيد، السجين، دخيل، ناقصة دين، سندريلا، أحفاد، أنثى، لص، امرأة، النساء، الشيخ، الجندي، الطاووس، مجرم، طفولة، إلخ.

2- حقل المشاعر: أمل، ثائر، رثاء، أهازيج، أمنية، ضياع، حلم، غناء، عطاء، حيرة، تردد، دهشة، سعادة، الغرور، بؤس، دندنة، كابوس، إنسانية، توق، وحدة، أفراح، الدوار، ندم، صرخة، قمة التخيل، تشاؤم، حسد، إحباط، مكابدة، التعب، الهوى، نرجسي، جنون، غرور، خيبة،... إلخ.

3- حقل الممارسات أو التصرفات: إبطاء، عجالة، شبق، محاكمة، إدمان، مداهمة، تسول، الصلاة، قرار، انتظار، سقوط، انشقاق، خيانة، تقبيل، شنق، سقوط، سباق، استلاب، إذلال، وأد، انتهاك، هبوط، تزمت، ...إلخ.

4- حقل الظواهر والأشياء: برق، شيء، قناع، ورقة رسمية، مهنة، أرصفة، سجون، ورق، مانجو، الشام، الكعب العالي، أمن، الأرض، زمن، مشرط، قفص، موت، جوع، خط أحمر، نافذة، دين، ميلاد، الأرجيلة، أرجوحة، وسادة مثقوبة، كرة، أحمر شفاه، ميزان، طفولة، الوردة، سمكة زينة، أغنية، علكة، بؤساء، فصول، سقف، رصاص، رقابة، جنازة، انفجار، انكسار، دوي، اتجاه، أزمة، لغة، سكر، ظلام، الجنة، حدود، لوحة، المدرج، شتاء، درج، باب، نخلة، بقشيش، احتضار، الياسمين، حمى، غابة، صرير باب، لمعان، المؤشر، حجارة، ظل، ولادة، ...إلخ.

بكل تأكيد، هذه مؤشرات إلى نوعية العناوين في تصنيفاتها العامة، دون أن يلغي هذا التصنيف وجود تداخل بين هذه الأقسام أو الحقول الأربعة.

لكن المهم في هذه العناوين وغيرها أنها جاءت من حقول مألوفة، وهي تحمل دلالات عميقة عند التأمل فيها من جهة الإيحاءات الواسعة التي تفضي إليها هذه الكلمات في مستوى علاقتها بالثقافة والوعي المتشكلين داخل المتلقي، الذي لا بدّ أنه سينظر إلى هذه العناوين في دلالاتها المجازية لا الحقيقية أو الواقعية؛ فعندما تتأمل كلمة « نخلة» مجازياً سندرك تحولاتها المجازية والدلالية قبل أن تنظر إليها بصفتها نخلة عادية تعيش في الواحات وتنتج ثمراً؛ لأن النخلة يمكن أن تكون امرأة أو مدينة أو تراثاً أو اقتصاداً أو ما إلى ذلك، وهذا التحول الذي تكتسبه العناوين مجازياً ودلالياً هو الأهم من غيره عند تحليلها أو ترميزها في سياق الإيحاء والرمز.

(4) أسماء في حيز ال ق.ق. جداً

لعلّ النظرة المتأنية إلى تشكيلة الأسماء المشاركة في هذا الملف القصصي تفضي إلى غلبة القاصين على القاصات، حيث لم يتجاوز عدد القاصات إحدى عشرة قاصة، من بين سبعة وخمسين قاصاً وقاصة؛ أي أنهن يمثلن أقل من عشرين بالمئة من مجموع القاصين والقاصات، وهذا له دلالة إشكالية، ربما تفيد بأن القصة القصيرة جداً تعد كتابة ذكورية بالدرجة الأولى؛ أي - في الأقل- من خلال هذا الملف أو هذه الأنطولوجيا في القصة القصيرة جداً.

والنظرة الأخرى التي يمكن أن نستنتجها؛ هي وجود تنوع في مستويات القاصين والقاصات، حيث نجد قاصين لهم باعهم الطويل في كتابة القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً، نذكر منهم على سبيل المثال: جارالله الحميد، وجبير المليحان، وخالد اليوسف، وشريفة الشملان، وعبد الحفيظ الشمري، وعبد العزيز الصقعبي، وفهد المصبح، ومحمد الشقحاء، وغيرهم.

وهناك أيضاً أسماء أخرى، ربما هذه المرة الأولى التي أقرأ لهم فيها قصصاً قصيرة جدًا، وهي أسماء كثيرة، ربما يكون هذا عيباً فيّ، لكنني أعتقد أنّ قراءتي لمجمل القصص لن يؤثر فيها كون القاص معروفاً أو غير معروف؛ لأن النص هو الذي يعرّف صاحبه، فالأخطاء اللغوية على سبيل المثال لا تفرق بين قاص محترف وآخر ما زال يحبو في مجال الكتابة الإبداعية، إذا غفل أحدهم عن مراعاتها.

ومع ذلك كان في القصص ما يؤكد احترافية الكتابة لدى مجموعة من القاصين، وهناك قصص أخرى تدل دلالة مباشرة على أنها في مستوى فني متواضع جداً، ومن ثمّ ليس لها من فن القصة القصيرة جداً إلا بعض المظاهر السردية الشكلية.

وليست وظيفة القارئ أو الناقد هنا أن يصنف القصص تصنيفاً معياريًا بحسب الجودة والرداءة وما بينهما أو غير ذلك، ولكن من المهم أن نفهم جيداً بأن كتابة القصة القصيرة جداً تخدع كاتبها؛ فهي لا تحتاج في ظاهرها إلى كثير من العناء والتعب والاشتغال على الذات، وهذا هو الفهم الخاطئ الذي حفّز كثيراً من الكتاب والكاتبات نحو كتابة القصة القصيرة جداً، وأيضاً قصيدة النثر التي تشبه القصة القصيرة جداً، اعتقاداً منهم أن الكتابة في هذا المجال إشكالية تجريبية من جهة، وسهلة من وجهة نظرهم من جهة أخرى، وبالنسبة إلينا كمتلقين فإن العبرة في المحصلة هي أن يكون القاص ناشراً لقصصه في مدونته الرقمية أو موقعه التواصلي الاجتماعي؛ لقراءتها والتعرف إليها كتجربة سردية جديدة محتفى بها أو أنها عادية لا تستحق الاحتفاء بها.

بل في الحقيقة أن كثيراً من التغريدات في «التويتر»، و»الفيسبوك»، والمنتديات الرقمية المختلفة، وغيرها، قد يعدها أصحابها من باب القصة القصيرة جداً؛ لذلك كثر كتاب هذا الفن، الذي يفترض بنا أن نضع كثيراً من العوائق والمطبات أمام مغامرة الكتابة في مجاله.

لا يقصد من وراء أسماء في حيز القصة القصيرة جداً أن نحبط بعض القاصين والقاصات، وأن ندعوهم إلى الإقلاع عن كتابة القصة القصيرة جداً، أو حتى التفكير كثيراً قبل كتابتها؛ لأن ما قصدته أن هذا الفن ما زال في بدايات التنظير له فنياً وجمالياً، وأن الحديث عن الكتابة السردية في ضوء القصة القصيرة جداً ما زال يدور حوله كثير من التحفظات والمحاذير؛ إذ كيف نسمح لأنفسنا أن نكتب القصة القصيرة جداً دون أن نكتب قبل ذلك القصة والقصة القصيرة وربما الرواية، لأن هذه الممارسة ضرورية جداً قبل أن نمارس كتابة هذا الخطاب الأكثر حداثة من غيره في تصورنا، ومن ثمّ فإنّ الإقلال في مجال هذه الكتابة ميزة يمتاز بها القاصون المقلون، الذين يحرصون على أن تكون قصصهم القصيرة جداً تتصف بجماليات نوعية، مع الحدّ من الكم في ذلك ؟! هنا لا بدّ أن ننظر إلى القصة القصيرة جداً في المستوى النقدي بصفتها خطاباً ليس عظيماً أو مهماً، ما دام هناك كثير من كتابها، لم يراعوا ضرورة الإقلال من هذه الكتابة القصيرة جداً؛ حتى لا تتهم كتابتهم هذه بأنها مجرد خواطر وتغريدات لا علاقة لها بالسرد أو بالشعر أو بغيرهما في مجال الإبداع أو الكتابة الإبداعية! والسؤال الذي يفرض نفسه - إذن - ما مساحة الكتابة وحجمها في هذا المجال؟! تتلخص الإجابة في أنه ينبغي ألا يتجاوز عدد القصص القصيرة جداً مئة قصة للقاص الواحد؛ أي في حدود مجموعتين في الأكثر، وألا يزيد حجم القصة على سبعين أو ثمانين كلمة؛ حتى لا تتحول القصة القصيرة جداً إلى قصة قصيرة أو أقصوصة.

(5) في الفن والجماليات

لا شك في كون القصة القصيرة جداً فنًا سرديًا، يمتلك جمالياته الخاصة، من خلال عدد من العناصر، بدءاً من الحجم الضيق أو الصغير كما أسلفنا، مروراً باللغة الشعرية، المكثفة، الدقيقة، الدالة، التي لا تقبل أي حشو أو ترهل، وانتهاءً بجملة القفلة (الخاتمة)، التي تفضي إلى التأويل والمفارقة في متن هذه القصة.

ثم يبقى الإيحاء والتكثيف وما ينتج عن ذلك من: ترميز، ومفارقات، وتلميح، واقتضاب، وحذف، وتوتُّر، وانزياح، وشعرية... أهم سمات هذه الكتابة السردية.

وفي الوقت نفسه، لا بدّ أن يكون هناك حرص على أن تكون البنية سردية أو حكائية، وأن تكون عناصر القص متنوعة، كما ينبغي أن تحضر هذه العناصر -بطريقة أو بأخرى- أكثر من غيرها في هذه الكتابة، لأنه لا يمكن استبعاد عناصر الشخصية، والحدث، والزمكانية، والحكاية، والراوي، والبداية والنهاية، واللغة السردية، وغيرها، عن القصة القصيرة جداً.

أما المضمون فهو إيحاء واختزال وعلاقات نفسية وانفعالية، لا إخبار في ذلك، ولا إسهاب أو تفصيل؛ وعلينا أن ندرك أن الرمزية والتكثيف هي أهم العناصر التي تجعل المضمون أكبر بكثير من حجم الكلمات، حيث وجدنا أن بعض القصص القصيرة جداً كان في حدود أربع كلمات، وقد يصل إلى أقل من ذلك.

وفي هذا السياق - تحديداً - تصبح كتابة القصة القصيرة جداً صعبة وعصية، وأن استسهالها سيفضي في المحصلة إلى العبثية السردية، عندما يتحول هذا الخطاب إلى ممارسة فجة أو سطحية.

والقصة القصيرة من جهة اللغة - أيضاً - هي تناص عميق مع نصوص الحكمة، والمثل، والنكتة، واللغة الجامعة، والنزعة البلاغية المحصنة ضد أي فوضى لغوية، يمكن أن تُحذف منها كلمات وجمل!! كيف نكتب قصة قصيرة جداً في تشكيل جمالي مقنن أو معياري؟ ربما نجد صعوبة في الحديث عن ذلك؛ لأن معايير جماليات هذا الفن تتعمق من خلال التكثيف أولاً وأخيراً، والتكثيف هو خلاصة الجماليات؛ سواء أكان في اللغة، أم المضمون، أم العناصر الفنية، أم الاستجابة لذهنية التلقي المتذوقة أو الواعية لهذه الجماليات!! ولا يمكن أن تكون اللغة التقريرية أو السطحية أو الإنشائية أو السردية العادية لغة قصة قصيرة جداً.

فالمتلقي الواعي يدرك جيداً أن القصة القصيرة جداً ذات لغة مكثفة، تمتلك الصدمة، وتولد الانفعال والدهشة واللذة والتشبع بشاعرية التوتر الناتجة عن الرؤى والدلالات والموسيقى أيضاً، ومن حقنا أن نعيد ونكرر ذلك أكثر من مئة مرة في مقالة واحدة.

نُذكِّر دوماً بأن كتابة القصة القصيرة مغامرة إبداعية غير قابلة للتشكّل النهائي، ولكن هذه المغامرة لا بدّ أن تكون محسومة في كونها مغامرة عصية على الاستسهال، الذي هو أسوأ عوامل تقويض هذه الكتابة وتهميشها في الثقافة والإبداع معاً.

ونعْتدّ كثيراً بكون القصة القصيرة جداً تحتفي بالمفارقة، التي تقوم على تناقض المعنى المباشر والمعنى الآخر التأويلي المقصود؛ حيث تعبر القصة هنا عن أكثر مما تريد أن تقوله الكلمات مباشرة، أو كما يعرف في البلاغة العربية - على سبيل الشهرة - أن يكون المدح في باطنه ذماً، وأن يكون الذم في باطنه مدحاً، وهذه المفارقة هي أهم أسس الصدمة أو الإدهاش، وهما يتشكلان عفوياً من خلال القصة القصيرة جداً بالنسبة إلى المبدع والمتلقي معاً، وهي أيضاً المسؤولة عن تهميش السطحية والمباشرة في هذه الكتابة لمصلحة تعميق التناقضات والثنائيات في السرد.

ويضاف إلى المفارقة إشكالية السخرية التي تتولد من هذه المفارقة أيضاً، إذ يستخدم القاص كثيراً من العناصر التي تكشف عن دراما السخرية، التي تصل أحياناً إلى أن تكون سخرية سوداء، على طريقة «شرّ البلية ما يضحك»!! وعنصر السخرية - بكل أشكاله وإيحاءاته - هو أحد العناصر الرئيسة المكونة للقصة القصيرة جداً؛ إذ يلجأ إليها القاص كي يُولِّد في نصه الإدهاش والإعجاب لدى المتلقين، وهو - في الوقت نفسه -يدرك أنّ ما تنتجه السخرية من معانٍ ورؤى وجماليات في الكتابة عموماً، وفي القصة القصيرة جداً على وجه الخصوص..

يعد من مستلزمات الكتابة المتجددة، في مواجهة عالم متضخم بالماديات والتوحش على حساب روحانية الإنسان وإنسانيته!! ولغة السخرية في الواقع العادي والمألوف، وكذلك لغة القصة القصيرة جداً المندمجة مع هذا الواقع، لا تحتاجان (هاتان اللغتان) معاً إلى أن تكونا لغة جزلة ومعجمية وشريفة ونخبوية، إلخ، بل هي لغة عادية مألوفة، تستطيع أن تصل إلى المتلقي بسهولة ويسر، وبخاصة أنها تعبر عن نثريات الحياة اليومية أو المعيشية، ولكنها كلغة الفكاهة والنكتة، تشعرك أنها قريبة من وجدان المتلقي ولغته في حياته العادية المسكونة بالعثرات والأزمات والاغتراب، وفي الوقت نفسه ترتفع من خلال المفارقة دلالياً وإدهاشاً؛ لتغدو واقعاً رمزياً مكتوباً في كلمات محدودة، تفتح المجال واسعاً للتحليل والتأويل والكشف عن دلالات الغياب في اللغة قبل دلالات الحضور فيها.

وعدا عن ذلك، يعد التناص من سمات القصة القصيرة جداً، سواء أكان من خلال التناص مع الشعرية من جهة، أو من خلال استثمار نصوص أخرى ومعارف معيشية عديدة في المتن السردي، يضاف إلى ذلك ضرورة الحرص على البعد الدرامي، من خلال الاحتفاء بمفارقات العادي والمألوف واللغة التداولية... كما أسلفنا.

وللترقيم أيضاً دور فاعل ووظائف محددة في تشكيل بنية القصة القصيرة جداً؛إذ بإمكان علامات الترقيم أن تدخل إلى السرد بصفتها دلالات وإيحاءات، ربما لا تصل إليها اللغة التعبيرية، بدون هذه العلامات الدالة المولدة من الانفعالات النفسية والفكرية والاجتماعية المهيمنة على السرد.

