main
مرحباً بك يا غير مسجل هل تعلم أن هذا المنتدى يتبع المعهد العربي للبحوث و الدراسات الاستراتيجية، (مؤسسة غير ربحية و غير حكومية).. تعمل من أجل التعريف بدين و حضارة الأمة للآخر.. و أن للمعهد مواقع مختلفة منها على سبيل المثال لا الحصر.. جميع مواقع كلنا.. و السياسي.. و مدوانات عزف.. و قاطع.. و أنا انسان.. و أن مساهمتك في التعريف و تطوير تلك المواقع هي عمل يعادل تبرعك بالمال.. لكم جميعا منا فائق التقديرعلى جهودكم


العودة   منتديات المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية > واحـــة الأدب > دوحــة الحكاية > الـروايــة
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 07-05-2008, 01:48 PM
الصورة الرمزية ابراهيم درغوثي
أديــب - عضو شرف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
المشاركات: 897
معدل تقييم المستوى: 2
ابراهيم درغوثي is on a distinguished road
وزراء السراب قليلا / الفصل الثالث / ابراهيم درغوثي / تونس

وراء السراب قليلا
رواية
ابراهيم درغوثي / تونس




الباب الثالث




و فيه حكاية الرجال دوي القرون و ما جرى لهم من غرائب.
و أخبار عن الزنوج الذي حررهم " الباي " من العبودية ب " فرمان " أميري . و كيف رد العبيد إلى " باي " تونس حرية لا يعرفون ماذا يصنعون بها.
و ملح و غرائب و طرائف أخرى.




( 1 )


فجرا ، قام " عزيز " من سريره و كأنه لم ينم دقيقة واحدة . سمع المؤذن ينادي لصلاة الصبح فتوضأ و قصد المسجد . وصل و الإمام لم ينته بعد من قراءة الفاتحة فالتحق بالصفوف الخلفية للمصلين و كبر ثم أنصت للقراءة المرتلة :
قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدادا* قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمكن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة ربه أحدا.
و خرج من المسجد وهو يحث الخطى . قصد بيته لعله ينعم ببعض الراحة قبل طلوع الشمس . استمع إلى وقع خطى وراءه فظل يمشي.و ظلت الخطوات تلاحقه إلى أن وقف أمام بيته فبادره صوت بالسؤال :
- سيدي ، هل هذا بيت " سلطان " سيد " عتيقة " السابق؟
- نعم ، و لكن ماذا تريد من قصر " سلطان "؟
و التفت يستجلي الأمر.
رأى رجلا أسود يقف أمامه. رجل يلبس بدلة أنيقة و يضع ربطة عنق.
اقترب منه الرجل و مد يده مسلما.
- صباح الخير سيدي . اسمي سعد بن مسعود الشوشان.
وضغط الرجل على يد " عزيز " بود وهو يتفرس في وجهه.
- هذا هو أنت . " عزيز " السلطاني كما عهدتك أيام الصبا.
و أمعن " عزيز " النظر في وجه الرجل وهو يردد:
- سعد . أنت سعد بن العم مسعود . يا الله . كم هي غريبة هذه الدنيا .
واحتضنه بود بين يديه ، مسلما عليه ، سائلا عن أحواله . فأعلمه الرجل بأنه وصل منذ أيام من فرنسا و أنه جاء إلى " عتيقة " يبحث عن عبق الذكرى و عن مفتاح قبور الأهل الذين تركهم وراءه في الصحراء أيام المتاهة.
و استقبل " عزيز " صديقه القديم في القصر السلطاني ، و أكرم وفادته فذبح له تيسا أسود ، و فتح في وجهه أبواب البيوت المنغلقة منذ هجرة أجداده . طافا بالحجرات بيتا بيتا و هما يبسملان و ينفضان الغبار عن الحكايات القديمة :
- أتذكر يا " عزيز " يوم تسابقنا في هذه الساحة للفةز بهدايا عيد "فرعون " فغلبتني فدفعتك فوقعت على الأرض فجرحت في ركبتك جرحا بليغا فبكيت ولم تقدر على الوقوف فتفلت أمي بين أصابعها و مسحت على جرحك فقمت واقفا و كأن الضر لم يمسسك منذ حين.
فعاد " عزيز " إلى جرحه يكشف عنه و يبتسم .
نعم يا " سعد " ها هو ذا الجرح . لقد تحول إلى ضفيرة بالية تؤلمني كلما تذكرت تلك الأيام.
و دخلا إلى دار عراف العبيد ، فوجدا طبلا يتوسط الدار.
الطبل كبير . تشد جلده حبال غليظة شدا محكما .
اقترب الرجلان من الطبل . رأى "سعد" عصا ملقاة قرب الركن فأمسك بها و بدأ في قرع الطبل. دق على الطبل برفق دقات عديدة و كأنه يختبر الجلد الهرم فأجابه الجلد أن اضرب بعصاك الطبل و لا تخف فدقه بعنف وهو على الأرض ، ثم علق حبل الطبل في عنقه و خرج إلى ساحة المنزل . رقص رقصات مجنونة فتحلق حوله الزنوج بصفقون . جاؤوا من كل مكان . خرجوا من تحت الأرض ومن بين شقوق الجدران . حضروا الحفل ثم ذابوا مع أصوات الدق على الطبل التي خفتت شيئا فشيئا إلى أن تلاشت في الأثير

