| ||||||
|
![]() |
| |||||||
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
| #1 | ||||
| ||||
| وراء السراب ... قليلا / رواية لابراهيم درغوثي / الفصل الثامن وراء السراب ... قليلا رواية ابراهيم درغوثي الباب الثامن و يتحدث عن خروج سعد الشوشان إلى المتاهة بحثا عن بقايا أموات " أمة السودان " أيام التيه العظيم ، و ما جرى في المجدبة . و حكايات عن الهواتف التي كلمته و عبر لمن يعتبر. قضى " سعد الشوشان " ثلاثة أيتم في ضيافة " عزيز السلطاني "مبجلا مكرما و في صبيحة اليوم الرابع طلب منه أن يصحبه إلى سوق الدواب. قال : سأشتري سبعة جمال و سأبحث للبحث عن جدودي في المجدبة القريبة من " شط الجريد " . و لم يرد " عزيز " عن قوله بشيء إلى أن وصلا إلى السوق. اختار سعد الجمال و دفع الثمن المطلوب لصاحبها قطعا ذهبية فابتسم الجمال في وجهه و أوصل معه الجمال إلى الساحة القريبة من قصر " سلطان ". في طريق العودة قال له عزيز : - لماذا لا تستعمل السيارة في البحث عن أجدادك ؟ فرد عليه : - السيارة لا تعرف طريق الأجداد يا صاحبي وودعه أمام الباب الكبير قائلا : - اعلم الشرطة عن غيبتي إذا لم أعد بعد سبعة أيام. و ساق الجمال أمامه بعد أن وضع على ظهورها توابيت و قرب مملوءة ماء و أكياس طعام و علق في أعناقها تمائم وجدها في بيوت العبيد. وارتفع الحداء وراء الجمال فهزت أعناقها و حركت ذيولها و ضربت بأخفافها الرمل و يممت شطر الصحراء. سار سعد ثلاثة أيام بلياليها وراء الجمال إلى أن وصل إلى نبع الماء . رأى النخلات العجاف فحط عن الجمال أثقالها و نصب خيمته في ظل الشجر المبارك و نام على الأرض فوق كثيب من الرمل الناعم. نام كما لم ينم في حياته نوما هادئا عميقا إلى أن حطت تباشير الفجر فقام من نومه أخف من طائر السنونو . رأى النجوم تتدلى فوق رأسه و تبرق كفوانيس الكهرباء اللماعة . و أحس بهدوء الصحراء فحطت السكينة على قلبه وامتلأت روحه بالطمأنينة و الهناء. قال : حي على خير العمل . و مشى وراء رائحة الأجداد الخارجة مع نبض الأرض الطرية بندى الصبح . طاف حول النبع و تتبع خطى العراف وشم قدح الزناد ورائحة النار و أكل من تمر النخل الصابر في قلب الصحراء و شرب من ماء النبع و أطال الطواف بالمكان مستكشفا يسائل الطلل عن الذين مروا من هناك إلى أن انتصف النهار فهطلت من السماء أشعة حارة كنار الجحيم فاتقى الحر بمظلة و قرر أن يتحرك في ممر قصير بين النخلات ونبع الماء . و لم يدر من أين يبدأ البحث فالمنظر واحد و القلب مضطرب والرمال تمتد على مرمى البصر. كثبان صغيرة هنا و أخرى عالية هناك خطت عليها الرياح رسوما بديعة . خطوط متناسقة تناسقا أخاذا . رسم سوريالي تحط عليه العين فلا تكل و لا تمل. و لم يعرف سعد كيف يفك رموز هذه الصحراء فظل يراوح في سعيه بين الماء و النار إلى أن هده التعب فذهب يستريح تحت خيمة نصبها على عجل قريبا من مبرك الجمال . و مرت القيلولة بطيئة ، ثقيلة ، لا طعم فيها و لا رائحة كالهم على القلب فقرر في لحظة يأس أن يجمع أدياشه و يعود من حيث جاء. و صفرت ريح " الشهيلي " قريبا من أذنيه فحركت أبواب التوابيت الفارغة و ألهبت النار في قلبه فمسح العرق السائل على جبينه و غفا جالسا على الرمل . ظل نائما إلى أن هدهده نسيم الليل البارد فأفاق. كانت النجوم تملأ السماء . نجوم كبيرة . براقو . نجوم قريبة منه يكاد يلمسها بيده . نجوم تشتعل