الأوائل | أقلام مميزة | مركز الألعاب | مباشر | إتصل بنا
بحث معلومات إعلان
آيرس موبايل
: اشكالية الحوار..    »   حلم    »   إنه الحزن فلنخرس قليلاً...-كتبه أبو الأمير العربي    »   اختراع    »   خطو    »   شيخوخة    »   غينيس    »   المعلم في يوم عيده-ذكرى وبحث    »   قطر وحرب الفلوس وضمير الجياع    »   حكاية بئر    »   رَقصَ العقال    »   أقصوصة للأطفال : مينوش    »   أعـمـالـي الـروائـيـّة    »   إعراب    »   بائع الخردة، و بيت المقدس.    »   عبد الرحمن خليفاوي لروحك السلام    »   عبد الرحمان مولي : جمالية الحذف في القصة القصيرة جدا    »   بوح، وصدى فكرة    »   أسطورة !    »   ما بقا بينا ما يتقال    »   بيدي لا بيد عمرو.    »   دروس وعبر من تدريب خارجي في فرنسا - تيشوري    »   من أنت ...    »   تدبر سورة الفيل ( بحث لم يكتمل )    »   فيروز البندقيه
منتديات المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية » واحـــة الأدب » دوحــة الـنــقـد الأدبــي » دوحة إضاءات نقدية: همس القوافي » عزت الطيري والبحث عن الذات // قراءة في ديوانه " فى سواحل العنب "

دوحة إضاءات نقدية: همس القوافي الشعر بأنواعه

إضافة رد
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
  #1  
قديم 01-23-2008, 07:28 PM
الصورة الرمزية خفاجى
تفضل بزيارة منتداي
أديــب

أديب مميز 
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 258
صوت لتميز الموضوع: 0
تم التصويت لتميز مواضيعه 14 مرة في 2 مشاركة
معدل تقييم المستوى: 3
خفاجى is on a distinguished road
عزت الطيري والبحث عن الذات // قراءة في ديوانه " فى سواحل العنب "

عزت الطيري
والبحث عن الذات في المطلق الجمالي
( قراءة في ديوانه : في سواحل العنب)


