main
مرحباً بك يا غير مسجل هل تعلم أن هذا المنتدى يتبع المعهد العربي للبحوث و الدراسات الاستراتيجية، (مؤسسة غير ربحية و غير حكومية).. تعمل من أجل التعريف بدين و حضارة الأمة للآخر.. و أن للمعهد مواقع مختلفة منها على سبيل المثال لا الحصر.. جميع مواقع كلنا.. و السياسي.. و مدوانات عزف.. و قاطع.. و أنا انسان.. و أن مساهمتك في التعريف و تطوير تلك المواقع هي عمل يعادل تبرعك بالمال.. لكم جميعا منا فائق التقديرعلى جهودكم


العودة   منتديات المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية > واحـــة الأدب > دوحــة الحكاية > الـروايــة
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 07-29-2008, 01:24 AM
الصورة الرمزية هيثم حسين
أديــب
 
تاريخ التسجيل: May 2008
المشاركات: 5
معدل تقييم المستوى: 0
هيثم حسين is on a distinguished road
فصل من رواية: آرام.. سليل الأوجاع المكابرة لـ : هيثم حسين

لا بأس من أن أعود القهقرى لأعتمد أسلوب المراسلة، بإرسال رسائلي، رسائلِ عشقي، عبر مراسيل يُطمئِنون، ويسجّلون في دفتر الحساب ثواباً يتضاعف كلّ لقاءٍ، كلّ إيصالٍ، كلّ ذكرٍِ.. لا بأس بالعودة إلى أساليب كانت رائجة فيما سلف من أيّام العشق، وزمان العشّاق المستميتين في سبيل عشقهم.. لن أعتمد الحمام الزاجل كي لا يضلّ الطريق، طريقَ القلبِ، صراطَ المحبّين. لن أستغيث بالحضارة كي تنوب عن تخلّفي في المراسلة، وسألعن الإيميل لأنّه لن يوصل ارتعاشات قلمي، وهو يبوح لك بما يؤلمه ويؤمّله، يبوح لك بما لن يستطيع أيّ بريدٍ آخر أن يوصله، من شطحة قلمٍ هنا، ونقطةٍ تائهةٍ هناك، أو إحلال كلمة محلّ أخرى، دون الشطب على سابقتها بالكامل. لا بأس ممّا أنوي الإقدام عليه، فالتخلُّف في أساليب الحبّ هو الحضارة عينها، والقديم فيها أكثر تألّقاً من كلّ جديدٍ.. على البياضِ، بياضِ الصفحة، لن تبحث أصابعي عن حروفٍ لتنقر عليها، ولن يتشتّت ذهني بين الأحرف الصمّاء، والشاشة الجامدة، وقلبي المتوثّب المستعجل الكلمات المتباطئة بالإتيان والتعبير.. على البياض تشعر بسطوة القلم، تشعر بهيبة القلم، وتنتقل العدوى إلى الورقة التي ترهب فعل القلم الصادق الفادي، تشعر بقوّة الفعل، بقوّة الخلق، بجمال الكلمات وجلالها.. تكتب ما يمليه عليك القلب دون تمريره سلكيّاً وتعريضه للفحص كهربائيّاً ورقابيّاً، تنتهز فرصة اختلال التوازن، بل على الأدقِّ، فرصة استعادة التوازن، لتكتب وتكتب حتّى يكلّ القلم بكاءً، ويكلّ القلب بوحاً... رغم أنّ البوح ينشّطه، وذكر الحبيب يثوّره، ويجبره على اعتماد أوردة إضافيّة، لضخِّ المزيد من الدم، ليزيد من اضطرابه، الذي بدوره يحرمه الراحة، ويريحه متوتّراً قلقاً، راضياً بتوتّره وقلقه... عندما رأيتك سُلِبْتُ ما كنت أظنّه راحةً، تلك التي كانت مخادعة مموِّهة.. وهأنذا معك، مع صورتك، مع اسمك، مع كلّ ما أسرته منك من كلماتٍ لن أحرّرها من قيد سمعي.. يظنّ المرء منّا بأنّه يحيا هانئاً سعيداً ببعده عن الحبِّ، المنتزَع الصفة عندنا، والمسمَّى: ما لا يُشبِع، وعن منغّصاته التي نشبكها باسمه أو نختلقها له، لكنّنا لا ندرك فداحة خسارتنا إلاّ عندما نحبُّ، لنوقن بأنّ الظنَّ كلّه إثمٌ.. لا خلاف على تأثّمنا.. وقد يحاول أحدنا أن يؤمثل أفكاره في الحبِّ، وإلهاء الغير بالحديث عن تنظيراته فيه، أو تشاطُرٍ على حرمة ملكوته، والبحث عن حبيبٍ لن يعُثَر على أيّ تشخيص لصورته