ما نستحضره في مستوى الفن والجماليات في سياق مقاربة الرواية أو القصة القصيرة أو السيرة الذاتية أو غيرها هو نفسه ما ينبغي أن نستحضره عند مقاربة قصة قصيرة جداً، تتكون من عدد محدود من الكلمات، وهذا ما يفسر تضخم حجم النقد أو القراءة في مواجهة نص محدود المساحة جداً؛ هو القصة القصيرة جداً.

ولو افترضنا أنّ لدينا عشرين أو ثلاثين عنصراً جمالياً لمقاربة الرواية؛ فإنّ هذه العناصر نفسها يمكن أن نقارب من خلالها القصة القصيرة جداً؛ لأنّ علم السرديات، لا يميز بن الأنواع السردية من منظور حجمها أو تعريفها ومفاهيمها، وإنما يميز بين مساحة العناصر الفنية أو الجمالية حضوراً وغياباً ومشروعاً للتحليل أو المقاربة أيضاً في خطاب دون آخر.

(6) من التنظير إلى التطبيق

لم نهمل التطبيق والتداخل مع البنيات السردية في الفقرات السابقة، ولكننا غلَّبنا الظواهر والإشكاليات النظرية في كتابة القصة القصيرة جداً على الجانب التطبيقي، وقد آن الأوان أن نتداخل مع بعض القصص القصيرة جداً في المنظورين العام والخاص، مستندين في ذلك إلى بعض الأسس والمفاهيم النقدية، وهي:

أ- إشكالية المتن السردي.

ب- شعرية الواقع.

ت- جدلية اللغة والأسلوب.

ث- الذات والمنظور.

(7) إشكالية المتن السردي

توجد تعددية تشكيلية في المتن السردي، من جهة الشكل أو المظهر الفني، وقد أشرنا - سابقاً - إلى أنّ القصة القصيرة جداً ينبغي أن تكتب بحسب الكتابة السردية، التي لا تتجاوز فقرة واحدة، فيها بعض سطر أو عدة أسطر.

ولكن توجد قصص قصيرة جداً استخدمت أسلوب السطر الشعري في القصيدة الحديثة، فتعددت الفقرات أو الأسطر غير المترابطة عموماً في مستوى طريقة الكتابة السردية، وكأنّ القصة القصيرة جداً غدت بنية شعرية، وهذا لا يمنع أن يعدّ من باب كتابة القصة القصيرة جداً بصفتها خطاباً سردياً يتناص مع الشعر الحديث.

نجد ذلك في قصص: أحمد عسيري، وأمل مطير، وجمعان الكرت، وحسن البطران، وحسن الشيخ، وشيمة الشمري، وطاهر الزارعي، وطاهر الزهراني، وعبد الرحمن العمراني، وفهد الخليوي، ومحمد المزيني، وناصر الحسن، وناصر العديلي، وهدى النامي، وغيرهم.

قد يوحي هذا البناء بوساطة أسلوب الشعر بشاعرية أكبر في ذهنية المتلقي المتعود على البنية الشعرية، لا البنية السردية، ولكنه - في المحصلة - يبدو بناء على حساب الكتابة السردية، التي تعتمد على الفصل والوصل من جهة، وأيضاً الكلام المتجاور بعضه ببعض من جهة أخرى.

وكما ذكرنا قد تفقد هذه الطريقة القصصية القصيرة جداً ميزة الترابط؛ إذ غالباً ما تفتقد الشعرية لهذا الترابط السردي؛ وحينئذ تغدو القصة القصيرة جملاً متناثرة، قد تحتاج إلى بعض العناء لدى المتلقي لإيجاد الترابط بينها، من خلال استخدام أدوات ربط ذهنية، وأحياناً كثيرة لا يحتمل المعنى السردي تلك الحالة الناشئة عن صفّ الجمل المترابطة صفاً شعرياً.

يمكن أن نعذر القاص في ذلك إذا كانت القصة حوارية (قائمة على الحوار)، أو مجموعة من الرؤى المتضادة.

والمهم هنا أن نظام الكتابة الشعرية الحديثة ليس له أو لغيره «قدسية لغوية»، تجعله أشرف من الكتابة السردية.

وإن كان هناك مبرر ما لاستعارة القصة القصيرة جداً لثوب القصيدة؛ لوجود علاقة حميمة بين قصيدة النثر والقصة القصيرة جداً؛ إذ نجد تلك الشعرية العالية في هذه القصة التي تكتب على الطريقة الشعرية؛ كما نلاحظ ذلك في قصص محمد المزيني - على سبيل المثال.

الملحوظة الأخرى البارزة في سياق المتن السردي، تكمن في تضخم حجم القصة القصيرة جداً أو تقطيعها إلى عدة مشاهد (أوصال)؛ حيث يبدو الأمر هنا إشكالياً، وبالذات في القصة القصيرة جداً الوصفية؛ لأن الوصف يصاحب الرواية والقصة القصيرة وسائر البنيات السردية، ويقل في القصة القصيرة جدًا.

من هنا يمكن أن نتحاور في مشروعية حجم المتن من جهة، ومدى التزامه ببناء القصة القصيرة جداً، ذات الحجم المحدود جداً -كما أسلفنا- من جهة أخرى.

وهنا نشير إلى بعض قصص أحمد القاضي، وجارالله الحميد، وحسن حجاب الحازمي، وصالح السهيمي، وظافر الجبيري، وعبد الله التعزي، وفارس الهمزاني، وفاضل عمران، وفاطمة الرومي، وغيرهم.

تبدو القصص في هذا السياق أقل تماسكاً وتكثيفاً.

وفي المقابل لا بدّ أن نتحاور أيضاً عن مدى مشروعية أن تكون القصة القصيرة جداً بضع كلمات، ربما لا تفضي إلى بنية سردية، أو أنها غدت كتابة نمطية، ينبغي أن يتخلص القاص منها، وأن يتجاوز البنية الخواطرية الشعرية إلى البنية السردية، وأعطي مثالاً على ذلك قصص نجاة خيري، وبعض القصص المشابهة لها.

لكن في العموم بدت القصص متوازنة لا تميل إلى الإسهاب أو تختزل في جملة أو جملتين على حساب السردية، أهم سمات القصة القصيرة جداً.

(8) شعرية الواقع

يعد متن القصة القصيرة جداً - في عمومه - منتمياً إلى الواقع المعيشي اليومي.

والنص هنا لا يعكس الواقع بقدر كونه موازياً له، يقدمه من خلال التقاط لحظة تنوير معينة؛ تسهم في اقتناص الأفكار التي تغني السرد؛ حيث الواقع يمكن أن يكون أكثر ثراء من التخييل المنفصل عن أي واقع، ومع ذلك يضطلع النص السردي هنا بجماليات الواقع، بما فيها جماليات القبح؛ حيث ينقسم الواقع إلى عالمين متلاحمين، هما الخير والشر، وثنائيات متضادة كثيرة، تسهم في إثراء النص من خلال شعرية الواقع أو جمالياته، كما يتجلى ذلك بإيجاز شديد في القصص القصيرة جداً، ومن ذلك - على سبيل المثال - أن تحتفي القصص النسوية القصيرة جداً بالعلاقة بين الرجل المرأة؛ فيصبح الرجل محط سهام هذه الكتابة؛ ليس لأنه ذكر وهي أنثى؛ ولكن من منظور كونه سلطة مهيمنة وقمعية في المجتمع.

تعبر القصص القصيرة جداً موضوع هذه المقاربة، عن كثير من الجوانب السيئة في الذات والمجتمع والعالم، وغالباً ما تشعرنا بأنها تتكئ على الإحباط والفشل والصدمة والموت.

ولو استعرضنا بعض المضامين في قصص الذكور، تاركين قصص النساء إلى مناقشتها في سياق» الذات والمنظور»؛ فإننا سنجد من بين المضامين العريضة التي تناولها القاصون: فشل الحب، وضياع الأمل، والغربة، والتشاؤم، والأعباء المثقلة بالأحزان، والمرأة، والخيانة، والغربة والتشرد، والخوف، والموت، والجنون والعبث، والطفولة، والشيخوخة، والسياسة، والفقر، والنفاق، والغرور، والسلطة، والفساد، والعادات والتقاليد، والانتحار، والذات، والمجتمع...

ويكون التعبير عن هذه المعاني والأفكار - عموماً - من خلال الرمزية الشفافة، والإيحاء ذي الدلالات العميقة، والمفارقة الصادمة، واختزان عدد كبير من الآلام والأحزان، التي تجعل القصة القصيرة جداً ذات موسيقى داخلية شعرية نسقية أو نمطية، تؤكد إيقاعاً وحيداً، يكمن في المعاناة المطلقة في البنية السردية!! إن القصة القصيرة جدًا هي ابنة زمكانيتها؛ أي واقعها الذي تنهل منه، وهو واقع مأزوم في كل أحواله؛ لذلك تجيء التجربة السردية لدى القاصين والقاصات مسكونة بهذا الواقع، محاولة منهم لتعرية هذا الواقع، والكشف بأساليب جمالية ذكية عما يكتنفه من شرور وآثام، وهذا الأمر يغدو أكثر جمالية وفعالية عندما يكون القاص ممتلكاً لأدواته الفنية، قادراً على أن يرسم واقعه بكلمات محدودة مكثفة، توازي هذا الواقع، وتعبر عنه تعبيراً جمالياً؛ يوصل المعنى الفلسفي، ويحقق الأثر العميق في المتلقين.

أما القاص/القاصة الذي يتهجى الفن والجماليات السردية الخاصة بالقصة القصيرة جداً؛ فأظن أن الطريق أمامه أو أمامها طويلة؛ كي يكتسب مكانته الحقيقية في السرد الحقيقي؛ دون أن نصادر مشروعية الكتابة في هذا الجانب ا لأدبي أو في غيره!!

(9) جدلية اللغة والأسلوب

لو أردنا أن نتتبع القصص القصيرة جداً، في سياقها اللغوي السليم أو ما يعتريها من أخطاء، وفي أسلوبها المكثف وما يعتريها من ترهل أحياناً، فهذا موضوع إشكالي، وفيه نوع من المعيارية والوصاية التي لا يرتضيها المبدع لنصّه؛ إذا كانت الأحكام جزافية تقليدية، كما لا يرتضيها الناقد أو القار ئ إذا أراد ألا يكون مصادراً لثقافة الآخرين ووعيهم وإبداعهم.

ومع ذلك لا بدّ أن يعتني القاص بنصه الإبداعي، وأن يخلصه من الأخطاء اللغوية العادية التي تعتريه وتسيء إليه.

وأحياناً لا يتجاوز الأمر أن يعرض هذا الملف أو غيره على مختصين في اللغة؛ ليدققوه ويخلصوه من الشوائب، وبخاصة إذا كانت اللغة المكتوبة من إنتاج مبدع غير متخصص باللغة العربية، أو إمكانياته فيها محدودة.

أما مسألة أسلوب القصة القصيرة جداً، ومدى درجة الحذف المخل في بنيتها، كما هو الإسهاب المخل بهذه البنية، وما ينتج عن ذلك من حشو أو حذف، لا يحسن وجوده في متن هذه القصة... فهذا أمر يطول شرحه.

حتى القاص نفسه لو قرأ قصصه في زمكانيات متنوعة؛ فإنه لابدّ أن يغير ويبدل في نصه، ولا بدّ أن يجد بعض العيوب، فيحاول أن يتخلص منها أو الاستفسار عن الطريقة المثلى في الكتابة والإبداع في المستويين اللغوي والأسلوبي.

وقد لاحظنا مؤخراً في المنتديات والمواقع الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي وجود حالة تفاعلية بين المبدع ومتلقي نصوصه، وفي أحيان كثيرة يطلب المتلقون من الكاتب إجراء بعض التغييرات في النص، ويشاركونه بعض همومه الإبداعية؛ فتتحسن لغة النص وأسلوبيته، وهذه تعد أهم ميزة في النصوص الرقمية التفاعلية، التي تُشرك المتلقين مع المبدع في إعادة صياغة النص وتطويره نحو الأفضل، بحيث يسهم ذلك في تنبيه الكاتب إلى أشياء قد تبدو هامشية وهي مهمة، وما كان بإمكانها أن تخطر على بال الكاتب من غير ملحوظات قرائه أو متلقيه.

بإمكاني أن أؤكد بأن كثيراً من القصص القصيرة جداً، التي أعدت في هذا الملف، يعتريها بعض الأخطاء والهنات اللغوية، كذلك يعتريها أخطاء أسلوبية، أفضت بها إلى شيء من اللغة الفضفاضة، ولا يحتاج الأمر هنا إلى تمثيل أو إشارة إلى قصص بعينها؛ لأن هذا الأمر يحتاج إلى دراسة مستفيضة لا تتحملها هذه الوريقات التي ستنشر في جريدة أو ملحق ثقافي أو مجلة ملحقة بجريدة.

العلاقة بين المبدع ولغته وأساليبها علاقة ينبغي أن تكون حميمة وجدلية؛ لأنّ اللغة هي أداة التوصيل، وهي القابلة للتفجير الجمالي عندما تكون لغة في النصوص الإبداعية.

من هنا غدت القصة القصيرة جداً من الناحية التجنيسية تميل إلى اللغة الشعرية، وفي الوقت نفسه تحافظ على سرديتها، ومن ثمّ تحقق لنفسها جماليات عليا وهي تتداخل مع أجناس وأنواع أدبية وفنية عديدة، وفي الوقت نفسه تنهل من اللغة الدارجة والمألوفة؛ فتعيد تشكيلها في مستويات المفارقة والسخرية والدلالة والإيحاء والمجاز... وحينئذ سنرى الفرق كبيراً بين عالمين متوازيين، يتحددان في التخييل والواقع، بصفة التخييل عالماً جمالياً موازياً للواقع وليس انعكاساً له... وكل ذلك في لغة مجازية مكثفة!!

(10) الذات والمنظور

ذكرنا سابقاً أن نسبة القاصات إلى القاصين لا تتجاوز عشرين بالمئة، وهذا يعني من الناحية المبدئية أنّ الذات الذكورية هي المهيمنة، ومن ثمّ يغلب المنظور الذكوري على المنظور النسوي، على الرغم من كون المرأة تعد من أهم شخصيات القصص القصيرة جداً، سواء أكان النص لذات أنثوية أو ذات ذكورية.

وهنا نتساءل - على سبيل المثال- عن ذات المرأة الساردة ومنظورها: هل هو منظور نسوي مثلاً ؟ نعم، لقد انغمست كتابة المرأة في ذاتها النسوية؛ فعبر منظورها عن كونها تعاني من الرجل، الذي جاءت صورته في قصصهن مشبعة بسمات القبح بسبب عمله على اضطهاد المرأة، ونادراً ما كانت هناك صورة إيجابية للرجل.

لقد عبرت إحدى عشرة قاصة، هن: أمل مطير، وأميرة القفاري، وحكيمة الحربي، وشريفة الشملان، وشيمة الشمري، وفاطمة الرومي، ومسعدة اليامي، ومنيرة الأزيمع، ونجاة خيري، ونورة شرواني، وهدى النامي؛ في خمس وخمسين قصة قصيرة جداً عن صور الرجل القبيحة (كتبن حوالي 60 ق.ق.جداً)، وهذا يؤكد وجود منظور نسوي، يتسلح بإيديولوجيا نسوية، تسعى إلى تقوض سلطة الرجل وهزِّ كيانه، في مقابل تجلية معاناة المرأة من خلال علاقتها غير المتوازنة به.