عبدالجواد خفاجى


عزت الطيري واحد من أبرز الأصوات الشعرية في عالمنا العربي، مخلص لهاجس الشعر، حريص على التواصل، ويخدم إبداعه بشكل جيد، وإن كان ثمة ما يردده البعض ـ وأنا منهم حتى وقت قريب ـ أنه شاعر بلا قضية.
والحقيقة أننا في زمن يجب أن نراجع فيه حساباتنا، وقد بات من الواضح أن جُلَّ ما تعصبنا له من قضايا في السابق أضحى الآن تهمة، وأن جُلَّ من تعصبوا للقضايا من الشعراء على حساب الشاعرية واتشحوا بأوشحة جُنَّاز القضايا في أشعارهم دُفِنت تجاربهم مع القضايا نفسها، غير أننا في عصر يُسَلِّع كل شيء حتى القضايا، حتى لأن القضية الوحيدة الأكثر تعقلاً أضحت هي اللاقضية، فما أكثر القضايا التي تم تجهيزها في المطبخ السياسي لينشغل بها العالم، وما أكثر ما انشغل العالم بقضايا وهمية وكاذبة، وما أكثر ما انشغل بقضايا باهتة، وما أكثر ما انشغل بقضايا عنصرية ولا إنسانية، وما أكثر القضايا الشكلية التي يزعم أصحابها أنها جوهرية.
ولعل خضوع الأدبي للتاريخي والسياسي والاجتماعي، هو ما كان وراء البحث عن القضايا في الشعر، أو وراء شعرنة القضايا، أو قضينة الشعر.. وهو خضوع جاء نتيجة لأطروحات نظرية ومناهج نقدية قديمة نوعًا تحكمت في دراسة الأدب عمومًا، وصاغت ـ ولا زالت عند البعض ـ الرؤى النقدية ووجهتها وجهة لم تكن منصفة أبداً للأدب باعتباره ـ نوعيًا ـ يسعى إلى التفلت من الأطر والمحددات التاريخية والسلطوية والاجتماعية باتجاه المغايرة والمجاوزة، ولا للأديب باعتباره صاحب رؤية غير تقليدية تسعى إلى ملامسة حقائق لازمانية ولا مكانية في الأساس، أو باعتباره كائنًا جماليًا نافرًا من السلطوية، وهو يسعى إلى استكناه العالم وفق أسس جمالية مجاوزة لمحددات الواقع واشتراطاته. غير أن مهمة الناقد ليست هي ذاتها مهمة الفنان، فللنقد أن يوظف مناهجه المختلفة للبحث عن التارخي والاجتماعي والسياسي في الأدبي، أو العكس، أو يُخضع أحدهما للآخر .. له ذلك ، له أيضًا أن يبحث عن صورة المجتمع في الفن، وله أن يبحث التزام الفنان أو عدم التزامه بقضايا المجتمع، وعن حجم القضايا والمشكلات التي أثرت في التجربة الشعرية وشكلت رؤاها، أو اقترابها من الواقع أو انفصالها عنه .. تلك إشكاليات تبحث في ظاهرة لكن لا تصنعها، تمامًا كما أننا لا ندعي ونحن ندرس أية ظاهرة طبيعية مثل هبوب الريح أننا صُنَّاعها، فالأديب أنما يكتب تجربته في تفلتها لا في التزامها، في حريتها وانطلاقتها وطلاقتها لا في شرنقتها المؤطرة بالمحددات الفكرية أو الاجتماعية أو السياسية، وربما أن هذه هي منطقة الإبداع.. صحيح أن الأديب نفسه مُنتج (بفتح التاء) اجتماعي وصحيح أنه يتوجه إلى المجتمع بفنه، ولكن الصحيح أيضًا أن وظيفته مختلفة وهي تنتشل الجميع لا من الواقع المعتاد ـ كما يُظن ـ ولكن من اعتيادية الواقع حين يبدأ خنق أنفاسهم، أو يُصنِّم ذائقتهم، هي مهمة تطهيرية جمالية في الأساس، تسعى إلى بقاء الإنسان ملتصقًا بواقعه ولكن بروح جديدة، وتلك مهمة لا يبلغها الفنان إلا إذا تسامى ـ كما ذهب هربرت ريد، مختلفاً عن سابقيه من فلاسفة الجمال ـ عن الواقع والمجتمع جميعًا، وهو تسامٍ يفسح لخبرات جديدة يمثلها الفنان بأدواته الفنية، وما يقيم بين عناصر فنه من التناسب والتآلف بحيث نحس أن الأثر الفني من آثاره مستمد من الواقع، مع أنه غير ذلك إذ أن له مقوماته ومشخصاته الخاصة، وعليه فليس العمل الفني سدّاً لرغبات، أو تعبيراً عن قضايا أو انفعالات، وإنما في واقعيته الخاصة التي ينشئها الفنان إنشاءً، وهي واقعية خاصة به، وهي تعبر عن أعمق الحقائق في الوجود، كما تعبر عن شخصية صاحبها ومهارته في تجسيد الواقع البشري تجسيدًا نرى من خلاله طبيعتنا الإنسانية رؤية واضحة، وكأنما الفنان لا يوحِّد بين الناس في مجتمعه فحسب بل يُوحِّد بينهم في كل زمان ومكان، وربما بهذا ينفذ الفن إلي الحقائق اللازمانية واللامكانية.