المفكوكة واقعاً، المجموعة في خيال صاحبها حلماً. هو شهاب في الروح يسلب الأرواح راحتها، ويقلقِها، يعمّدها بالأسى، يطهِّرها من خداعٍ، يريحها من فراغٍ تائهٍ في البحث عن صيغة لملْء الفراغِ الذي يغرق المحيط في زوابع صحراويّة، ويمطر القلوب بأفكارٍ ورؤىً غير مسوَّرة، ويبحر في الصمت على سفنٍ مكابرة.. لن ألتفت إلى قول صديقتك، حين كانت تحاول مواساتي، بأنّ النساء محطّاتٌ ومواقف، يوقفك بعضهنّ مرغماً، وتتوقّف عند بعضهنّ مستريحاً، لتغادر بعدها، ولتلتهي في رحلتك، رحلة الحياة، بجديدٍ.. أسايرها.. ثمّ أنكر عليها مواساتها: نقف في بعض المحطّات طائعين، ونقف في بعضها مكرَهين، وفي الحالين نكمل الرحلة، إمّا طائعين أو مكرهين. أمّا في محطَّة السوسن المدلّل فتُجبَر على إحراق سفنك، وإضاعة رشدك،والإلقاء بخرائط المهمّات وبوصلة الوصول والنجاة.. في هذه المحطّة يقعدنا الحبُّ عن الإكمال، لا طائعين، أو مكرَهين، بل راكعين معترفين بهزيمتنا، بعد ادّعاء عظمة الفتوحات، وعصمة وإعجاز الأنبياء... أنت التي تمنحين محيطك التفاؤل والبشْر، وقد تسهين عن كونك أكثر من يحتاجهما، إنّك نبع أملٍ يعطي كلّ طاقته ومخزونه، ليجفّ معطاءً مفتقداً أحبّاءه. ويظلّ الحوار الذي دار بيننا حول البعد يقوّيني، ويشدّ من عزيمتي، ويقيني المزالق،وسأكتب لك ما دار بيننا من حوارٍ في المكالمة الأخيرة: - اطمئنّ حبيبي سأنتظرك. - الانتظار مأساة لا تقلّ عن أيّ مأساة أخرى.. بل أجزم بأنّها شرّ المآسي التي هي شرّ كلّها. بعيداً عن تواسي الضعفاء وتأسّيهم، وتعلُّلهم بالتعويض يوم التعويض.. لن تكوني مجبرَةً على الخوض في هذه التجربة التي أنت بغنىً عنها..ولن أكون لك إلاّ المحبّ غير الشاكِّ بوفاء حبيبته، لأنّني أدرك فداحة أن تنتظر الحبيبة بكلّ أمل الأمِّ، وجلَدها، واستخداعها نفسها، قدومَ من يستحقّ منها هذه التضحية. لن ألومك ولن يساورني الشكّ حول عظمة حبّك لي، ولك أن تختاري حياة مسالمة بعيدة عنّي وعن تقلّبات حياتي ومغامراتي.. - قلت لك اطمئنّ.. وأنا اخترتك..ولن أتواسى إلاّ بك وباسمك.. ولن أرتاح إلاّ في حضنك.. - أنت مجنونة لأنّك تختارين المجهول...! - أكون مجنونة لو اخترت غير المجهول.غيرَكَ. - إذاً.. - سأصمد رغم الحصار.. ولن أخذل نفسي أو أخذلك. -..لسـْ... - هلاّ تقول لي أيّ مدينة هي أعظم مدن العالم صموداً في وجه العداة إذا ما حُوصرت؛ لأقول لك بأنّني سأفوقها صموداً..؟! - أنت أعظم المدن على الإطلاق. أنت كوني. أنت المدينة الأعظم رسوخاً وصموداً في هذا العالم. - اذهب مطمئنّاً مغامري الحبيب. فمدينتك المحاصَرة بالبعد والغياب ستسدّ كلّ المداخل إلى قلبها بانتظارك.. ثمّ تودّعينني كعادتك بقبلةٍ لاسلكيّةٍ عبر الأثير المعرَّض للالتقاط، فتلهبني قبلتك تلك.. وأنت تردّدين لي عبارتك التي كنت تدلّلينني بها، والتي كنت ترضينني بها، إذا ما أحسست بأنّي قد أخاصمك، وذلك عندما كنت أسالك: أين أنت..؟ أو أين كنت..؟ أو بماذا انشغلت عنّي..؟ أو لماذا تأخّرت..؟ لتقولي بدلالٍ وعفويّةٍ تسلبني رضاي، وتغرقني حبّاً: حبيبي أنا لك ومعك.. أنا ملْكك.. كنت لك وسأبقى لك.. وقبل أن تضعي السمّاعة كنت تطالبينني كذلك بقبلتك المعتادة التي نختم بها مكالماتنا. * * * كانت تلك الرسالة الأولى التي وأدها آرام.. أمّا الرسالة الأخرى التي يودّ أن يعمّمها، ولن يفعل ذلك، تتضمّن فجائعه، وسيوجّهها إلى سَيْدَايِى جكرخوين الشاعر، وسيلقيها في حضرته على مسامع الموتى: ها هي ذي السنون تمضي، ولا زلنا كما يراد لنا نتعايش في شقاقٍ وخصام. لازلنا نستحضر أحقاد سنين خلت، نقتتل، نتعادى، متذرّعين بأنّ من لا ماضي له لا حاضر له أو مستقبل. لا زلنا نبحث لأنفسنا عن مستراحٍ من تيهنا في حلقة مفرَّغة إلاّ ممّا يلهينا عنّا. لا زلنا ندعو الربّ عساه يتقبّل منّا الدعاء، ندعو على بعضنا بعدم التوفيق والنجاح؛ لأنّ نجاح أحدنا يعني سقوط الآخر.. لا زلنا نُساد ونُقاد بالحسد. كلّ امرئ يتخوّف من أخيه لئلاّ يغدر به برفعِ تقريرٍ وشائيٍّ وبائيٍّ كاذبٍ إلى أولي الأجر الذين يثنون عليه ويحتقرونه. لا زال يتباهى من يقبّل أيادي اللئام، هذه الأيادي التي هي أجدر بالقطع لا التقبيل. لا زالت الشعارات البرّاقة والكلمات الحماسيّة تلهبنا، فتثيرنا أغنية وتبكينا أخرى، وتضحكنا ثالثة، وتسكّن التفكير فينا رابعة، ولا تضطرّنا لأن نبحث لها عن تبريرات. لا زلنا نتقاذف التحيّات، كما نتقاذف الشتائمَ القنابلَ، ولا نفكِّر في سبب هذا الجفاء، وهذه الحدّة في التعامل، وهذا التقطيب في الحاجبين، حتّى حين الحديث في موضوعٍ غير ذي أهمّيّة.. علماً أنّ معظم مواضيعنا غير ذي أهمّيّة.. لا زلنا نتحيّن الفرص للانقضاض على بعضنا لننهش لحوم بعضنا، لا يهمّ مَن يكون الفريسة ومَن يكون المفترس، أو مَن يكون الذئب ومَن يكون الحمَل. رغم أنّ القطيع واحد والذئب والحَمل يتبادلان الدور بينهما في مسرحٍ مهترئٍ لا ستار يرفع أو يسدل فيه، إيذاناً بالنهاية أو إشعاراً بالبداية. لا زال القسم الأكبر منّا يغتاب القسم الآخر، ويسعده أن يأكل لحم أخيه حيّاً، ليروي روحه الساديّة في تعذيبه المستعذب له. لا زلنا نتستّر بالدين والتديّن. - أصلّيت رُكيعاتك..؟ - أجل. - فليتقبّلها الله.. - منّا ومنكم أجمعين. المكائد والمؤامرات لنا فيها النصيب الأكبر، نتهادى العداء حتّى يستحكم، لنستجدي بعده الظلم من المنصّبين أنفسهم سادة علينا عن شحٍّ ساداتيٍّ. نستظلم، نصرخ، هل من ظالمٍ..؟! ثمّ نندم، لكنّنا نتكبّر وندّعي بأنّنا نأنف أن نسترحم الراحم منّا أو فينا، لأنّ من يرحمنا سوف يشمت بنا، حيث تعوّدنا على تنمية الروح الشامتة الفاضحة بدل الراحمة الصامتة. نعم.لا زلنا كما كنّا وكما يراد لنا أن نبقى، نتعمّد الإساءة لأنفسنا ولبعضنا، نيلاً من الذات وحسداً من الآخرِ الأخِ، وحقداً عليه. لا زلنا نتقن حفظ الحكم والأمثال، ولا نستمدّ منها العبر، نستخدمها في مواضعها وفي غير مواضعها ليقال عنّا: وقاه الله وبارك له في سعة ثقافته ورجاحة عقله وعظمة محفوظه. يردّد لنفسه بصوتٍ خفيضٍ متألّماً لما آل إليه حالهم، ثمّ يستأنف قراءته التي لن تسمع، متعرّياً ومعرّياً مَن يرتدون أقنعة لا تقنع: لا زلنا نتودّد إلى مَن يؤذينا ونرغب فيه، ونبتعد عمّن يُؤذَى فينا ونرغب عنه.. يكرّر لنفسه جملته بشيء من التأنّي، ثمّ يتلو مآسيه المتراكمة: سَيْدَايِي: أن يشتم الابن أباه لأتفه الأسباب أو حتّى دونها فقد باتوا يطلقون عليها الحضارة أو التحرّر. أن تحلم بليلة تنام فيها قرير العين فقد بالغت أيّها الجسور وتماديت في حلمك، لأنّ ما تحلم به موقوفٌ العمل به منذ زمنٍ.