main
مرحباً بك يا غير مسجل هل تعلم أن هذا المنتدى يتبع المعهد العربي للبحوث و الدراسات الاستراتيجية، (مؤسسة غير ربحية و غير حكومية).. تعمل من أجل التعريف بدين و حضارة الأمة للآخر.. و أن للمعهد مواقع مختلفة منها على سبيل المثال لا الحصر.. جميع مواقع كلنا.. و السياسي.. و مدوانات عزف.. و قاطع.. و أنا انسان.. و أن مساهمتك في التعريف و تطوير تلك المواقع هي عمل يعادل تبرعك بالمال.. لكم جميعا منا فائق التقديرعلى جهودكم


العودة   منتديات المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية > واحـــة الأدب > دوحــة الحكاية > الـروايــة
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 07-03-2008, 02:07 PM
الصورة الرمزية ابراهيم درغوثي
أديــب - عضو شرف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
المشاركات: 897
معدل تقييم المستوى: 2
ابراهيم درغوثي is on a distinguished road
وراء السراب ... قليلا / رواية لابراهيم درغوثي / الفصل الثاني

وراء السراب ... قليلا

رواية

ابراهيم درغوثي/ تونس

*****

الباب الثاني

و فيه حديث عن الجدة التي أقسمت ألا يأكل الدود جثة ابنها فصنعت له قيامة خاصة و أركبته على جواده الأبلق الذي طار بألف جناح ليطوف براكبه حول الكرة الأرضية إلى أن يرث الله الأرض و من عليها



ملحوظة :

قرأت تصريحا لرئيس تحرير صحيفة " نيويورك تايمز " يقول فيه :
إن أحد ركاب المكوك الفضائي " ديسكوفري " صادف فارسا على حصان عربي أصيل يطوف في فضاء الله الواسع و إن الفارس حين اقترب منه أقرأه السلام بالعربية .
فرد عليه الرائد : و عليك السلام ورحمة الله و بركاته ، و لكن بالأنجليرية .
فلم يتم التواصل بينهما .
و ذهب كل واحد منهما في حال سبيله.