إن أي فنان يدَّعى أنه صاحب قضية ما محددة بأطر زمانية ومكانية عليه أن يجيب عن: إلى أي مدي سيظل بوقًاً للسياسي، أو دعائياً للاجتماعي، وإلى إي مدي سيُثَبِّت تجربته عند أحجار القضية، بل إلى أي مدى ستظل تجربته مصنَّمة في إطار صنميَّة القضية ذاتها، وإلى أى مدى ستظل تجربته محنَّطة بعد موات القضية ذاتها؟ وإذا كان على الفن أن يكون مجاوزًا لجنسه في عصوره السابقه، وإذا كان عليه أن يتجاوز عن قوانين الفن نفسها تلك التي تُخضعه للتفكير العلمي، إذا كان عليه ذلك فإلي أي مدي يكون قد حجَّر نفسه في التاريخ عند حدود قضية ثابتة المرجعيات.
ومن المعروف أن كل قضية في الواقع تباهي بملكيتها الخاصة لرؤية الحياة والواقع، وكل ملكية خاصة متراس لحرية الآخرين، وأولهم الفنان إذ المفترض أن رؤيته ذاتية تتمتع بالاستقلال، وملكيته هو ما يباهي به من حرية، صحيح هي حرية مؤطرة بأطر اجتماعية صارمة ولكنها في التجربة الشعرية ليست كذلك؛ وربما لهذا يقال: إن الشعراء أحرار بالشعر، وهي حرية لن تكون أبدأ متراسًا لحرية الآخرين لأنها إنسانية في الأساس عندما تتجاوزـ كما قلنا ـ الحقائق المكانية والزمانية.. ترى إلى أي مدي يكون الفنان مباهيًا بلا إنسانيته عندما يباهى بخضوع تجربته لقضية ما خارجية؟.
في طلاقة هذا المطلق، أو في براح هذا المطلق (ولا أقول في إطار هذا المطلق إذ المطلق ليس مؤَطَّراً في الأساس) أري عزت الطيري باحثا عن ذاته من خلال تجربة شعرية هائمة في المطلق الجمالي، هو لا يعبر عن ذاته، ولا يكتبها ـ كما يدعي الكثيرون أنهم يفعلون ـ إذ لا أحد يمكنه كتابة ذاته أو التعبير عنها حقيقة، إن ادعاءً كهذا يفترض مبدئياً امتلاك الذات والسيطرة عليها، بَيْدَ أنها في الحقيقة مضيَّعة، فلو امتلك الإنسان ـ أي إنسان ذاته ـ فعم يبحث في هذا الكون، بل ما الذي يضنيه أساساً ؟ لقد تبدلت النظرة الشعرية منذ زمن، حين أصبح الشاعر يكتب ذاته، ويكتب همومه الشخصية، حتى إن الصور الحقيقية التي تبثها الفضائيات أبلغ من عشرات القصائد، لم يعد الشاعر رائياً كما كان، يرى قمرًا شجريًا يمشي، أو شمساً تتجول في الأسواق، إنه أصبح واحداً من الناس، بل إن الناس هم من يمنحونه مشهده الشعري، أصبح واحدًا في جيش الكتاب في الزوايا الصحفية والتكايا التليفزيونية، غير متشح بعباءته السحرية، إنه لم يعد يمثل كهنوت اللغة والكلام، بل أصبح يمثل نفسه، صار رقماً ضمن الأرقام، وواحد من الذين يغافلون لحظتهم حين يجربون، وحين يركضون كالموضة صوب التجديد.
عزت الطيري ليس رقمًا من ضمن هاتيك الأرقام .. هو صاحب تجربة تهمي شاعرية، وهو شاعر رائي قادر على انتشالنا معه إلى الزمن الجميل، وإلى سحرية تخفي علينا في هذه الحياة.. هو يبحث عن ذاته شانه شأن أي إنسان ولكن بوسائل فنية، هو يبحث عنها هناك في البعيد البعيد، في المطلق الجمالي كله، وربما لذلك تبدو المهمة عسيرة، وربما لذلك سيستمر طويلاً في البحث. قد يتوهمها هنا أو هناك ، وقد يلامسها حقيقة في لحظة ما لنقول انه لامس الجوهر الإنساني كله.
.. هو صاحب قضية إذن ، ولكنه آثر منذ البداية ألا يحارب طواحين الهواء في تجربته الشعرية، و آثر أن يميت فيها ادعاء الثورية أو اعتناق مذاهب تضفي على الفنان بطولة مزعومة ومهمة مزدوجة، عندما تجعله أمام القبيلة محاربًا مثلها بالسيف أحيانًا وبالفن أحيانًا أخري مع أن مهمة كل منهما مختلفة في الحياة. وعندما آثر ألا يُصَنِّم تجربته عند أطر القضايا التي قد يتجاوزها التاريخ نفسه بعد قليل من الصراع من أجلها.