كما إنّه قد أضيف على السلف الصالح والجذر النقيّ الطاهر موضة الربا والسلف، تُرفع القبّعات وتحنى الظهور احتراماً لتسليف السلفجي، يرافقه أينما حلّ الترحاب، يخدم ممّن يتوهّمون أنفسهم عليّة القوم اعتماداً على إرثٍ شائن من مالٍ مشتبه به أو زعامة مشبوهة. وقد يقتربون من تصديق أنفسهم بأنّهم السادة، فترى أحدهم إن يحيّي يومئ برأسه، وإن يبالغ في الإكرام يمدّ للمصافحة يده بترفّعٍ وعدم اكتراث وانشغال عمّن يصافحه، عندها تحتاج أكواناً كي تتّسع لغرور القزم المصافَح المقتات فتات موائد السلفجي، أو المتباهي بالركوب في سيّارته، أو مبالغة في الإكرام إركابه في حضنه. لذا فتجد صغار المسلّفين يتكاثرون، ويلهثون وراء الغنى السريع السالكِ السبيل بالجشع غير المشبِع. لا زال "كرتيلو وجلّكو"• وأمثالهما يزاودون علينا بانتهازيّتهم، فالمزاودات والانتهازيّات قد أبدعنا فيها وابتدعنا أساليب حديثة. ومن الحداثة اكتفينا بإضاعة الأيّام والليالي بالألعاب لأنّنا لم نتعرّف، ولا نريد أن نتعرّف، إلاّ على ما يضيع وقتنا وحياتنا، ويشغل تفكيرنا عن التفكير في أنفسنا وأحوالنا. لقد حلّ الخليوي محلّ الخليلة، وبات من مستلزمات الرجولة ومن ضرورات النصب وعدّة البَرْوَزة، كلّ واحد يتباهى بميزات موبايله، يتمادى في التوهّم بأنّ موبايله قد أضاف هيبة على شخصيّته البليدة المعتلّة الجوفاء.ومع الأسف صارت "الخروق" مقياساً لتقييم الرجال.. إن كنت تملك قرشاً فتلك قيمتك، وإن كنت تملك أكثر فقيمتك تكبر، وهكذا نروّج لثقافة التجهيل، وتعظيم الأقزام، وتقزيم العظام، وتكريم البعض ممّن يملك حسب ما يملك، لا حسب ما يحسن ويجيد، فالإجادة والملَكة ليستا في معايير تطوّرنا الانتحاريّ المتقافز.. أمّا إن كانت أملاكك من النوع المنقرض المباد، أي أملاكاً فكريّة أدبيّة، فأنت مدين بالكثير لمن يقدّمون لك ثمن طعامك الذي يبقيك حيّاً ليسعدوا بامتلاكهم لك ولأمثالك، وليبقوك مثار ضحك وموضع تندّر لهم، ما إن يملّوا جلسات سعادتهم بتطوّرهم المشوّه، حتّى يستحضروا ذكرك ليواسوا أنفسهم، وليتعزّوا عن الفكر بالمال المالك للفكر. لا زلنا نستميت في انفعالاتنا، تجري حولنا الأحداث، تدور بنا الدوائر، تمرّ بنا الأنواء، ونتجاهلها، ولا نعيرها أيّ انتباه أو اهتمام، ولا نراجع حساباتنا، لأنّ مراجعة الحسابات خسارة، والخاسر فقط يراجع حساباته. لا زلنا نكثر التأمّل متواسين بأنّ الفرج والخير في المستقبل القريب. لا زلنا نسحق النساء باحترام، نقدّرهنّ بالسباب أمام الجميع، ولا نملّ من تكرار: ناقصات عقل ودين. أو نستشهد دوماً بذلك المثل المهين لإنسانيّة المرأة، والذي لا بدّ أن يكون قد خرج كفلتةِ لسانٍ أو تدبيرِ حاقدٍ على امرأة فاقته علماً ومعرفةً وذكاءً، فأراد إذلالها، بل وتمادى في ذلك بأن ألّب عليها المجتمع الذي صادق دونما تفكير على تدبيره الفالت الحاقد المنتقم؛ ليغدو المثل الظالم الضالّ: "إنّ عقل سبع نساء في رأس دجاجة وتلك الدجاجة تنقر في الروث". مع الأسف. لا زلنا ننادي بتحرّرها، ونسعى لانعتاقها من القيود الاجتماعيّة الصدِئة التي فُرضت عليها وقَوْقَعتها في زنزانة التخلُّف المتستّر بالتفاخر. هذه القيود التي أشعرت وتشعر المرأة بأنّ الأنوثة تهمة. نريد لها أن تكون مثقّفة، متحرّرة، تنطلق من وعيها دون تقليدٍ ودون تعامٍ.. نريدها ألاّ تشعر بأنّ أنوثتها إثمٌ اقترفته، ويجب أن تحاول جهدها للتبرّؤ منه، بأن تستغفر للأنوثة وتكفّر لها عن خطاياها بإهمالها أنوثتها؛ أجمل ما وُهبت.