يمكن أن نجمل صور هذا الرجل وتشكلاته كعناوين رئيسة استخلصت من مجمل القصص النسوية: أمل مطير: الرجل الممزق الملامح، السلطة ثم المعتقل، إنه إرث الحكام العرب، نصفه الأسفل منتن؛ أميرة القفاري: الرجل الثري الذي يملك البيوت والنساء والأسهم والعقارت ولكنه يفقد الراحة والطمأنينة، الوجوه الذكورية المتساقطة، المتقاعد الذي يؤذي الآخرين من نافذة بيته، المتسول، المستدين الجاحد؛ شريفة الشملان: القاتل/ المنتحر، الجندي الأمريكي القاتل، الرجل المتوازن الذي تغرقه امرأة، عقدة الخواجا، لا يطيق الحذاء مخّه؛ فاطمة الرومي: المثقف الذي ورث عمامة أبي جهل، الثري الذي يشتري طفلة زوجة له، الرجلان المتزمت والسكير اللذان يصفان المرأة بأنها» ناقصة عقل ودين»؛ مسعدة اليامي: الرجل الذي يحرق عشّه، المطلِّق، العاشق(حمى الموت)، الظالم الجشع؛ منيرة الأزيمع: اللقاء معه مؤجل، القفص، أحقر شخص عرفته، «مكوك» السفر، الباب؛ نجاة خيري: المسجون، القتيل، السالب، النرجسي، النائم، الميت، المغرور، الجشع؛ نورة شرواني: الرجل الظل، الساقط، العاشق الذي مات جريحاً؛ هدى النامي: الخنجر، المتزمت، الظالم، جنازة الكرش؛الثأر...إلخ.

كل صفة من هذه الصفات تختزل قصة بعينها، محورها الرجل السلبي، حيث الرجل المستلَب في الكتابة النِّسوية، والمرأة هي الضحية وهو جلادها.

وقد خرجت قصص محدودة عن النسق السابق؛ ومن ذلك أن يكون التركيز على المرأة مع وجود الخلفية الذكورية المهيمنة في قصص شيمة الشمري، التي ترى المساواة بين الرجل والمرأة في كونهما قميصين معلقين على حبل الغسيل، والمرأة التي ترى الجميع ولا ترى نفسها، والمرأة السمكة التي تنحت من الصخر، والمرأة التي لا تطير؛ ونرى كذلك المرأة الغريبة في مدينة غريبة عند حكيمة الحربي؛ والمرأة المزوَّرة من خلال أحمر الشفاه عند شريفة الشملان، والمرأة الخائفة، والأخرى ذات الخيبات المتعددة عند نورة شرواني؛ والمرأة التي تعيش الموت وهي تلد طفلها عند هدى النامي.

سأقتصر في سياق الذات والمنظور على الكتابة النسوية، التي حفلت بذاتية المرأة ومنظورها في مواجهة الآخر الذكر(الرجل)، الذي جاءت صورته سلبية مئة بالمئة، ولم تكن له صورة إيجابية واحدة، بما فيها صورة العاشق المحمَّل بالغرور الذي يقتل صاحبه!! (11) التركيب ما كتبته هنا ليس بأكثر من مجرد إطلالة من نافذة القصة القصيرة جداً، حاولت فيها أن أركز على بعض الإشكاليات في رؤى هذا الفن وجمالياته، وبخاصة ما يتعلق بمفهوم القصة القصيرة جداً وتجربة كتابتها.

وكان في ذهني خلال كتابة هذه المقاربة ألا أكرر إشكاليات الجماليات التي سبق أن كتبتها في هذا المجال تحديداً؛ لذلك حاولت هنا أن أركز على الرؤيات السردية من خلال المضامين والمواقف تحديداً.

وكما ذكرت سابقاً، ليس بوسع هذه المقاربة أن تشمل القصص كلّها، ولا القاصين والقاصات كلهم.

ولم أسع في كتابتي إلى أن أكون معيارياً في استخدام الأحكام، ولا مصادراً لشرعية الكتابة من أي قاص أو قاصة... كانت مقاربتي مغامرة نقدية /قرائية، أشعرتني بأن قطع اليدين أخف من الكتابة النوعية عن هذا الكم القصصي الكبير.

هناك جماليات مهمة اتصفت بها بعض القصص القصيرة جداً، وهناك أيضاً خلل واضح في بعضها الآخر.

لكن المهم بالنسبة إلينا أن هذا الملف القصصي القصير جداً، هو جزء من المشهد الإبداعي في هذا الجانب بالمملكة، وأنّ هناك قاصين وقاصات آخرين لم يشاركوا في هذا الملف، وكان الأجدر بهم أن يشاركوا فيه، حتى تكون المشاركة أكمل وأشمل.

أرى أنّ من المهم أن يُصدرَ الأستاذ اليوسف كتاباً خاصاً بأنطولوجيا القصة القصيرة جداً في المملكة؛ لأن في هذا العمل توثيقاً جمالياً لهذا الإبداع المتجدد.

كل ما أتمناه أن تقدم كتابتي هذه ما يجدي أو يلفت الانتباه، وأن تسهم في طرح عديد من الأسئلة الثقافية في مجال كتابة القصة القصيرة جداً وتلقيها، في مستوى الإعلام الأكثر احتفاءً من غيره - من وجهة نظري - بمتابعة المشاهد الإبداعية وظواهرها المختلفة.