عزت الطيري قضيته جمالية بالأساس مجاوزة أطر المكانية والزمانية وهو الباحث عن ذاته في المطلق الجمالي في اللازمان واللامكان.
ولعلها قضية القضايا بالنسبة للفنان، ولعلها عند عزت الطيرى تتوسل بوسائل الشاعرية اليوتوبية : اللغة التي تحتضن قيم الجمال في الطبيعة، والمرأة المثال أو المحبوبة اليوتوبية التي يظل الشاعر على علاقته بها كما لو كانت حقيقة واقعة، الترفع عن الحسية التي من شأنها انتشاله من بلادة الاعتيادية وجِبِلَّة الحواس إلى سدة الحلم، ويقين الحالم، ثمَّ القصيدة نفسها كوسيلة تعبير جمالية عندما يخدمها عزت الطيري لتظل قادرة على التأثير.. القصيدة عند عزت الطيري إذن غاية أو طموح إذ يتجه إليها، لكنها وسيلة إذ يكتبها، ومن ثم فهو يخدمها مثلما أنه يستخدمها.. القصيدة عنده حافز أيضًا لقصيدة أخري في تجربة نهمة لمعانقة أفق جمالي مراوغ سيظل نداهة الشاعر، وحلمه الأزلي.
ولعل أول أداة لدي الشاعر هي لغته، لنقف قليلا عند لغة عزت الطيري لنكتشف معًا بساطتها وبسطتها في الآن ذاته .. في قصيدته " قصة حب بطيئة جدا" يقول "رجل في الحجرة/ وامرأة لا يعرفها / ينتظران طبيباً / في عقر عيادتهِ / الرجل تشاغل/ بالعبث طويلاً / في هاتفه / والمرأة رسمت/ سيل خطوط تتشابك/ فوق الأوراق/ على الطاولةِ ،/ الرجل انتبه/ ووضع الهاتف / في جيب السترةِ / والمرأة كفت/ نظرت / في مرآة حقيبتها / والتفتت / للرجل الملتفت إليها / وأطالا النظرَ/ ابتسمت وابتسمَ/ ارتبكت/ باغتها الرجل/ أحبك / من أول خطٍ / في الورقة/ قالت وأنا/ لم تكمل/ ضحكاً كالأطفال/ وتركا الحجرةَ / واجتازا الردهةَ/ ما سمعا/ أو سمعا/ صوت ممرضةٍ / تسأل عن سببٍ / واتجها / نحو ال ب ا ب ..".
لغة اعتيادية جدًا من حيث طبيعتها المعجمية، هي من عينةٍ يستخدمها كل الناس تقريبًا، لكن عندما تتناولها يد فنية، وتعطيها صياغتها بتعالقاتها البسيطة أيضًا نجدها هكذا رشيقة وهي تنقل أدق التفاصيل عن علاقة حب تنمو لتوها بين رجل وامرأة في عيادة طبية، في نقلات سريعة بين شخصيتين وكأنها الكاميرا الخفية.. ثمة جهد في التوليف والجمع إذن، لم تكن اللغة رغم اعتياديتها مدهشة بغير هذا الجهد، ولم تكن ـ رغم اعتمادها على عنصرسردي وتركيزها على التفاصيل الدقيقة ـ هكذا رشيقة بغير حذق الفنان، ولم تكن هكذا موحية بالسرعة في ردود الأفعال النفسية والاستجابات السريعة لولا إيقاعها السريع، الذي يشف عن إيقاعات الشخوص النفسية في استجابتها السريعة للحب.. وكيف أنها رغم هذا غنية بالإيحاءات، فثمة مشاعر متولدة وردود أفعال نفسية أوحت بها اللغة دون أن يصرح بها الشاعر، وغير ذلك أوحت برسالة شاعر يري أن الحب شفاء، وأن الباب الذي دخلاه للعلاج أصبح غائمًا متقطعًا بعدما اكتشفا الحب، وأن الباب الذي كان مأمولا للشفاء انمحي أمام سطوة الحب / العلاج الحقيقي ، ومن ثم لم يكن يشغل ناظريهما بعد أن تغشاهما الحب.
عزت الطيري شاعر الحب، يظل متوسلاً بهذه العلاقة داخلاً من بابها الوسيع إلى محبوبته اليوتوبية بكثير شغف، هو معنيٌّ بأن تأتي لغته مُشِفَّة عن توجهه هذا، ربما لهذا جاء قاموسه الشعري بشكل ما مخصوصًا بخصوصية فرادة محبوبته، هو قاموس يجمع طيوفًاً ومجاميع من الزركشات والألوان والزهور والعطور ؛ هو معنيٌّ أيضًا بأشياء المحبوبة ومشتملاتها، ومن ثم جمع قاموسه كثيرًا من دقائق وتفاصيل أنثوية، هو معنيٌّ أيضًا بردود أفعالها وأوصافها، وهمساتها وسكناتها وانفعالاتها وإعراضها وإقبالها وهكذا احتضن قاموسه كل هذه الأشياء واللحظات، ومن ثم فهو قاموس مشفٍّ عن روعة الأنوثة الرائعة، ومنتقى بعناية ليشف عن نعومة وحميمية وشغف واحتفاء كرنفالي بمحبوبة لم تخلق إلا بمشيئة شاعرها، ولأجله فقط.