نريدها ـ ظاهريّاً ـ جريئة، واثقة من نفسها، طليقاً في الحديث، لا تتحرّج من الخوض في أيّ موضوعٍ، حتّى وإن كان رجوليّاً بحتاً. ننادي أينما نكون بالمساواة في الحقوق والواجبات، وبأنّها كفردٍ يجب عليها تأدية واجبها تجاه نفسها ومجتمعها. لا زلنا نفضّلها غير متحرِّجة من مواقفتنا حيثما كنّا، نفضّلها ملمّة بمجمل نواحي الحياة، نفضّلها متباهية بأنوثتها وشاعرة بتفوّقها على كلّ الرجال لغناها بما تملك. لكنّ الواحد منّا لا يتزوّج النوع الذي يفضّله من النساء المتمتّعات بصفات الصراحة، والثقافة، والذكاء، والتحرّر والتباهي، والطلاقة في الحديث. لأنّه لا يريد امرأة تحتويه وتقضي على كيانه الذي لم يتكوّن بعد، بل يريدها ناقصة كما يروّج عنها، يريدها غير قادرة على الاستغناء عنه، يريدها دائمة اللجوء إليه لاستعطافه وطلب العون والمدد منه، ليفنيها بفحولته. تغرينا امرأة بتلك الصفات، نعشقها، ونبتعد عنها، نغرَى بها غريبة بعيدة عنّا.. أمّا إن تعلّق الأمر بشرف أحدنا يسحقها، لأنّ شرفه يهان، شرفه تواقف الرجال، تضاحكهم، تشاركهم مواضيعهم الرجوليّة البحتة، تطالب بحقوقها. وهل لها من حقوقٍ..!! وإن كفرت أو أجرمت وطالبت بالميراث الذي تُحرم منه عادة، وحرمانها منه يكون بتبصيمها على وثيقة التنازل لإخوتها الذكور قبل زواجها، أو يسير أحد إخوتها في معاملة وفاتها، يُميتها وهي على قيد الحياة، خوف أن يسعى زوجها مستقبلاً ـ إن أعماه الطمع ـ أن يطالب بحقّ زوجته في الميراث.. لا زلنا نستميت في مطالبتنا بحقوق المرأة علناً، لكنّنا نستميت في تجريدها من كلّ شيء وكلّ شعور.. ترى أحدنا يصرخ بالحرّيّة لها إن كانت غريبة عنه، ويأسرها إن كانت أهله، وذلك تحت ذريعة أنّ كلام الناس لا يرحم ولا يفرّق. وهذه المرّة أيضاً مبرّرين فعلتنا هذه بالمثل الكرديّ القائل•: derew Tas hat û çingiya çi rast çi فالقمع، وسطوة الفحولة، وسلطان القوّة، وبعبع الجهل، والتجريد الإنسانيّ المُمارَس على الرجل، يحاول إسقاطه بدوره على الأنثى المَرْعى والمَرْتع؛ ليتوهّم حرّيّته وسطوته وذكاءه.. وتراه لا يتزوّج المرأة الذكيّة لأنّها ستشعره بغبائه وتهديه إلى نقصه.. أو تهدي نقصه إليه ليتداركه.. لا زلنا نعلّم أطفالنا أوّل ما نعلّمهم في رحلة النطق مسبّاتٍ لذيذة، نختصر لهم اللغة بها، وكأنّه إن لم يتعلّمها فلن يتمكّن من اللغة، أو كأنّها رقية تحميه، أو حائط دفاعي له ضدّ من قد يسبّه ليدافع بها عن نفسه. سبَّ أباك.. سبَّ عمّك.. سبّ جدّك.. سبَّ أمّك. الأب يفرح، العمّ يفرح، الجدّ يفرح، الأمّ تفرح. المهمّ أنّه بدأ ينطق، والأهمّ أنّ ما ينطق به هي مسبّات تنـزل على الجميع برداً وسلاماً. كما أنّنا قد دفنّا وصايا الأنبياء والحكماء، وألقينا بها في بئر الحيايا المقفل الذي لن يفتح أبداً. هذا البئر الذي كان يلقى فيه المذنب الجاني عقاباً له على ذنبه وجنايته. نحرق الأشجار المثمرة، نبيد الأطفال والشيوخ والنساء، نتسلّى بتخريب الأكواخ والبيوت على رؤوس أصحابنا. باتت حياتنا سيلاً من الممنوعات نتعاطاها دون نقاشٍ لننسى ونخدِّر الأحاسيس التي قد تكابر فينا. تتغيّر الأرقام؛ أرقام السنين، لكنّ الحياة تتكرّر والوجوه تستنسخ الوجوه ولا جديد عندنا. هذا بعض جديدنا وقديمنا المتجدّد قد اتّحدا، إن كان لديك جديد، أرجوك لا ترسله إلينا، بل أرسل في طلبنا، فهمّنا نحن الأموات استعجال الدفن، نتحرّق للقائكم، كما أنّ ربّنا قد أغنانا بأحقادنا عن كلّ جديد... * * *
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 07-29-2008, 03:24 AM
الصورة الرمزية نور الأدب
إشراف عام- مساعد اداري
 