http://www.al-jazirah.com.sa/culture/2012/31052012/riv29.htm


جماليات المغامرة
قراءة في إشكاليات القصة القصيرة جداً

(1)
تقديم
يفضي عنوان هذه المقاربة (جماليات المغامرة) إلى أهم إشكالية جمالية تميز القصة القصيرة جداً، وهي جمالية المغامرة الفنية التي تجعل هذه القصة المتناهية في الصغر (القصر) بنية سردية بالضرورة أولاً، وأنها غير قابلة للتأطير الجمالي السردي (العناصر الفنية للسرد) كما تعودنا عليها معيارياً إلى حد ما عند قراءة الرواية أو القصة القصيرة ثانياً، وثالثاً وأخيراً أن هذه القصة القصيرة جداً يتشكل وجودها من خلال نصوصها، وأنّ ما يمكن أن يظهر على هذه النصوص من جماليات هو ما يكشف عن جمالياته الخاصة، ومن ثم يمكن الحديث عن علامات جمالية عامة تنطلق من أو تتلاءم مع اختصار (قصيرة جداً).
ولا يعني هذا النص القصير جداً أنه سهل الكتابة، وأنه من هذه الناحية قد يغري المبتدئين في مجال السرد بأفضلية كتابته؛ على اعتبار أن أي نص سردي قصير يكتب بأية طريقة هو قصة قصيرة جداً.. هذا هو الخطأ والمنزلق الخطر غير الجمالي في كتابة القصة القصيرة جداً، أي أنها ليست مجالاً لمغامرة المبتدئين وتجاربهم الضحلة... إنها الكتابة العليا إلى حد ما في المجال السردي، بمعنى أن كتابتها قد تبدو أصعب من الرواية التي تتسع لعالم شاسع من اللغات والأصوات والأحداث.. وأصعب من القصة القصيرة التي قد تقبل التطويل والاستطراد والحوارات.. أما القصة القصيرة جداً فهي خلاصة لتجربة سردية، لا بدّ أن يسبقها على وجه العموم باع طويل في كتابة كل من الرواية والقصة القصيرة أو إحداهما على الأقل، بحيث تغدو هذه الكتابة ذات آلية جمالية مركزها المغامرة والتجريب وفق رؤى إبداعية متمكنة وأصيلة في فن السرد، لا رؤى مبتدئة ومستسهلة لهذه الكتابة الإبداعية أو غيرها.
وعلى أية حال، مازالت القصة القصيرة جداً لم تحظ باعتراف النقاد بها؛ لأسباب كثيرة أبرزها ما يعود إلى هذا القصر الذي يعتريها، وإلى افتقارها إلى عناصر فنية واضحة كما اتضحت كثيراً من خلال القصة القصيرة والرواية، ومن ثم قد تعد كتابة القصة القصيرة جداً في المنظور النقدي كتابة مجانية؛ يستسهلها الكتاب المبتدئون كما استسهلوا كتابة قصيدة النثر أو نحو ذلك، وبذلك يعزف النقاد عن مقاربتها!!
(2)
اللغة السردية
ليس بوسع القصة القصيرة جداً إلا أن تتعامل مع اللغة من منظور التكثيف الحاد، فتغدو لغتها محدودة جداً من حيث عدد الكلمات. لكنها في الوقت نفسه لغة تحيل إلى عالم شاسع من خلال الإيحاءات والدلالات!!
إن اللغة الإبداعية هنا، لا تحتمل التفصيلات والشروح والحوارات كما هو الحال في الرواية أو القصة القصيرة أو المقالة أو ما إلى ذلك؛ فاللغة في القصة القصيرة جداً لغة إيجاز، وترميز، وإيحاء، وحذف إبداعي، وإيقاعات متعددة في عبارات محدودة... إلى حد أن تصبح اللغة في مجملها استعارة أو مجازاً؛ بشرط ألا يخل هذا القصر ببنية القصة القصيرة جداً شبه المتكاملة!! ولا يعني هذا التكثيف للغة أن تغدو القصة القصيرة جداً مجرد عبارات متناثرة؛ كأنها جمل مشتتة لا رابط بينها، أو أن تكون جملاً شعرية غير قابلة للسردية؛ فمن يظن أن لغة القصة القصيرة جداً مجرد ومضة أو ومضات مفضية إلى الخاطرة أو قصيدة النثر، أو النص الهذياني... فحسب، هو في الحقيقة لا يكتب قصة قصيرة جداً، ولا علاقة له بكتابتها من قريب أو بعيد... وهنا يمكن التفريق بيسر بين نصوص القصة القصيرة جداً، وغيرها من نصوص فضفاضة، لا تمتلك من القصة القصيرة جداً إلا شكلها أو تسميتها!!
* * *
ما أن نتوقف عند اللغة السردية في قصص الملف الذي أعده القاص خالد اليوسف؛ حتى نكتشف تعددية في مستويات اللغة السردية، وهذه التعددية تنطلق من كون هذه القصص القصيرة جداً تشير إلى قاصين مختلفين في القدرات؛ فبعضهم يعد من مؤسسي هذا الفن في المملكة، نذكر منهم على وجه التحديد القاص جبير المليحان رائد هذا الفن، في حين يقف على النقيض منه من نجد في قصصهم القصيرة جداَ ملامح بدايات الكتابة السردية في هذا المجال، حيث تبدو قصصهم القصيرة جداً في المستوى الفني المتواضع، هذا ما نجده لدى بعض القاصين الذين كتبوا قصصاً لا تتجاوز مجرد محاولات أولية.
يضاف إلى ذلك أن كثيراً من القاصين ليست لديهم تجارب سردية واضحة أو مؤثرة في المشهد السردي المحلي، كما أن هناك قاصين كان ينبغي أن يحضروا ضمن هذه المختارات القصصية، لكنهم لم يحضروا ? على الأقل من خلال النصوص التي لدي وأذكر على سبيل المثال لا الحصر القاصين جارالله الحميد، ويوسف المحيميد!! إذا كانت لغة السرد لدى جبير المليحان دالة على كونها ذكية وبارعة في بناء قصة قصيرة جداً متماسكة بجماليات واضحة دالة على أنموذج القصة القصيرة جداً بجدارة، فإن قصتي (اختباء) لفردوس أبو القاسم و(إصرار) لنورة بنت سعد الأحمري، على سبيل المثال، مما يخرج عن دائرة القصة القصيرة جداً إلى دائرة القصة أو الأقصوصة، وذلك لما تحويه القصتان من تفصيلات وشروح ولغة فضفاضة.
وفي الوقت نفسه نجد عند قاصينَ آخرينَ إخلالاً إلى حد ما في حجم القصة القصيرة جداً، إلى حد أن تصبح القصة مجرد جملتين كقصتي (إضراب) لسماهر الضامن، و(بكاء) لصلاح القرشي علي سبيل المثال لا الحصر...!!
هل كل ما يكتب من قصص قصيرة جداً ينضوي جمالياً تحت هذا المسمى من جهة اللغة السردية؟!
لا أعتقد بذلك، فلو قرأنا القصص من جهة لغتها، لاكتشفنا أنها في تعددية مستوياتها ما بين اللغة الجمالية واللغة الركيكة؛ لاكتشفنا أن جزءاً كبيراً من هذه القصص القصيرة جداً حظها من الفن محدود جداً، خاصة أن بعضها يميل إلى اللغة الفضفاضة، بل أحيانا ًالركاكة اللغوية وأخطائها الإملائية والنحوية والأسلوبية!!
(3)
المجاز والتكثيف اللغة الإبداعية هي لغة فوق اللغة، فإذا كانت اللغة تعني التعبير عن المعاني المباشرة التي لا تحتمل التأويل عادةً، فإن اللغة الإبداعية لغة مجازية من الدرجة الأولى، أي أنها تتكئ على الصورة الفنية والرمز والغموض الشفافين ، فتغدو بذلك لغة مكثفة، وهذا التكثيف هو ما يجعل القصة القصيرة جداً تستحضر عند تحليلها أو قراءتها من فضاء المحذوف أو الغائب أو المحتمل أكثر مما هو حاضر في لغتها ودلالاتها المباشرة الكائنة في لغتها الحاضرة!! التكثيف اللغوي، إذن ، عنصر حيوي في بناء حجم القصة القصيرة جداً من حيث الشكل العام، ولكنه في الوقت نفسه، وبما ينطوي عليه من تشبيهات واستعارات ومجازات وثنائيات ورموز... هو الأساس في كتابة هذه القصة، وهذا تحديداً ما يفرّق من حيث الجوهر بين كتابتين: إحداهما جمالية تنتمي إلى عالم القصة القصيرة جداً، وأخراهما غير فنية ولا علاقة لها بطريقة مباشرة بكتابة القصة القصيرة جداً.
إن المشكلة الكبرى تواجه قارئ القصة القصيرة جداً بصفته قارئاً ناقداً هي أن يشعر أن هذه القصة القصيرة جداً على الرغم من قصرها، تحتاج إلى أن تكون أقصر مما هي عليه، وهذا يعني أن القصة القصيرة جداً قد تكتب فضفاضة ، فيها تطويل واستطراد، وأنها حتى تبدو في مستوى القصة القصيرة جداً من الناحية الفنية، فلا بدّ من ممارسة مزيد من الحذف والاختصار!!
* * *
أزعم أن كثيراً من القصص قد امتلأت باللغة المجانية التي يمكن الاستغناء عنها بغض النظر عن تحقق اكتمال القصة من عدمه، فبعض المترادفات، والحشو، والأوصاف.. مما ينبغي التخلص منه؛ لأنه لا يخدم مجاز القصة وتكثيفها.
يمكن أن نعطي مثالاً على ذلك قصة (الماء) لسعاد السعيد، حيث يوجد فيها كثير من اللغة المجانية، وأنه بالإمكان حذف نصف لغتها على الأقل، لتصير أكثر تماسكاً وحيوية؛ لذلك يمكن أن تكتب بعد اختصارها على النحو التالي: (تعطلت وسط الصحراء... حلّ الظلام دون أن تنبعث الحياة فيها... اتفقوا على السير إلى أن يجدوا الطريق المعبد.
تخبطوا في كتل الظلام... ومع ولادة الشمس، تساقطوا من التعب... لما جفت عروقهم.. تذكروا سر تعطل سيارتهم!!)
كذلك لم تخل بعض القصص الجيدة من المفردات المثقلة لبنيتها السردية، إذ يمكن حذف عدد من الكلمات من قصة (بحر وأنثى) لفهد الخليوي، دون أن يضعف بناء القصة إن لم يزدد قوة: (كانت.... قد.... و... الرحيب.. لم يكن بينها وبين البحر حجاب.. قرب الشاطئ المقفر.... نحو البحر)!!
ومن الأمثلة الجيدة على القصة المكثفة قصة (الفخ) لهدى المعجل.. حيث لا نجد فيها أية لفظة مجانية، يضاف إلى ذلك أنها متقنة من عنوانها إلى نهايتها!!
(4)
الاحتفاء بالعادي والمألوف لا يعني المجاز والتكثيف أن تهمل القصة القصيرة جداً العادي والمألوف، فتتحول لغتها إلى لغة الصفوة وعالمها الاستعلائي... لذلك يعد احتفاء هذا الفن السردي بكل ما هو عادي ومألوف في حياة الناس من منجز عناصرها الفنية الرئيسة؛ استناداً إلى منظور أن السرد يضغط أنفه بالواقع الاجتماعي أو المعيشي، وأن هذا دور القصة القصيرة جداً أيضاً؛ أي أنها تبقي على هذه الصلة الحميمة بالواقع، ومن ثمّ تبتعد عن المجرد والأسطوري والسريالي إلى حد كبير!!
طبعاً، لا يقصد من هذا الاحتفاء أن تختنق هذه القصة بالعادي والمألوف من منظور المباشر التقريري والسرد التاريخي!! على العكس من ذلك تماماً.. إذ إن الاحتفاء بالعادي والمألوف يجعل اللغة المكثفة تميل كثيراً على بنية الأسطرة والغرائبية في ثوب الواقعية السحرية، أي أسطرة الواقع من خلال نقله من حالته العادية و المألوفة إلى حالة أخرى غرائبية أسطورية، فتتحول بذلك القصة القصيرة جداً من مستوى الحياة الواقعية المألوفة والعادية إلى حياة جديدة يكتشفها الكاتب والقارئ معاً لأول مرة، فيشعر القارئ تحديداً أنه لم يعرف هذا الواقع من قبل، أو أنه لم يتنبه إلى ما فيه من قيم الأسطرة قبل قراءته لقصة قصيرة تتناول جزئية من هذه الحياة المألوفة له، و لم تكن صادمة أو لافتة أو مثيرة لكثير من الدلالات والإيحاءات قبل قراءتها في نص سردي قصير جداً!!
هل يعني هذا الكلام أن تقتصر القصة القصيرة جداً على العادي والمألوف فقط، وأن لا تدخل دوائر المجهول أو الغيبي أو الغرائبي ؟ بكل تأكيد، برز المألوف أو العادي بصفته ملمحاً تطبيقياً من خلال جلّ ما كتب من قصص قصيرة جداً، وربما من هذه الناحية تلتقي القصة القصيرة جداً بقصيدة النثر، باعتبار كلتيهما مما يحتفل بهذا الجانب (جانب العادي والمألوف)؟؛ ولكن ليس دائماً، ففي قصص هيام المفلح على سبيل المثال رمزية تتعالى كثيراً على الواقع المباشر!!
* * *
لا يبدو أن هذه القصص القصيرة جداً قد تجاوزت الاحتفاء بالعادي والمألوف، فهي كلها، باستثناء بعض القصص المعدودة على رؤوس الأصابع، نهلت من الواقع ومن المعيشي على وجه التحديد، ولكنها في الوقت نفسه ومن خلال استخدام جمالية الرؤية، حاولت أن تضيف إلى هذا العادي والمألوف بعض الدلالات العميقة التي تحيل المشهد السردي إلى أكثر مما يتوقع منه؛ أي إلى أكثر من عاديته، ولو تفحصنا هذه النصوص لوجدنا أن القاصين كلهم بلا استثناء حاولوا أن يكونوا على وعي بضرورة أن تتعمق في ذهنياتهم هذه الآلية الحميمة إلى بنية القصة القصيرة جداً، ومن ثم فإن علينا عندما نتناول هذا الأمر أن نقرأ ما بعد اللغة، أو البحث عن المغزى الذي يهدف إليه هذا العادي والمألوف!!
لو تأملنا ? على سبيل التمثيل قصتي (النصب) و(فقاعة) لطلق المرزوقي الذي يحتفي كثيراً بالعادي والمألوف في الواقع السياسي العربي، لوجدنا تلك الحالة العميقة من السخرية التي ينتقد من خلالها ما حدث لنصب الرئيس بعد اجتياح الجيش الأمريكي للعراق، أو ما يظهر عليه الثوري الانتهازي في تعبيره عن النضال الفلسطيني في الفنادق والقصور الأوروبية!!
(5)
الذات وإثارة الأسئلة لا شك أن الذات المبدعة للقصة القصيرة جداً تحرص دوماً وبوضوح على أن تعلي من ذاتيتها الواعية تجاه العالم من حولها، ويكون هذا الحرص من خلال إثارة الأسئلة وتعميق حالتي التشكك والسخرية ؛ فتغدو الكتابة السردية من خلال إشكالية الذات وإثارة الأسئلة أقرب ما تكون إلى البنية الشعرية ، وإلى إيقاعاتها الموسيقية العليا، وتحديداً إلى إيقاعات قصيدة النثر!!
لا بد من وجود هذه العلاقة الحميمة بين لغتي القصة القصيرة جداً وقصيدة النثر، وأحياناً لا نجد من يفرق بينهما من هذه الناحية؛ فالطابع الشاعري الماثل في الموسيقى الشعرية، واكتناز اللغة بدلالات التساؤل والتشكك يقرب كثيراً بين القصة القصيرة جداً وقصيدة النثر من جهة اللغة الشعرية أولاً، وكذلك من جهة الجماليات السردية التي استشرت في بنية القصيدة الحديثة ثانياً!!
لا يعني هذا الكلام أن تغدو التفرقة بين القصة القصيرة جداً وقصيدة النثر غير محددة، وخاصة عندما تنعدم الفوارق فتحيل هذه التفرقة شبه المعدومة إلى تسمية كلا النصين بمسمى النص المفتوح... فمثل هذا الوضع ? على الرغم من كونه جائزاً ومشروعاً ? يجعل إيجابية ظاهرة التراسل بين الأجناس الأدبية وتداخلها إشكالية سلبية إلى حد ما، وربما يستسهلها الكتّاب المبتدئون أو الهواة، فلا (تَفْرِق) معهم كثيراً إن كانوا قاصين أو شعراء، وإن كانت نصوصهم قصصاً أو قصائد، وغالباً ما يجيء هذا الوضع المجاني في الكتابة الإبداعية عند المبتدئين الذين يستسهلون أن توصف كتابتهم بأنها قصص قصيرة جداً دون أن تتحقق فيها شروط هذا الفن السردي وجمالياته، وفي الوقت نفسه يمكن كتابة نصوصهم على طريقة قصيدة النثر؛ لتغدو في زعمهم قصائد نثرية، وحينئذ يجد الكاتب المبتدئ نفسه أكبر من الأجناس الأدبية وما تفرضه هذه الأجناس من تقاليد جمالية!!
وعلى أية حال ؛فإن الذات الساردة أو المسرودة، وما تثيره من أسئلة تعيدنا من الناحية الإيجابية إلى انفتاح السردي على الشعري بطريقة احترافية، وهذا الانفتاح بدوره يسهم في تكثيف اللغة، ويزيد من مؤثراتها الموسيقية وتوتراتها الإيقاعية لدى المتلقين، وفي الوقت نفسه يبقي على جماليات الكتابة السردية راسخة أو واضحة المعالم!!
* * *
القصص القصيرة جداً مشبعة بالذات؛ ذات الأنا، أو ذات الهو الهي أو ذات النحن.. هم.. أنتم... هنّ.. أنتن...؛ فالذات هنا بصفتها الفردية أو الجماعية تثير أعماقها وما يتردد في داخل ها تجاه العالم من حولها أو في مواجهة ذاتها المتناقضة أو الازدواجية على الأقل، ومن ثم يصعب أن تخرج القصص المختارة عن هذا السياق... أما الأسئلة الإبداعية التأملية فإن معظم القصص تثير أسئلة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ومن ثم تغدو الأسئلة أحياناً خاتمة للقصة؛ لتثير المزيد من الانفتاح على العالم من حولها ، وهذا ما يجعل الأسئلة وسيلة للتكثيف والاستعارات المجازية مما يجعل القارئ أو المتلقي أكثر حميمية في مواجهة تفاعله مع القصة القصيرة جداً، المكتنزة أيضاً بتساؤلات السخرية إلى حد كبير؟!
في قصة (مواجهة) لنورة الأحمري تتبدى العلاقة الحميمة بين الذات المغتربة عما حولها من ظلام وأصوات ، وتتعمق إثارة الأسئلة الحائرة الساخرة التي لا تبحث عن إجابات بقدر كونها تثير حقيقة المواجهة غير المنصفة أو المتلاطمة الأطراف على أية حال.
(6)
المفارقة يتكئ بناء القصة القصيرة جداً على منظومة من المفارقات السردية المتشكلة من خلال السخرية والترميز والأسطرة والهذيان وثنائية الدلالة... فنجد أنفسنا نقرأ عالماً يمتلئ بالمفارقات والتناقضات والثنائيات، ومن ثم يمكن الحديث عن مستويات لتعددية القراءة أو اللغات أو الأصوات أو الإيحاءات، وحينئذ ما يظن أنه قد فهم بطريقة ما يمكن النظر إليه من زاوية أخرى لنجد المفارقة بين دلالتين فأكثر، فما يعتقد على سبيل المثال أنه وعي يغدو تخلفاً، وما يعتقد أنه حب يغدو افتراساً، وما يعتقد أنه سلام يغدو مهانة واستسلاماًً، وما يعتقد أنه أمن يغدو رعباً... وبناء على هذا لا بد من أن تكون المفارقة حالة ملازمة للواقعي والمألوف، فما يفهم على أنه الواقع والمألوف يتحول عموماً إلى ضد الواقع؛ أي إلى الغرابة والأسطرة!! ليس القصد من هذا الكلام أن يتعقّد معنى المفارقة القائمة على تناقضات الثنائية فأكثر في الدلالة والإيحاء، وإنما نقصد من ذلك أن كتابة القصة القصيرة جداً في سياقها الجمالي الحقيقي لا بد من أن تتحول إلى عالم سردي مكتنز بالمفارقات التي لا تظهر كلها من منظور المبدع، فالمعول هنا يرتكز إلى حد كبير على قدرة القارئ أو المتلقي في إنتاج أي نص قصصي قصير جداً في سياق المفارقات، فتتحول الكتابة النقدية حينئذ إلى صفحات كثيرة؛ مما يشعرنا بأهمية القصة القصيرة جداً في ضوء التلقي الواعي لها!!
* * *
تبدو المفارقة واضحة المعالم في ثنائية البناء الأسود الساخر الذي يجعل القدر في مستوى المفارقة البسيطة يطيح برأس السياف قبل أن يمارس دوره الاعتيادي فيقطع رأس المتهم المحكوم بالإعدام في قصة (القدر) لنورة الأحمري. =. في حين تبدو هذه المفارقة عالية التعقيد في صورة العالم المعقد وهو يتحول إلى لعبة كروية بين يدي طفل في قصة (الأرض) لجبير المليحان... كذلك تبدو هذه المفارقة فاجعة وهي تتدفق عن طريق تساؤل محير لبطل قصة (خيبة) لإبراهيم شحبي، الذي يطمح في أن يغزو فتاة حسناء من لابسات البراقع؛ لكنه يشعر بالخيبة وهو يتصور تلك التي أشارت له أنها قد تكون إحدى قريباته...!!!
أيضاً تكمن المفارقة بصفتها ثنائية متناقضة في تصوير النساء أو العلاقة بهن في قصص خالد اليوسف الثلاث: (تباين) و(الفقد) و(اصطفاء)؛ حيث تغدو المرأة الحاضرة بجسدها مجرد أوهام أو تخيلات!!
إننا لو تتبعنا إشكالية المفارقة في ثنائية اللفظة أو الجملة أو النص القصصي كله؛ لما انتهينا من كتابة مجمل هذه الإشكالية في أقل من عشرين أو ثلاثين صفحة!!
هذا بدوره يعني أن القصة القصيرة جداً تنطوي تحت فن السخرية السوداء إلى حد كبير، وينشأ في ظلها أو هذا ما ينبغي أن يكون مفارقات عديدة هي في الحقيقة تبيان لمصير قاص أو سارد يشعر في داخله بالغربة والضياع العميقين، وذلك من خلال علاقته بعالم مليء بالمتناقضات المشبعة بالسخرية السوداء؛ إلى حد أن يصير البحث عن الأمن رعباً، وأن يتحول استحلاب الطمأنينة والسكينة إلى ما يشبه السجن كما يتضح ذلك من خلال قصة (أمن) لجبير المليحان!!
(7)
التجريب وعناصر السرد تعد إشكالية عناصر السرد في القصة القصيرة جداً مسألة نسبية، فما تعودنا على طرحه بصفته عناصر تقليدية لبناء الرواية أو القصة القصيرة كالشخصية، والحدث، والزمكانية، وطريقة السرد، والبداية والنهاية، والحبكة... يعد من باب الممارسة النسبية إلى درجة كبيرة في بناء القصة القصيرة جداً، ومن ثمّ يترك هذا الأمر للمتلقي أن ينتجه بطرقه الخاصة؛ لأن هذه العناصر يفترض أن تكون هامشية أو مغيبة، ولا تحضر كإشكاليات واضحة المعالم كما هو حالها في الرواية على وجه التحديد.
ومع ذلك، فإن القصة القصيرة جداً بصفتها بنية سردية لا بد من أن تحتفظ بقدر معين من جماليات السرد أو الحكي، ولا يعني هذا أن تحتفظ بعناصر تقليدية كنمو الشخصية، والبناء الهرمي للحدث، واحتفاء خاص بالمكان أو الزمان وما إلى ذلك... فهذا مما لا يتطلبه فن القصة القصيرة جداً.
لكن الفرق سيكون واضحاً بين من يدرك أهمية وجود هذه العناصر وطرق استدراجها إلى ذهنية القارئ، وبين من يكتب نصاً قصصياً ليس له من جماليات هذه القصة إلا التسمية!! هل يعني هذا أن كتابة الرواية بمفهومها العام يعد من الناحية الجمالية أسهل من كتابة القصة القصيرة جداً التي تحتاج إلى تجربة واعية في مجال السرد عموماً؟!
الإجابة تعني نعم!! أي أن من يستسهلون هذه الكتابة ، ويعتقدون أنها صالحة لقلم كل (من هب ودب) وأن بإمكان القاص أن يكتب مئة قصة قصيرة جداً في بضع ساعات، انطلاقاً من سهولة كتابتها، فمثل هذا الاعتقاد خاطئ، ولا يمكن وصف هذه المغامرة غير الفنية بأنها تقع ضمن دائرة كتابة القصة القصيرة جداً على أية حال.
صحيح أنه ليس هناك مقياس عام لجماليات هذا السرد.. لكن أية قصة بإمكانها أن تكشف في المحصلة عن مقدرة كاتبها في تحقيق عناصر السرد كلها أو بعضها من خلال قصته، أو أنه مجرد هاوٍ ومبتدئ في هذا المجال الغريب عنه. هذه هي حال القصة القصيرة جدا؛ً أن تقع ضمن دائرة المغامرة والتجريب، وأن تسير في طريق الانفتاح على الأجناس الأدبية الأخرى وعلى الحياة، وأن تتقصد جماليات التحطيم أو التكسير لما تم التعارف عليه في بناء الحكاية التقليدية أو النص السردي التقليدي، مع كون اصطلاح المغامرة والتجريب هنا لا يعني الفوضى والتلاعب بعناصر السرد الحاضرة أو الغائبة على طريقة (خالفْ تعرفْ)... ما نقصده بجماليات المغامرة والتجريب أن يكون القاص واعياً لكتابة القصة التقليدية، وفي الوقت نفسه يعرف كيف يكتب نصاً قصصياً إشكالياً يحطم البناء التقليدي للسرد؛ فيبدأ من النهاية، أو يعتمد على تيار الوعي، أو يغيب الفكرة، أو يعطل الزمن... على سبيل المغامرة والتجريب في مجال هذه الكتابة السردية الأكثر تطوراً ومعاصرة!!
في ضوء ما سبق، ينبغي أن تحضر العناصر السردية في القصة القصيرة جداً، ولكن ينبغي أن يكون هذا الحضور على قاعدة التجريب والمغامرة؛ أي أن يكون القاص مدركاً لجماليات التجريب وواعياً لمسلكيات المغامرة الفنية من خلالها، وأنه مشبع بالعناصر السردية قديمها وحديثها، بل إنَ باعه طويلة في مجال كتابة القصة القصيرة أو الرواية أو كلتيهما معاً... وهنا يمكن أن يكون للقارئ أو الناقد حرية واسعة في استنتاج عناصر السرد، وفي التفاعل مع نصوص القصة القصيرة جداً؛ انطلاقاً من أنها نصوص قصصية، وفي الوقت نفسه هناك انفتاح وتداخل للأجناس في بنيتها السردية في المقام الأول؛ لا أن تكون العناصر السردية غائبة، ومن ثم ليس للقصة القصيرة جداً أكثر من تسميتها وثوبها الشكلي، كما يظهر في كثير من قصص الكتاب المبتدئين في هذا المجال؛ وذلك عندما استسهلوا هذه الكتابة، في حين كان ينبغي عليهم أن يستسهلوا كتابة الرواية على كتابة القصة القصيرة جداً التي يخدعهم مظهرها القصير جداً...!!
* * *
عند استقراء حالة النصوص القصصية المختارة في ضوء إشكالية التجريب وعناصر السرد؛ لا بد من أن نتوقف كثيراً عند هذه المسألة التي تقسم القصص القصيرة جداً إلى ثلاث مستويات على الأقل: القصة ذات الجملتين إلى حدود خمس جمل، والقصة الوسط ذات عشر جمل إلى حدود عشرين جملة، والقصة المطولة التي تطول لتقترب كثيراً من حدود الأقصوصة أو القصة القصيرة...!!
في هذا السياق الكمي النسبي يظهر التجريب بصفته حالة ذهنية إلى حد ما؛ أي أن القصة القصيرة جداً ليس بالضرورة أن تستخدم عناصر السرد التقليدية كلها، وهذا يعني أن الحالة النقدية ربما تكون أكثر تعقيداً عند قراءة القصة القصيرة جداً في ضوء مستويات هذا الفن؛ خاصة أنه لم يعد لها بداية ووسط ونهاية على الطريقة التقليدية للحكاية، كما أن الشخصية أوالحدث أو الفكرة أو الزمان أو المكان أو أسلوب العرض أو الدلالة... لا يمكن استيضاحها كلها معاً في نص واحد بالطريقة التقليدية؛ لأن القصة القصيرة جداً لا تتجاوز أن تكون (شفرة) في تعاملها مع هذه العناصر الجمالية مقارنة بكتابة القصة القصيرة أو الرواية!!!
فلو نظرنا إلى قصة (وجه خارطة) لخالد الخضري لوجدنا علاقة حميمة بين الوجه الإنساني في مظهره السلبي والخريطة الجغرافية؛ حيث يتحول المكان في هذه الحالة ومن خلال الوجه إلى بعد نفسي حاد في توصيف حركية الزمن التي حولت الوجه إلى صحراء!!
كذلك تبدو المقارنة بين الأمكنة: وجه الموظف الآسيوي المكدود، ووجه المدير الناعم ووجه أرضية المكتب الصقيلة مما يولد المفارقة بين الأمكنة عندما تكون مجالاً للمقارنة بين الأشياء والأشخاص في سياقاتها الرمزية... على هذا النحو تصبح الإشكاليات الجمالية السردية (وقد أشرنا فقط إلى إشكالية المكان في ثلاث قصص قصيرة جداً) مجالاً واسعاً للتجريب والمغامرة في سياق كتابة سردية جديدة، لم تعد تؤمن بالصيغ أو الجماليات السردية التقليدية كما تبدو في الكتابات السردية التقليدية على العموم!!
(8)
صدمة القارئ تعد جماليات صدمة القارئ من أهم محفزات الانفعال والإقبال على قراءة القصة القصيرة جداً؛ إذ ينبغي على القاص أن يحرص على توافر هذه الصدمة في قصصه القصيرة جداً، وعلى هذا الأساس تحدث الصدمة أو الدهشة على الأقل، بدءاً من العنوان الذي ينبغي أن يكون إشكالياً وصادماً، وغالباً ما يكون هذا العنوان خلاصة القصة، ومحركها الرئيس من البداية إلى النهاية... أي أنه مفتاح القصة ومغزاها.. كذلك، من المهم أن تكون بداية القصة فاعلة في توليد هذه الصدمة، وأن تكون النهاية إشكالية مفتوحة على غرار الإيحاء بنهايات متعددة، لا نهاية مغلقة قد تفقد القصة حيويتها وقدرتها على التغلغل في مشاعر القارئ وعقليته. ولا تعني هذه الصدمة أن يحرص القارئ على الإثارة الغرائزية عن طريق الجنس والإجرام على سبيل المثال، فالفرق واضح بين صدمة القارئ وإدهاشه جمالياً وبين إثارته الغرائزية غير الفنية؛ إذ تكمن في الصدمة جماليات الإبداع الحقيقية، ومن ثم تتشكل جماليات السرد في القصة القصيرة جداً التي تحرص على هذه الصدمة أكثر مما تحرص عليها لغة الرواية أو القصة القصيرة!!
هناك مولدات للصدمة تنتج عن غرائبية الشخصية أو الحدث أو الزمان أو المكان أو الفكرة... وعلى إثر ذلك لا بد من أن تكون اللغة معبرة ودالة على مستوى الصدمة، لا أن تكون ركيكة ومباشرة وفضفاضة... ولا بد من أن تترك اللغة الصادمة آثاراً عميقة لتوليد الدلالات العميقة، وإشعار القارئ أنه الشخصية الأذكى، وأن الكتابة السردية لم تكتب كلّ شيء لتشعر قارئها بأنه غبي يحتاج إلى أن يعرّف له الكاتب كلّ شيء، وفي حال أن تكتب القصة القصيرة جداً لقارئ غبي؛ فتشرح له كلّ شيء، فإنها حينئذ لم تعد قصة ذات رؤى ودلالات جمالية!!
* * *
حرصت جل النصوص القصصية القصيرة جداً على ان تحتفي مع ما فيها من تنوع بتوليد الحساسية الانفعالية والدهشة وإلى حد ما الصدمة الجمالية في نفسية القارئ وعقليته عندما يقرأها؛ لأنه لا يمكن لأي قاص في مجال القصة القصيرة جداً أن يتجاوز هذه الحساسية أو الصدمة؛ وذلك انطلاقاً من كونها أهم مبررات مشروعية هذه القصة لدى المتلقين لها...!! ومن يتتبع إيحاءات بعض العناوين يشعر بأن هذه الصدمة توجد بداية في العنوان، ومن ثم لا بدّ من أن ينتقل هذا الوعي الإبداعي والتلقي أيضاً إلى مجمل النص وهاصة بدايته ونهايته!!
إذا قرأنا قصة (أمن): لجبير المليحان في ضوء حساسية الصدمة... سندرك كيف يتحول الأمن إلى كابوس وظلام، والمفارقة أن يحدث بعد ذلك التنفس العميق دلالة على الراحة النفسية إثر الاستعدادات الأمنية في بناء مسكن؛ ليتضح لنا في المحصلة أن المبالغة في الأمن ظاهرة كابوسية وخانقة إلى حد بعيد: (أمن عبدالله : بعد أن أتمّ ترتيب الباب الضخم لبيته، ووضع النوافذ الضيقة في أماكنها، وحماها بشبك الحرامي القوي... تنفس عميقاً، ثم شرع ببناء البيت!...........).
(9)
التركيب لم تهدف هذه المقاربة إلى أن تقدم قراءة للمختارات القصصية التي جمعها الأستاذ القاص خالد اليوسف، ولو كان هذا هو الهدف لاخترنا مدخلاً ضيقاً جداً لقراءتها في ضوء إشكالية جزئية معينة، لأنه لا يمكن على أية حال من الأحوال أن تقرأ القصص القصيرة جدا على كثرتها وتنوع مستوياتها في ضوء تجربتها السردية كلّها؛ ولو فعلنا ذلك لخرجنا بقراءة غبية بكل تأكيد!!!
هناك نصوص قصصية من بين المختارات تستحق أن يقدم عنها قراءات نقدية عديدة، خاصة أنها لقاصين لهم باعهم الطويلة في مجال الكتابة السردية، ومن ثمَ فإن من أشرنا إلى بعض قصصهم، لم يكن ذلك إلا من قبيل الإشارات العابرة. على هذا النحو، كان الهدف من مقاربتنا هذه لفن القصة القصيرة جداً أن نلفت الانتباه إلى ما يعتري هذا الفن السردي المعاصر من جماليات المغامرة والتجريب، وأنه يحتاج إلى المزيد من فاعلية الاستقراء والدرس النقدي.
http://www.al-jazirah.com.sa/culture/06112006/almlf56.htm