مر أسبوع على وفاة " سلطان " و الجدة تذهب كل صباح إلى المقبرة تغطي القبر بقطعة قماش بيضاء ملطخة ببقع من الدم الذي سال منه ساعة العذاب و تجلس عند رأسه تترقب شروق الشمس.
حين يظهر قرن الشمس من وراء الجبل ترفع صوتها المكدود بمزيج من النواح و الغناء و الترتيل و النداء.
صياح تختلط فيه أصوات إنسانية و حيوانية.
صياح قادم من بدايات الخليقة أيام كانت الحناجر عاجزة عن الإتيان بالكلام المبين.
تطلق الجدة ذلك النداء فيردد الجبل صداه عدة مرات. و حين تهدأ تلك الأصوات القادمة من تخوم الزمن السحيق تهمس الجدة للقبر:
- أفق يا ولدي لقد طلع النهار.
ثم تركب عصاها ، تمتطيها كمن يمتطي جوادا أصيلا و تعود إلى البيت تسبقها حمحمة الحصان.
في الليلة السابعة بعد الوفاة ، تطهرت الجدة بالماء البارد و فركت جسمها بأوراق السدر ثم لبست جبة الحرير المطرزة بخيوط الذهب و رمت فوق كتفيها برنس عرسها و كورت عمامة فوق رأسها و قالت :
- الليلة سأعود إلى الدار مصحوبة بولدي. جهزوا الدفوف و الطبول و أشعلوا الشموع في كل مكان .
و طلبت من النساء أن يلبسن ثيابهن الجديدة و أن يتعطرن ثم ركبت حصانها الخشبي و ساقت الحصان الأبلق ، حصان " سلطان " أمامها و خرجت . تركت باب القصر مفتوحا و انطلقت تعدو وهي تهزج و تغني خفيفة كطيور السنونو . و تبعها عبدان من العبي ، فأطردتهما بإشارة من يدها.
توقف العبدان مدة عن السير وراءها ثم عادا يلاحقانها. و لم تنتبه الجدة لهما إلى أن وصلت إلى الجبانة .
سارت كالنائمة باتجاه القبر.
تعثرت بالحجارة المتناثرة على جنبات القبور ، و لم تلتفت إلى الدم السائل من الجروح التي أوقعتها الحجارة بأصابعها ، إلى أن وقفت عند رأس الميت.
أنزلت فأسا و معولا من على ظهر الحصان و بدأت تحفر .
التراب الذي تكدس على القبر مازال طريا ، فأطاعها . قصارت تحفر بهمة و ترمي به على جانبي القبر إلى أن عرت عن الصندوق.
رمت الجدة الفأس و بحثت عن الخشب إلى أن وصلت إلى الصندوق ففتحته و لامست قماش الكفن. فعرت عن الوجه و نفضت عنه التراب و قبلته ثم حاولت احتضان الجثة فلم تقدر.
و عادت تحاول إخراجه من القبر، فلم تقدر . فرفعت عقيرتها بصياح مجروح . ساعتها اقترب منها العبدان . مدا أيديهما و ساعداها على إخراج الميت من القبر. و ضعاه على الحافة و بقيا يترقبان الأوامر.
جلست الجدة لجانبه و نفضت التراب الذي عاد يغطي الكفن و يسقط على الوجه ة الأطراف ، ثم دعت بالحصان و طلبت من العبدين أن يركبا "سلطان " على صهوته.
احتار العبدان و بقيا واجمين ، و عادت الجدة تكرر طلبها . فساق العبد القصير الحصان قريبا من القبر و أعطى اللجام للجدة و طلب من صديقه أن يرفع الجثة من الصدر بينما كان هو يرفعها من الرجلين . و أجلس العبدان الجثة على ظهر الحصان فوق السرج الذي ازدان بخيوط الذهب و الفضة ووضعا الرجلين داخل الركاب . و مدت الجدة اللجام إلى ابنها و ساقت الحصان و مشت وراءه سلع خطوات ثم ضربته على كفله بيدها ضربات خفيفة و صاحت به أن اذهب في رعاية الحي الذي لا يموت أيها الأبلق.
في صباح الغد سرى الخبر في القرية أن " سلطانا " قد صنع قيامته و أن الرجال الذاهبين إلى الصلاة الأولى رأوه راكبا على حصانه و أن الحصان كان يطير بألف جناح.
وركلت الجدة حصانها الخشبي و عادت إلى المنزل . قطعت الطريق صامتة وهي تمسك بيد لجام العصا و تمسح باليد الأخرى دموعا تهطل من عينيها مدرارا . وجدت الباب الكبير مفتوحا على مصراعيه كما تركته في أول الليل . ورأت الشموع تلمع في أرجاء السقيفة . اقتربت منها واحدة واحدة و صارت تطفئ النور بنفخة صغيرة تخرج من شفتيها كالزفير . ثم ذهبت إلى وسط الحوش . و قفت هناك عجوزا ، عمرها أكبر من عمر الدنيا .
أطل الأولاد و البنات و الأحفاد و الحفيدات من وراء الأبواب التي تسيج الحوش . أحست دبيبهم فالتفتت إلى الجهات الأربع و قالت :
-الآن أريد أن أستريح . رجاء لا توقظوني عند صلاة الصبح.
و أخرجت من بين رجليها الحصان الخشبي و اتكأت عليه و نامت.
عند منتصف الليل هطلت الأمطار بشدة . سمع لقطراتها على سطوح البيوت مقر ثقيل ، ثم انهمر الغيث و دام أكثر من ساعة . و الجدة واقفة وسط الحوش لا تتزحزح.
و لم يجرؤ أحد على الاقتراب منها . فكلما هم الأولاد بالخروج من البيت يتخطف البرق نور عينيه فيعود إلى الوراء خائفا كمن أصابه العمى.
ثم صفر الريح صرصرا عاتيا مثقلا بالرمال و الحصى . و دام صفيره إلى الصباح.
عندما هذأت العاصفة ، خرج الجميع إلى فناء الدار . رأوا رجلي الجدة قد غاصتا حد الركبتين في التربة التي تحولت إلى حجر أحمر. ورأوا جسمها الذي غطته الرمال قد تحجر و صار أضلب من الحديد . حاول الأعمام اقتلاع الجدة من الارض فلم يقدروا . حفروا تحتها بالفؤوس و المعاول ثم حركوها يمينا و شمالا فلم تتزحزح من مكانها قيد أنملة . تحولت الجدة إلى تمثال رخامي مغروس في قلب الأرض .
و عادت الأمطار القوية إلى الهطول .
و عادت الرياح إلى العصف.
و امتد غضب السماء سبع ليال و ثمانية أيام ، إلى أن خرج العم الأكبر خلسة من الدار ووضع مظلة أخيه المصنوعة من سعف النخل على رأس تمثال الجدة ، فرآها تبتسم . و أشرقت شمس الضحى حمراء ذليلة تبدو و تختفي من وراء الغيوم .
قال العم الأكبر :
- غطوا الجدة بجلباب الصوف يا أولاد و اتركوها تنام مطمئنة . لا تفتربوا منها بعد اليوم فقد تعبت كثيرا من أجلنا.
و نسي الجميع سريعا تمثالا آدميا مطليا بالطمي و الرمال يقف وسط الحوش شاهرا
في الوجوه ابتسامته الساخرة.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر هذا الموضوع عالمياً في مواقع النشر (المفضلة)

لتسهيل البحث عن الموضوع في محركات البحث العالمية أضف الكلمات الدلالية (Tags) الآن بالضغط على تعديل الكلمات الدلالية على اليسار
لابراهيم, الثاني, السراب, الفصل, درغوثي, رواية, وراء, قليلا

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

Counters

الساعة الآن 10:26 PM.


.جميع الحقوق محفوظة للمعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية 2006

الآراء المنشورة في المنتديات ليست بالضرورة تمثل وجهة نظر المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية او القائمين عليه

Designed by: Typical Design
Powered by vBulletin® Version 3.7.0, Copyright ©2000 - 2009, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.2.0