بنور يخلب الألباب . التفت ناحية جماله فرآها هادئة تجتر علفها و تسبل جفونها على العيون كلما حركت النسائم الغبار . و اشتهى المشي في ساعات النهار الأولى فقام واقفا و مشى في الصحراء التي امتدت أمامه بلا نهاية . مشى ساعات و ساعات دون أن يدركه التعب إلى أن شق ضياء الفجر كبد السماء فعاد أدراجه متخما بالنشوة و السعادة. مشى وراء أقدامه المطبوعة على الرمل إلى أن وصل إلى النبع . كان جائعا فأكل من زاده ما تيسر و عطشان فشرب من القرب المعلقة على سارية الخيمة. وعاد يطوف قرب النبع . هو يذكر أن قبور الأجداد كانت غير بعيدة عن الغدير . و لكن الرمال المتحركة غيرت شكل المكان فلم يعرف من أين يبدأ الحفر . راوح في اختياراته بين يمين الغدير و شمال النخلة الباسقة . حفر هنا . حفر هناك .عزق الأرض بفأسه . نبش التراب بيديه . كل يوم ، من أول النهار إلى طلوع القمر كان يبقر بطون الأرض . و الأرض تعاند و لا تبوح بسرها . و يكابر . فيعود من جديد للحفر و النبش و تقليب الرمال . و ترفض الأرض أن تفتح له أبوابها فيتمسك بعناده إلى أن كاد يموت . نقص زاده و أصابه إسهال شديد بعد أن شرب من ماء النبع . و احمرت عيون الجمال و هاجت ، فقرر العودة . قال : إذا أعود إلى " عتيقة " ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا. و افترش الرمل و أغمض عينيه فنام كما ينام الوليد. قبل الشروق بقليل ، أفاق مبهوتا ، شاحب الوجه فقد زاره في المنام رجل يكاد بعرفه و لكنه يهرب من الذاكرة في كل حين . أمسك بيده و قاده في المتاهة إلى أن وصل إلى كثيب من الرمل الأصفر حيث نبتت شجرة طلح كبيرة . أوقفه تحت ظل الشجرة و قال : احفر هنا .ستجد أجداث جدودك يا رجل . و غاب كما جاء. قال سعد : سأبحث عن كثيب الرمل الأصفر حتى أجده و عن شجرة الطلح حتى أقف تحت ظلها . و ساح في المتاهة النهار بطوله . عاد مع غروب الشمس فتقوت و نام. و عاوده حلم الليلة السابقة . رجل شفيف كالهواء يأخذ بيده و يقوده إلى كثيب الرمل الأصفر و يأمره بالحفر تحت الشجرة . و سعد يبحث عن الشجرة المستحيلة فلا يعثر لها على أثر . كان كل يوم يمعن في الابتعاد عن النبع إلى أن حدثه الصوت شفيفا كصاحبه : - انظر وراءك و ستجد الشجرة يا أعمى . و نظر وراءه فرأى شجرة مسودة كأنها طلعت لتوها من قلب الأرض. قال : هذه شجرة نسيتها رحمة السماء . و أخرج معوله من جرابه و بدأ في الحفر. ضرب الأرض بخفة القلق الباحث عن اليقين فلان التراب بين يديه . و تمادى شاقا بطن الأرض بحديده إلى أن دوى الصوت الشفيف مرة أخرى داخل أذنيه أن كفى . خفف الآن الوطء وانبش التراب بيديك فهذا الثرى من لحم ودم. و ظهرت أجساد الأموات تحت طبقة الملح. كسر سعد قطع الملح التي تيبست على الوجوه فرأى شبح ابتسامة مرسومة على الشفاه المحنطة . و أخرج الأجساد من حفرها وهي تطن طنين الفخار المشوي و أرقدها على الرمل . خاف أن تتفتت هذه الأجساد المتيبسة إلى قطع صغيرة ساعة إدخالها في التوابيت فحركها بحذر شديد وهو يقول : - سادتي الأعزاء ، اغفروا لي تطفلي و اتركوني أنعم بفرحة ترحيلكم إلى مقبرة يذكر فيها اسم الله. والتفت صوب الرجال السبعة النائمين داخل التوابيت فرأى الابتسامات تكبر فوق الشفاه المحنطة ، فشد التوابيت على ظهور الجمال و أحكم الشد و نهر الجمال فقامت واقفة وارتفع رغاؤها و هديرها. لاين سعد جماله ، ووضع في أفواهها السكر و الحلوى و ساقها