شمولية الفن السردي
أحمد الدويحي
عادت بي قراءة نصوص ملف القصة القصيرة جداً، والتهيؤ لكتابة هذه السطور بحزمة من الأسئلة، تفصح عن أنه من الحمق أن يكون استباق قراءة النصوص يعني بالضرورة إنتاج قراءة فنية لها، بقدر ما هي فرصة لرؤية شمولية الفن السردي وتبادل أجناسه الفنية الحضور، وتعني بدواعي الحضور لأجناس الكتابة الفنية الإبداعية، واستجابة لحزمة من الظروف المتشابكة والمعقَّدة، وتراكماً اجتماعياً وثقافياً وسياسياً، فتشكل عالم الكتابة السردية رواية (قصة قصيرة) قصة قصيرة جداً، وترسخ قيم وشيوع كل جنس سردي يحمل دوافعه ودلالته، ويُشكَّل حضور المبدع الخلاق!

شكَّلت القصة القصيرة في السبعينيات والثمانييات والتسعينيات حضوراً مدهشاً؛ حيث نافست الجنس الشعري المتفرد بذائقة المتلقي في الجزيرة العربية، وأخذت القصة القصيرة بخصائصها وسماتها الفنية، وتشكَّلت بلغة كتابها مراوحة بين المدارس الفنية المتنوعة، وخطاباتها المتجاورة لتجسد حالات الضياع وصدمة المدينة، وكثير من أوجاع تحولات المجتمع حينها. ويضم ملف القصة القصيرة جداً، الذي بين أيدينا، نصوصاً لنخبة أسماء رواد بارزين في كتابة القصية القصيرة، ينتمون إلى تلك الحقبة الزمنية التي صاحبت حضور جنس القصة القصيرة مع جيلهم (محمد علوان - محمد الشقحاء - فهد الخليوي - جار الله الحميد - جبير المليحان - فهد المصبح - شريفة الشملان - خالد اليوسف - عبد العزيز الصقعبي - حسن حجاب الحازمي - ناصر العديلي).

حضرت الرواية بكثافة بوصفها جنس أدبي في مطلع التسعينيات، ولها سماتها وخصائصها الفنية، والرواية جنس أدبي شمولي، بمعنى أنه تدخل في عباءاتها كل الأجناس الأدبية الفنية (شعر، وقصة، ومسرح)، وتتسع لشرائح بشرية متنوعة وتراكم زماني ومكاني، وتألقت كجنس أدبي لا بد له من فضاء، يتماس مع حجم تحولات كبيرة سياسية وثقافية واجتماعية أيضاً، ورصدت أحداث داخلية وخارجية مؤثرة، وشاهدة على الحروب المتتابعة في المنطقة الخليجية، وانتعشت الرواية بدخول التقنية الحديثة، وسهولة وحرية التواصل مع الآخر؛ فكانت فضاء شاسعاً للجيل الثاني من كتّاب السرد. وحضر في هذا الملف القصصي ممن كتبوا الرواية، إذا أسعفتني ذاكرتي: أحمد زين - حسن الشيخ - خالد خضري - خالد المرضي - خالد اليوسف - صلاح القرشي - عبد العزيز الصقعبي - عبد الله التعزي - طاهر الزهراني - فهد المصبح - ماجد الجارد - محمد المزيني.

ظهر أن القصة القصيرة جداً ليست مولوداً طارئاً؛ فقد تغيب وتحضر حسب الظرف السياسي والثقافي والمجتمعي، وينسب ظهورها الأول في الأدب العربي إلى الكاتب اللبناني جبران خليل جبران في الأربعينيات في كتابيه المجنون والتائه، وربما وجد البعض لها جذوراً في التراث العربي كقصار الآيات القرآنية الكريمة، وجاءت القصة القصيرة جداً خلاصة الكتابة السردية، والمولود الباحث عن مكانة لائقة به بين الأجناس السردية فن مراوغ، يستعصي على قيم البناء المعمارية للأجناس الأدبية الأخرى، ويعتمد التكثيف اللغوي، ويتجنب الحشو والاستطراد، فيظهر في كلمات لا تتعدى سطراً أو بضعة أسطر. واكتسبت القصة القصيرة جداً شرعيتها، وأصبحت الجنس الأدبي الشائع جداً في العالم وبعض الأقطار العربية، ونقرؤها في مواقع التقنية الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي الحديثة، ويشترك في كتابتها بمستويات مختلفة قراء وكتّاب لهم تجاربهم المتراكمة، وحتماً سيجد هذا الجنس السردي الأدبي رفضاً تقليدياً للذائقة الأدبية التي تخاف التجريب والتجديد وكل ما هو حداثي، وتواجه الموقف الرافض لبعض الأجناس الأدبية، كالقصيدة الحديثة والرواية، التي بطبيعتها بوصفها جنساً أدبياً تسعى إلى كشف مستور وتقوض البنى التقليدية، ويرفض القصة القصيرة جداً أيضاً بعض النقاد، لاتكاء الجنس الأدبي على التكثيف الرمز والغموض؛ ما جعل البعض يطلق على هذا الجنس الأدبي أنه (فن صعب، لا يبرع فيه سوى الأكفاء من الكتاب القادرين على اقتناص اللحظات العابرة قبل انزلاقها على أسطح الذاكرة, وتثبيتها للتأمل الذي يكشف عن كثافتها الشاعرية بقدر ما يكشف عن دلالاتها المشعة في أكثر من اتجاه)*. ويحضر في هذا الملف 58 كاتباً وكاتبة من كل الأجيال، يكتبون التنوع في القصة القصيرة جداً بوصفه فناً حديثاً جداً وبمستويات متنوعة، ونعرف أن بينهم كتاباً رواداً في كتابة هذا الجنس الأدبي الذي يحتاج إلى حساسية خاصة جداً.

ممتعة جداً قراءة نصوص تنتمي إلى كل الأجيال والأطياف الكتابية، تتجاور في خطاباتها وأشكالها وبيئاتها الفنية المتنوعة، وتظل الكلمة لقارئ النصوص في مضامينها وتجلياتها، ولكن كلمة شكر مستحقة للزميل المبدع الأستاذ خالد اليوسف الذي بذل جهداً كبيراً في جمع مادة هذا الملف وتقديمه. ويأتي هذا امتداداً لجهود خالد المتواصلة في خدمة الفن السردي وكتابه، عبر المؤسسة الثقافية كنادي القصة سابقاً ونادي الرياض الأدبي الآن، واهتمامه بكتابة أنطولوجيا القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية نصوص - وسير. والله الموفق للجميع.

http://www.al-jazirah.com.sa/culture/2012/31052012/almlf22.htm


تحولات الكتابة الإبداعية
القصة القصيرة جداً في السعودية بين ملفين
خالد أحمد اليوسف
بعد مضي خمس سنوات(1) - تقريباَ- على صدور أول ملف خاص بالقصة القصيرة جداَ، هاهي صحيفة الجزيرة بمجلتها الرائدة ثقافيا تُشرع أبوابها أمام هذا الفن الأدبي مرة أخرى، وتمنحه ملفاَ كاملا يطرح النصوص والدراسة والكتابة عن هذا الجنس الشائع من فنون السرد.

