| ||||||
|
![]() |
| |||||||
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
| #1 | ||||
| ||||
| وراء السراب ... قليلا / رواية لابراهيم درغوثي / الفصل الثاني وراء السراب ... قليلا رواية ابراهيم درغوثي/ تونس ***** الباب الثاني و فيه حديث عن الجدة التي أقسمت ألا يأكل الدود جثة ابنها فصنعت له قيامة خاصة و أركبته على جواده الأبلق الذي طار بألف جناح ليطوف براكبه حول الكرة الأرضية إلى أن يرث الله الأرض و من عليها ملحوظة : قرأت تصريحا لرئيس تحرير صحيفة " نيويورك تايمز " يقول فيه : إن أحد ركاب المكوك الفضائي " ديسكوفري " صادف فارسا على حصان عربي أصيل يطوف في فضاء الله الواسع و إن الفارس حين اقترب منه أقرأه السلام بالعربية . فرد عليه الرائد : و عليك السلام ورحمة الله و بركاته ، و لكن بالأنجليرية . فلم يتم التواصل بينهما . و ذهب كل واحد منهما في حال سبيله. مر أسبوع على وفاة " سلطان " و الجدة تذهب كل صباح إلى المقبرة تغطي القبر بقطعة قماش بيضاء ملطخة ببقع من الدم الذي سال منه ساعة العذاب و تجلس عند رأسه تترقب شروق الشمس. حين يظهر قرن الشمس من وراء الجبل ترفع صوتها المكدود بمزيج من النواح و الغناء و الترتيل و النداء. صياح تختلط فيه أصوات إنسانية و حيوانية. صياح قادم من بدايات الخليقة أيام كانت الحناجر عاجزة عن الإتيان بالكلام المبين. تطلق الجدة ذلك النداء فيردد الجبل صداه عدة مرات. و حين تهدأ تلك الأصوات القادمة من تخوم الزمن السحيق تهمس الجدة للقبر: - أفق يا ولدي لقد طلع النهار. ثم تركب عصاها ، تمتطيها كمن يمتطي جوادا أصيلا و تعود إلى البيت تسبقها حمحمة الحصان. في الليلة السابعة بعد الوفاة ، تطهرت الجدة بالماء البارد و فركت جسمها بأوراق السدر ثم لبست جبة الحرير المطرزة بخيوط الذهب و رمت فوق كتفيها برنس عرسها و كورت عمامة فوق رأسها و قالت : - الليلة سأعود إلى الدار مصحوبة بولدي. جهزوا الدفوف و الطبول و أشعلوا الشموع في كل مكان . و طلبت من النساء أن يلبسن ثيابهن الجديدة و أن يتعطرن ثم ركبت حصانها الخشبي و ساقت الحصان الأبلق ، حصان " سلطان " أمامها و خرجت . تركت باب القصر مفتوحا و انطلقت تعدو وهي تهزج و تغني خفيفة كطيور السنونو . و تبعها عبدان من العبي ، فأطردتهما بإشارة من يدها. توقف العبدان مدة عن السير وراءها ثم عادا يلاحقانها. و لم تنتبه الجدة لهما إلى أن وصلت إلى الجبانة . سارت كالنائمة باتجاه القبر. تعثرت بالحجارة المتناثرة على جنبات القبور ، و لم تلتفت إلى الدم السائل من الجروح التي أوقعتها الحجارة بأصابعها ، إلى أن وقفت عند رأس الميت. أنزلت فأسا و معولا من على ظهر الحصان و بدأت تحفر . التراب الذي تكدس على القبر مازال طريا ، فأطاعها . قصارت تحفر بهمة و ترمي به على جانبي القبر إلى أن عرت عن الصندوق. رمت الجدة الفأس و بحثت عن الخشب إلى أن وصلت إلى الصندوق ففتحته و لامست قماش الكفن. فعرت عن الوجه و نفضت عنه التراب و قبلته ثم حاولت احتضان الجثة فلم تقدر. و عادت تحاول إخراجه من القبر، فلم تقدر . فرفعت عقيرتها بصياح مجروح . ساعتها اقترب منها العبدان . مدا أيديهما و ساعداها على إخراج الميت من القبر. و ضعاه على الحافة و بقيا يترقبان الأوامر. جلست الجدة لجانبه و نفضت التراب الذي عاد يغطي الكفن و يسقط على الوجه ة الأطراف ، ثم دعت بالحصان و طلبت من