أمامه فتحركت تخطو خطوا بطيئا ثم حثت السير لما ارتفع وراءها صوت الحادي الشجي. مشت القافلة يومين دون أن تستريح و كان سعد كلما رأى ارتخاء الخبال يشدها حتى لا تقع التوابيت على الأرض فتتفتت هذه الأجسام الهشة و يضيع الجهد فوق رمال الصحراء. في اليوم الثالث ، عن للفحل ترك المسرب الممهد منذ مئات السنين بخطى البشر و الدواب والمغامرة لاكتشاف درب جديد . درب شم رائحته من بعيد . رمله طري و هش و ترابه أحمر كالزعفران . وسار الفحل يشق الدرب الجديد فسارت وراءه بقية الجمال . و صاح سعد كالمجنون ولوح بيده و عصاه في وجوه الجمال محاولا ثنيها عن المضي في هذه الطريق المجهولة. لكن الفحل أرغى و أزبد و حرك رأسه مهددا متوعدا. فولى الرجل خائفا مرتعدا و ترك لهذه الحيوانات المجنونة أن تختار سبيلها فاندفعت الجبال نحو المجهول. و جرى سعد خلفها يلهث. و ابتلعت الصحراء قرص الشمس الكبير تاركة في الشفق حمرة قانية. و هبط الظلام على الأرض و ملأ الكون رهبة و جلالا. في الأفق البعيد أطل قرن الهلال خجولا مرتبكا . و هدأت حركة الجمال فعادت إلى رتابتها . و فاحت رائحة الشيح فملأت المكان بخدر لذيذ. فجأة هز انفجار رهيب سكون الصحراء . لمعت نار تحت خف الجمل الفحل و انفجر اللغم فهز الجمل و ما عليه عاليا في السماء . و جفلت بقية الجمال فجرت في كل الاتجاهات وهي تدوس على الألغام التي دسها جنود الحلفاء لدبابات هتلر فانفجرت تحت الجمال. و تحول ظلام الصحراء إلى كون من الأنوار الساطعة. دام اشتعال الأنوار ساعة ثم عاد الظلام يحط على الكون. و فاحت رائحة الدم و البارود مدة ثم ذهبت مع الريح. و بقي سعد في مكانه يبحلق ملء عينيه في هذا التناوب بين الظلمة و النور غير مدرك لما يجري . وظل واقفا إلى أن طلعت تباشير الصباح فعاد إليه الرشد. رأى منظرا غريبا . أشلاء الجمال في كل مكان تملأ السهل الرملي على مد البصر و لكن لا أثر للتوابيت . بقي مدة يبحث بعينيه في كل الاتجاهات ثم عاد أدراجه خائفا يضع رجليه فوق آثار أخفاف الجمال إلى أن وصل إلى المسرب الممهد فحث السير إلى ان قابلته أبواب " عتيقة ". كان أشعث أغبر ، مهدود القوى حين طرق باب القصر القديم، قصر سلطان وظل يطرق بكلتا يديه إلى أن فتحت الباب امرأة صغيرة . امرأة لا يزيدطولها عن شبر و بعض شبر. كانت تضع على رأسها مظلة من سعف النخل و تتكلم بسرعة فكأنها تأكل الكلام أكلا وهي تقفز كالسعدان . سلم عليها فردت عليه السلام و سألها عن عزيز السلطاني فقالت إنها لم تره منذ نصف قرن . و تسبقته إلى أن وصلت كتفه ووشوشته في أذنه كلاما فزع له أشد الفزع . و فرت، فلحقها . ودفع دفة الباب و جرى وراءها حتى وصل ساحة القصر. قابله الخراب في كل مكان فوقف يسترجع أنفاسه. ظل واقفا في مكانه مدة طويلة إلى أن تناهى إلى سمعه هديل حمام . رفع رأسه فرأى على شرقات القصر الخربة سربا من الحمان ذو وجوه آدمية يهدل و ينوح. قال سعد الشوشان : - الآن بلغت الأمانة و غادر القصر ، فأز الباب وراء ظهره و انغلق بضجيج و جلبة. |
![]() |
| أنشر هذا الموضوع عالمياً في مواقع النشر (المفضلة) |
| لتسهيل البحث عن الموضوع في محركات البحث العالمية أضف الكلمات الدلالية (Tags) الآن بالضغط على تعديل الكلمات الدلالية على اليسار |
| لابراهيم, الثامن, السراب, الفصل, درغوثي, رواية, وراء, قليلا |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
| |