إن القصة القصيرة جداَ في السعودية فاقت ونافست الأشكال الأدبية الأخرى كتابة ونشراَ، لهذا جاء الملف ليؤكد للمتابعين والدارسين والنقاد أهمية ما ينشر في هذا المجال، لاحتوائه على تجارب ومعطيات أثبتت أن كتّاب القصة القصيرة جداَ قادرون على نقلها والصعود بها لتنافس مثيلاتها في الوطن العربي.

إن الطرح في هذا الملف يكشف لنا عن تعدد المفهوم والرؤية، وأن كتابة القصة القصيرة جداَ لا يُحد ولا يُقاس بقواعد دقيقة لا يمكن الكتابة إلا بوجودها، لذا جاءت النصوص متغايرة في الطول والكلمات، وفي اللغة والبناء، وفي المضمون والتشكل، وهذا التباين جاء من خبرات كتابية وممن لهم مراس ونتاج أدبي كبير، وهو دليل على عمق المعرفة بكتابة القصة القصيرة جداَ، وأن ما توصلت إليه طاقاتهم الإبداعية مواكباَ للحركة الإبداعية السردية العالمية في هذا الفن.

يأتي هذا الملف وقد توقف أو صمت أو تحول عدد من كتاب القصة القصيرة جداَ، ولذا خلا من مشاركتهم الذي اشترط فيها وجود الجديد في إنتاجهم، وفي المقابل شاركت أسماء جديدة في ساحتنا القصصية، وهذا أكبر دور يقوم به هذا الملف وهذه المجلة، وهو إبراز الأسماء الجديدة المتميزة والمتفوقة، وعدم وجود أسماء بارزة في كتابة القصة القصيرة جداَ ليس بالضرورة نقصان من مكانتهم أو إهمالا لهم، وإنما فرضت الظروف والمرحلة أن يخرج الملف خالياَ منهم، وهو نواة لعمل كبير شامل لكل كتابها والمهتمين بها.

سيلفت نظر القارئ لهذا الملف وجود أكثر من دارس وناقد وكاتب عنه، وهذه الخطوة النقدية مهمة للغاية لكي نفتح النوافذ المتعددة والمختلفة الاتجاهات على هذه النصوص، وكنا نأمل أن نزيد أكثر من ذلك لولا ضغط الوقت الذي تطلب الانتهاء من إعداد الملف، ومن ثم نشره بين يديكم، والأمل أن يكون وافياَ كافياَ مفيداَ لكل من يعشق القصة القصيرة جدا.

http://www.al-jazirah.com.sa/culture/2012/31052012/almlf23.htm

القصة القصيرة جداً
د. مسعد أحمد مسرور
ما القصة القصيرة جداً؟

إنها قصة أولاً وقصيرة جداً ثانياً

إنها قصة قصيرة جداً قائمة على الحكي وللحكي والقص متعة ولذة خاصة، والقص المكثف بحث في اللامرئي الذي يمفصل الذات يقول النفوي (كلما اتسعت الرؤيا ضاق الكلام) أي قل والقصة القصيرة جداً تتميز بالإيغال في لغة مشعرنة تمحي الفواصل بين عناصر النص القصصي المختلفة، كما تمحي الفواصل بين الكاتب والراوي والشخصية الرئيسية.

أنها قائمة على الاختزال قائمة على التكثيف قائمة علىالشحنة العاطفية التي تنطلق انطلاقة سريعة ثم تنفجر ونموذجها قصة يوسف إدريس القصيرة جداً (المرتبة المقعرة) وليوسف إدريس عبارة يشرح فيها كيف كتب قصصه القصيرة جداً وهي قصة (نظرة) و(المرتبة المقعرة) و(العصفور والسلك) قائلاً: إنني في كل قصة قصيرة أكتبها أشعر أنها إنما هي محاولة جديدة لتعريف جديد للقصة لم أقله... إن كل قصة قصيرة قرأتها وهزتني تماماً كانت دائماً لحظة تركيب كوني متعدد المكونات، يؤدي إلى خلق مادة جديدة تماماً، عن كل المواد العضوية وغير العضوية... مادة جديدة اسمها الحياة(1).

كلام يوسف إدريس يؤكد على أمرين هامين للغاية: الأول منهما هو أنه ليس بالضرورة أن يكون للقصة القصيرة جداً تعريف محدد وتتحرك من خلاله ونحكم به على العمل الفني كشكل جامد.

المرتبة المقعرة

ليلة «الدخلة» و»المرتبة» جديدة وعالية ومنفوشة، وفوقها بجسده الفارع الضخم، واستراح إلى نعومتها وضخامتها قال لزوجته التي كانت واقفة إذ ذاك بجوار النافذة:

انظري.. هل تغيرت الدنيا؟

نظرت الزوجة من النافذة ثم قالت:

لا... لم تتغير.

- فلأنم يوماً إذن.

ونام أسبوعاً، وحين صحا كان جسده قد غور قليلاً في المرتبة. فرمق زوجته وقال:

انظري.. هل تغيرت الدنيا؟

فنظرت الزوجة من النافذة ثم قالت:

- لا.. لم تتغير- فلأنم أسبوعاً إذن.

-نام عاماً، وحين صحا كانت الحفرة التي حفرها جسده في المرتبة قد عمقت أكثر، فقال لزوجته: انظري هل تغيرت الدنيا فنظرت الزوجة من النافذة ثم قالت: -لا... لم تتغير. - فلأنم شهراً إذن نام خمس سنوات، وحين صحا كان جسده قد غور في المرتبة أكثر، وقال كالعادة لزوجته: -انظري.. هل تغيرت الدنيا؟ فنظرت الزوجة من نافذة ثم قالت: لا... لم تتغير. - فلأنم عاماً إذن نام عشرة أعوام- وكانت المرتبة قد صنعت لجسده أخدوداً ؟؟؟، وكان قد مات وسحبوا الملاءة فوقه فاستوى بسطحها أي انبعاج، وحملوه بالمرتبة التي تحولت إلى لحد وألقوه النالفذة إلى أرض الشارع الصلبة. حينذاك وبعد أن شاهدت سقوط المرتبة اللحد حتى مستقرها الأخير، نظرت الزوجة من نافذة وأدارت بصرها في الفضاء وقالت:

- يا إلهي! لقد تغيرت الدنيا.

والأمر الثاني أن القصة القصيرة جداً تستمد مادتها الرئيسية من الحياة، ولذلك فإنه لا يوجد لدى كاتب القصة القصيرة أو القصة القصيرة شيء ينظر إليه على أنه قالب جوهري؛ لأن إطاره الذي يرجع إليه لا يمكن أن يكون الحياة الإنسانية برمتها وهو لا بد أن يختار دائماًَ الزاوية التي يتناولها منها، وكل اختيار يقوم به يحتوي على قالب جديد، كما أن الصدق الفني في التجربة الإبداعية هو المعيار الذي تستند عليه أية تجربة فنية.

أما تحديد نوعية الكتابة مهم جداً حتى لا تختلط الأنواع الأدبية بعضها بالبعض الآخر.

ويقول نجيب محفوظ عن قصصه القصيرة جداً التي نشرها في مجلة (نص الدنيا)المصرية ثم نشرها في كتاب بعنوان (أحلام فترة النقاهة) الآتي (إن الشكل الذي تخرج به القصة القصيرة في الوقت الحار يخضع لقواعد الفن والتي تتميز في المقام الأول بالمرونة وهي تتسع دائما لكل جديد)(2).

وأثناء مؤتمر الرواية العربية بالقاهرة عام 2005م وجهت سؤالا إلى الطيب صالح الكاتب السوداني عن قصصه القصيرة جداً: كيف جاءت فكرة هذه القصص القصيرة جداً، ولماذا نشرها في مجموعته القصصية (دومة ود. حامد) وماذا يسميها؟ قال الطيب صالح: اعتبر هذه القصص القصيرة جداً هي في نظري خاطرة قصصية أو ومضة قصصية أو بذرة قصصية يمكن أن تتحول إلى قصة قصيرة مثل (حفنة تمر أو نخلة على الجدول) ويمكن أن تتحول إلى رواية؛ ففي هذه الأقاصيص القصيرة جدا قصة كانت هي البذرة الأولى لرواية موسم الهجرة إلى الشمال أرجع إلى مجموعتي «دومة ود حامد) لو سمحت واحكم بنفسك.

الحلم رقم 143

سمعت صوتا غير مألوف فمرقت بسرعة إلى فناء العمارة فرأيت رجلاً غريباً أثار في نفسي الريب، فناديت البواب ولفتُّ نظره إلى الرجل الغريب، فأخبرني بهدوء أنه موظف ويؤدي واجبه الرسمي وهو أخذ الزائد من الأفراد من المساكن المكتظة وينقله إلى مسكن يتسع له، فاعترضت قائلاً إنه يأخذ فرداً من أسرة ويخلف حزناً وينقله على رغمه إلى مكان لا يرحب به، فقال البواب بأن هذا هو القانون ونحن لا نملك حياله إلا الإذعان والتسليم(3).

حلم رقم 118

وجدتني في ميدان محطة الرمل المزدحم دوماً بالبشر، ولمحت في ناحيته الرجل الذي تردد كلماته الألوف وهو يغازل غانية فهمت في أذنه (إذا بليتم فاستتروا) فقال: وهل ثمة ستر أقوى من ملابسها؟!

الحلم رقم 143

والحلم رقم 18 كنموذجين لقصص نجيب محفوظ القصيرة جداً يكتب النموذجين بعد السطر 16 من الورقة (2) الثانية.

(إن الشكل الذي تخرج به القصة القصيرة في الوقت الحاضر يخضع لقواعد الفن والتي تتميز في المقام الأول بالمرونة وهي تتسع دائماً لكل جديد والإبداع الفني ليست له حدود) بعد هذه العبارة نأتي بالنموذجين حلم 143 وحلم 118 أي بعد السطر 16 من الورقة الثانية.

وفي عام 2001م كرمت جامعة أسيوط ممثلة في كلية الآداب قسم اللغة العربية الكاتب والقاص المصري محمد مستجاب، وتم عقد ندوة نقدية حول أدبه وأعماله الإبداعية الأخرى، وقد سألت القاص محمد مستجاب عن تعريفه لفن القصة القصيرة جداً عن هذا الفن الجديد الوليد، فقال: هذا ليس جديداً ولا وليداً فقد فرضه علينا روح العصر وصحافته السريعة ذات الحيز الضيق، بل يا صديقي موجود منذ الأزل في تراثنا القديم.

وقرأنا عليه قصته المنشورة في مجلة الهلال المصرية بعنوان (سعاد) وكذلك قصة الكاتب المصري محمد المخزنجي عنوانها (رائحة النفس) والمنشورة في مجلة العربي الكويتية.

قصة (سعاد) محمد مستجاب

(في جيبي مفتاح شقة صديقي المعار لي لمدة أربع وعشرين ساعة فقط) وكتاب -أنا وسعاد- وللمرة الرابعة نحتسي شاي الظهيرة في سميراميس، وعبثت يدي في المفتاح و-ما رأيك أن نأكل (فسيخنا) معاً؟!

توردت الأنثى وأشاع الفسيخ في وجهها نظرة مرغوبة اضطررنا أن نلجأ لحي شعبي حتى نجد بغيتنا، سألتني سعاد والرجل يناولني الفسيخ.. أين سنأكله، آه أين سنأكله!! كانت سعاد واجفة قلقة متبرمة لكنها متسلمة، لفة الفسيخ في يد واليد الأخرى تدير المفتاح في الباب، ويدور المفتاح ولا يفتح وضغط ويظل المفتاح معاندا، ونرطبه مرة أخرى بلعابنا ولا يفتح وننزل السلم يغمرنا صمت ورائحة.

قصة 2

الفسيخ تتسلل من تحت إبطي (*)

أما قصته «رائحة الشمس» محمد المخزنجي (ما نحن - الرجال - إلا أطفال أمهاتنا. مهما كبرنا أو استطلنا تظل أمهاتنا حاملات أسرار لمعجزات تظل نرتجيها.

ولقد كانت معجزة أمي أنها تخبئ بعضاً من الشمس في ثيابنا المغسولة. سأظل أتذكر أنها كانت تجمع الغسيل بعد جفافه عندما تبدأ الشمس رحلة هبوطها بعد العصر، وعلى الكنبة التي بركن الصالة ترتفع كومة الثياب النظيفة وفي هذه الكومة كنت ألقي بنفسي لأغرق في رائحة لم تكن في وعيي غير رائحة الشمس - راحت كومة الثياب عن كنبة الصالة. غابت إلى الأبد. وكبرت أنا إلى حد أنه حتى لو ظلت الكومة ما كنت أستطيع أن ألقي بنفسي فيها. كل ما أستطيعه الآن هو أن أوصي زوجتي بألا تجمع الغسيل المنشور إلا بعد العصر. وبزعم أنني أساعدها في جمع الغسيل، ألتقط قطعة منه وأغرق وجهي فيها. تضحك زوجتي قائلة «كف عن الوسوسة» تحسبني أتشمم الغسيل لأتيقن من نظافته، فهي لا تعرف أنني أبحث عن معجزة من كانت تخبئ بعضاً من الشمس في ثيابنا.. أبحث عن عطر أمي(4).

لقد كان رأي مستجاب في القصتين الآتي:

بالنسبة لقصة معاد هي في نظره تمثل اللوحة القصصية الموجزة جداً والمركزة جداً مسترشداً برأي للناقد المصري يحيى حقي حول تعريفه للوحة القصصية. أما رأيه في قصة رائحة الشمس للمخزنجي فهي في نظره تمثل قصة الومضة أو الخاطرة السريعة المركزة. وعقب قائلاً: اللوحة، أو الومضة أو الخاطرة في الأخيرة تنتمي لشجرة كبيرة لها فروع كثيرة تسمى القصة.

وللدكتور عبدالعزيز المقالح بعض الآراء حول فن القصة القصيرة جداً.. يقول المقالح:

(في منتصف السبعينيات في اليمن بدأ هذا النوع من القص يستهوي المبدعين وكان القاص والشاعر (حسن اللوزي) مؤهلاً أكثر من غيره لتبني هذا الفن والمضي به قدماً لولا انصرافه إلى الشعر أولاً وانشغاله بالأعمال الإدارية ثانياً، وهذا نموذج من الأقصوصة كما كان قد بدأ في كتابتها والتمكين لانتشارها:
1- قالت العجوز
- ياتي زمن نأكل فيه الأحجار
قال أبي:
- يأتي زمن أكلك فيه والأطفال!!
قال أخي الصغير:
القطة السوداء الكبيرة أكلت القطط الصغيرة!!.
2- في الليل سمعت صراخاً ينفذ من سرة زوجتي النائمة وهي تعاني من أوجاع شهرها التاسع.
- لن أخرج لو ينسف هذا المهبل بالديناميت.
3- قالت القابلة:
(انتظروا..!...! انتظروا.. انتظروا)(5).

يقول عبدالعزيز المقالح هل من المبالغة في شيء القول بأن هذه الأقصوصة بمساحتها المحدودة وبكلماتها المعدودة تقول مالا تقول رواية من المطولات المليئة بالثرثرة والسرد الجامد الجاف؟ وهل الجيل الجديد من المبدعين الشبان قادراً على النهوض بهذا المستوى من الفن القصصي المواكب لإيقاع الحياة ومناخ الطور الأسرع(6).

القصة القصيرة جداً وتجارب الغرب

لقد ترجم الكاتب والناقد المصري فتحي العشري رواية «انفعالات» للكاتبة الفرنسية ناتالي ساروت عام 1971م وكتب على غلاف هذا الكتاب «قصص قصيرة جداً» حيث إن كل صفحة من الكتاب تحتوي على قصة وقام المترجم بترقيم القصص واليكم القصة رقم (24):

(كانوا نادراً ما يظهرون، بل يقبعون في شققهم داخل حجراتهم المظلمة ويترقبون، يتصلون تليفونيا بعضهم البعض، يتباحثون ويتذاكرون، ويتلقفون أقل علامة وأبسط إشارة.. كان بعضهم ينعم بقطع إعلان الصفحة مبينا بذلك حاجة أمه إلى خياطة باليومية، كانوا يتذكرون كل شيء وكانوا شديدي الحرص والسهر عليه يتماسكون بالأيدي في حلة محكمة ويحيطون به.

