| ||||||
|
![]() |
| |||||||
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
| #1 | ||||
| ||||
| وراء السراب ... قليلا / رواية لابراهيم درغوثي / الفصل السادس وراء السراب ... قليلا رواية ابراهيم درغوثي الباب السادس في ذكر عودة " العزيز " من صفاقس و دخوله " عتيقة " فاتحا . و يحتوي على أسرار طرده من رحمة العائلة و تفاصيل عن العريضة التي تم بمقتضاها الطرد . كما يحتوي على الحوادث التي قادته إلى الهجرة القسرية من " عتيقة " إلى " قرط حدشت ". ( 1 ) و أفقنا يوما على ضربات البنائين على باب الماخور . هدم الرجال الحائط و أطل أحدهم من كوة صغيرة و هو ينادي : - لقد وفينا بالعهد يا " سيدة " فافتحي للزائرين. قالت : - هل وصل هلال السنة الجديدة ؟ فرد : - عامك سعيد يا سيدتي ... هات البشارة . أعطته قرطين من الذهب الخالص ، فباشر إصلاحاته في الحي الخارج من سبات عام قمري. و طلبتني من دار إحدى بناتها ، فوسدتني فخذها و همست : - غدا ، عند انبلاج الفجر ، حين يصير بمقدورك أن تميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، سيصل حصان له ألف جناح . سيطير الحصان قريبا من سطح بيتنا هذا فلا تخف . إنه حصان أبيك العائد من طوافه بين جنان الخلد. سأركب الحصان وراء رجلي . و سكتت مدة ثم قالت : - غادر هذا الحي يا ولدي عند شروق الشمس و لا تعد إليه أبدا . و قامت . فقمت وراءها ألملم ذاكرتي المقتولة و أسأل عن طريق محطة القطار . ( 2 ) حين نزلت من العربة الخلفية للقطار في المحطة الخالية ، أطلق صفيره و اندفع غربا . أزت عجلات الحديد على الحديد برهة ثم بدأت في طحن الرمل . كنت أعرف أن هذه المحطة هي الأخيرة و أن لا سكة حديد بعدها لكنني رأيت القطار يبتعد داخل المهمه القفر و يغيب عن ناظري شيئا فشيئا إلى أن ابتلعه الشفق الأحمر . مشيت مدة وراءه إلى أن انتهت سكة الحديد و عوضتها آثار أخفاف الجمال على الرمال الطرية فوقفت أستكشف الموقع. هل أخطأت محطتي و هبطت في مكان آخر ؟ ربما... لكن شجيرات الرتم المقابلة للمحطة مازالت في مكانها. و بحثت عن القرية فلم أجد لها أثرا. و قادتني خطاي إلى تلة . صعدت التلة و أمعنت النظر فرأيت في البعيد شكلا يشبه البيت . قصدت البيت ، لكنني كلما أمعنت في الاقتراب منه أمعن في الهرب مني . و مشيت بقية ذلك اليوم و كامل الليلة التالية وراء البيت إلى أن هدني التعب و لم أصل إليه ، فنمت في مكاني. أفقت في الصباح على هدير القطار . رأيته يبتلع آثار أخفاف الجمال المرسومة بإتقان على الطل النازف على الأرض ثم يركب سكة الحديد من جديد و يهرب شرقا. و أنا ألوح بمنديلي في كل الاتجاهات لعل راكبا يراني . لكن عربات القطار كانت خالية. كل العربات كانت خالية بدون استثناء . حتى عربة القيادة لم يكن بها سائق . و كنت الوحيد الشاهد على مرور القطار . و انتبهت إلى أنني مازلت جالسا في المكان الذي نزلت فيه عشية الأمس ، قريبا من شجيرات الرتم . بحث مرة أخرى عن أثر يدلني على طريق القرية فلم أجد غايتي فقلت لأضربن في الأرض كالعميان ، و عصبت عيني بمنديل و هجمت على مسارب الجبل فقطعتها خفيفا أسرع من المبصرين و لم أقف إلى أن شممت رائحة النار. هذه الرائحة أعرفها. و أمعنت في الشم فعرفت رائحة حطب النخل الملتهب . ورفعت العصابة عن عيني فرأيت باب السور . باب ضخم واقف أمامي بدفتيه الكبيرتين . دفتان عاليتان مصفحتان بالحديد و النحاس تزينهما رسوم و طلاسم. و تلفت في كل الاتجاهات أبحث عن السور فلم أجد له أثرا . فاندهشت و قلت متعجبا : " باب ينغلق على لا شيء ". و بقيت مدة أمام الباب أفكر . هل أمر من خلاله أم أجانبه و أدخل القرية ، فلا حائط يعيق تقدمي. و عزمت على دخول القرية فاتحا فوضعت يدي على الخشب برفق و قلت : " باسمك اللهم أدخل هذه القرية آمنا "، فانفتح الباب و كأن أيادي خفية تجذبه من الخلف. و دخلت القرية من بابها الكبير . بسلمت و أوسعت الخطى فرأيت المباني تخرج من الأرض ثم ترتفع رويدا رويدا إلى أن تستوي على اليابسة . و سمعت الكلاب تعوي و الديكة تصيح . وجرى أمامي الأطفال . و خرجت النساء إلى الغدير يملأن الماء و يغسلن الثياب و يطهرن من الجنابة . و ساق الرجال الحمير أمامهم باتجاه الواحة. قلت : هو سحر ورب البيت. و قصدت دارنا. حين قرعت باب السقيفة تجاوب الصدى مع دقاتي . فظللت أدق و أدق إلى أن كل متني. و هممت بمغادرة المكان لكن الباب فتح و أطل منه رجل لم أعهده في خدمتنا. قال : تفضل . مجلس العائلة في انتظارك قلت متعجبا : في انتظاري رد لا مباليا بحيرتي : لقد انتهوا الآن إلى قرار بشأنك ، ووافق جميع أعمامك على القرار. و سار أمامي ينير لي الطريق بقنديل زيت فمشيت وراءه و أنا أتخبط في الضوء إلى أن صدمني تمثال الجدة الواقف في وسط الساحة . فذهبت أولا للسلام عليها . قبلت يدها الحجرية فأحسست بها حارة تحت شفتي . ثم رأيتها تحط خفيفة على شعر رأسي و تمسح عليه بحنو ورقة. و عم الهدوء المكان فسمعت خشخشة ، و رأيت جنود الأرضة منهمكين في أكل العصا التي تتكئ عليها الجدة. مسحت شعري نافضا عنه آثار رمال يد الجدة . و ذهبت رأسا إلى قاعة الاجتماعات . وجدت الأعمام جالسين على كراسي واطئة و بين أيديهم أزمة كبيرة وعلى وجوههم غيظ مقيت . سلمت عليهم فلم يردوا على سلامي . وفاحت من أبدانهم رائحة المقت والضغينة فظللت واقفا أنظر في عيونهم إلى أن قام كبيرهم فحمد الله و أثنى على نبيه و على التابعين و تابعي التابعين بإحسان إلى يوم الدين . ورفع في وجهي عريضة و بدأ يقرأ: " قرر مجلس العائلة بإجماع أفراده طرد " العزيز " من رحمة العائلة و القرار بات لا عودة فيه و ذلك لما لحقها منه و من أمه من أضرار ستظل ماثلة على الجبين إلى أن يرث الله الأرض و من عليها . و سيعلق هذا البيان الختامي على جدران المسجد الجامع و سيعلن عنه من على رؤوس المآذن . و الله على ما أقول شهيد. وانفض المجلس . خرج الأعمام و تركوني واقفا في وسط الدار. فعادت أصوات الأجنة الذين دفنتهم زوجة أبي في هذه الدار تملأ رأسي صراخا و احتجاجا. و أجابتها أصوات في الغرف الأخرى . و امتلأت الغرف بالضجيج و النواح إلى أن كدت أفقد صوابي. فقصدت الباب خارجا لكن خادمين شدا وثاقي بحبل و أحضرا حمارا أركباني على ظهره ووجهي إلى الذيل. ثم علقا في يدي ورجلي نواقيس و جلاجل صغيرة ، و خرجا بي من باب الدار. اقتربت من السقيفة ، فهوت الجدة على وجهها. الآن أنهت الأرضة نخر عصا الجدة فخرت على وجهها بعد أعوام من الوقوف على رجل واحدة . و دقت طبول الحزن من جديد . و ملأ العويل و النواح الكون . و نخس الخادمان الحمار بعد أن طليا وجهي و ثيابي بالقطران . و طافا بي في أزقة القرية و دروبها إلى أن أذنت الشمس بالمغيب فرميا بي خارج الأسوار الوهمية و أغلقا ورائي الباب الكبير . بقيت ذاهلا مدة و أنا أستمع إلى دق طبول الحزن معلنا موت الجدة . و هجم الألم علي من الجهات الأربعة . و طوقني بدون رحمة فقمت أدور حول القرية باحثا عن منفذ في السور الذي يطوقها . كنت كلما اقتربت مما توهمته سورا صدتني الحيطان و قذفت بي بعيدا إلى أن سمعت صفير القطار و دمدمته . ورأيت دخانه يأتي من بعيد ، من وراء الأفق. ثم رأيته يقترب وئيدا . يدوس على آثار أخفاف الجمال المرسومة على الرمل الطري ثم يركب سكة الحديد و يعوي فتئز عجلات الحديد على الحديد . كانت عربات القطار ملأى بشرا و حكايات . و كنت حزينا كيوم شتاء بارد فلم ألتفت إلى صخب الركاب و ثرثرتهم إلى أن سمعتهم يذكرون أحاديث عجيبة عن " القرية الحديثة " التي بناها الكفار في المهمه القفر ، قريبا من جبال الثالجة . فصحت : " قرط حدشت " على مشارف الصحراء هذه المرة . يا للعجب . " التفت الركاب دفعة واحدة إلى ناحيتي فأهملت نظراتهم . و عدت إلى عد عواميد الهاتف الهاربة عكس اتجاه القطار. |
![]() |
| أنشر هذا الموضوع عالمياً في مواقع النشر (المفضلة) |
| لتسهيل البحث عن الموضوع في محركات البحث العالمية أضف الكلمات الدلالية (Tags) الآن بالضغط على تعديل الكلمات الدلالية على اليسار |
| لابراهيم, السادس, السراب, الفصل, درغوثي, رواية, وراء, قليلا |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
| |