(2)

و نادي عمي الأكبر العبيد الذين ورثهم عن جدي و قال لهم :
- دقوا طبول الحزن هذا اليوم ففي الغد لن يكون لي سلطان عليكم.
و لم يفهم العبيد مغزى كلامه و لكنهم أخرجوا الطبول الكبيرة و أشعلوا نارا لتسخين جلودها ثم حملوها على رؤوسهم و بدأوا في قرعها بعصي غليظة . و نز العرق من الأجساد اللماعة كحبات الزيتون فتفنن الرجال في استخراج ألحان حزينة من تحت الجلود المشدودة شدا عنيفا بحبال المسد.
و دار العبيد حول تمثال الجدة سبع دورات . رقصوا رقصا محموما كأنهم مردة من جان ثم خرجوا إلى الساحة . داروا فيها حتى التهبت الشمس في السماء فذهبوا يجوبون أزقة القرية . خرجت النساء لاستقبالهم نادبات ، نائحات ، لاطمات وجوههن و صدورهن.
قال لهم شيخ العبيد :
- هذا طبل " سلطان " سيدنا ، نقرعة اليوم للذكرى
وواصل الطواف حول أسوار القرية.
و قال لقارعي الطبول :
- هذا باب النصر ، سلام عليه، ادخلوا منه آمنين. و هذا باب هزيمتنا، لا حياه الله ، سنخرج منه قريبا.
و تجمع الرجال و الأطفال و النساء و الشيوخ حول جوقة العبيد ، فرفع عرافهم رأسه و أشار إلى : " لا غالب إلا الله " المنقولة من ديار الأندلس و المنقوشة بخط كوفي أنيق أعلى أبواب السور . و لم يفهم الرجال معنى الإشارة لكنهم رفعوا طبولهم فوق رؤوسهم و قرعوها عنيفا تحية لتلك النمنمة ، ثم هجعوا و ناموا تحت السور.
حين أفاقوا ، أخرج كبيرهم من طيات ثيابه سكينا تلمع و بقر بطون الطبول . كان شرسا وهو يبعج بالسكين أصداء الفجيعة و الهوان . ثم ذهب إلى الجبانة ، دفن السكين في قبر مهمل و عاد إلى الدار و قد نبت في رأسه قرنان كقرني الثور.

كان خائفا و مهزوزا وهو يجتاز العتبة . لكن خوفه زال حين رأى القرون نابتة فوق رؤوس كل رجال القرية . قرون اختلفت حسب الوجاهة و المكانة السامية . فمنهم من كان أقرن كالكبش الذي أنزله الرب على سيدنا إبراهيم الخليل فداء لجدنا إسماعيل . و منهم من كان له قرنان صغيران كقرني الحمل . و بين هذا وذاك عامة الرجال الذين حملوا قرونا كقرون الخرفان و الجديان و التيوس . رآهم يتحسسون القرون و هم بين مصدق و مكذب . ثم حاولوا قلعها . حركوها يمنة و يسرة . ضربوها بأيديهم . نطحوا بها الحيطان ، و لكن بدون طائل . و حين أعيتهم الحيلة ، صاروا يتبارون في إخفاء القرون تحت العمامات الكبيرة . و سكن قلوبهم الهلع ، فجروا إلى الدور يحكمون إغلاق أبوابها و يرقبون طلوع النهار لعلهم يخرجون سالمين من من هذا الكابوس.