كانت جمعيتهم المتواضعة ذات الوجوه نصف المطموسة والمعتمة تتعلق به وتحيطه في شكل دائرة وعندما كانوا يرونه وهو يزحف باستحياء محاولا أن ينفذ بينهم، كانوا يخفضون بسرعة أيديهم المتشابكة ويجلسون القرفصاء، حوله مسلطين عليه نظراتهم التي لا تعبر عن شيء بعينه، ولكنها لا تتزعزع وهم يبتسمون ابتسامة فيها لمحات الطفولة (7).

وهناك كتابات عالمية متنوعة لكتاب كثر يمكن أن تنضوي تحت إطار القصة القصيرة جداً منها ل(كافكا، والالان غربية، وفرجينيا وولف دأو. هنري وجيمس جويس وكتاب أمريكا اللاتينية وكتاب روسيا وكثيرين.. غيرهم في الآداب العالمية.

وإليكم نموذج للقاص والكاتب العالمي هارفي ستانبرو نشرها في كتابه المسمى «كتابة حوار حقيقي وقصة قصيرة جداً» والقصة النموذج عنوانها «عند الاعتراف» وهي أول قصة قصيرة جدا ناجحة للكاتب وعدد كلماتها لا تتجاوز خمسا وخمسين كلمة.

قصة (عند الاعتراف)
(باركني يا أبتي لأنني أخطأت
- كم مضى على آخر اعتراف لك؟
- سنتان
- وما هي المشكلة؟
- تمنيت الموت لرجل
- ولم تنفذ رغبتك هذه؟
- حتى الآن، لا
- من هو هذا الشخص؟
- إنه ينحونني مع زوجتي
- شحب وجه الكاهن فقال: (إنني أغفر لك)
فأطلقت عليه عياراً نارياً من وراء الستارة)(8).

الإطار المكافي في قصة «عند الاعتراف» هو كنيسة والشخصيات هي الراوي الكاهن، لاحظ أولاً كيف تم جر القارئ مباشرة إلى القصة عبر الحوار الهادئ والمشحون بالتوتر في الوقت نفسه. والصراع معقد (فقد حدث أولاً في ذهن البطل خلال سنتين، حتى اعترافه برغبته بموت شخص) ثم يتجول إلى شخص الكاهن قبل الحل مباشرة في لحظة إطلاق النار على الكاهن. ونقول لم يكن الكاهن عدو بطل القصة، بل الزوجة، وهي الشخصية الثالثة، وقد أشير إلى وجودها تضمينا.

لاحظ أيضاً أن الإيحاء يعمل على توجيه رأي القارئ إلى الكاهن والإيحاء هنا بأن الكاهن مذنب لا يسوغ بالضرورة الحل الجائر، ولكن اعتراف الكاهن الضمني بالذنب، أولاً أمام القارئ «شحب لون الكاهن»، وبعد ذلك أمام بطل القصة الراوي «إنني أغفر لك» يسوغ هذا الحل. ومن المحتمل ألا نرضى عن الحل لو أننا شككنا بأن الكاهن كان بريئاً.

لاحظ أيضاً أن القصة تبدو أكبر مما هي بالفعل.. يبدو أنها تبدأ قبل أن يتكلم الراوي، وتستمر إلى ما بعد السطر الأخير. وفي القصة القصيرة جداً من النادر أن يكون فيها متسع للحبكة (وهي سلسلة من الأحداث التي تسبب تزايد التوتر الذي يؤدي بالنهاية إلى الحل) ولكنني أعتقد أن الاتساع الافتراضي لهذه القصة هو نتيجة لحبكة: الصراع الأول الضمني هنا (خيانة الزوجة) يؤدي إلى الصراع الثاني (في عقل البطل) وهذا يؤدي إلى الصراع الثالث (مواجهة البطل) للكاهن وخوف الكاهن الذي نجم عن تلك المواجهة)، مما يؤدي إلى الحل. ولاحظ أيضاً أننا نشعر بالرضا عن النهاية؛ فلا نتساءل عما يحدث للراوي نتيجة عمله. هل أخذه رجال الشرطة؟ هل حوكم وأودع السجن؟

يحتمل أن تكون الإجابة قصة أخرى أو قصتين(9).

لقد أسهمت الترجمة من اطلاعنا على آداب الأمم الأخرى حين تم ترجمة نصوص قصصية من الآداب العالمية فقد كان لها تأثيراً على الأدب العربي ولا ننسى في هذا المقام ما قامت به مجلة نوافذ السعودية الصادرة عن النادي الأدبي في جدة ومجلة إبداعات عالمية الصادرة عن المجلس الوطني للكويت ومجلة الآداب العالمية الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق سوريا.

فماهي القصة القصيرة جداً؟

يقول الناقد السوري أحمد جاسم الحسين (القصة القصيرة جداً نص إبداعي يترك أثراً ليس فيما يخصه فقط بل يتحول ليصير نصاً معرفياً دافعاً لمزيد من القراءة والبحث فهو محرض ثقافي يسهم في تشكيل ثقافة المتلقي على البحث والقراءة10.

أما تعريف الدكتور محمد مينو (القصة القصيرة جداً حدث خاطف لبوسه لغة شعرية مرهفة وعنصره الدهشة والمصادفة والمفاجأة والمفارقة، وهي قص مختزل وامض يحول عناصر القصة من شخصيات وأحداث وزمان ومكان إلى مجرد أطياف ويستمد مشروعيته من أشكال القص القديم كالنادرة والطرفة والنكتة، فالشكل قديم ويرجع إلى تلك البدايات وربما يعود إلى الرواد الأوائل ل(خواطر) محمود تيمور الملحقة بمجموته القصصية (ما تراه العيون) سنة 1922)11.

وعند الناقد العراقي باسم عبد الحميد حمودي (نموذج تكثيف الحدث - الموقف الذي يطرحه القاص بهذا الشكل مفضلاً عدم طرحه بشكل قصة اعتيادية نظراً لالتهابه12.

أما رأي الناقد السوري عبد الله أبو هيف بقوله (هي شكل من أشكال السرد أشد كثافة وأكثر بلاغة من القصة القصيرة أو المتوسطة)13.

ويقول الناقد العراقي جاسم خلف إلياس (القصة القصيرة جداً هي التسمية المطابقة تماماً لنوع قصصي قصير يستقي أسسه الجمالية من بيئته الداخلية التي منحت (لجداً) وجودا شرعياً لا يفرضه من الخارج عليه بل بتفاعلهامع تجليات وتمظهرت قصصية جعلتها تغاير المواصفات المتحققة في أنواع قصصية أخر بتعاقد طبيعي بين المؤلف والقارىء فرضته التغيرات الشمولية وبتأثير متبادل بينه وبين الأنواع الأدبية المجاورة له في سياقاته التاريخية والجمالية)14.

أما الدكتور والناقد الفلسطيني (حسين المناصرة) له رأي خاص يقول فيه: (أما القصة القصيرة جداً فهي خلاصة لتجربة سردية لابد أن يسبقها - على وجه العموم - باع طويل في كتابة كل من الرواية والقصة القصيرة أو إحداهما على الأقل، بحيث تغدو هذه الكتابة ذات آلية جمالية مركزها المغامرة والتجريب وفق رؤى متمكنة وأصيلة في فن السرد لا رؤى مبتدئة ومستسهلة لهذه الكتابة الإبداعية أو غيرها)15.

القصة القصيرة جداً في السعودية

القصة القصيرة جداً هي نوع من الأنواع السردية الحديثة فرضته على الساحة الابداعية عوامل ثقافية وفكرية وذوقية جاءت استجابة لتطور تاريخي طبيعي لسيرورة الأجناس الأدبية والاشكال الفنية.

فالاجناس الأدبية والفنية دائماً في تطور وتجدد مستمر في صيغ وأشكال فنية متنوعة، خاصة إذا انطلقنا من الاجابة التي تقدم بها تود وروف حول سؤاله من أين تأتي الأجناس؟ يقول: (بكل بساطة تأتي من أجناس أدبية أخرى، والجنس الجديد هو دائماً تحويل لجنس أو عدة أجناس أدبية قديمة عن طريق القلب أو الزخرفية أو التوليف) (16) .

فالقصة القصيرة جداً في السعودية جاءت نتيجة لعدد من الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والتأثر بما يحدث في الأقطار العربية الشقيقة وكذلك الانفتاح الكبير على الثقافة العالمية.

فهذا الجنس الأدبي والقصة القصيرة جداً هي أحدث أنواع الكتابة القصصية في المملكة العربية السعودية وقد تميزت بالايجاز والتكثيف والرمز واللغة القصصية الشعرية الايحائية وتقنية المفارقة ويقول بهذا الخصوص الدكتور عبد العزيز السبيل:

(في العقد الأخير من القرن العشرين برز الاتجاه الحداثي في الأدب السعودي لدى كثير من المبدعين عبر أشكال التعبير المختلفة وتزامن مع المد الحداثي ظفرة الكتابة السردية فبرزت مجموعة كبيرة من كتاب وكاتبات القصة القصيرة التي لم تعد تكتب القصة التقليدية المعتمدة على حدث وشخصيات عبر سرد واقعي بل غدت القصة تركز على التكثيف والاتجاه نحو اللغة الشعرية الايحائية)(17) ولعل أبرز من يمثل ذلك جبريل الميلمان، فهد المصبح جار الله الحميد، فهد الخليوي، حسن البطران، شريفة الشملان، خيرية السقاف، وعبد الله التعزي وعلي المجنوني.. الخ وغيرهم كثيرون في الساحة الأدبية.

لقد حوت في أواخر القرن الماضي وخاصة عقد التسعينيات تغير اجتماعي وثقافي وطفرة نفطية جديدة وانتشاراً للتعليم الجامعي وانفتاح على العالم الخارجي واكبه ظهور عدد كبير جداً من الكتاب والكاتبات بعضهم نشأ في بيئات هامشية انعكست في كتاباته القصصية وظلت نصوصهم لها صلة بواقعهم الهامشي لكن بعض منهم قطع صلته بالواقع فبدلاً من تصور أن النص انعكاس للواقع أصبح يطمح هذا الكاتب أو الكاتبة إلى ما هو أكثر وهو أن يقيم حواراً وجدلاً مستمراً مع الواقع من خلال الإفراط في المبالغة، وتصوير قبح الواقع وتشوهاته وتمزقاته وانعكاس ذلك على الشخصية القصصية والتعامل مع أدوات العمل نفسها وهذا انعكس مثلاً في العلاقة مع اللغة وكان كل كاتب يستخدمها حسب قدراته.

والقصة القصيرة جداً في السعودية لم تعد سرداً لوقائع بل كيان قائم بشعريته يستفزالواقع ويقيم جدلاً معه وتميزت بشكلها القصير جداً ولغتها المكثفة وتقنية المفارقة ونصها المفتوح أو المقدد الدلالات الذي هو أحد أهم سماتها.

لقد تبين لناكل ذلك من خلال قراءتنا للقصص القصيرة جداً التي جمعها الأستاذ خالد اليوسف في هذا الملف.

لقد استطاعت القصة القصيرة جداً في السعودية أن تضيف الكثير إلى إنجاز القصة العربية الحديثة جداً وهي الآن تعتبر رافداً مهماً من روافد القصة العربية، لقد جذبت هذه القصة اهتمام القارىء العربي حين فتحت له كوة جديدة استطاع من خلالها الاطلاع على بقاع اجتماعية وثقافية وفنية جديدة فهي قصة المستقبل وجيل الانترنت ويقول: عنها الناقد المغربي جميل حمداوي (من هنا نرى أن القصة القصيرة جداً ستكون جنس المستقبل بلا منازع مع التطور السريع للحياة البشرية والاختراعات الرقمية الهائلة وسرعة الايقاع في التعامل مع الاشياء وكل المعنويات الذهنية والروحية)18.

القصة القصيرة جداً في السعودية في محاولاتها الأولى مرحلة التأسيس

تعود مرحلة التأسيس لهذا الفن الجديد القصة القصيرة جداً من الناحية التاريخية إلى سنة 1976م عندما نشر القاص السعودي (جبريل المليحان) إحدى عشرة قصة قصيرة جداً في ملحق المربد الثقافي بجريدة اليوم السعودية بتاريخ 10-4-1976م وبذلك التاريخ بدأ فن القصة القصيرة جداً في الظهور في السعودية متزامناً على الأرجح مع ظهور هذا الفن في بقية البلاد العربية الأخرى.

لقد استطاع جبيرل المليحان أن يؤسس هو ورفاقه من الكتاب السعوديين الجدد لفن القصة القصيرة جداً وتخلقت على أياديهم لغة قصصية فريدة في إيقاعها وتراكيبها ومضمونها وقدراتها الدلالية، لغة كثيفة متوهجة ومشعة ومركزة متدفقة بالحياة نابضة بالرموز والإيحاءات الدلالية المدهشة وحول ذلك يقول الناقد محمد صالح الشنطي:

(أما جبيريل المليحان في قصصه القصيرة فهو يلتقط اللحظات المتشظية بأناقة وشفافية بانوراما يتجاوز الواقعي والرمزي والتجريدي والفانتازي فيها جنباً إلى جنب هل ثمة ما يشير إلى فقدان التناسق في العالم المحيط أم هي الرغبة في التجريب والضرب في فيافي الابداع)19.

وهو إذ يفعل ذلك ينتظم في إطار توجه فني أصبح له حضوره في ساحة القصة القصيرة المحلية حيث يتعامل مع اللحظات الحادة في قصص قصيرة جداً تعبر عن روح العصر الذي نعيشه وإذ تأملنا قصص جبير المليحان المنشورة في هذا الملف وهي (ثلاثة) (أمن) (الأرض)، زمن، أمس.

ففي قصته الأولى (ثلاثة) تعتمد هذه القصة على الإيجاز وخاصية التكثيف وبلاغة الكلمة لتتحدث عن أجيال ثلاثة الطفل - الأب - الجد وتغدو حركة الزمن في هذه القصة وكذلك قصة (زمن) و(أمس) هي الضابطة المتحكمة للايقاع القصصي من خلال رؤية القاص عبر الجدلية الزمنية المنسابة في ثنايا السرد الجميل المنتج للمعنى من خلال ثلاثة أزمنة هي المستقبل الحاضر الماضي، ويصور في قصته (أمن) المبالغة الكبيرة في الاحتياطات الأمنية والخوف من المجهول، وما سوف يحصل في المستقبل إنها سخرية جميلة عبرت خير تعبير عن وضعنا الراهن بكلمات قليلة معدودة موجزة وبلغة شاعرية مكثفة مكتنزة بالسخرية كما أنه يذهب إلى شحن المفردة والجملة القصيرة الخاطفة بكل ما يمكن من طاقة التعبير والترميز حسب المتخيل السردي والحالة القصصية المنتابة للحظة الشعورية.

أما القاص فهد الخليوي حاول في كثير من قصصه أن يشكل نصوصه القصصية وفقاً لمنحاه الخاص فيتعامل مع الواقع نابشاً في نخاعه باحثاً خلف الظواهر المرئية عما هو أعمق، مبحراً في سراديبه السرية التي تختفي وراء المعالم الخارجية، وفي نفس الوقت يعمل على اعتقاد المشهد الواقعي حتى النهاية20.

كما أنه يجيد العزف على أوتار السرد القصير جداً (القصة القصيرة جداً) فهو فنان ماهر يصور أدق خلجات النفس الانسانية ويختار حدثه القصصي بما يتناسب والاركان الأخرى للقصة، أما وجهة النظر فيصورها من زاوية معينة تثير فينا الاعجاب بها كما أنه يختار الاستهلال الجميل لقصته أما خاتمتها هي الخاتمة المدهشة التي تميزه عن غيره.