بهكذ نظرة يمكننا أن نعاين بناء القصيدة عند عزت الطيري في بنائها الشجري الذي يعني عندي أن القصيدة مترابطة كوحدة واحدة، ومتنامية من أصل أولي بسيط تمامًا كبذرة الشجرة الأولى، هذه البذرة الأولي تعتمد على مشهد أو مفجر شعري يمتُّ للمحبوبة بسبب، ثم تنمو في تفرع حتى نصل إلى شكلها النهائي وقد ورفت واكتمل بناؤها وازدانت بالأوراق والثمار.. عملية التنامي نفسها تبدو كما لو كانت تلقائية بغير تكلف، تستولد فيها الصور من بعضها وتُغذي بعضها البعض وصولاً إلى ذروة غالبًا ما تكون مدهشة على نحو ما تنتهي خواتيم القصص، لنعاين مثل هذه البنية ونموها في قصيدته "سدرة المبتدا" حيث التصويرات البارعة المدهشة عندما يبدأ من مشهد السدرة أمام بيت محبوبته، كمشهد ممهد للدخول إلى حضرة المحبوبة، وكمفجر شعري يشحذ القريحة الشعرية ويهيئها للمهمة الشعرية الرئيس وهو وصف المحبوبة أو مخاطبتها أو إجراء الحوار معها بهدف تأكيد العلاقة معها، وهكذا بدأ منهمكاً في تصوير سدرة أمام بيت محبوبته، بادئاً بأشياء المحبوبة أو أحد متعلقاتها أو ممتلكاتها، ثم بعد ذلك إلى عالمها الذى يحويها، بل ـ أحيانًا ـ الفضاء الذى يحوي أنسامها .. لنتوقف عند تصويره للسدرة التي أمام بيتها :" سدرة عند بيتكِ / ترفل في الفجر / مثل مناديلَ / من ولعٍ / فاغم ... " كيف اشتملت الصورة بداية على ما هو حسي ومعنوي معًا وكيف جمع بينهما: " مناديل من ولع فاغم " وكيف أضفى على المشهد طقسًا بديعًا رائعًا " في الفجر" وكيف أضفى على المشهد حيوية وحركة " ترفل" وكيف أنه أوحى بألوان المشهد " سدرة / خضراء" ومناديل / ملونة .. وكيف أضفى عليها رائحتها العطرة" فاغم" وكيف اجتاز بالرائحة الحواس إلى الشعور حيث أن جعل العطر للولع " ولع فاغم " وكيف أن طرفي الصورة مركبان من مزيج من عدة أمور.. الطرف الأول: " سدرة ترفل في الفجر "والطرف الثاني: "مناديل ترفل في ولع فاغم " وحيث أن الولع دال على فاعله ومن ثم فاستخدام المفردة أتي على سبيل المجاز المرسل الذي أُريد منه الوالع ، وبالتالي أعطى الاستخدام إشارة إلى من ولع به الوالع أي الطرف الأخر في علاقة الولع نفسها. وهذا الولع فَوَّاح بالعطر .. إنها لحظة ولع بين محبينِ .. هى لحظة للفرح والعطر والتألق والجمال .. هذه اللحظة بمشتملاتها هى في طرف الصورة التي أراد الشاعر أن يصور بها سدرةً أمام بيت محبوبته .. فكيف به إذا ما تطرق إلى وصف المحبوبة ذاتها ؟ .. هذاالنوع من الصور عُرف في البلاغة العربية بالتشبيه التمثيلي، ولعله شائع جدَا في تجربة عزت الطيري في جُلِّ قصائد ديوانه .. هذا التشبيه منح فرصة للشاعر لينطلق نحو جزئيات عدة في طرفي الصورة، كما سمح له بالتنويع في مشتملات عدة بين الحسي والمعنوي والحركي والساكن، كما سمح له بإضفاء الحيوية على المشاهد التي يصورها وأعطاه فرصة استنطاقها أو وصفها أو نقل ألوانها ورائحتها .. إلخ .. هذه الأنواع من التشبيهات تظل رهنًا ببراعة الشاعر/ المصور، ورهنًا بقدراته على التحليق المجازى، ورهنًا بقدرته على تطويع اللغة، ومعايشة اللحظة الشعرية واستبطان تجربته بعمق، حتى يكون قادرًا على إثرائها، والتعبير عنها بوفاء ودقة.. الحقيقة إن عزت الطيرى كثير الوفاء للحظته الشعرية شديد الإخلاص لها، عظيم التأثر باللغة ، ومن ثم هو قادر على توظيفها، فحساسية الشاعر في استخدام اللغة، هى وليدة حساسية سابقة، هي في الأساس حساسية استقبال وتأثر، قبل أن تكون حساسية استخدام جيد.