( 3 )

ظل العبيد في دورهم إلى أن جمعهم عمي في السقيفة ، تفقدهم بنظرة واحدة و عدهم . لم يبق سوى عشرة رجال أشداء و عشر نساء فارعات الطول و عدد لا يحصى من الأولاد و البنات و بضعة شيوخ و ثلاث عجائز.
قال : " أين البقية ؟ "
فرد عليه شيخهم: : " بنى برؤوسهم قائد الوجق الدكة التي حاكم فوقها سيد هذا القصر ." و صمت.
و ظل العبيد واقفين يترقبون الأوامر ، لكن عمي لم يكلمهم . كان ساهما يخطط بعود على تراب السقيفة ، ثم فجأة طلب أن يصرف الأطفال الذين ملوا الوقوف و الصمت . أشار إليهم الجد فخرجوا ضاجين بالضحك . و عاد العم يخطط على التراب أشكالا هندسية و كلمات بلا معنى ثم طلب من العم " مسعود " أن يقترب منه . قال له :أنت يا شيخ حكيم هذه الأمة – أمة السودان – و صاحب الرأي و التدبير فهل لك في الاستماع إلى كلامي لعلك تحسن تبليغه لقومك . و طلب منه أن يجلس. لكن الرجل رفض الجلوس بين يديه . و ألح العم في طلبه ، فجلس العبد قريبا من قدميه على أطراف الفرش.
قال عمي : ناديتك يا شبخ العبيد لأعلمك بفرمان الباي الذي يطلب فيه من الأسياد تحرير عبيدهم و يمنع فيه – تحت طائلة الحبس – الرق و تمليك النفس البشرية لغير الله . و قال عمي كلاما كثيرا حول المساواة بين بني البشر و أنه لا فرق بين أبيض و أسود إلا بما كسبت النفس الأمارة بالسوء . و قال إن بلالا الحبشي سيؤذن في الجنة و سيداعى لصوته الشجي كل المؤمنين من عرب و أعاجم : فرس و روم و فرنسيس وطليان و صقلب و طليان و بلغار وزنج و من بني الأحمر و الأصفر و غيرهم من أمم الأرض قاطبة . كلهم سيستجيبون لنداء بلال الأسود الذي سيقيم الصلاة وراء النبي الأمي و سيرفع نداء " الله أكبر " في أرجاء الجنة .
و لم يفهم شيخ العبيد حديث العم فظل صامتا بينما العم يحكي عن فرق الخيالة التي طول الإيالة و عرضها لتتثبت من تطبيق هذه القوانين العلية و الأوامر السنية.
و لم يدر الرجل بماذا يجيب ، فالتفت إلى بنيه و أحفاده يستشيرهم في الرد على هذا الكلام . فنكس الجماعة رؤوسهم و قال قائلهم :
- هذه بلية حلت بنا و إنا لصابرون.
و قال العم :
- الباي يهبكم الحرية يا عبيدي ، فاضربوا في الأرض آمنين.
قال الجد :
- إنا لن نغادر دارك إلا إلى القبر يا سيدنا فاردد على باي تونس حريته.
لكن عمي الخائف من أن تنصب له دكة جديدة في الساحة العامة رفض رد شيخ العبيد و أمهله و قومه ليلة يجمعون فيها أدباشهم و يودعون أحبابهم ليذهبوا بعد ذلك إلى الحرية خفافا كغزلان الصحراء.
و انفلتت عجوز من ركن قصي من أركان السقيفة ، جرت عنيفة و ارتمت في حجر عمي وراحت تقبل يديه و تبكي ثم أخرجت من صدرها ثديها و قالت :
- أحلفك بالحليب الذي رضعته من هذا الثدي ألا تمي بنا إلى الحرية التي لا نعرف ماذا نفعل بها .
فرد عمي :
- هي يا أمي أوامر الياي و إني لا أقدر على عصيانه .
و لعن العبيد الباي و خرجوا من السقيفة و قد تداعوا إلى اجتماع عام في دار العراف.