وإذا نظرنا لقصصه المنشورة في هذا الملف وهي (أحفاد) (بحر وانثى) (مكابدة)، ظلام (لص) القاص في هذه القصص يركز على الوظيفة الأساسية للاستهلال والخاتمة من خلال زج القارىء في الحدث مباشرة (استهلال) وخلق حالة إدهاش في خاتمة القصة فهو يسعى إلى خلق قصة متماسكة يشذ بها ويبعد عنها الزوائد من الكلمات، وهدفه من ذلك التركيز على وحدة الموضوع القصصي عبر اللغة المكثفة الموحية، فالأهمية التي تعطى لجملة الخاتمة لا تقل عنده عن الأهمية التي تعطى لجملة الاستهلال وهذا ما يميز قصص فهد الخليوي المدهشة).

قصة 3

أسجل لعبدالعزيز الصقعبي في كتابته للقصة القصيرة جداً نجاحاً باهراً على مستوى تداخل حبكة النسيج القصصي واستخدام الألفاظ الموحية؛ فاللغة عنده فائقة مذهلة في طواعيتها مذهلة في إيمائيتها وضبطها.. وتوظيفها كمصطلح وأداة إيصال وجمال.

وإذا تأملنا قصصه المنشورة في الملف وهي: مهماه، رجل خشبية، ورقة بيضاء، نظرة، نلاحظ أن النماذج القصصية السابقة تعطي صورة واضحة عن تجربة الصعقبي في كتابة القصة القصيرة جداً من حيث سلاسة الأفكار، استخدامه للتقنيات شعرية الالفاظ الايجاز والاختزال الفني، طريقة توصيل الفكرة طرافة الموضوع وجدته، الأنسنة، ودهشة الخاتمة الصادحة للقارئ.

يقول عنه محمد صالح الشنطي: (يهتم عبدالعزيز الصقعبي بالشخصية اهتماماً واضحاً فيلجأ إلى تحليلها من الداخل ويحاول السفر إلى دواخلها عبر التداعيات النفسية المحكومة بالمنطق، والتي هي أقرب إلى الحديث النفسي منها إلى تيار الوعي في مرحلة ما قبل الكلام، فالشخصية في أغلب الأحيان مشغولة بذاتها منهمكة في حديث داخلي، عاكفة على استبطان ذاتها(21).

أما القاص عبدالحفيظ الشمري فهو علامة بارزة في القصة والرواية السعودية له عالمه الخاص واسلوبه الخاص جداً في الكتابة، له رؤية وزاوية خاصة ينظر من خلالها إلى العالم المحيط به.

أنه مصور مجيد لعالم الفقراء والمهمشين يصور معاناتهم، احلامهم، آمالهم ذكرياتهم أماكنهم المحاصرة بالبؤس والشقاء، كا أنه يجيد تصوير المسافة بين الحلم الجميل والواقع القبيح والسعي من خلال ذلك إلى المستقبل تقوده الآمال والأحلام حين يعود بذاكرته إلى الزمن الماضي زمن الطفولة الجميلة، حين كان الماء يحفظ في القرب والجرار وحين تنتعش ذاكرته بالاحداث القديمة يصوغ القاص شخصياته وهي تبحث في الماضي كما في قصة (القرب والجرار) و(قيادة) عن الخلاص من بؤس الحاضر إلى ذكريات الماضي، ونجد تداخلاً بين الماضي والحاضر في قصصه.

ويحتكم البناء السردي لديه إلى نسق زمني تستعيد فيه الذاكرة نشاطها في التطلع إلى المستقبل الزاهر، التطلع إلى الأمل وتجاوز الألم.

ويوضح لنا ذلك باشلاء من خلال العلاقة التلازمية بين الماضي والحاضر بقوله:

(سرعان ما توصلنا إلى الاعتراف في الواقع بأن الذكرى لا تعلم دون استناد جدلي إلى الحاضر فلا يمكن إحياء الماضي إلا بتقييده بموضوعة شعورية حاضرة بالضرورة بكلام آخر. حتى نشعر أننا عشنا زمناً - وهو شعور غامض دائماً بشكل خاص - لابد لنا من معاودة وضع ذكرياتنا، قيمة الأحداث الفعلية، في وسط من الأمل أو القلق في تماوج جدلي، فلا ذكريات بدون هذا الزلزال الزمني، بدون هذا الشعور الحيوي)(22).

فالقاص عبدالحفيظ الشمري يصور معاناة الإنسان المهمش المحاصر المقموع في الماضي والحاضر كما أن لديه القدرة على إزاحة كل الأقنعة التي تغط بقبح الواقع وزيفه؛ فهو تعلمه الجميل يصور لنا ويظهر زيف الواقع الذي يعيشه وانكسار الذات الإنسانية في ماضيها وحاضرها. إنه يسعى دوماً وأبداً في اعماله الإبداعية إلى خلق العالم الجميل ويتجلى ذلك من خلال الكتابة القصصية عن العالم المقهورين والمهمشين والمقهورين اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً وذهنياً.. عالم الفئات الدنيا في المجتمع المنتهكة إنسانيتهم.

أما القصة القصيرة عند خالد اليوسف فهي دوامة لا تهدأ.. يلج بك منذ اللحظة الأولى في أتون الأزمة وصف مادي وفكري ونفسي، وتجسيم بالكلمات للحظات التوتر في عبارات قصيرة تجرد الموقف من ملابساتها المكانية والزمانية وتخذله إلى قضية تتصارع في أجوائها المشاعر والكلمات والجمل التي تختزل اختزالاً شديداً(23) هذا الكلام السابق ينطبق على قصص خالد اليوسف المنشورة في هذا الملف وهي الصلاة على الحاضر، رصيف، تعاقب، قرفصاء.

في القصص السابقة نجد كاميرا الراوي تسلط أشعتها على حركة الزمان والمكان وايقاعه، ويلعب الزمن دوراً أساسياً من حيث حركة الأحداث في تسريعها أو حذف بعض منها أو تقليصها من خلال تقنيات كالحزف السريع الوقفة التلخيص وهذه التقنيات تعمل فيما بينها على إنجاح التماسك النص للقصة القصيرة جداً.

أما أسلوبه يعتمد على التكثيف الشعري أسلوب شديد التوتر، شديد التحليق في الفضاء الإنساني بطرق أحيانأً في ضباب نفسي اغترابي واصفاً لنا إنسانه المأزوم في ذروة اغترابه عن الحياة وتذمره من واقعه المعيش باحثاً عن طريق جديد للخروج من نفق الاغتراب المظلم.

أما القاص والروائي محمد المزيني فيصور لنا في قصصه الآتية (بقشيش) (وصرخة) (ونخلة) الفعل ورد الفعل عبر جمل قصيرة تسعى لبلوغ أعلى تمركز سردي يتصل ببؤرة الحدث وزمانه ومكانه وشخصياته القلقة التي صورها لنا عبر سرد مركز مشع من الطراز السريع الخاطف البرقي، وذلك من خلال الأفعال المتلاحقة لتصوير المشهد سردياً وسينمائياً عبر تطور الاحداث المتسلسلة حتى الوصول إلى البؤرة القصصية التي تشكلت داخل الاطار العام للقصة، فهو مصور بارع يعتمد على المونتاج السينمائي والتكسير الظاهر لزمن القص فهو يصور لنا مشاهد صغيرة جداً من زاوية احترافية ناقلاً لنا صوراً مركزة بمر الشريط السردي المرحي المعبر عن اسئلة غامضة محيرة تحتاج إلى إجابة شبه مقنعة.

وتتميز قصص صلاح القرشي بالاقتصاد في الألفاظ والتركز على الجمل القصيرة جداً ذات الجر الرنان والكثافة الشعرية، وهذه السمات لها وظيفة فنية هامة في العمل القصصي القصير جداً تتمثل في الآتي تكثيف الرؤية ووحدة التأثير، كما أن لهذا التكثيف الفني بعداً دلالياً يتمثل في دلالة المشهد، وكل ذلك يتجلى لنا في القصة القصيرة جداً الآتية (سمكة زينة) (دندنة) و(حالة) و(أغنية).

استطاعت هذه النصوص القصيرة جداً وصف عالم حي متدفق بالحياة عبر الكلمات الموحية وعبر الشخصيات التي تتوق إلى التمرد على الواقع الكئيب، رغم قوة وأركان وصلابة أغلاله فهي تسعى للانطلاق إلى عالم الحرية الرحب. كما منحت المكان قيمة دلالية وجمالية ملحوظة فالاحساس بالمكان نابع من إحساسنا بالزمان فكلما كان زمان السرد مكثفاً ومتماسكاً كان المكان بذات الكثافة والتماسك.

ويعتمد القاص حسين حجاب الحازمي في قصصه القصيرة جداً على استخدام الرمز والأسلوب الشاعري المكثف لبناء قصصه القصيرة جداً وأحياناً يرمز إلى فكرة معينة بأسلوب شائق، كما في قصة الفراشة أو قصة حيرة فهو يصف لنا مشاهد مكثفة مقطرة يجمعها خيط خفي حين يركز على التفاصيل الدقيقة والجزئيات الصغيرة في وصفه للمشهد القصصي.

فالشخصيات هنا أنماط ورموز تعبير عن تناقضات الحياة، النور، الظلام، الفراشة، الوزغة - الفرح - الحزن - الجمال - القبح. ففي قصة (فراشة) يخبرنا الراوي بأن الأشياء الجميلة في حياتنا لا تستمر طويلاً بل سرعان ما يلفها القبح والظلام الدامس.

أما قصة (حيرة) فهي تصوير فني لحيرة الإنسان المعاصر المقهور من قبل قوى الطغيان والاستبداد التي تتحكم في حياته ومصيره فهو يعيش في حيرة دائمة غارقاً تماماً في همومه؛ فالقصتان (فراشة وحيرة) مصنوعتان بحذق ومهارة وقوة سبك، ويتميز الكاتب باختياره للمواقف المناسبة في قصصه، وكذلك تكثف قصصه بشكل عام عن هوية المعنى والمغزى، وبذلك تؤسس حقلها الدلالي.

ويقول صبري حافظ حول ذلك: إن الاختزال والأخبار عن طريق الايحاء أو التضمين هو التقليد الأول للعمل القصصي؛ لأن هذه الطريقة المختزلة الموحية في القصص هي التي تشحن الجملة الواحدة بالعديد من المعاني والإحالات وتمكن الاقصوصة من تكثيف عالم كامل في بعض كلمات (24).

وفي الأخير، نقول إن عدداً من كتَّاب وكاتبات القصة القصيرة جداً المهمين يستحقون الوقوف عندهم وقد وقف بعض الدارسين عند بعض أعمالهم وتنبهوا على ما فيها من قيم جمالية فنية وإنسانية وأشاروا إلى إضافتهم إلى حركة القصة العربية في المملكة العربية السعودية.

الهوامش

* محمد مستجاب، الزهور ملحق الهلال العدد السادس يونيو 1974م ص11.

(1) يوسف إدريس، القصة القصيرة أكثر الفنون تعقيداً، صحيفة الأهرام، العدد الصادر 19 أبريل 1988ص11.
(2) نجيب محفوظ، الأهرام، الإبداع الفني ليس له حدود.
(3) نجيب محفوظ (أحلام فترة النقاهة) ط1، 2005، دار الشروق، مصر، ص116.
(4) محمد المخزنجي، مجلة العربي الكويتية العدد 416 - 1993م ص75.
(5) حسن اللوزي صحيفة سبتمبر العدد 975 شهر سبتمبر 2001 ص15.
(6) عبدالعزيز المقالح صحيفة سبتمبر العدد 975 13 سبتمبر 2001 ص15.
(7) انظر انفعالات - ناقالي ساروت - ترجمة فتحي العشري الهيئة المصرية العامة للكتاب 1971 - قصة رقم (24) ص147.
(8) هارفي ستانبرو - الآداب العالمية - مجلة فصلية تصدر عن اتحاد كتاب العرب (العدد 173 شتار 2009 ص47-48).
(9) المرجع السابق نفسه ص49.
(10) أحمد جاسم الحسين القصة القصيرة جداً دار الأوائل للنشر 2000م ص 18.
(11) د. محمد مينو فن القصة القصيرة مقاربات أولى دبي الامارات 2000م ص 38.
(12) باسم عبد الحميد مجلة الاقلام العراقية العدد (2) تشرين الثاني 1978م ص 135.
(13) عبد الله أبو هيف مجلة الآطام العدد 21 كانون الثاني شباط 2005 ص 72.
(14) جاسم خلف إلياس (شعرية القصة القصيرة جداً) سوريا - دمشق - دار نينوي 2010م ص 84.
(15) المجلة الثقافية ملحق الجزيرة العدد 175 - 16-11-2006م أوحسين المناصرة (مقاربات في السرد) عالم الكتب الحديث إربد الأردن ط 212م ص 269.
(16)- تزفتان تودوروف الأجناس الأدبية - مجلة الثقافة الأجنبية العدد 1 السنة 2 - 1982م ص 46.
(17) عبد العزيز السبيل (أصوات قصصية) دار المفردة الرياض ووزارة الثقافة والاعلام 1433هـ ص 13 - 14.
(18)جميل حمداوي: القصة القصيرة جداً بالمغرب مجلة العلوم الانسانية الطبعة الأولى 209 ص 82.
(19) محمد صالح الشنطي آفاق الرؤية وجماليات التشكيل - النادي الأدبي بمنطقة حائل ص 589.
(20)محمد صالح الشنطي - القصة القصيرة في السعودية ص 212.
(21) محمد صالح الشنطي، القصة القصيرة في السعودية ص 74.
(22) غامستون بامتلار - جدلية الزمن ترجمة خليل أحمد خليل المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر بيروت ط 3 - 1992 ص 47.
(23) محمد صالح الشنطي - القصية القصيرة المعاصرة في السعودية ص 266.
(24) صبري حافظ خصائص القصة القصيرة وجمالياتها، مجلة فصول، القاهرة، المجلد الثاني العدد الرابع 1982 ص 25.

http://www.al-jazirah.com.sa/culture/2012/07062012/almlf35.htm

المصطفى الدقاري
06-07-2012, 05:31 PM
شكرا أخي يوسف على هذه المقالات التي بدون شك ستفيد الكتاب والباحثين
محبتي

جمانة نور
06-07-2012, 06:50 PM
يوسف .. عوفيت .. انتظرتها منذ الصباح .. فأحب قراءة هكذا مقالات نقدية متأنية .. بالطبع سأضطر للدخول مرات عديدة للإفادة ^ ^
جوزيت خيرا يا طيب

يوسف فضل
06-26-2012, 06:12 PM
والشكر لك لقراءتك قبل رفع الموضوع

عاطر الود

يوسف فضل
06-26-2012, 06:14 PM
اخت جمانه

من حضر السوق يتسوق. لقد وجدت فيها الفائدة لي ايضا

شاكرا لك اهتمامك

فارس2/7
09-11-2012, 06:22 PM
أستاذ يوسف فضل


شكرا لهذه الفائدة القيّمة , , , سلمت

ماجد بطاينه
10-11-2012, 07:58 PM
أخي يوسف فضل
شكراعلى هذا المجهود الرائع , يعطيك ربي العافيه
كفّيت ووفّيت وأفدتنا
كل التقدير

م. هناء عبيد
10-11-2012, 08:30 PM
الف شكر لك سأعود اليها بين حين واخر
تحياتي لك على الإفادة

علي ابريك
10-12-2012, 12:55 AM
يوسف
كنت امل ان يكتب احد عن تاريخ القصة القصيرة جدا ايضا
ففي القديم وجدت بصيغ شعرية قصيرة تتكون من ابيات قليلة جدا
وكانتت طريقة الايصال تغنى غناء
كالموال مثلا
والامثال القديمة ايضا
ولكن وللحق اقول ان هذه الورقة البحثية قدمت بسطة تعيننا على فهم اكثر واستعمال افضل لادواتنا
تحية لجهدك الرائع
دمت بود