العبدين أن يركبا "سلطان " على صهوته. احتار العبدان و بقيا واجمين ، و عادت الجدة تكرر طلبها . فساق العبد القصير الحصان قريبا من القبر و أعطى اللجام للجدة و طلب من صديقه أن يرفع الجثة من الصدر بينما كان هو يرفعها من الرجلين . و أجلس العبدان الجثة على ظهر الحصان فوق السرج الذي ازدان بخيوط الذهب و الفضة ووضعا الرجلين داخل الركاب . و مدت الجدة اللجام إلى ابنها و ساقت الحصان و مشت وراءه سلع خطوات ثم ضربته على كفله بيدها ضربات خفيفة و صاحت به أن اذهب في رعاية الحي الذي لا يموت أيها الأبلق. في صباح الغد سرى الخبر في القرية أن " سلطانا " قد صنع قيامته و أن الرجال الذاهبين إلى الصلاة الأولى رأوه راكبا على حصانه و أن الحصان كان يطير بألف جناح. وركلت الجدة حصانها الخشبي و عادت إلى المنزل . قطعت الطريق صامتة وهي تمسك بيد لجام العصا و تمسح باليد الأخرى دموعا تهطل من عينيها مدرارا . وجدت الباب الكبير مفتوحا على مصراعيه كما تركته في أول الليل . ورأت الشموع تلمع في أرجاء السقيفة . اقتربت منها واحدة واحدة و صارت تطفئ النور بنفخة صغيرة تخرج من شفتيها كالزفير . ثم ذهبت إلى وسط الحوش . و قفت هناك عجوزا ، عمرها أكبر من عمر الدنيا . أطل الأولاد و البنات و الأحفاد و الحفيدات من وراء الأبواب التي تسيج الحوش . أحست دبيبهم فالتفتت إلى الجهات الأربع و قالت : -الآن أريد أن أستريح . رجاء لا توقظوني عند صلاة الصبح. و أخرجت من بين رجليها الحصان الخشبي و اتكأت عليه و نامت. عند منتصف الليل هطلت الأمطار بشدة . سمع لقطراتها على سطوح البيوت مقر ثقيل ، ثم انهمر الغيث و دام أكثر من ساعة . و الجدة واقفة وسط الحوش لا تتزحزح. و لم يجرؤ أحد على الاقتراب منها . فكلما هم الأولاد بالخروج من البيت يتخطف البرق نور عينيه فيعود إلى الوراء خائفا كمن أصابه العمى. ثم صفر الريح صرصرا عاتيا مثقلا بالرمال و الحصى . و دام صفيره إلى الصباح. عندما هذأت العاصفة ، خرج الجميع إلى فناء الدار . رأوا رجلي الجدة قد غاصتا حد الركبتين في التربة التي تحولت إلى حجر أحمر. ورأوا جسمها الذي غطته الرمال قد تحجر و صار أضلب من الحديد . حاول الأعمام اقتلاع الجدة من الارض فلم يقدروا . حفروا تحتها بالفؤوس و المعاول ثم حركوها يمينا و شمالا فلم تتزحزح من مكانها قيد أنملة . تحولت الجدة إلى تمثال رخامي مغروس في قلب الأرض . و عادت الأمطار القوية إلى الهطول . و عادت الرياح إلى العصف. و امتد غضب السماء سبع ليال و ثمانية أيام ، إلى أن خرج العم الأكبر خلسة من الدار ووضع مظلة أخيه المصنوعة من سعف النخل على رأس تمثال الجدة ، فرآها تبتسم . و أشرقت شمس الضحى حمراء ذليلة تبدو و تختفي من وراء الغيوم . قال العم الأكبر : - غطوا الجدة بجلباب الصوف يا أولاد و اتركوها تنام مطمئنة . لا تفتربوا منها بعد اليوم فقد تعبت كثيرا من أجلنا. و نسي الجميع سريعا تمثالا آدميا مطليا بالطمي و الرمال يقف وسط الحوش شاهرا في الوجوه ابتسامته الساخرة. |
![]() |
| أنشر هذا الموضوع عالمياً في مواقع النشر (المفضلة) |
| لتسهيل البحث عن الموضوع في محركات البحث العالمية أضف الكلمات الدلالية (Tags) الآن بالضغط على تعديل الكلمات الدلالية على اليسار |
| لابراهيم, الثاني, السراب, الفصل, درغوثي, رواية, وراء, قليلا |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
| |