تاريخ التسجيل: Aug 2006
الدولة: هذا الشعور لا أعرفه!
المشاركات: 6,219
معدل تقييم المستوى: 20
نور الأدب is on a distinguished road
رد: فصل من رواية: آرام.. سليل الأوجاع المكابرة لـ : هيثم حسين

هيثم

تسعدني عودتك لدارك ..

أهلا بك من جديد
__________________
الشمس والقمر بداخلنا تكدحان نارا..؛


كلنا غزة
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 07-29-2008, 05:34 AM
الصورة الرمزية هيثم حسين
أديــب
 
تاريخ التسجيل: May 2008
المشاركات: 5
معدل تقييم المستوى: 0
هيثم حسين is on a distinguished road
رد: فصل من رواية: آرام.. سليل الأوجاع المكابرة لـ : هيثم حسين

تحياتي إلى العزيزة نور الأدب
تسعدني العودة جدّاً
تأخّرت لفترة وانشغلت بأمور كثيرة
أنتظر رأيك في الرواية
لك الشكر
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 08-12-2008, 02:57 PM
الصورة الرمزية رحيق
عضو فضي
 
تاريخ التسجيل: Aug 2006
المشاركات: 2,796
معدل تقييم المستوى: 5
رحيق is on a distinguished road
رد: فصل من رواية: آرام.. سليل الأوجاع المكابرة لـ : هيثم حسين

الاستاذ هيثم
نفس روائي يستحق المتابعة
لاعدمناك
رحيق
رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر هذا الموضوع عالمياً في مواقع النشر (المفضلة)

لتسهيل البحث عن الموضوع في محركات البحث العالمية أضف الكلمات الدلالية (Tags) الآن بالضغط على تعديل الكلمات الدلالية على اليسار
آراء, الأوجاع, المكابرة, حسين, رواية, سليل, فصل, هيثم

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

Counters

الساعة الآن 10:39 PM.


.جميع الحقوق محفوظة للمعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية 2006

الآراء المنشورة في المنتديات ليست بالضرورة تمثل وجهة نظر المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية او القائمين عليه

Designed by: Typical Design
Powered by vBulletin® Version 3.7.0, Copyright ©2000 - 2009, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.2.0