( 4 )

و كبرت المناحة . ارتفع العويل و البكاء في كل البوت القريبة . فكلما اقترب موعد مغادرة عبيدنا للقصر حط الحزن أكثر في كل مكان . الحرائر يتبادلن مع الزنجيات تمائم السعد و عقود الخرز الملون و الودع اللماع . و الشيوخ يهبون للشابات عود القماري و قطعا من جلد التمساح و قشورا من بيض النعام و عاجا من أنياب الفيل و ماء من بحيرات إفريقيا. و أطفال الزنوج يهربون من مكان تجميعهم و يلجؤون إلى السطوح و المخابئ التي وفرناها لهم في أقبية القصر . كنا ندس في جيوبهم كل ما يصادف طريقنا ، التمر المجفف و حبات اللوز المقشر و الزبيب و أقلام القصب و مصاحف القرآن و حكايات العفاريت و النكت الماجنة و الذكريات ...وكانوا يبكون و يضحكون ، يهمسون و يصرخون ، يقتربون و يبتعدون ، إلى أن وقف شيخ العبيد في الساحة العامة و نفخ في بوقه فتنادى السودان من كل مكان ، من دار جدي و من دور الموسرين الذين ملكوا العبيد ذات يوم . تجكعوا في الساحة و خرجوا في مظاهرة احتجاج كبيرة . طافوا في الشوارع كامل الصباح ثم قصدوا دار " الوالي " الجديد و هم يقرعون طبولهم و ينفخون في مزاميرهم و يحرقون البخور و يرقصون رقصات مجنونة . ظلوا في هذا الصخب إلى أن خرج لهم " الوالي" . وقف في شرفة قصره محاطا بجنود مدججين بالبواريد التركية و الانضباط . رأى الرجال ظل ابتسامة ساخرة عالقة بين شفتيه حين حمد الله و صلى على رسوله ثم مجد سيدنا و مولانا " باي " تونس و دعا له بالعز والرفعة و طول العمر و السؤدد ثم طلب من العبيد أن يتفرقوا . قال لهم إن لنا في رسول الله أسوة حسنة ، اذهبوا فأنتم الطلقاء. لكن العبيد لم يبرحوا المكان . وعادوا إلى اللغط و الهياج . و صاح شيخهم:
- قل لسيدنا لا حاجة لنا بحريته ، و اطلب منه أن يسمح لنا بالعودة إلى أسيادنا.
و أسقط في يدي الوالي . لم يدر بماذا يجيب هؤلاء الرجال الذين يرفضون حرية وهبها لهم سيدهم . ارتبك في وقفته ثم استل من جنبيته بارودة قصيرة وصار يطلق في الهواء طلقات طائشة و هو يعوي كالذئب المجروح ، فخرج جنوده من كل الأمكنة ، فكأن الأرض انشقت و دفعت بهم دفعا إلى ظهرها . و انهال خيالة الوالي و مشاته على الرافضين لنعمة مولانا " الباي " ففروا هاربين في كل الاتجاهات. تدافعوا و تصايحوا و سقط الشيوخ على الأرض فتناوشتهم الأقدام و الهراوات و لذيء الكلام . و غابت شمس اليوم كاسفة وراء هامات النخيل.
ووجد العبيد أنفسهم في العراء ، فباتوا ليلتهم الأولى تحت الأسوار يشعلون النيران لعلها تصنع لهم دفئا ، و يرددون نبوءات العراف :
" اليوم سنولد من جديد و سنبدأ حياة أخرى ."




( 5 )