أما لو لم نُرِد أن نكتفى بالتوقف عند الجزئية التصويرية السابقة وشئنا الاسترسال معها فسنجدها ممتدة وحتى نهاية القصيدة وتلك براعة أخرى تضاف إلى ما سبق, هى قدرته على تمديد الصورة والاسترسال بها ومعها إلى آفاق متعددة مركبة متوالدة من بعضها في عملية فنية تلقائية وإن كان الذهن يؤطرها، ولنا أن نستمر مع ترشيحات الصورة السابقه وهو لا يزال مع الولع الذى منه المناديل، بمعنى أنه اجتاز المناديل إلى الولع .. اجتاز المناديل إلى مصدرها، واستمر في وصفه : فاغم . طاعن العبير ، مرتبك بالندى ... " ثم إن هذا المشهد بجملته كان مقدمة موكب المحبوبة، التي دخلت المشهد، فكانت سببًا في تحليق الشاعر نحو الحلم، ليستخدم الأسلوب الإنشائي مُطلقِاً سؤالاً مفعماً بالإعجاب والدهشة: " أي حلم بدا .." لكأنه الآن بدأ يستشرف عالمًا شعريًا حلميًا يترامى حول المحبوبة، ثم إن هذا الحلم كان سببًا في تحليق آخر يرى الشاعر فيه مجده العربي!! أ لهذا الحد هى محبوبة كونية لها قدرتها على جر التاريخ بأمجاده خلفها لتلقي به في حضرة شاعرها ؟!.
إن بقية النص يؤكد أنها محبوبة كونية لها قدرة سحرية على التحليق بالشاعر وانتشاله من حواسه الاعتيادية ومن عجزه الأرضي إلى آفاق رحبة وإمكانات أخرى تصبح ممكنة شعريًا في لحظة التحليق: " أي حلم / بدا / أي مجد عدا / نحو تاريخ أمجادنا / حين حلقت بي، / في السماوات الساريات / مضمخة بالسديم / ولقنتِ نجمًا شدا / كي يبوح لنا بعض أسراره / فتنة ... فتنة/ موعداً ... موعدا .. " وهكذا ونحن نعاين القصيدة ندرك أن الشاعر انطلق من مشاهد خارجية تتعلق بالمحبوبة وانشغل بوصفها لا لشيء إلا لأنها كانت مفجرًا شعريًا أساسيًا عنده، وباعثًاً على الدهشة وممهدةً لقدوم المحبوبة التي تتجه إليه في نفس اللحظة التي يتجه فيها إليها، والتي ما أن واجهها حتى كان جاهزًا للتحليق معها إلى آفاق لا تحد، وكأن مهمتها هي التحليق به، أو لكأن مهمته هو التحليق معها. هذه هي محبوبة عزت الطيري بسحريتها وقدراتها فوق الاعتيادية وتساميها، وهذه هي تجربة عزت الطيرى التي تتلمس الطريق إلى المطلق الجمالي في الحياة والكون ملتمسة مشروعية ذلك من ذات الشاعر المترعة بعشق الجمال، وملتمسة تواجدها عبر وسيلة لازمة هى المحبوبة اليوتوبية المتسامية التي ستظل رهنًا بقدرة الشاعر على خلقها... عزت الطيرى إذن يصنع محبوبته، هى على أية حالة ليست اعتيادية، وليست من دم ولحم، وليست متصرمة كبقية النساء، هى دائمًا بكر ودائمًا طاهرة، رائعة ، وسحرية إلى أبعد مدى.
وهكذا تستمر القصيدة في نقل ما دار من حوارات بين الذات الشاعرة ومحبوبتها حتى نهاية القصيدة، الأمر الذي نكتشف معه أن كل ما نقلته القصيدة إنما كان كالفلاش باك ناقلاً لحطة تذكُّرِيَّة سالفة، وأن القصيدة وصف لرحلة تتكرر بين سدرتين وبابين يخصان الشاعر ومحبوبته.
والحقيقة التي يجب أن نلحظها أن بنية القصيدة على هذه الكيفية الشجرية المتنامية المترابطة المتوالدة من بعضها اعتمدت على عنصر سردي قوي منسوج حول شخصيتين وحيدتين هما الشاعر ومحبوبته، ولعل خاصية السردية الغنائية هذه شائعة في تجربة عزت الطيري، وتعطيها خصوصية بنائية وتعبيرية.
القصيدة باسقة ، وذاخرة بالثمار التي تزينها أيضًا ليست في تصويراتها البديعة ولغتها الوصفية المنمقة الزاخرة ببدائع لونية وعطرية، وقاموسها المنتقي من مفردات الطبيعة الخلابة والمحبوبة الناعمة الساحرة، ليس هذا فحسب ، بل فيما بدا فيها من حفاوة بالإيقاعات اللفظية المتجاورة، والمتباعدة بجانب إيقاعها التفعيلي للمتدارك.