و مرت الأيام بطيئة على العبيد الذين حررهم " فرمان " الباي فلا هم قادرون على العودة إلى القرية و لا بمستطاعهم بداية مشوار الحياة الجديدة التي وعدهم بها العراف.
حاولوا مرات عديدة الاقتراب من الأبواب فمنعهم الحراس من تخطيها . ضربوهم بالهراوات و رشوهم بالزيت الحامي . حرق الزيت جلودهم ففروا إلى البساتين القريبة من الأسوار و بدأوا في قطع الطرق على الأسياد . نظم الشبان كمائن لخيالة الوالي و أغاروا على الفلاحين العاملين في الواحة . و بلغ خبر ثورة العبيد فرسان الباي فتداعوا من كل مكان . حاصروا الواحة مدة أسبوع و ألقوا القبض على مثيري الفتنة . صلبوا ثلاثة منهم على جذوع النخيل ثم جمعوا البقية في قافلة و رحلوهم إلى قلب الصحراء.
قال لهم قائد الفرسان:
- ستصنعون سعادتكم في واحة جديدة تزرعون في سرابها المخل و التين و الزيتون و الرمان و الورد وخد بوقرعون .
و ساق الجمال المحملة بمتاع العبيد . سارت القافلة نحو جنوب الجنوب مخفورة بفرسان الباي إلى أن بلغت نبع ماء شحيح فقال القائد لأمة السودان :
- هنا لن يستعبدكم أحد بعد الآن .
و ابتلعه و جنده السراب. و ضاع الغبار الذي أثارته الخيول في الأفق الرحيب. و لف المكان صمت كصمت المقابر المهجورة . و انحدرت الشمس ببطء من السماء ثم هوت في فم الصحراء الواسع كجب بلا قرار.
اتجه العراف نحو النبع ووقف على كثيب الرمل المشرف على الماء و أخرج من قميصه الداخلي عود حطب أملس ووترا . شد الوتر و أقعى يجمع قبضة من الحشائش اليابسة . ثم حرك الوتر جيئة و ذهابا على العود حتى اشتعلت النار فوضع على الشرارة الأعشاب اليابسة و حمل النيران الملتهبة فوق كف يده اليمنى و مشى فوق ماء النبع حتى قطعه و قصد الجهة الأخرى من الكثيب . ثم أخرج قوسه و شد إليها سهما وشد القوس بعنف ثم سدد نحو قلب النبع فنفر الماء و علا حتى كاد يبلغ عنان السماء.
وارتفع هتاف العبيد و صياحهم و صخبهم و أخرجوا طبولهم و انهمكوا في قرعها بعنف المحرومين من السعادة حتى أنهكهم التعب فارتموا على الرمل ينخرون و يشخرون.
و أخرج الأطفال من جيوبهم الحلوى و اللوز المقشر و الزبيب و اللحم المقدد فشووا اللحم على كف العراف و أطعموا القبيلة حتى شبعت ثم شربوا من ماء زمزم و ناموا على حافة السراب.



( 6 )


نبع الماء قريب من طريق قديمة تمر منها القوافل الذاهبة من بلاد نفزاوة * إلى غدامس** . و القوافل تريح جمالها هناك عند النبع ، فنبت على جنباته نخل هو الآن قد استطال و مد أعناقه إلى السماء.
كانت نخلات النبع حين أفاق أطفال أمة السودان شبيهات بعجائز قد هزلن ورققن حتى صرن كالعيدان اليابسة . و علتهن رؤوس صغيرة جرباء منتوفة الجريد . جرى الأطفال ناحية النخل . التقطوا بعض التمرات اليابسة التي أكل الطير و الجراد أكثرها فنفضوها مما علق بها من رمل ثم التهموها و هم يهمهمون و يبكون ، ثم كرعوا من ماء النبع و عادوا إلى قيروانهم . و جد الأطفال الرجال ينصبون الخيام فمدوا أيديهم الصغيرة للمساعدة . دقوا الأوتاد و ربطوا الحبال و كدسوا جلود الماعز و الخرفان و الخرق القديمة فوق أسقف الأكواخ ثم تكوموا قريبا من بقع الظل الشحيحة و أخرجوا من صدورهم الحكايات التي طالما سمعوها من الجدات في ليالي الشتاء في القصر الكبير .
و هاجت الرمال عنيفة و غطت عين الشمس . و نفخت الريح حارة كأنها خرجت لتوها من أفواه الجحيم ، فتذكر الأطفال مياه القرب الياردة . و لعن الكبار فرمان باي تونس.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر هذا الموضوع عالمياً في مواقع النشر (المفضلة)

لتسهيل البحث عن الموضوع في محركات البحث العالمية أضف الكلمات الدلالية (Tags) الآن بالضغط على تعديل الكلمات الدلالية على اليسار
الثالث, السراب, الفصل, ابراهيم, تونس, درغوثي, وزراء, قليلا

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

Counters

الساعة الآن 12:35 AM.


.جميع الحقوق محفوظة للمعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية 2006

الآراء المنشورة في المنتديات ليست بالضرورة تمثل وجهة نظر المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية او القائمين عليه

Designed by: Typical Design
Powered by vBulletin® Version 3.7.0, Copyright ©2000 - 2009, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.2.0