لعلنا ننهي نظرتنا هذه في تجربة عزت الطيري في ديوانه" في سواحل العنب " بالتأكيد على أن الشعرية العربية لا تزال ثرية بمثل تجربة الطيري، وربما أننا بحاجة لاستمرار مثل هذا الدفق الشعري، ليس لأنها تجارب تمتلك قوة سحرية تخديرية تنسينا الواقع الصادم والصارم ولحظتنا الحرجة المضمخة بالهموم، وليس لأنها تجارب من شأنها أن تعيدنا بعصاً سحرية وبحركة مخادعة إلى الماضي الآفل الجميل حيث روعة القصيدة العربية الغنائية ببزخها وسحريتها، وحيث الانتشاء بالبلاغة التي تتناغم مع إحساس الذات العربية بروعة حياة أُتْرِعَتْ بجماليات مخصوصة وفَّرتها لها حضارتها البازخة الثرية، ولا لأنها حققت زخمًا شعريًا حول المحبوبة من شأنه أن يعيدنا حالمين إلى حيث عيون المها بين الرصافة والجسر قتلننا من حيث ندري ولا ندري.. لا لا ليس هذا .. إننا بحاجة إليها لأننا أمام تجهم الواقع واضطراد محبطاته تناسينا أن في الحياة جمالاً، وتناسينا أن ذواتنا على ـ ما بها ـ قادرة على تعاطيه، وتناسينا أن الإنسان يمكن أن يستيقظ بوسائل أخرى غير الصدمة، بل تناسينا أن مهمة الشاعر ليست فقط إعادة إنتاج الصدمة بصيغ أخرى.. إن تجربة مثل تجربة عزت الطيري كفيلة بأن تعيد فينا الإحساس بروعة الحياة رغم كل شيء، وقادرة على إيقاظنا بوشوشتها وهمسها وسحريتها لنعاين أو لنعايش ما غُمَّ علينا من روعة الحياة، بل لنعيد اكتشاف ذواتنا من جديد.
تحية ـ إذن ـ لعزت الطيري ولتجربته ولقرائه وعشاقه من المحيط إلى الخليج.
أما بعد : فإن لكل تجربة مهما بدت جميلة ما يشوبها، وقد عاينَّا عفافًاً وتحليقًا وتساميًا في حضرة محبوبة يوتوبية، شاء شاعرها أن تأتي بقدر تساميه معها، وبقدر ما توسل بها لكى تنتشله ـ ونحن معه ـ من جبلة حواسنا الاعتيادية؛ لنعاين من خلالها روعة أخرى، ولنتطهر من أدران جبلَّتنا الحسية، ولنكتشف ذواتنا وذائقتنا من جديد وفق معطيات ومكتشفات جمالية فوق حسية رغم اعتمادها على الحواس .. إنها رحلة وفَّرت كثير من الدربة على التطهر، وعلى السمو العاطفي، فما بالها تتدني في بعض المواضع إلى غشاوة حسية لا نرتجيها لها؟! .. لا نرتجيها لها ليس من منظور أخلاقي، بل من المنظور الجمالي نفسه.
من لم يصدقني بعد عليه أن يطالع قصيدة "رجل وامرأة " ، ولعل استغراق الطيرى في عوالم محبوبته كان دافعًا عنده لرصد نفس العلاقة في الحياة بين العاشق ومحبوبته، وتوقف عند كثير من المشاهد التي تجمعهما في مشهد واحد محفوفٍ بالرغبة في هتك بلادة اللحظة، والتحليق إلى أفق من الحلم والشجو والروعة والتواصل الذي يتيح مساحة من الروعة والخلاص وملامسة الذات في أروع تجلياتها نقاءً وطهرًا وتفانيًا، لكنما ثمة تجربة غير مخدومة، اتسمت بكثير استعجال، ولم تستبطن شيئًا وقد سقط شاعرها، ولم تُسقطه غير عينه الباصرة في لحظة استثنى فيها عينًا أخرى شاعرة.. هنالك جمع العاشق ومحبوبته على سرير واحد وانهمك في وصف علاقة حسية ـ ومهما اتسمت بالسخونة والتجلي العاطفي ـ إلا أنها كانت نابية وفجة، خاصة في عبارتها الأخيرة التي تكشف ما كان يمكن أن ينستر من فضيحة العاشق الذى كف عن التحليق الجسدي منهكاً فوق السرير، هنالك كانت الفرصة مناسبة للسخرية الفجة:" هل نضب الإبريق ؟".
عبدالجواد خفاجى
15يناير 2008 م
__________________
رغم الحدود فلا حـدٌّ يباعدنـا =إن الحدود لوهمٌ مـن أعادينـا
" ما دام من هذه الفصحى لنا صلة " =دام الوداد ودام الحرف وادينـا
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 01-23-2008, 09:11 PM
الصورة الرمزية يعقوب احمد يعقوب
تفضل بزيارة منتداي
شــــاعــر

شاعر مميز 
 
تاريخ التسجيل: Aug 2006
المشاركات: 4,692
صوت لتميز الموضوع: 0
تم التصويت لتميز مواضيعه 0 مرة في 0 مشاركة
معدل تقييم المستوى: 13
يعقوب احمد يعقوب is on a distinguished road
رد: عزت الطيري والبحث عن الذات // قراءة في ديوانه " فى سواحل العنب "

تحيه طيبه الى الاخ الشاعر عزت الطيري ومبارك هذا الكرم من العنب الطيب المعطر
وتحيه للاخ عبد الجواد خفاجي الذي قدم لنا دراسته الثريه حول العمل
وهنا اود ان انوه ان قضايا الشعر ومواقف الشاعر هي ليست مقالات سياسيه
يبطل مفعولها مع كل عدد قادم من الجريده
بل القضيه قضية انسان وحياة تستمر بصراع الخير والشر ما دامت الحياه
لهذا فشعراء القضايا هم شعراء الهم الانساني والحلم اللا نهائي لهذا اقتضى التنويه
__________________
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 02-05-2008, 08:56 PM
الصورة الرمزية خفاجى
تفضل بزيارة منتداي
أديــب

أديب مميز 
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 258
صوت لتميز الموضوع: 0
تم التصويت لتميز مواضيعه 14 مرة في 2 مشاركة
معدل تقييم المستوى: 3
خفاجى is on a distinguished road
رد: عزت الطيري والبحث عن الذات // قراءة في ديوانه " فى سواحل العنب "

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة يعقوب احمد يعقوب مشاهدة المشاركة
تحيه طيبه الى الاخ الشاعر عزت الطيري ومبارك هذا الكرم من العنب الطيب المعطر
وتحيه للاخ عبد الجواد خفاجي الذي قدم لنا دراسته الثريه حول العمل
وهنا اود ان انوه ان قضايا الشعر ومواقف الشاعر هي ليست مقالات سياسيه
يبطل مفعولها مع كل عدد قادم من الجريده
بل القضيه قضية انسان وحياة تستمر بصراع الخير والشر ما دامت الحياه
لهذا فشعراء القضايا هم شعراء الهم الانساني والحلم اللا نهائي لهذا اقتضى التنويه
وأنا أيضاً أضيف تحيه طيبه الى الاخ الشاعر عزت الطيري ومبارك هذا الكرم من العنب الطيب المعطر
وتحية لمرورك الكريم أخي يعقوب ..
__________________
رغم الحدود فلا حـدٌّ يباعدنـا =إن الحدود لوهمٌ مـن أعادينـا
" ما دام من هذه الفصحى لنا صلة " =دام الوداد ودام الحرف وادينـا
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 04-14-2009, 04:17 PM
الصورة الرمزية ميران
مـســاعـدة الـمـشــرف الـعـام

نجمة مجتمع ايرس مشرفة مميزة 
 
تاريخ التسجيل: Dec 2006
الدولة: الأردن
المشاركات: 12,569
إجمالي التدوينات: 1
صوت لتميز الموضوع: 51
تم التصويت لتميز مواضيعه 0 مرة في 0 مشاركة
معدل تقييم المستوى: 29
ميران will become famous soon enough
رد: عزت الطيري والبحث عن الذات // قراءة في ديوانه " فى سواحل العنب "

استاذ خفاجي

بانتظار دراساتك القيمة


يسلمو
__________________



رد مع اقتباس
  #5  
قديم 06-04-2009, 05:28 PM
الصورة الرمزية RedRose
تفضل بزيارة منتداي
اشراف عام مساعد
نائبة رئيس تحرير نوارس أدبية
أديـــبـة

التكريم من الدرجة الأولى وسام التواصل 
 
تاريخ التسجيل: Aug 2006
الدولة: Jordan
المشاركات: 12,616
صوت لتميز الموضوع: 47
تم التصويت لتميز مواضيعه 0 مرة في 0 مشاركة
معدل تقييم المستوى: 30
RedRose will become famous soon enoughRedRose will become famous soon enough
رد: عزت الطيري والبحث عن الذات // قراءة في ديوانه " فى سواحل العنب "

أستاذ عبد الجواد خفاجي

كل التقدير لهذه الدراسة الشاملة

لشاعرنا عزت الطيري المتميز

تحياتي
__________________

اجمع براعم الورد
ما دمت قادرا على ذلك

مدونتي

http://sahar.blogsland.net
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 06-09-2009, 05:28 AM
الصورة الرمزية رحيق

عضو مميز وسام التواصل 
 
تاريخ التسجيل: Aug 2006
الدولة: عربي....
المشاركات: 7,960
صوت لتميز الموضوع: 41
تم التصويت لتميز مواضيعه 0 مرة في 0 مشاركة
معدل تقييم المستوى: 20
رحيق will become famous soon enoughرحيق will become famous soon enough
رد: عزت الطيري والبحث عن الذات // قراءة في ديوانه " فى سواحل العنب "

الاستاذ خفاجي
توحشناك
رحيق
رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر هذا الموضوع عالمياً في مواقع النشر (المفضلة)

لتسهيل البحث عن الموضوع في محركات البحث العالمية أضف الكلمات الدلالية (Tags) الآن بالضغط على تعديل الكلمات الدلالية على اليسار
الذات, الطيرى, ديوانه, or or, غزة, فى سواحل العنب, والبحث, قراءة

« الأنماط الروائية العربية كما يراها شكري الماضي : | يا ربَّة الروحِ »
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة