الأوائل | أقلام مميزة | مركز الألعاب | مباشر | إتصل بنا
بحث معلومات إعلان
آيرس موبايل
: نعم غبت عنكم لظروف ..لكني اليوم حاضر.. فلنفتح دفة النقاش    »   يوم عار آخر على الجبناء    »   نداء لرفع الظلم عن الاقصى ... ولو بالكلمات    »   في سياحة الكتب -6    »   يا زهرة في خيالي    »   مجرد رأي / مسلمون من الزمن الأغبر ..؟!    »   في سياحة الكتب -6    »   إبكوا ياحريم    »   الرقابة الفكرية المرعبة    »   ملحمة قصيرة جداً !!!!    »   المعجزة والدين    »   هل أنت متزوجة ؟؟    »   الحمد لله .. لفظ في وعاء التنفيذ    »   إن كيدهن عظيم    »   ألشرف ما يملكه الفقير,,,    »   لـلـحرف أيـضا ً مـلامـح . . فـمـن أكـون ؟ ؟ !    »   قسما بسحر عيونك الخضر    »   مفهوم ( الحب ) عند الأطفال    »   مثقفو الهزائم    »   عشق بنكهة الحرية(دعيني)    »   من نوادر الأطفال - للفرفشة    »   طفولة و سلام    »   أغاني الهدهدة في عرب السواحرة    »   أسمعها شعر محفوظ فرج    »   ماذا تريدين إلى راهب
منتديات المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية » واحـــة الأدب » دوحــة الحكاية » الـروايــة » بغل المجلى ـ رواية : عبدالجواد خفاجى ( الجزء الأول )

إضافة رد
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
  #1  
قديم 05-17-2007, 05:24 AM
الصورة الرمزية خفاجى
تفضل بزيارة منتداي
أديــب

أديب مميز 
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 258
صوت لتميز الموضوع: 0
تم التصويت لتميز مواضيعه 14 مرة في 2 مشاركة
معدل تقييم المستوى: 3
خفاجى is on a distinguished road
بغل المجلى ـ رواية : عبدالجواد خفاجى ( الجزء الأول )

الهيئة المصرية العامة للكتاب

سلسلة كتابات جديدة 2007 م



عبد الجواد خفاجى

بَغْـلُ المَجْلِى

روايــــــــة


دراســـة: وائل عبد الوهاب الرميحى

ـــــــــــــــــــــــ


ما تيسَّر من تاريخ البغل :


إن الخوض فى تاريخ البغل يستوجب بالضرورة الحديث عن فَرَسَة عبد النبى . والحديث عن فرسة عبد النبى يستدعى الحديث عن الرَّيِّس تركى الذى باع الفرسة لعبد النبى قبل تغريبته الأخيرة عن البلد ، والحديث عن الرَّيِّس تركى يجرُّ إلى الحديث عن " رد الروح " التى طَفَشَت من حياة زوجها تركى ، وتركت له البيت الذى ليس فيه فرش أو غطاء ، متمردة على فقر زوجها الذى باع كل أرضه، ولم يعد لديه غير فرسته العزيزة إلى نفسه، يركبها كل يوم قبيل الغروب ، ويتركها تتمخطر به على الترعة ، شامخ الرأس فوقها ، وعيناه على الغيطان التى تتباهى بخَضَارها أمامه ، ساعة ويعود إلى بيته ، وقد استبد به الحزن والأسى على حاله وبؤسه، وما آل إليه، يطلق زفرة قوية وهو يطرق الباب ، فتفتح له "ردالروح" ومن ثم ينفتح فمها، فتخرج كلماتها متهكمةً : الفقر له ناس يعرف مطارحها. وعندما يتعوذ من لسانها ترد: أعوذ بالله من فقرك.
كفَّ أخيراً تركى عن الخروج بالفرسة، وقد أيقن أن العزَّ الذى رحل عنه لن يعود ثانيةً ، وأذعن لرأى زوجته، فوعدها بأنه سيسافر إلى مصر أو السويس؛ ليبحث عن فرصةٍ للعمل فى " الكامب " الانجليزى أو حتى خدَّام عند واحد من الباشوات, فتركت له البيت , وطفشتْ إلى البَرِّ الشرقى, حيث أختها " نفيسة" متزوجة من رجل عليه القيمة , وميسور الحال ... أقامت عندها, ولم تعد, حتى عندما ذهب تركى ليحضرها رفضت, وقالت: "بيع الفرسة, وسافِرْ, وهات فلوس زَىَّ الرجالة, وبعدين أرجع لك .... " .

زمن بعيد مضى على هذا الموقف الذى وقفه تركى أمام زوجه " رد الروح " ورغم طول الزمن إلا أن ذاكرة الناس فى قرية " الطرابش " تحفظ التاريخ هذا, لالشئ إلا لارتباطه أساساً بتاريخ بغل المجلى. على أية حالة باع تركى الفرسة وسافر إلى مصر, واشتغل قاطع صخور فى الأبحاث الجيولوجية التى تنقِّب فى صحراء مصر, وقد تدرَّج فى مهنّته من قاطع صخور إلى قاطع صخور أول, ثم رئيس قُطَّاع, وعُرِفَ من ثم بالرَّيس تركى, وكان كثيراً ما يحضر إلى البلد لقضاء إجازات الأعياد, ولم يفكر فى "رد الروح" ثانية, وتزوج من " سِعْدَه " التى أنجبت له ولدين وبنتًا, وقيل إنها كانت " وِشَّ سعد " عليه, فقد جرت الفلوس فى يده, وارتدى البياض, وأصبح يستعمل ـ كما قيل ـ الصابون, ويدخن السجائر اللَّف, وقيل إن أناساً شاهدوه يتناول " الكينا " فى دكان " كيرولس ", وإن كان البعض قد استبعد الأمر وقالوا "كاكولا"0

وثمة دليل آخر علي جريان الفلوس في يد تركي، أنه حاول أكثر من مرة استرداد الفرسة من عبد النبي بأية فلوس ووسَّط الكثيرين بينه وبين عبد النبي الذي كان مُصِرًّا علي الرفض، ولعل سبب محاولات الريس تركي استرداد الفرسة ما رآه أكثر من مرة فيما يري النائم من شيخ يلبس أبيض في أبيض، يناديه، ويأمره:"الفرسة يا تركي 00السِّر كله في الفرسة يا تركي 00" الأمر الذي كان يدفعه ـ في كل مرةٍ يأتي فيها الي البلد ـ إلي الذهاب إلي العمدة "عَبْ متجلي " ليعرض عليه الرؤيا، ويرجوه التوسط في الأمر بينه وبين عبد النبي 0

عبد النبي بدوره رفض رفضاً قاطعاً التفريط في الفرسة بأية فلوس، لا لشيء إلا لأنه رأي ـ هو الآخر ـ رؤيا 00 أتاه شيخٌ لابسٌ أبيض في أبيض، وقال له:"أوعي تفرِّط في الفرسة يا عبد النبي"

العمدة "عب متجلي "يُقسِم بالله العظيم وأحياناً بالطلاق أن هذا الشيخ اللابس الأبيض هو الشيطان الذي يتبادل المواقع بين فراشيِّ نوم تركي وعبد النبي، وعرض علي الرجلين أن يضربا قرعة علي ملكية الفرسة، فإذا ما رست القرعة علي عبد النبي فهي له، أما إذا رست علي تركي أخذ الفرسة ورد ثمنها مضاعفاً خمس مرات إلي عبد النبي، غير أن هذا الاقتراح الأخير لم يلقَ قبولاً لدي عبد النبي الذي قال إن الفرسة في بطنها بغل، وإنه في الآونة الأخيرة يكثر لها العلف، ويعطيها فرصة الاستحمام في الترعة، ولا يركبها، منذ أن أطلق عليها جحش الخواجا فهيم 0 والحكاية من أولها معلومة للعمدة "عب متجلي" 00 فالمعلوم أن الخواجا فهيم لا يطلق جحشه علي حمير أو أفراس، وهو الذي يستخدم جحشه في التنقل من سوق إلي سوق ، حاملاً على ظهره بضاعته من الأقمشة، ومسألة إطلاق الجحش على الحمير والأفراس تُضْعِف حتماً من قوة الجحش ،وتَفُتُّ من همته، وقد حدث يوم الخميس حيث جاء الخواجا فهيم كعادته بعد أن انزل حمل جحشه فى ساحة سوق الطرابشة، وربط الجحش فى زريبة مواشى صديقه عبدالنبى، ومن ثم كانت الفرصة سانحة لعبدالنبى الذى تأمل الجحش للحظة، وقد رآه صالحا لمهمة اعتلاء فرسه، هكذا خان عبدالنبى الخواجا، ولم يأخذ إذنه،وفعلها من وراء ظهره .

يقال إن الخواجا فهيم شك فى الأمر، وقد لاحظ أن جحشه ينسأ فى مشيته، وتصطك قوائمه ببعضها؛ فذهب إلى ألعمدة "عب متجلى" وطلب تحليف اليمين. لكن عبدالنبى لم يحلف اليمين ولم ينكر، فقد اعترف فى دوار العمدة أمام الجميع أنه فعلها، وأطلق الجحش على فرسته، الأمر الذى طلب معه الخواجا فهيم حق عرب وكان أنْ حكم المجلس على عبدالنبى بأن يدفع للخواجا ثمن إردب شعير للجحش، وإردب قمح للخواجا وأولاده، وخروف للضيوف الذين سيحضرون جلسة الصلح فى مندرة النصارى.

وهكذا تحدث عبدالنبي أمام الجميع بما هو معلوم لديهم، وقال: الفرسة " عُشَراء".وطلب من العمدة تركي وكل الحاضرين أن يمهلوه حتي تلد الفرسة البغل، ثم يجرى القرعة التي اقترحها العمدة.

والحقيقة - كما يذكرها الرواة – أن فرسة عبدالنبي التي كانت فرسة تركي قبلا, تستحق هذا الاهتمام, وكل هذا الصراع الذي دار, فقد كانت شهباء لامعة, مستديرة الكفل, مستقيمة الظهر، واسعة البطن، لم يذكر أحد أن الذباب كان يدخل فى أذنيها أو أنفها، ولم يرى أحد أن قراداً علق بجسدها، ولم تكن لطول شعر ذيلها تكف عن نش الذباب والبعوض والهاموش الذى يتسول حول جسدها. وإن كانت ميزتها الكبرى أنها واسعة الخطو، تستطيع رغم سُمنتها قفز الحواجز والجداول، وربما لهذه الأسباب ولغيرها نالت هذه الفرسة شهرة واسعة، وأصبحت حديث المجالس والمصاطب والسهارى، غيرأن الجميع يذكرون أنها فرسة مباركة، وأن وراءها سراً، وإن كان بعضهم قد أكد بأن ثمة من يعاشرها من السفليين، هكذا قالها أحدهم: " السفليين " وفسرها بعضهم بأنها تعنى الجن. وإن كان واحد منهم قد فسرها أكثر عندما قال: " خُدَّام من عند ملك الحمير والأفراس الجنِّى.." وقالوا أخيراً إن عبدالنبى لئيم وكذاب، وإنه لم يطلق جحش الخواجا فهيم على فرسته رغم كل ما حدث، وإن عبدالنبى صحا ذات صباح فوجد الفرسة هكذا "عشراء " وبطنها ضخماً، وظل يلاحظ اتساعها وتضخمها يوماً بعد يوم دون أن يدرى متى عشَّرت، وما حدث من اتهام الخواجا لعبدالنبى كان فرصة لعبدالنبى، إذ أوهم الجميع أن ما فى بطن فرسته من جحش الخواجا, ودفع ما دفع من قمح وشعير إمعاناً منه فى التمويه .

أصحاب هذا الرأى يؤكدون مزاعمهم بالأدلة المنطقية.. فلو كان الأمر غير ذلك لفرَّط عبدالنبى فى الفرسة، وتنازل عن ملكيته لها لتركى، وأخذ خمسة أضعاف ثمنها، ولكن لأن ورائها سراً، وأن فى بطنها سراً، رفض التفريط فيها، ويؤكدون أن الفرسة مباركة ومحوطة بالأسرار ، وإلا : لماذا أصيب عبد النبى بالثراء منذ أن اشتراها من الريس تركى ؟! فقد اشترى ـ كما هو معلوم للجميع ـ خمسة قراريط ونصف فوق الفدان الذى يملكه عن المرحوم والده، وحفر ساقية، واقتنى بقرتين وست عشرة نعجة وخروفين.. كل هذا الثراء منذ أن اشترى الفرسة، فى حين أنه لم يشترها أساساً إلا ليبعها ثانية ويكسب جنيهاً أو اثنين من وراء الشراء والبيع .

عبدالنبى تبدلت حاله، وأصبح يتناول فطوره حليباً وخبز قمح بعد أن كان لا يأكل إلا "بتَّاو" الذرة، وسبحان مغير الأحوال !

غير أن هناك رأياً رافضاً لهذه المزاعم، كان يسوق أدلة منطقية أخرى... فلو أن هذه الفرسة مباركة ومحوطة بالأسرار العلوية،أو السفلية، فأين كان ذلك يوم أن كانت تحت يد تركى ؟، فقد كانت مملوكة له، وتعيش فى بيته، ومع ذلك فقد باع كل أرضه التى قيل أنها كانت فى حدود فدان وخمسة قراريط وثمانية أسهم .. باعها وركبه الفقر، ولم تنعدل حاله إلا بعد أن باع الفرسة وسافر .

كلا الرأيين يبدوان منطقيين رغم تعارضهما، لكنما الرأى الثالث الذى كان يزاحم بوجوده فى تلك الأجواء زعم أصحابه أن كلا الرأيين يسيران فى الإتجاه غير الصحيح؛ فلا علاقة للفرسة بفقر تركى أو ثراء عبدالنبى، وقالوا إن فقر تركى فى وقتٍ ما كان بسبب زوجه الأولى " رد الروح " العاقر التى كان وجهها يقطع الخميرة من البيت، وكانت مسرفة، تحب ارضاء بطنها دونما تحسب . أما ثراء عبد النبى فلأن زوجه ورثت قيراطين وستة أسهم، وباعت فوق ذلك "كِردان " الذهب ، وخلخال الفضة ، واستطاعت مع عبد النبى أن تدبر قرشين ، اشترى بهما باقى المساحة، ويقال إن عبد النبى وجد فى غرفة أمه يوم موتها ثلاثة خلاخيل فضة، وثلاثة خواتم كبيرة، و" مشخلعة " ذهباً، باعها واشترى البقرتين والنعاج وحفر الساقية . وأصحاب هذا الرأى يرجحون سبب تمسك عبدالنبى بالفرسة وعدم التفريط فيها لمالكها الأول تركى، لرغبة عبدالنبى الفعلية فى اقتناء بغل .

تاريخ طويل من المطارحات الكلامية والاجتهادات حول فرسة عبدالنبي، وإن لم يستمر طويلا علي ذي الحال، فقد حدث ما عده البعض انتكاسة في حياة الرجلين، بل اعتبروه كدرا في حياة القرية الوادعة التي لم تشهد صراعاً مريراً من هذا النوع، كان له أثره علي خدش الصفو الذي يشمل علائق الناس ببعضهم .. فقد اختفت فرسة عبد النبي فجأة ذات ليلة شتائية . صَحا عبد النبي من نومه فلم يجد فرسته في الموضع الذي يَشْكُلُها فيه كل ليلة في الركن الشرقي من البيت حيث الزريبة البراح التي يفصل بينها وبين باب البيت ثلاث غرف مسقوفة بالبوص والجريد ، بقامة رَجُلين ونصف ، وسقيفة تتوزع فيها ثلاث دكك ينطرح عبد النبي فوق واحدة منها في مواجهة الباب تماماً.. أي لصّ إذن يمكنه أن يخترق حرم البيت ليصل الي الزريبة بسلام ، ثم يفك الفرسة المشكولة، ويخرج بها ، دون أن يحس به أحد في بيت عبدالنبي ؟! الأمر كان مثار أسئلة وآراء واجتهادات كثيرة، وكان منطلقاً للغرابة والدهشة في آنٍ، ولعل عبدالنبي ـ وإن بدا متماسكا ًـ إلا أنه كان يطلق الاتهامات جزافاً، ولعل أول سهام الاتهامات كان باتجاه الريس تركي .

وعلي الرغم من أن تركي كان متغيباً عن البلدة في تلك الآونة التي حدث فيها هذا المكروه ، إلا أن ذلك لم يمنع عبد النبي من تسجيل بلاغ لدي العمدة يتهم فيه الريس تركي بأنه المدبر الوحيد لعملية سرقة الفرسة.

ورغم أن العمدة يعرف جيداً أخلاق الريس تركي ، ويعرف جيداً أنه كان متغيباً عن البلدة في تلك الآونة التي حدث فيها هذا المكروه، إلا أنه كان مضطراً لاستلام البلاغ .

هذا الحادث كان مناسبة لانطلاق الآراء من جديد حول الفرسة ، ولعل أصحاب الرأي المؤيد لوجود علاقة سفلية بين الفرسة والجن كانوا أكثر الناس تحمساً لآرائهم وتمسكاً بها

...وكان أن احتفظ العمدة ببلاغ عبد النبي ثلاثة شهور أو تزيد حتى حلِّ علي القرية عيد الأضحى وحضر الريس تركي بسلامة الله إلي البلد ..وقطعاً للشك باليقين أرسل العمدة في طلبه، وكان قد جهز مجلساً من شيخ الخفراء واثنين من شيوخ البلد، وعبدالنبي،وعبدالمعتمد تاجر الغلال وخطيب الجامع . وما إن حضر الريس تركي حتى طلب منه خطيب الجامع الوضوء، وانتظر الجمع للحظة قلقة حتى أتم الريس تركي وضوءه، وحضر إلي حيث العيون التي تترقب قطع الشك باليقين ، عندما يسحب الخطيب يد تركي ويضعها فوق المصحف ، ويطلب منه أن يردد وراءه القسم .

لم يتردد تركي من لحظة ، ولم يرتبك وهو يضع يده علي المصحف الشريف ، وكانت نبرة صوته تشي بصدقه وهو يردد وراء الخطيب : "أقسم بالله العظيم ، وبجلاله ، وعظيم سلطانه ، وبكلماته التامة.. أنني لم أكن من قريب أو بعيد وراء اختفاء فرسة عبد النبي ، ولا أعلم عن الموضوع شيئاً ...."

هنالك مزَّق العمدة بلاغ عبد النبي ، وقال بالفم الملآن أمام الجميع :" تركي برئ يا بن الفرطوس .. روح اقرا عدة ياسين .."

أشاع عبدالنبي في أجواء القرية والقرى المجاورة أنه سيقرأ عدية يّس فيمن سرق فرسته ، وأطلق منادياً يبلغ الناس بصوت لا لبس فيه: "عبدالنبي ها يقرأ عدة ياسين في اللي سرق فرسته ..والحاضر يُعْلِم الغايب، وذنبك علي جنبك يا بن الحلال .."

يقال أن عبد النبي لم يقرأ عدية ياسين، لأنه استشعر بعد فترةٍ أن أحداً لم يسرق فرسته، وأن الفرسة بالفعل كانت علي علاقة بالجن، وحمد الله أنها غارت .

غارت والبغل في بطنها.. صحيح أن عبدالنبي تحسر كثيراً علي البغل، لكنما من أدراه ... فقد يكون مثل أمه بغلاً ترغبه الجن وتركبه، و....

تاريخ طويل من المطارحات حول فرسة عبدالنبي، لا تزال المصاطب تحفظه وتردده، وتثير حوله التساؤلات ، لكنما التساؤل الذي لا يزال ينطرح بكثرة دونما جواب هو :- هل هذا البغل الموجود حالياً فى بيت المجلى هو نفسه الذي كان موجوداً فى بطن فرسة عبد النبي ليلة اختفائها ؟

سؤال لم يستطع أحد أن يجزم بالإجابة عنه ، وإن كان ثمة أقاويل وآراء متضاربة أحياناً ،ومتعاضدة أحياناً أخرى ترى أن ثمة دلائل على وجود مشابهات جسمية وسلوكية بين فرسة عبد النبي وبغل المجلي .









المهاطيل:





كانت حدة الشمس قد انكسرت ، والهدوء الذي تشهده قرية "الطرابشة" كل يومٍ قبيل الغروب قد بدأ ينسرب إليها ، عندما خرجت ـ فجأة ـ عن وقارها ، وشاط في أرجائها الهرج .

فلم يكن الخبر هيناً أبداً :" بغل المجلي مات" بَيْدَ أن البعض كان قد سمعها :"المجلي مات"؛لذلك لم يعبأ الجالسون علي المصاطب بانتعال مراكيبهم ، وانفكوا يجرون .. الأبواب جميعها انفتحت ، وخرجت الحريم يجرين خلف الرجال .. الدروب جميعها ازدحمت بالأرجل , والصبية في متاهات الغبار كانوا يتدافعون أيضاً في ذيول المهاطيل .

اختلطت الجموع وتداخلت عند أول المدق ، وتابعت لهاثها شمالاً بمحاذاة الترعة التي تفصل القرية عن غيطانها ، فيما كان عليهم أن يستمروا في جريهم مدة ساعة أو تزيد ، حتى يصلوا إلي قصر المجلي المتفرد هناك بوحدته وهدوئه وسط الزراعات ، حيث بناه المجلي علي شط ترعة الفؤادية تماماً، وإن كان يفتح أبوابه علي المدق الذي يتجاوزه إلي قري أخري .

بعض الفلاحين العائدين من أعمالهم نزلوا عن حميرهم ما إن إعتلت حوافرها المدق ، ودون سؤال انخرطوا في السرب البشري اللاهث ، وفيما كان الغبار المتصاعد يحدوهم كزوبعة داكنةٍ كان السرب يتمدد للأمام .. يسحب ذيوله من دروب القرية إلي أول المدق ، بينما كان رأس السرب لا يكاد يري فوق المدق ، لم يكن أحدُ يسأل أحداً ،ولم يكن من أحدٍ يمكنه أن يجيب علي وجه اليقين ، والخبر كان مفاجئاً ، ولم يكن من تعليق يمكن أن تنبس به الشفاه غير ما ردده بعض الجالسين علي المصاطب ما إن سمعوا الخبر :"نهار أسود".

بعض الصيادين الذين يُحضِّنُون بقواربهم علي شط الترعة خرجوا إلي البر ، وبدأوا بفعل نمطي عجيب ينخرطون في السرب ـ أيضاً .ولكنه ـ كما قيل ـ : يوم الدين ! .

وكان علي الجميع أن يتدافعوا وهم يلهثون إلي قصر المجلي . هل يمكن أن تكون بنت المجلي كاذبة ؟

سؤال واحد خامر البعض ، لكنما لم يعطوا رؤوسهم فرصة لأن تبحث عن إجابات .. هكذا هم سمعوها تردد :" بغل المجلي مات " وبصرفِ النظر عن كون البعض قد سمعوها:" المجلي مات " فإن صدق البنت أو كذبها لم يكن الأمر الذي يمكنهم أن يتوقفوا أمامه للحظةٍ طويلة أو قصيرة قبل أن تنفك أرجلهم باتجاه المدق ،وإن كان واحد من كبرائهم قد قطع بصدق البنت عندما ردد عرضاً ما انفك يجري :" وما جدوى أن تكذب البنت ؟"

هكذا كان عليهم أن يستمروا في اللهاث ، وهكذا كان الأمر مختلطاً في رؤوس الجموع:ـ البغل أم المجلي ؟ .. وأمسي الممكن الوحيد الآن هو اللهاث إلي حيث القصر ، وثَمَّ احتمال يتأرجح في النفوس أن يكون المجلي هو الذي مات، بَيدَ أن الذي يتمناه الجميع أن تكون البنت كاذبة ، ويكون البغل حيّاً يرزق؛ فلم تعد النفوس المرهقة مهيأة لاستقبال مفاجأة كهذه , وقد هيأوا أنفسهم من زمن طويل أن بغل المجلي لن يموت .قد يكون الخاطر الأكثر قبولاً لديهم أن يختفى البغل فجأة, وإت كانوا لا يتمنون ذلك أبداً . إن أمراً كهذا ـ إن حدث ـ فسيكون نذير شؤم علي القرية كلها وإيذاناً بانتزاع البركة من زراعاتهم, وأموالهم وأعمارهم .

لذلك لم يكن يباغت خاطرهم وهم يلهثون غير جلاء البغل , واستجلاء جسده عفياً لامعاً كعادته , ينش بذيله مستمتعاً بالحياة الكريمة الهادئة , وقد ترامت أمام ناظريه أطنان العلف , والحشيش .

غير أن الخاطر الذي لو دبَّ في نفوسهم لصدَّقوه , أن يكون كل ما حدث حتي الآن مجرد وهم يتوهمونه, خاصة أن أحداً حتى الآن لم يكن متأكداً أن التي كانت تمرق مسرعة من أمامهم كشبح أسود مرددة :" بغل المجلي مات .." هي نفسها بنت المجلي , فقد كانت تطير فوق الأرض مجنحة بكلتا ذراعيها, بينما تراءى لهم شعرها منسدلاً فوق وجهها الذي لم يتبينوه , حافية ,يلطخ الطين رأسها, وثيابها, وكان صوتها إلي حدٍ كبير مبحوحاً من شدة الصَّياح. هل يمكن أن تكون التي رأوها عفريتة ماكرة, ارتأت أن تعكر صفوهم آخر هذا النهار الأسود ؟! .. ربما.. لكنما وقد اعتلى الجميع المدق في لهاث محموم باتجاه قصر المجلي, لم يكن أمر التوقف, أو التساؤل ممكناً قبل استجلاء البغل .



الدرويش:



كانت الشمس قد بدأت انحدارها نحو المغيب, وكان القادم من الشرق باتجاه قصر المجلي قد اجتاز ثلاثة أخماس المسافة, ورغم الظلام الذي سيحاصره ـ لا محالةـ فوق طريق ترابيٍّ ضيق, تكسوه شواشي القصب من الجانبين بما يجعله أقرب إلي سرداب مسكونٍ بالظلام, والوحشة... ورغم مشيته الوئيدة التي يتوكأ فيها علي عصاه, ورغم بصره الذي لا يؤهله إلا لرؤية مترين أمامه علي وجه التقريب, ورغم الذئاب التي بدأت تستشعرحريتها فوق الطريق بعيداً عن إ سار عيدان القصب, رغم كل ذلك فالدرويش واثق أن شيئاً لن يصيبه إلا بكل خير, وأنه لا محالة سيصل بأمان واطمئنان, وأن الظلام سيستحيل نوراً.. فالمقصد الكريم وراء المسير هو استجلاء نور اليقين, وهتك الحجاب بين السر وسر السر , وإن الله يدافع عن الذين أمنوا , وما الخوف علي الذين يفعلون الحسني وزيادة !

ـ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم , ولا هم يحزنون ..مدد .. يا بغل المجلي مدد .. عليكم حملتي حُسِبَت .. إن الضعيف علي القوي محمول .

كلمات علي سبيل الدعاء والتيمن كان يرددها الدرويش وهو ينسأ في مشيته فوق تراب المدق, يتدافع بجسده حثيثاً إلي الأمام, وقد أثقلت صرة كبيرة ظهره .

ـ سأقيم جنب الباب .. رهن الباب, متصلاً بالسر موصولاً ..منفصلاً عن جِبلَّة جسدي المتأفف من رائحة الروث .. نحو سمو ذاتك أرْقَى يا جلو بصيرتي وبصرى .. أجلو فوانيس روحي , ما بين انفصال واتصالٍ انمحى عن كون كوني إلي كون كونك يا أيها البهىُّ الجليلُ تجلَّ للذات فارفعها , كي ترتع في نور النور روحي , يا نوراً تجلي علي أربع .. مدد مدد .

تتعثر قدماه في فصوص الطين المتيبس علي جانبي الطريق ؛ ينكفئ .. يبرك قليلاً .. ينهض .. يعترض طريقه ثعلب رعديد ما انفك يجري .. تشاكسه شواشي القصب المتدلية, تجرح جبهته وتعفرها بالغبار الناعم الراقد علي أوراقها, حتى لأن جبهته بدت في لحظة ما مكسوة بخليط من التراب والدماء والعرق, مستسلماً لعصاه والظلام, تستعذب قدماه المعاناة, فيما بدا هو رغم كل هذا غير عابئ بالتعب, أو الذئاب التي يمكن أن تعتلي الطريق فجأة .. وكيف يعبأ بالذئاب من ودَّعت روحه الجسد الشقىَّ واستَبَقَته إلي هناك , وسكنت بالباب ؟!

الباب... لم يكن سوى قطعةٍ من " الخيش" المتهرئ, موصولة بسقف من بوص الذرة, وبعض حطب السنط وجريد النخل .. مجرد " خُصٍّ" من طين مخلوط بالتبن .. هكذا بدأ "المجلي" حياته في خصٍّ علي جانب المدق الذي يشق الزراعات , ولم يكن من أحدٍ يعيره التفاتةَ إشفاق غير الدراويش العائدين من الموالد وموائد الرحمن ... سبحان مغيِّر الأحوال.. أتاه المدد, وتبدَّل الخص قصراً .

هل يذكر المجلي تلك الليلة الشتائية البعيدة, ولم يكن يبادله الصمت غير كلبته التي هرَّأ الجرب جلدتها ؟! .. أتذكرأنها ما انفكت تعوي دون أن تقوي علي الوقوف.. كان المجلي يغالب النوم علي حصيرته العجفاء .. أتذكر أنه طلَّ برأسه من أسفل "الخيشة" وقال:ـ مين هناك ؟ قلت: مدد .. وكنت المدد.. لم يكن قد تناول شيئاً منذ الظهيرة, وكان يغالب النوم , والجوع , والبرد .. رفعت الخيشة ودلفت إلي الداخل .. فككت صرتي , وأخرجت منها التمر والجبن والخبز والشاي والسكر .. خرجت إلي حافة الترعة .. جمعت بعض القش والحطب ,ومن ثم أشعلت الكانون .. تدفأنا , وأكلنا وشربنا الشاي , وفي الصباح تركت له كل ما في الصرة من طعام , ودعوت له ومضيت .

خمس وعشرون سنة مضت علي هذه الليلة .. تري هل يتذكرها المجلي الآن , وقد تبدل الحال , وأصبح المجلي من الأثرياء ؟.. أتذكر أنه في صباح تلك الليلة قصَّ ما رآه فيما يرى النائم : شيخاً مسناً يدخل الخص , لابساً أبيض في أبيض .. ربت علي كتفه وطمأنه وأعطاه بيضة , قال أنها بيضة ديك يتيم , وإنها تُعْطَي لرجل واحد في كل قرن . قال له : احتفظ بها ولا تكسرها . أتذكر أنني فسرت له الرؤيا , وقلت له : هذا الشيخ إنما هو وليُُّ صالح سيدعو لك , وسيستجيب الله لدعائه , وسيحدث المستحيل , وستتبدل حاله إلي بياض .

وأتذكر أني رأيت في ذات الليلة رؤيا قصصتها عليه في الصباح . رأيت أن السماء تمطر بغالاً, وأن واحداً من هذه البغال دخل فجأة الخصّ المظلم , برطع فيه وهدمه تماماً وأنه كان يبعر ذهباً وكان المجلي يجمع الذهب في جوال كبير .

قصصتعليه الرؤيا , وقلت له :" ستتبدل حالك يا مجلي " . صحيح أنني لم أراهمن يومها, وفضلت أن أقيم بجوار سيدنا الحسين طوال السنيين التي مضت , ولكن هذا لا يمنع أنني أنا الذي دعوت له , واستجاب الله , وإنني أنا أول من تنبأ له بتبدل الحال , وإنني ... هل يتذكر المجلي ؟

سأصل ـبحول الله ـ إلي قصر المجلي .. سيخرج لمقابلتي علي ضوء "الكلوبَّات".. سيراني جيداً , سيتأمل وجهي , ثم ينكب علىَّ محتضناً إياي , وسأعيش معه في قصره.. سمعت أنه يفوح عطراً, وأنه يجلس وسط الورد والرياحين, وأنه يأكل الضأن, وينام علي حرير.. وسمعت أن خدَّاماً للبغل وخدَّاماً للمجلي, وأخريات لزوجته يعطرنها , ويُسَرِّحن شعرها , وسمعت أن أشجار حدائقه لا تحصي , كنعمة الله, وسبحان العاطي مدد . سأتوسط حلقة الذكر, وأتوه في ملكوت الحضرة الذكية, مدد.. سأنام علي الحرير ,وسأغوص في الفتّ .. سأخمش في صدور الديوك ولحوم الضأن, وربما تزوجت بنته.. صحيح أنني في الستين من عمري ولكنني كفيل بإسعادها ولو كانت في العشرين, وكما يقال : الدهن في العتاقي .. مدد .







سكينة:



علي الطرف الآخر من المدق كانت أتان عرجاء تواصل عرجها جنوباً باتجاه قصر المجلي.. تنوء بحملها, فتخرج الحمحمات من صدرها مختلطة برغبة أخري تؤرقها , وتشد غريزتها نحو كلِّ ذكرٍ يصادفها , فتقف لتتابع فتح فكيها, وإطباقهما لمرات عديدة متتالية, وقد طأطأت رقبتها نحو التراب .

لكم كان ذلك مدعاة لتبرم المرأة التي تعتليها؛ فتلسعها علي جانبي عنقها بجريدة خضراء, وتلكزها بعرقوبيها, فتواصل الأتان عرجها علي مضض . سكينة التي تعتليها تعرف أن كل شي سينتهي علي خير.. ساعة أو أكثر قليلاً وتصل إلي قصر المجلي, لذلك راحت تتلهي بترتيب خطوات رحلتها: سأجد الباب مفتوحاً كالعادة.. سأدخل إلي الفناء الواسع.. أنزل عن ظهر الأتان .. أتحرر من بردتي, أطويها جيداً, وأفك الحبل الذي يصل مابين القفتين علي جانبي الأتان.. سأرى المجلي كعادته جالسا ًعلي دكة أبنوس, بعمامته الكبيرة البيضاء, ووجهه الأبيض المدور ..أتملاه جيداً .. أتأمل جلسته تحت الجميزة, ثم أخطو نحوه, أُقبِّل يديه بعد أن ألقي عليه التحية, ثم أعود إلي حمل القفتين واحدة إثر أخري إلي غرفة الخدم, بعدها أسحب الأتان إلي زريبة البغل, أرفع زلاجة الباب ثم ألسع الأتان بالجريدة.. تفزع, وتندفع إلي داخل الزريبة.. أعود بعدها إلي غرفة الخدم.. أفرغ مع الخدم القفتين من البط والإوز والحمام, والكِشك والسمن البلدي, ثم أعود إلي الطابق الثاني, حيث زوجة المجلي.. أقبِّل خديها ويديها, ثم أجلس بجوارها, سيُحْضِر الخدم الشاي وبعده شراب اللوز ثم الجنزبيل. كالعادة ستسحبني من يدي إلي غرفة أخري.. تستلقي علي ظهرها فوق السجادة, ستضع وسادة صغيرة تحت فخذيها, وكالعادة سأقوم بنتف شعر عانتها, بعدها أقوم بكنس بعض غرف القصر.. أجمع تراب الكنس.. أصره في قماشة بيضاء, ثم أدفنها في صدري.. أنزل بعدها إلي الزريبة.. أزق الباب.. أدخل برجلي اليمين.. أتعوذ وأبسمل, وأقول في سري "شيء لله يا أهل الله " ثم أتملى البغل.. أنحني تحت قوائمه أجمع ما أشاء من الروث.. أفرك واحدة بين يديَّ ثم ألطخ بها وجهي وجلبابي.. أخرج إلي غرفة الخدم.. أحضر قفتيَّ فارغتين ثم أعود إلي الزريبة.. أملأهما بالروث وتراب الزريبة.. أصعد إلي زوجة المجلي.. استأذنها في الانصراف.. هنالك سأركب الأتان وأعود أدراجي فوق المدق وقد ملأت صدري والقفتين بالبركة .

خطوات مرتبة خطوة خطوة تدور في رأس المرأة المتدثرة في بردتها فوق ظهر الأتان التي تعرج فوق المدق المتعرج المترب, والمسافة لا تزال طويلة, والشمس خلفها علي وشك الانزلاق إلي هوة المغيب, ولا تزال رأس سكينة تترامى إلي الأمام: سأعود ومعي قفتان من البركة, وتراب البركة في صدري..أرش التراب فوق أرضية بيتي, وأفرك الروث وأعجنه مع الطين والتبن, وأطلس به الحيطان والأبواب و... شيء لله يا أهل الله.. ستتبدل الحال كما تبدلت حال المجلي, وسيتحول زوجي بسلامته "برعي" إلي الشيخ برعي , يجلس علي دكة أبنوس تحت جميزة وارفة , وحوله يترامى قصر وحدائق وخدم.. يزدحم البيت بالمريدين و.... أستلقي علي ظهري فوق سجادة إحدى الغرف, أشلح ثيابي, وأسلم جسدي لواحدة من المريدات, و.... تماماً مثل زوجة المجلي, وتماماً سألبس الحرير .. تشغي رقبتي وصدري ومعصماى بالذهب, و...تماماً مثل زوجة المجلي, و... شيء لله يا أهل الله, وسكينة لا تزال في الطريق .





أبو البَطَّاح :





هو سليم أبو فرج البطاح, من أثرى أثرياء عائلة البطاطحة, الشهير "أبو رقبة" ويرجح أنه كُنِّي بهذه الكنية لطول عنقه, وهو تاجر الأخشاب المعروف لدي الناس في كافة قري الناحية, ومعروف لدي كل تجار الأخشاب في مدرية جرجا. كان قد نزل لتوه من القطار عندما سمع الخبر الذي ماانفك ينتشر في كل القري والبلاد .. يقال إنه شرد قليلاً فور سماع النبأ, وظل يهذي, ثم سب دين الناس.. كل الناس, وقال:" كلام كدب.. ناس بتاعة إشاعات ", ثم قال ماإن فرغ من هذياته وشروده: "مستحيل". جلس بعدها علي رصيف المحطة, وجعل رأسه بين كفيه للحظة, ثم ما لبث جسده أن تمطط علي أرضية الرصيف .

يقول بعض أصحاب المقاهي المجاورة للمحطة إنهم حملوه إلي أقرب مقهى, وقدموا له عصير الليمون, لكنه لم يكن ليفتح عينيه , أو ليتكلم حتى ظنوه قد مات .

كانت الشمس قد توارت عندما وضعه اثنان منهم في عربة "كارتة" بحصانين, وانطلقا به إلي قرية البطاطحة, لكنه ـ كما قيل ـ أفاق في الطريق, وفتح عينيه جيداً وتلفت في وجهىِّ الجالسين حوله, ثم قال:" مستحيل" وطلب منهما توصيله إلي قرية الطرابشة بدلاً من البطاطحة, وكان أن فهم الرجلان أن أبو البطاح يريد أن يستجلي الخبر.. أغمض بعد ذلك عينيه ثانية, وراح يهرطق بكلام لم يفهماه .

كان أبو رقبة قد خطب "ست الدار" بنت المجلي, وباركه المجلي, وبارك تجارته بموافقته علي الخطوبة, وكان من المفترض أن يتم الزفاف نهاية الربيع القادم .

وقد شهد الناس، ورواد الساحة مداومة " أبو رقبة" علي حضور جلسة المجلي كل ليلة, كما شهدوا نزوله إلي حلقة الذكر, وهيامه في أجوائها, ومن ثم كانوا يعلقون بالقول:"سبحان مغيِّر الأحوال " وكانوا يتساءلون في استغراب: هل هذا هو أبوالبطاح الذي كان يسب الدين ليل نهار ؟!.. أبو رقبة الذي لا يعيش بدون خمرة وحشيش ونسوان.. ربنا هداه, واستكنّ في الساحة أخيراً, يستمع إلي المجلي وهو يعظ الناس, قبل أن ينخرطوا في المديح, والتسابيح, ويقرأ عليهم ما تيسر من خواطر ابن عربي, والنفري والحلاج, يقرأ و يشرح ويفسر, ويربط كل ذلك بالقرآن, وبالأحاديث النبوية . وكان كثيراً من جلساء المجلي يفغرون أفواههم دهشة, وهم يرون أباالبطاح داخلاً عليهم, ولسان حالهم يقول: أبو البطاح ...؟! يا بركاتك يا مجلي !

يقال أن المجلي أحبَّ أباالبطاح كثيراً قرَّبه إليه , بعدما اكتشف فيه جمال الصوت, ولحسن الطالع كان أبو البطاح قوي الذاكرة , فحفظ كثيراً من الابتهالات والمدائح, ويقال إن المجلي نقل إليه بشارة " القراموصى " ـ عطر الله ذكره ـ بأن للبطاح شأناً عظيماً .

والحقيقة أن للبطاح شأناً عظيماً بالفعل, فهو صاحب تجارة لا ينافسه فيها غير اثنين في المديرية بأكملها, وقد ورث هذه التجارة عن والده الذي توفي منذ عاميين, ومن ثم فهو يضع يده علي كثير من الأموال والعقارات, ومغالق الخشب ومع ذلك فرح أبو البطاح بالبشارة وقرب أكثر من المجلي انتظاراً للشأن العظيم .

ويقال أن المجلي مُوصَى من الشيخ الأعظم " القراموصى " ـ عطر الله ذكره ـ بتقريب أبى البطاح منه, حيث قال له بلهجة آمرة:" لقد جاءني الأمر مناماً أن أبا البطاح هو أمين الجماعة بعدك .. زوِّجه من ابنتك, وتوكَّل علي الله ".

وكان أبو البطاح غير مصدق أنه من أصحاب الحظوة عند الشيخ الأعظم صاحب الولاية.. لم يكن يصدق أبدأ لولا أن المجلي أقسم له بحياة بغله .

ظل أبو البطاح فترة غير مصدقٍ أن يكون هو الخليفة الذي سيخلف المجلي, وهو الذي لم يركعها طول حياته, ولم يقابل الشيخ الأعظم في حياته مرة, وهو الذي يحشش حتى مطلع الفجر وهو الذي نام مع أكثر من خمسين امرأة في الحرام, لذلك عندما طلب المجلي لقاءه للمرة الأولى ظل متردداً .. كيف يذهب للحديث والجلوس مع المجلي والدراويش والأولياء وأهل الله وهو علي هذى الحال ؟! ومن ثم عندما جلس مع المجلي ازداد استغراباً ودهشة مما سمع وتساءل: أنا سأقود الجماعة من بعدك ؟ ولكن المجلي عاد وأكد أنها أوامر الشيخ, وأنه لا يؤمر إلا بالحق, وإنه لحقُّ اليقين.. ليس بينه وبين الغيب حجاب. وكان أن سأل أبوالبطاح: كيف عرفني الشيخ وهو الذي لم يرني من قبل ؟ فأجاب المجلي بكلمات قاطعة: إنه العلم اللدُنِّي , وإنه الشيخ .. مكشوف عنه الحجاب .

تملكت الرهبة للحظة أبا رقبة, وشرد ببصره في السماء المفتوحة فوقه, وقام.. قبَّل يدي المجلي وخديه, وطأطأ إلي قدميه , وهو يردد : شيء لله يا أهل الله .

قال المجلي ليلتها: سيبارك الله في تجارتك وستصبح من أثرى أثرياء الدنيا, لكن لا تنسَ نصيب الساحة. ولما كان أبورقبة لا يزال ساهماً لطمه المجلي علي خده برفق, وتساءل : " ها .. ماذا قلت ؟" فردَّ أبورقبة بإذعان شديد : تحت أمرك .

هنالك فرد المجلي كفيه, وقال: عاهدني. وهنالك وضع أبورقبة كلتا كفيه فوق كفي المجلي المبسوطتين, وقال: أعاهدك, بعدها قام المجلي مغادراً الساحة .. غاب بالداخل لبعض الوقت, ثم عاد بكيس مملوء بالروث.. رماه لأبىالبطاح الذي كان قد انخرط في الإنشاد مع الجماعة: خذ الأمانة هذه.. أفركها، ورشها في دكانك، وستزيد تجارتك. تناول أبوالبطاح الكيس، وقربه من فمه، وقام منصرفا، يحمل الكيس، وكان قد قبله مرتين.

لم يكن ما حدث هيناً على نفس أبي البطاح.. لقد أتاه الوعد.. والدنيا للموعودين، ومن ثم ظل طول الطريق يحدث نفسه، وهو يتصور حياته القادمة:

"ست الدار" بنت المجلي الوحيدة، هي وريثته، وأنا خليفته، سأخطبها إذن.. يقال إن جمالها طاغ..ها قد أتاك المال والجمال يا أبارقبة.. سأضم القصر إلى أملاكي، وكل ما لدى المجلي من أموال سيكون تحت يدي وستزيد تجارتي بالفعل لن ينافسني أحد في مديرية جرجا كلها.
بالفعل زادت تجارة أبي البطاح، ومن دون أن يتزوج ست الدار، وقبل أن ترث المجلي.. لقد ابتاع خلال شهرين منذ تاريخ جلسته الأولي مع المجلي محلاً كبيراً في قلب مديرية جرجا، وعين عليه وكيلاً عنه، وأصبح يبيع الأخشاب، ويسلمها للزبائن في الأماكن التي يحددونها ومن ثم كان على البطاح أن يمتلك كثير من عربات الكرو الكبيرة, وأن يوظف عنده كثيراً من العربجية, بلغ عددهم مع الحمَّالين والتبَّاعين مائتي رجل.
يقال إن المجلي وسع من حديثه عن أبي رقبة، وأكثر من الدعاية لتجارته، وأصبح كل رواد الساحة يمارسون نفس الدور الدعائي، وسبحان مغيرالأحوال، لقد تغيرت سمعة أبي رقبة الهلاَّس.. الخمورجي .. " بتاع النسوان" إلي الشيخ" أبورقبة " وأرتدي جلباباً أبيض، وغطى شعره بشاش أبيض منسدل، وأطلق لحيته ولعَّبَ بين أصابعه حبات مسبحة طويلة، وأكثر من التردد على الساحة ليلاً. ومع ذلك لا يزال بعض الحاقدين على
أبي رقبة، وكثير من الحساد والخبثاء في القرى والنجوع يرددون أقاويل لا دليل على صحتها فهم من جهة يؤكدون أن البطاح لا يزال يتردد على أسيوط، وجرجا، ومصر للتعاقد على الأخشاب، وركوب النسوان، ويؤكدون من جهة أخرى على وجود علاقة سرية بين أبي البطاح وسنية الحلبية زوجة المجلي، ويقولون أنه نصاب كبير، لا يزال يسب الدين ولا يصلى إلا أمام أنظار المجلي, ويتقولون أنه لا يصوم رمضان. غير أن فريقاً أخر من الخبثاء يردد أقاويل - لا دليل عليها أيضا – تختلف كلية عما قيل.. هذه الفئة تدَّعِي أن المجلي هو الذي نصب على البطاح من أجل أن يقاسمه في تجارته، لكن السواد الأعظم من الناس كانوا يقولون: " الله أعلم " إذ ليس لديهم دليل علي شيء غير ما يرونه من تردد أبي رقبة على المساجد، وارتياده ساحة المجلي، فشهدوا له بالإيمان، والبواطن يعلمها الله، ومن ثم فهم يرجحون أن الإشاعات التي لا يزال البعض يطلقها حول البطاح إنما متأثرة بماضي البطاح الأسود، قبل أن يهديه الله.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 05-17-2007, 05:40 AM
الصورة الرمزية خفاجى
تفضل بزيارة منتداي
أديــب

أديب مميز 
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 258
صوت لتميز الموضوع: 0
تم التصويت لتميز مواضيعه 14 مرة في 2 مشاركة
معدل تقييم المستوى: 3
خفاجى is on a distinguished road
رواية بغل المجلى ( الجزء الثانى )


العمدة أبو دراع :


ربما أن " أبو دراع" حسب ما هو ثابت بالأوراق الرسمية المتداول بحوزة أفراد عائلة " أبو دراع" هو الجد السابع لـ" عب مولي الشريف" عمدة قرية " الحراجة" وربما أن صلته بالمجلي تعود لثلاثين عاماً خلت لم يكن وقتها " عب مولي " عمدة، وإن كان مؤهلاً لتولي المنصب خلفاً لوالده " الحراجي بك أبودراع الشريف" عمدة "الحراجة " بالشرق, سابع عمدة في عائلة " أبو دراع " التي توارثت العمديَّة بشكل متصل.
وعائلة أبو "دراع " هي العائلة الوحيدة من بين عائلات الناحية التي حصل أحد أفرادها على لقب "بك" ربما لصلة العائلة القديمة برأس العائلة المالكة " محمد على" باشا" الذي قيل أنه كان شريكاً لأبودراع الأول في زراعة القطن بالناحية، ولا يزال الحوض الذي تضع العائلة يدها عليه يسمي " حوض الملك" .
وربما لصلة " الحراجي بأحد الباشوات المقربين من العائلة المالكة حصل على لقب " بك " وإن كانت ثمة أقاويل بأن صلته لم تكن بأحد من الباشوات، وإنما كانت براقصة شهيرة في مصر كانت تستولى على ثمن محصول القطن كل عام، عندما يعبئه في "جِزلان" كبير من الجلد ويركب القطار إلى مصر.. يقال أنها ولفرط كرمه معها كانت تستقبله منفرداً في مسكنها، وتصحبه إلى " الكباريه" الذي ترقص به، وأخيرا توسطت له عند الملك عن طريق راقصة أخرى محببة إلي الملك، وحصل بمقتضي هذه الوساطة على " البكاوية " .. ويقال إنه دفع في مقابل اللقب خمسة آلاف جنيه مصري، في الوقت الذي كان فيه ثمن الخروف المعلوف لا يزيد عن قرشين صاغ ونصف. ويقال أنه دفع خمسة آلاف جنيه ذهباً، ويقال، ويقال، لكن الثابت أن "الحراجي" حصل على لقب " بك" على أيام " فؤاد" وربما لهذا فإن عائلة" أبودراع" هي العائلة الوحيدة التي يعنيها أن ترسل " تلغرافاً" إلى الملك كل عام تهنئه بعيد جلوسه على عرش مصر .
ويقال- والله أعلم – إن الملك فاروق ما إن تولي العرش بعد أبيه أرسل في طلب كبير العائلة، بعدما تأكد نسب الملك فاروق إلي الأشراف، وثبت من الأوراق الثبوتية أن نسبه ينتهي إلى جعفر الصادق الإمام .. ويقال إن الشرف الذي ناله كبير العائلة بمقابلة الملك فاروق ظل لسنوات حديث المنادر والمصاطب والأجران, وتناقل الناس ما قاله كبير العائلة عن أوصاف القصر الملكي، ووجه الملك فاروق، وجمال صدغيه، وطربوشه.. ويقال إن هذا اللقاء انتهي بتمخض عقل الرجلين عن فكرة إنشاء نقابة للسادة الأشراف.
ما يعنينا الآن أن قرية العمدة " أبودراع الثامن" الشهير" عب مولي" تقع ضمن القرى الكثير المتناثرة شرق ترعة " الفؤادية" وإن كانت الأبعد عن قرية " الطرابشة" التي يقع قصر المجلي على مشارفها البحرية.
ما يعنينا أكثر من هذا أن العمدة " عب مولي" رفع كلتا ذراعيه عالياً ما إن سمع الخبر، وقال في أسي: " مش معقول".. ثم أنزل ذراعيه وردد: " لا إله إلا الله.. سبحان الدائم" .
وكان " عبدالدايم " الخفير قد نقل إليه الخبر الذي سمعه لتوه من أحد القادمين من الغرب، وهنالك أمر العمدة بتجهيز الركائب .
أستفسر العمدة من عبدالدايم أكثر من مرة: " البغل ولاَّ المجلي ؟ " وكان عبدالدايم يرد :" واحد من الاثنين" وفي كل مرة كان العمدة يردد : " لا إله إلا الله ...سبحان الدايم".. غير أنه في المرة الأخيرة قال بغضب: غفير بقرة.. لا يودي خبر ولا يجيب خبر".
تحرك الركب بعد المغرب مباشرة باتجاه القنطرة التي تربط شرق الفؤادية بغربها.. العمدة على فرسه يسير وراءه حماران مطهمان، على ظهر الأول شيخ الخفراء، وكثير من الخدم كانوا يرجلون حلف الركائب، حاملين البنادق والمطارق.
كانت المسافة طويلة مظلمة متعرجة، محاطة بزراعات الذرة، وإن كان ثمة غبار غير مرئي متصاعد من الحوافر والأرجل، إلا أن الأنوف كانت تدركه، لذلك كان أنف العمدة دائم العطس وكان الأخرون مضطرين لتشميته، دون أن يكون هو معنيا بالرد عليهم، وهو الشارد الساهم الصامت الذي لم يكن يقطع الحالة تلك إلا بكلمة موقعة حزينة تؤكد حالته.. كانت ثمة كلمات حبيسة تتفلت من صدره ممزوجة بالحزن والأسى كآهات صادرة من جوف قبر مهجور، تتدافع بقوة:" إيه..زمن ..لا اله إلا الله.. سبحان الدايم "
العمدة أبودراع لا زال يذكر ذلك الماضي البعيد، عندما فتح باب الدوار فإذا به وجها لوجه مع رجل أبيض البشرة، مدور الوجه ذي لحية طويلة، وعلى رأسه عمامة بيضاء، وحول عنقه لاسة خضراء وعلى كتفه اليسرى ما يقرب من عشرة جلابيب مستلقية فوق كتفه، وفى يده عصاه .. سأله " عب مولى" عن اسمه فقال:" المجلي 00من آل البيت " هنالك عرض عليه عب مولي الدخول, وقدم له الإفطار, وقدمه لوالده "الحراجي بك ".
تلك هي البداية التي أهلت المجلي للبقاء في دوَّار عائلة "أبودراع " ثلاث سنوات متتالية, كان فيها بجميل حكاياه, وملاحة نكتته, وحسن منطقه خير جليس للعمدة .. يأكل إذ يأكل العمدة, وينام إذ ينام .. ظل أيامه يقصُّ بين الحين والحين حكاية قدومه ماشياً من المغرب إلي أرض مصر الطاهرة التي قال الله فيها " اهبطوا مصراً, فإن لكم ما سألتم" صحيح أن الآية تخاطب بني إسرائيل, لكنما المجلي أكد أن في مصر مطلب كل سائل. وحكي عن أصوله القبلية, وقال إنه ينتمي لقبيلة أصلها ثابت وفرعها في السماء, لولا أن أحداث الدهر وتقلبات الأيام لعبت بهم, وقال إن قبيلته كانت ذات شأن في الأندلس, لو لا أن ملوك الطوائف شتتوا شمل الأمة, وكان أن اضطرت قبيلته لمغادرة الأندلس هرباً من عسف غير المسلمين.. هربت مع غيرها من القبائل العربية فراراً بدينها وكرامتها واستقرت بالمغرب.
وقال إنه ينوي استئناف المسير إلي أرض الحجاز حيث جذوره هناك, وقال إن جده الأول هو "صعصعة", وصعصعة هذا كان فارساً في عبس, وعبس من أحلاف قريش, وقال إن قبيلته صاهرت جعفر الصادق, وإن مجد عائلته مزقته السنون, وأهوال الزمن, وإن الأمويين ضيَّقوا عليهم الخناق,حتى أتي بنو العباس فشردوا عائلته تماماً.
لم يستوثق أحد من صحة كلام المجلى، إلا انه كان يحمل كتاباً فى الأنساب يُخْرِجه بين الحين والحين، ليكشف عن نسب من يريد من ضيوف العمدة، وربما لهذا انشغل الناس بالبحث عن أنسابهم عند المجلى، وتناسوا صحة نسب المجلى .
قضى المجلى أيامه فى قرية "الحراجة " بين دوار العمدة والمسجد، حيث يذهب للاستحمام فى مغطس الجامع، ولأداء الصلاة مع الجماعة.. شهد الناس هدوءه، ورزانته، وارتياده المسجد، فشهدوا له بالإيمان، ودعوه ب " المجلى الشريف " ليربطوا بين نسبه ونسب العمدة، فكلاهما ينتهى نسبه إلى الجزيرة العربية ، وكلاهما ينتسبان لآل البيت بنسب ما .
أحياناً كان المجلى يخرج إلى الخلاء، يتأمل الحقول والسماء، ثم يعود ليجلس فى الدوّار، ليدخن مع العمدة الحشيش .
بعد وفاة العمدة الحراجى بشهر تقريباً طلب المجلى من العمدة الجديد "عب مولى " أن يأذن له بالرحيل، ومن دون أن يكون قد قرر إلى أين .
بالطبع سأله عب مولى: إلى أين ؟ ، لكن المجلى ردَّ : إن الإذن جاءه مناماً بالرحيل غرباَ . وكان عب مولى يود أن يوضح له أن أرض الحجاز ليست غرباً، ولكنه صمت، وقد فهم أن المجلى يتحرك وفق أوامر عليا تأتيه مناماً، ومن ثم أعطاه الإذن بالرحيل، وإن كان بودّه أن يستبقيه، لولا أنه فهم أن الرجل مأمور .
مرت الأيام وعاد المجلى فى زيارة خاطفة إلى العمدة " عب مولى " وقد أخبره أن إقامته قد تحددت على الشاطىء الشرقي لترعة الفؤادية .
عبّر العمدة عب مولى عن عدم ارتياحه لإقامة المجلى وحيداً فى خصٍّ على الترعة، بالقرب من قبائل الغرب التى لا تنتسب لآل البيت فى شيء ، لكن المجلى أجاب أن الرسالة تستوجب البقاء وسط هؤلاء، وقال إنهم كالأرض البور الصالحة للزراعة ، وإنه بصدد حرثها . هنالك فهم العمدة أن الرجل إنما يفعل ما يجب عليه فعله، ومع ذلك حذَّر المجلى من قبائل الغرب، فعب مولى يعلم أن هذه القبائل معظمها من الهوارة الذين يرجع نسبهم إلى البربر بالمغرب، وهم لا يستلطفون مشاركة الأشراف أو العروبيين عموماً الحياة أو النسب. ومع ذلك قال المجلى إنه يعلم أنهم من القبائل البربرية التى استوطنت مصر فترة الحكم المملوكي ، وأعرب أنه يشعر – رغم هذا بالألفة معها ، وقال إنه لا يشعر بالغربة بينهم ، وعلل ذلك بأن قبيلته عايشت فى المغرب كثيراً من قبائل الهوارة وتنسَّبوا معهم .
هنالك اطمأن عب مولى على صديقه المجلى، وعاهده على التزاور، وان كان قد طلب من المجلى المبادرة الدائمة بالزيارة، لأنه ربما لن يفيق من مشاكل العمديَّة ومسئولياتها .
اعتمد العمدة عب مولى على المجلى فى معرفة أصول القبائل، وكان كلما ناقشه أحد فى الأصول قال: " الجرد مع المجلى " .. وهكذا أصبح المجلى مشهوراً بملكيته للجرْد .. والجرد بحسب تعبير الأهالى هو كتاب الأنساب .
لم يَقْصُر المجلى نشاطه على الأنساب، وربما لأن هذا الأمر أصبح مثيراً للمشاكل، والأحقاد بين القبائل كفَّ المجلى أخيراًَ عن الحديث فى الأنساب، خشية على نفسه من غدر العائلات الوضيعة، وبدَّل نشاطه إلى تفسير الأحلام، فكان يتنقل بين القرى والعائلات ليفسر للناس أحلامهم .
انقطعت صلة المجلى بالعمدة " عب مولى " عامين، لم يذكر أحد من الرواة أسباب هذا الانقطاع، وإن كانت هناك بعض الدلائل المستنبطة على أن المجلى طلب إحدى بنات عائلة " أبودراع " فقوبل طلبه بالرفض .. خلال هذين العامين حصل المجلى على الولاية من شيخه الأكبر " القراموصى " الذي لا يعرف أحد موطنه فوق الأرض، وكل ما عُرِف عنه هو اسمه الذي كان المجلى يردده دائماً، ويقول إن صلته بشيخه هذا تتم مناماً، إذ يستقبل أو يرسل فى الأحلام ما يشاء من شيخه وإليه .
اتسع نشاط المجلى وهو يتنقل من مندرة إلى مندرة، ومن دوَّار إلى دوَّار، ومن مصطبة إلى مصطبة، يفسر للناس أحلامهم، ويكتب لهم الأحجبة والفوائد، وكان خصُّه غرب ترعة الفؤادية هو المكان المريح الذي يعود إليه المجلى كلما أراد أن يختلى بنفسه، إلى أن كفَّ عن التنقل، وأضحى الناس يأتون إليه ليفسر أحلامهم، أو لكتابة الأحجبة والفوائد، أو للمداواة من عضات الكلاب ولدغات الثعابين، أو لإخراج الجن من الملبوسين والممسوسين .
الغريب فى الأمر أن كل الفوائد التى كتبها المجلى للناس كانت تشكيلة من أربعة أشياء مختلفة فى كل مرة، إلا أن الثابت فيها جميعاً هو "روث البغل" كواحدٍ دائم من أربعة .
وهكذا أصبح روث البغل ذا فائدة عظيمة، إذ ارتبط بعلاج الناس، إلا أن ندرة البغال فى القرى جعل الأمر متعباًً للأهالى، خاصة إذا كتب المجلى فيما يكتب مـن فوائد: "روث بغل أحمر"، فالثابت أن بغلاً أسود فى قرية " الشراربة " كان الناس يلجأون إلى أصحابه بهدف الحصول على روثه . لكنما الأزمة كانت تعتصر المحتاجين عندما يكون المطلوب روث بغل أحمر، والأمر جعل كثيراً من الناس يتمنون لو يربون بغالاً حمراء، وسوداء، وبيضاء بدلاً من الحمير، حلاً لمشاكلهم .
عادت العلاقة بين المجلى والعمدة عب مولى لماضى عهدها، وازداد كل منهما قرباً فى الآونة الأخيرة بعدما ظهرت حاجة عب مولى عند المجلى، وقد تبدلت حال المجلى، وتحوَّل الخصُّ الى قصر. وذاعت شهرته، وشهرة بغله المبارك، هنالك فكر "عب مولى" فى إدخال ابنه الأكبر مدرسة البوليس، ومن ثم بدأ فكره يتجه صوب المجلى كواحدِ سرُّه باتع .
سحب عب مولى ثوراً معلوفاً ووضع فى جيب صديريته قرشين من حشيش، وألفى قرش صاغ، واتجه صوب قصر المجلى .
" عب مولى " لا ينقصه شيء، حيازته تزيد عن ألف فدان، وهو عمدة أباً عن جد، والده العمدة – المرحوم حراجي – حاصل على البكاوية ، وابنه - باسم الله ما شاء الله – طرزان، أو – كما قيل – لوح لطزان.. وجه وقفا، طول وعرض، صدر وأصداغ، وناجح فى التوجيهية... وماذا بعد ؟! فكر " عب مولى " فى المجلى وسره الباتع، وفى بغل المجلى المبارك، وشيء لله يا أهل الله .
كان المجلى منشغلاً فى حلقة الِذكر ومع ذلك – ما أن رأى عب مولى يسحب عجله داخلاً القصر تسحَّب من بين الدراويش، وتقدم لاستقبال صديقه القديم .
انتحي بالعمدة جانباً على دكة تحت كافورة، وبدأا يسردان التاريخ من جديد، فى الوقت نفسه كان الخدم يرصون لهما الدخان مخلوطاً بالحشيش على رؤوس النارجيل، إلى أن بدا كلُّ منهما فى أقصى درجات النشوة، وهنالك كانت الفرصة أمام عب مولى سانحة للحديث فى أمر الولد، ومدرسة البوليس .
ابتسم المجلى وقال: " بسيطة " فقال له العمدة: " بركاتك " ، هنالك أمر المجلى أحد خدمة بإحضار الدواة والأوراق والريشة ، وكتب فائدة مكررة ثلاث مرات على ثلاث قصاصات ، وأمر الخادم أن يحضر ثلاث قطع من روث البغل .. لف كل قطعة روث فى قصاصة ورق ، وقال للعمدة : " بخِّر الولد كل يوم بواحدة بعد غروب الشمس مباشرة ،واجعله يخطو فوق البخور سبع مراتٍ ، وارسله لى فى اليوم الرابع .
ولما جاءه الولد فى اليوم الرابع كتب له المجلى على قفاه بماء الورد والزعفران : "حمروش جمروش بوليس يوش " ثم عرَّاه وكتب بين كتفيه: " ترترتره ه ه + بوليس " ثم أعطاه لفة فيها خمس قطع من روث البغل، وقال: ضع واحدة فى الماء الذى تستحم به, وافرك واحدة فى شنطة ملابسك والثالثة ارمها فى ساقية مهجورة, وضع الرابعة فى جيبك وأنت خارج للسفر إلى مصر , والخامسة افركها على عتبة المدرسة وقال : سلم لى على العمدة , واخبره أن الحلاوة ألف جنيه والذى منه .
والحمد لله دخل الولد مدرسة البوليس, وهو الأن برتبة يوزباشى, ولا يزال يذكر المجلى، وسره الباتع، ويأتى لزيارته فى كل مرة تهبط قدماه أرض قرية الحراجة .
العمدة عب مولى نصب حلقة ذكر فى قرية الحراجة، دعا فيها المجلى ودراويش ساحته لإحيائها، وذبح ـ كما قيل ـ عجلين، وسلم فى آخر الليلة لفة حشيش والألف جنيه، وقال مبتسماً فى وجه المجلى : " غالى والطلب رخيص .."


حميدة :


ورغم أن الأغنية تبدأ بـ" واحد تنين سرجى مرجى / إنت حكيم ولاّ تمرجى / أنا حكيم الجهادية / العيانة أديها حقنة / والمسكينة أديها لقمة / بدى أزورك يا نبى / يا للى بلادك بعيدة / فيها أحمد وحميدة ...إلخ " إلا أن أطفال قرية الطرابشة لم يكن يعجبهم من هذه الأغنية غير جزئية بعينها تبدأ بـ" حميدة جابت ولد / سمَّته عبد الصمد / مشته ع المشاية / خطفت راسه الحداية ...الخ " وحميدة بالفعل جاءت بولد فى قفة . وجدها الأهالى نائمة بجوار حوض السبيل الذى تشرب منه البهائم . ولمَّا صَعُبَ عليهم أن تبيت فى الطل، أشاروا على "ميمون" السَّقاء أن يكسب ثواباً ويدعها تبيت عنده ، ودخلت حميدة بيت السقاء، وقاسمته هو وأولاده اللقمة ، وقالت فى سرها وهى تضع خدها على المصطبة: " الله يجازى اللى كان السبب .." وضعت خدها على المصطبة لكنها لم تنم نوماً حقيقياً، وكيف تنام حميدة ؟! ظلت شاردة فى سقف البوص الذى يعلوها، لا يؤنسها غير ضوء هزيل لمصباح فتيل يكاد ينطفئ ، فيما كان يخترق أجواء السكون حولها شخير السقاء .
" الله يجازى اللى كان السبب.." جملة كانت ترددها حميدة بين الحين والحين ، وكأنها تؤنس وحدتها بحديثها إلى نفسها بصوت خفيت .. كانت الكلمات تخرج من صدرها ممزوجة بألم وسيع بالغ العِظَم.. أنا حميدة بنت الحسب والنسب.. بنت " أبوجلال الدِفِش" على سن ورمح .. بنت العز والبغددة.. أنام على مصطبة فى بيت سقا!.. إخص عليك يا زمن.. ألف سقا وسقا داخلون خارجون فى بيتنا يتمنون كلمة فيها عطف.. يتمنون أن ينزلوا برؤوسهم إلى قدمى..أنا.. من تقدم لى عشرة خطاب من أسياد البلاد.. أخيراً أنام فى بيت سقا .. اخص عليك يا زمن ! آه كانت لحظة طيش .. أول مرة قلبى يميل ، وكانت الوقعة .. لكنهم جميعاً كانوا السبب.. كان طالباً الحلال لكنهم رفضوه .. كل لحظة كانت تمر بعد رفضهم كانت جحيماً.. رفضوه لأنه من عائلة بينهم وبينها كما يقولون حجر .. هم يضعون أحجاراً من وهم يتوهمونه بين قلبى وقلبه .. لم يكن بوسعى أن ابتعد عنه إلى الأبد كما نصحونى .. كان لابد أن أهرب معه .. لم أر أنه وضيع .. لقد نصحنى كثيراً بالعودة والتعقل .. لكأنه كان يقرأ الغيب عندما قال: إننا نخاطر بحياتنا وسمعة عائلتينا.. لكننى لم أسمع .. ولم أكن لأسمع .. لقد أحببته ولم أحب فى الدنيا غيره ..عشت معه فى الذرة من غيط إلى غيط .. تحمل البرد والنوم على الأرض اليابسة .. كنت أنام ويظل مستيقظاً يحرسنى من الذئاب .. لكنه لم يعد .. خرج إلى بيوت بلد عَنَّت لنا ، ونحن نتنقل بين أعواد الذرة من بلد إلى بلد .. خرج و.. ربما قتلوه .. أعادوه إلى بلدنا و.. لست أدرى ..ماذا تراهم فعلوا به ؟. كل ما أعرفه أنه كان مخلصاً لرغبتى، ولم يكن يحلم إلا بأن نهرب إلى البندر .. إلى إحدى المديريات البعيدة لكى نعيش فيها إلى الأبد .. لكنه يعلم أننا مطلوبان .. وأننا فى خطر .. فضّل أن يتنقل بين الغيطان حتى نبعد عن البلاد التى تهددنا، ثم نخرج إلى النور .... نركب القطار ونسافر إلى أسيوط .. مصر .. جرجا .. أى بلد بعيد . لم يعد .. ووجدتنى هكذا من بلد إلى بلد ولم يعد فى قفتى غير هذا العار.."حميدة جابت ولد".. أولاد الكلب يرددونها خلفى وهم يلقون الحصى إلى ظهرى، وكأنهم يقذفونها إلى حائط .. هل كنت مخطئة إلى هذا الحد .. هل كانوا هم على حق عندما رفضوا أن يجمعوا بينى وبينه فى الحلال ؟!.. قالوا إن عائلته ليست أصيلة بالدرجة التى يرتضونها .. طردوه وهددوه بالقتل لو كرر طلبه..تراه قتل؟!.. من يشترى منى ما تبقى من أيام فى عمرى ويخبرنى عن مصيره ؟!.. إن قلبى لا يطاوعنى وأنا أتصور أنه تركنى فى الذرة وهرب .. لم يكن يتمنى غير النظر إلى وجهى ، أعرف أنه يحبنى، وأنه فى جميع الأحوال لن يستطيع العودة إلى بلدنا مرة ثانية .. طالما الأمر كذلك فلماذا يهرب ويتركنى لمصير أسود ..لا لا .. لقد كان يحلم بالهرب معى إلى البندر .
" اخص عليك يا زمن " رددتها حميدة بصوت خفيت قبل أن تغمض عينيها وقد أراحت رأس طفلها على ذراعها .
نصحها السقا أن تتخلص من " ولد الحرام " الذى يُذكِّرها ويُذكِّر الناس أنها " قحبة " هربت من أهلها . ولكنها ذرفت كثيراً من الدموع، ولم تعطى رفضاً أو قبولاً لاقتراح السقا .
وزوجة السقا قالت إن " سعدية الحلبية " تعرف واحدة راقصة فى أسيوط ، وقالت إنها لو تخلصت من الولد ، ستكلم لها سعدية كى تُهرِّبها إلى أسيوط ، وهناك تعيش مع الراقصات .. وقالت إنها جميلة ، ويمكنها أن تقضى أيامها هناك فى أمان .. ونصحتها أن أهلها لن يكفوا عن البحث حتى يجدوها ..وساعتها ستكون المصيبة على رؤوس الجميع ، وقالت " ميمون غلبان .. وعاوز يربى أولاده "
حميدة كانت ملتزمة الصمت أمام مقترحات الزوجين، غير أنها وعدتهما أن إقامتها لن تطول فى بيتهما . وحتى لا تكون حميدة عالة على السقا كانت تخرج، ما أن يطلع الصباح ، تضع قفتها على رأسها، حاملة ولدها على صدرها ، سارحة على بيوت القرية، تطلب حسنة لله . عرفها الأهالى صبية جميلة بيضاء مدورة الوجه ، واسعة العينين ، ممتلئة الجسد ، لكنهم كانوا يمصمصون شفاههم خلفها وهم يرددون : " صاحبة فضيحة " .
سألها الأهالى أسئلة محرجة كثيرة ، لكنها لم تكن تجيب إلا بقولها : " ربنا يستر علي اللى يستر ... " حتى كف الناس عن توجيه الأسئلة إليها, لكنما الأطفال فى القرية
لم يكفوا عن ترديد الأغنية خلفها كلما رأوها حاملة الطفل على صدرها ، وقفتها فوق رأسها ، تجوب دروب القرى ، تطرق الأبواب باباً باباً مرددة :"يا كريم .. " كان الأهالى كرماء بالفعل، لم يبخلوا على حميدة بالرغفان والطبيخ ، والبلح ، و ما إلى ذلك من أطعمة .. تعود بها إلى بيت السقا وقت الظهيرة ، تأكل و تنام ، تستأنف المهمة نفسها مرة أخرى آخر النهار .
هذا النهار لم تعد حميدة إلى بيت السقا , وقد قادتها قدماها إلى أطراف القرية باتجاه المدق الرئيسى الذى يمتد محاذياً الترعة ، وكانت قد ودًّعت البيوت خلفها , ولم يعد غير الزراعات حولها, وشمس الله الساخنة فوقها, وكان سرب من الأطفال خلفها لايزال يتتبعها بقذف الحص والأغنية الملعونة إياها .
وفيما يبدو أن حميدة ملّت من سماع الأغنية التى تُذكِّرها كل لحظة بالعار الذى يلازم حياتها, فطفشت من القرية باتجاه المدق , وفيما يبدو أنها كانت تنتوى الرحيل إلى قرية أخرى , علَّ أطفالها يكونون أكثر لطفاً بها لَّما بعدت حميدة عن أنظار الأطفال قليلاً فوق المدق .. عادوا من خلفها , فيما ظلت هى سائرة شمالاً , حتى وجدت نفسها صدفة أمام خصٍّ منعزلٍ على الترعة .. فوجئت برجل وحيدٍ يجلس على مصطبة تعلوها شجرة كافور وحيدة , وعلى يساره دكة خشبية وزيران .. ارتاحت قليلاً لرؤية الرجل , فسلَّمت وجلست بجوار قدميه , وقد أنزلت قفتها , ورأى المجلى ما بها : ثلاث أنصاف من الأرغفة , وحوالى عشر بلحات , وبتاوة واحدة , وبصلتين , وطفلاً شبه عارٍ يحرك رجليه .
طلبت من المجلى الإذن بالماء وشكت همّها : " وحيدة , وطالبة الستر ووراى فضيحة , والموت قدَّامى " .. وهنالك فهم المجلى حاجة حميدة , وبدأ يشكو إليها حاجته إلى امرأة .
تلك هى بداية حميدة مع المجلى .. لحظة قصيرة , شربت فيها من الزير وارتاحت لهيئة الرجل ، وربما لعزلته بعيداً عن الناس .. ظلت تنظر إلى باب الخص تارة ، وتارة أخرى إلى وجه المجلى الذى كان صامتاً للحظة بدأ بعدها يشكو للمرأة وحدته ، وحاجته إلى وليف ، وأشار إلى الباب .
دخلت حميدة الخصَّ ، وتخففت من ملابسها السوداء ، وبان لحمها الأبيض .. ولم تمضِ لحظة حتى أغلق المجلى باب خُصّه ، واحتوى حميدة بين زراعيه .
يقال إن حميدة لم تخرج منذ تلك اللحظة من باب الخصّ ، حتى بعد أن ماتت .. لقد عاشت مع المجلى على الحلوة والمرة دون أن يفكر فى عقد قرانه عليها، إلى أن توفاها الله بعد سنتين فقط ، تاركة له ولدها الذى قيل إنه ليس ولداً ، كما إنه ليس بنتاً وقيل إنه خنثى، سماه المجلى " المخصي" وأسند إليه خدمة البغل .
لم يستطع المجلى بعد وفاة حميدة العيش بلا امرأة ، فخطف رجله إلى نجع "أبومندور " حيث قابل " سعدية الحلبية "
سعدية الحلبية كانت قد عرضت عليه فى السابق أن تزوجه ، لكنه كان مكتفيا بحميدة .. وكانت سعدية قبل حميدة تأتي إلى خص المجلى ، ترتاح قليلاً من وعثاء الطريق ، تعد الشاى لها وللمجلى ، وكان المجلى يقرصها فى وركها ، فتضحك ، وتتخفف من ملابسها ، وقيل ـ والله أعلم ـ كانت تستولي على كل ما لدى المجلى من فلوس قبل أن تخلع سروالها. هرشت سعدية رأسها ، بعد أن شربت الشاى مع المجلى ، وطلبت من زوجها أن يخطف رجله إلى خيمة " سلمان " وهمست فى أذنه قليلاً ، ثم تحدثت بصوت مسموع :" خلِّيهم ينضَّفوا البنت الوسطانية ".
وانهمكت ما إن انصرف زوجها فى وصف جسد البنت الوسطانية :" بيضا ، ومفخدة ، صدر نافر ، وعنين زى عيون البقر ، وتشرِّف العمدة ، وإيدك على الحلاوة "وكانت قد سألته:" دفنت المرحومة فين ؟"، وكان قد أجاب:" فى الخص "، وأشاح بوجهه متبرماً :" خلينا فى الحى " ، وكانت قد علَّقت:" حى مدد.." ، وهنالك ضحكت بصوت مسموع وثنت سبابة يدها اليمنى ، ورعَّصتها فى وجه المجلى .


المستدرك من تاريخ البغل :


فى ليلة مشئومة دخل عبد النبى إلى صحن داره، ولم يكن غير ضوء قنديل يدغش وحيداً فى ظلام البيت الدامس .. سأل عبدالنبى بصوتٍ قضى عليه دخان الشيشة : " الفرسة مربوطة ؟ " فردتَّ إحدى بناته بصوتٍ ناعس: " مربوطة " , والحقيقة لم يكن قد ربط الفرسة أحد , وكانت مطلقة بالزريبة.
فى تلك الأثناء كان عبدالنبى لم يغلق باب بيته بعد, وكان عليه أن يقضى حاجته فى الزريبة كعادته قبل أن يذهب إلى دكته لينام , وتلك كانت فرصة الفرسة للخروج من الزريبة إلى الباب الرئيسى إلى الدرب الضيَّق , ثم إلى الخلاء , حيث دخلت زراعات الذرة الممتدة التى تحيط بيوت القرية القليلة المتكتلة .
بعد أن قضى عبدالنبى حاجته أغلق باب الزريبة ومضى إلى الباب الرئيسى .. أغلقه ثم استلقى على أقرب دكة بجوار الباب.
الفرسة وصلت إلى أقرب مزرعة .. أكلت من قناديل الذرة , وأتلفت ما أتلفت من عيدانها , ثم تراجعت إلى الخلف , ومضت فوق الطريق الترابى المحاذى للمنازل .. مضت شرقاً باتجاه ترعة الفؤادية , حتى اعتلت المدق الموازى للترعة , واتجهت بلا هدفٍ فوق المدق تتلكأ نحو الشمال ..تخرج نفارها وزفيرها , وتحرك منشة ذيلها حتى وصلت أمام خصّ المجلى .
فى الصباح شاهد المارة المجلى وهو ينشئ جناحاً جديداً لخصَّه من
الجهة الشرقية المتاخمة للترعة.
منادى عبدالنبى انتهى تقريباً من مهمته فى كل أنحاء القرية والقرى المجاورة : فرسة عبدالنبى أبونبوت ضاعت يا أولاد الحلال .. واللى يلقاها يسلمها لصاحبها وله الحلاوة والأجر والثواب ... " وإن كان هذا النداء لم يرضِ عبدالنبى , فسُمِع المنادى بعد يومين ينادى :" فرسة عبد النبى أبونبوت ضاعت ، وصاحبها ها يقرا عدة ياسين .. وذنبك على جنبك يا بن الحلال .." . وعاد بعد يومين آخرين وكرر نداءه على نحو صريح:" عبد النبى ها يقرا عدة ياسين فى اللى سرق فرسته .. والحاضر يعلم الغايب ، وذنبك على جنبك يا بن الحلال .." .. والمجلى انتهى فى نفس الوقت تقريباً من بناء جناحٍ إضافى لخصه ، استقرت فيه الفرسة حتى وضعت مولودها : بغلاً عفياً أحمر اللون ، يشرح الصدر .
بعد شهر تقريباً، وفى ليلة غاب قمرها ، وكان المجلى قد اطمأن على صحة البغل ، الذى أصبح يأكل الخضرة .. سحب الفرسة إلى آخر غيط ذرة لم يكن قد جُمِع بعد.. أدخل الفرسة وسط عيدانه وطعنها فى صدرها عدة طعنات بسكين حادة طويلة النصل، ومضى إلى خصه . بعد ثلاثة أيام كانت رائحة الفرسة النافقة تعبئ البراح ، ومن ثم تأكد" عبد الفضيل أبوالعتقى " صاحب الغيط أن فرسة نافقة فى غيطه .. منتفخة ومتعفنة، هنالك هتف: " فرسة عبد النبى !" ولأول مرة يرتاح قلب العمدة الذى كان لايزال هو وخفراؤه يتشممون أخبار الفرسة ، وكان الخبر قد فاح فى جوانب القرى ، ومن ثم حمد الناس ربهم أن جثة الفرسة قد عُثِرَ عليها ؛ لأنهم كانوا يخافون من فتنة ستنشب فى البلد ، لو فكر عبدالنبى وإخوته وأولاده فى الإنتقام ممن يظنون أنهم سرقوا فرسته .
عبدالنبى أراد أن يتأكد فذهب فى صباح اليوم الخامس إلى غيط الذرة ، ونظر إلى الجثة .. كانت الذئاب قد التهمت لحمها ، ولم يبق غير رأسها والذيل ، وسلسلة الظهر، ومع ذلك فقد تحقق عبد النبى من الأجزاء الباقية هذه ، وتأكد بعد قليل نظر أنها فرسته، وقال :" الخَلاَّف موجود " وإن كانت عيناه قد دمعتا للحظة وهو يغادر المكان .
الغريب فى أمر عبدالنبى أنه أطلق منادياً فى كل القرى المجاورة يُعْلِم الناس : " كل نفس ذائقة الموت .... ماتت فرسة عبدالنبى أبونبوت ، والعزاء واجب ، بمندرة
آل"أبونبوت " لمدة خمسة أيام " وسُمع عبدالنبى يحلف بالطلاق بعد صلاة ظهر ذلك اليوم أمام المسجد ويرفع صوته مجلجلاً فى الساحة الواسعة :" علىَّ الطلاق بالتلاتة إللى ما يعزينى فى فرستى ما أعزى فى ميتينه طول ما أنا عايش .."
فتح آل أبى نبوت مندرتهم ، واستقبلوا المعزين ، وكان عبدالنبى مصراً على أن
يأتى بخطيب الجامع ليقرأ على مسامع المعزين القرآن ، إلا أن الخطيب أفتى بأن ذلك لا يجوز على البهائم ، ونصحه بالدعاء :" اللهم ألهمنى من فضلك الصبر والسلوان ، واجمعنى بها يوم الدين ..".
لم تمضِ ثلاثة أيام على نَصْبة العزاء حتى سقط عبدالنبى من فوق الدكة التى يجلس عليها فى المندرة .. ورآه المعزون وهو مغمض العينين، لاينبس بأية كلمة ، وكان يُريِّل، ويخرج من صدره تنهدات خفيتة . حمله الناس إلى بيته، ومددوه على دكته فى سقيفة بيته، وسَمِعتْ زوجته " مكىّ أبونبوت " يرفع عقيرته :" اغلوا لمونة ناشفة بسرعة .."، وإن كان آخر قد اقترح أن يغلوا " حلفَا بر" .. المهم أن الناس أجلسواعبدالنبى , وشرَّبوه ما غلته زوجته , وبعدها بثلاث دقائق تقريباً فتح عبدالنبى عينيه على آخرهما , وطلب رؤية زوجته وأولاده00 ظل ينظر فى وجوههم لمدة دقيقتين تقريباً , ثم طلب من زوجته أن تقترب بأذنها من فمه .. همس فى أذنها بشىء ما, لم يسمع أحد بماذا همس .. لكن المقرَّبين من عبدالنبى أكدوا بأنه كان يدفن أموالاً فى أحد أركان الزريبة , أراد أن يدلها عليها .. انتهى عبدالنبى من الهمس فى أذن زوجته, وأسلم الروح .
ترحَّم الناس على عبدالنبى وفرسته , وأقام أهله نصبة العزاء , وسُمِع صوت المقرئ فى المندرة .
بعد ثلاثة أيام تقريباً من وفاة عبدالنبى كان البغل مربوطاً أمام خص المجلى , ورآه الناس جميعاً تحت الشمس : بغلاً أحمر , فاقع اللون , ذا غرة , وذيل طويل .. ينش به على جنبيه, وكان إلى حدٍ ما لامعاً وعفياً .
وكان المجلى دائم الجلوس فوق دكَّته الوحيدة أمام الخص, يقصُّ ما رآه على مسامع الناس:" كنت نائماً على جنبى اليمين.. وجهى للِقبلة.. وكنت على وضوء .. رأيت السماء تبرق.. انهمكت فى تأمل السماء حتى لأنى شاهدت بغلاً من نور يتشكل فى السماء .. يهبط رويداً إلى الأرض .. فى الحقيقة خفت, وتملكتنى الرهبة .. لكننى تعوذت من الشيطان, وقلت: يا رحمن.. وفى الصباح ما إن فتحت عينىّ وجدت هذا البغل فوق رأسى..".


الحضرة الزكية :


شاع فى كل القرى أن بغلاً من بغال الملائكة ظهر فى قرية " الطرابشة " , وهبط إلى الأرض , فى ليلة أربع عشرة , ودخل خصَّ الشيخ المجلى .. وقيل هو من بغال الجن, غير أن أحد الصالحين قال: يضع الله سرَّه أينما شاء, وقال: البغل ولىٌّ, وقال آخر: ربما هو روح ولىًّ تجسدت فى هذا البغل, وإن كان هذا الرأى ضعيفاً لأنه لم يقدم تفسيراً أو تبريراً لاختيار روح الولى شكل البغل لتتجسد فيها . أما القول : إن البغل ولىٌّ فقد أكدَّه المجلى نفسه بشكل أكثر جلاءً , ودونما كثير عناء أو جهدٍ فى الإقناع عندما جعل ليلة الجمعة الأولى من كل شهر قمرى مخصصة لحلقة ذكر كبيرة أسماها
" الحضرة " , يتوسط البغل عقِدها .. يجتمع الدراويش فيها من كل القرى والنجوع والكفور .. يتحلقون حول البغل فى البراح المترامى على شاطئ الترعة , وقد وقف البغل معززاً مؤزراً وسط الحلقة أمام مِخْوَل العلف , وحوله مواجيرُ الفخار التى ملئت ماءً , وجمراً , وبخوراً .

وعلى أضواء القناديل يبدأ المجلى مراسم الحضرة بصوتٍ صارخٍ " حىّ " وهنالك يبدأ قرع الدفوق , وهنالك يبدأ المنشد فى رفع عقيرته بالإنشاد , وقد تراصَّ الجميع وقوفاً, يتمايلون مع نغمات توقيع الدفوف والإنشاد , إلى الخلف والأمام يتمايلون , ثم ... وعلى جنوبهم ما إن يَحْمَ وطيس الإنشاد .
ليلة الحضرة ليلة فتٍّ وطبيخ , وكان بعض الدراويش يأتون منذ صباح الخميس ؛ لطهى اللحوم التى يرسل بها الجزارون . ويوم الخميس هو يوم سوق قرية الطرابشة وبعض القرى المجاورة .. كان الجزارون يتبارون فى إرسال اللحوم إلى المجلى , ويقال إن واحداً لم يرسل ـ كالعادة ـ جزءاً من الذبيحة , فذهب إليه المجلى يوم السوق
التالى, نظر إلى الذبيحة نظرة واحدة , فإذا بالدود يرعى فى اللحم ,وصارت رائحته
نتنة , ويقال : " بيت الجزار اتخرب " .

هكذا بدأ الجزَّارون يتهيبون المجلى , ورأوا أن إرضاءه سوف يطرح البركة فى تجارتهم , ونحا نحوهم هذا كل تجار السوق فيما بعد , فكان يوم السوق هو يوم توافد الأطنان من الفاكهة والخضروات واللحوم , والغلال إلى خص المجلى .
هكذا بدأ صيت الحضرة يخترق آفاق البلاد حتى لأن أناساً كثيرين من البنادر كانوا يأتون إلى الحضرة . , الأمر الذى رأى معه المجلى أن يوسع من خصّه قليلاً حتى يجد مكاناً لمبيت النساء اللائى كن يتوافدن مع الرجال, ويضطرهن طول المسافات ووعورة الطرق إلى المبيت , وقد ساعد الأهالى فى توسيع الخص , وجهزوا معه جناحاً ثالثاً على شمال الخص , وفتحوا له باباً على زريبة البغل , وباباً آخر على الخلاء .
هذا وقد أشاع المجلى فى أوساط الحضور أن: " حضرتنا يفزع الجن منها " .. ومن ثم كان كثير من المهووسين ومن بهم مسٌّ من الجن وأصحاب العاهات يأتون إلى الحضرة, يتمرغون فى تراب الأرض, ويطلقون الصراخ فى البراح, غير أن أشدَّ ما كان يزحم ليلة الحضرة هو كثرة الركائب التى كان يربطها أصحابها حول الخص, حتى لأن الليلة بدت كما لو كانت للحمير والناس معاً.. ولقد رأى المجلى ـ للمرة الرابعة ـ أن يوسَّع من خُصَّه, وقد شوهد الأهالي وهم منكبون على خلط التبن والتراب الدهس بالماء, استعداداً لتجهيز النجاح الرابع للخص , لكنما المشكلة كانت فى ضيقالمساحة منالأرض بين الترعة والمدق, ومن ثم رأى المجلى أن يستأجر ثلاثة قراريط من أراضى "المحجوب أبوطربوش " المترامية غرب المدق .. وهكذا تم للأهالى ما تمنوه وبدأوا فى تجهيز مخامر الطين وحوّطوا المساحة المستأجرة بسياج من أطواف الطين وأصبح بعد كثير عناء جناحاً للحمير.
ويقال إن "المحجوب "رفض فى نهاية العام استلام إيجار المطرح وتبرع به للحضرة ، ويقال إن "المحجوب "وهب ثلاثة القراريط بعد ذلك للحضرة ، واعتبرها ملكاً لأهل الله .وقيل إن المحجوب أقدم على هذه الخطوة الكريمة بعدما رأى المجلى رؤيا شاهد فيها المحجوب وفى يده اليمين ولدان.. ولما كانت زوجة المحجوب لا تنجب فرح المحجوب الرؤيا ،واعتبرها بشارة خير، وحلف بالطلاق وهو جالس أمام الخص، لو صدقت الرؤيا لوهب المجلى فدانين يضيفهما إلى الجناح الغربى الذى أنشأه مؤخراً .
هنالك هبَّ المجلى ـ ما إن سمع المحجوب .... هبَّ إلى دواته, وأوراقه ,وفتح كتاباً متهالكاً , وظل ينظر فيه طويلأ ثم خطط :


ألا يا طبيب الجن بالله داوينى * فإن طبيب الإنس أعياه ما بيـا

أُعزَّم عليكم يابنى الجن كلكم * بمن رفع السبع الطباق العواليا

بمن بسط الأرضين فوق لجة * وأرساها بالشامخات العوايتـا
بجلجليش العظيم أخو نمو شَلَّخ * أن تجعلونى من أصحاب العياليا
أجبنى يابرقان ياشمهورش * الطيـار بما أنت راقيــــا





طبقَّها المجلى على شكل مربع وناولها للمحجوب, ونصحه بأن يحفظها فى قماشة ويربطها تحت إبط امرأته دائماً ماعدا وقت الاستحمام, ثم قام إلى الداخل, وأحضر ثلاث بعرات للبغل, وأمر المحجوب أن يضع واحدة منها تحت مخدة نومه عندما ينام مع زوجه, وأن يطبخ الثانية بخلٍّ أحمر, ويدهن منها رأس قضيبه, أما الثالثة فهى لأهل بيته كى تخلطها امرأته مع البخور .
وقبل أن ينصرف المحجوب طلب منه المجلى أن يأكل كبد " أبو الفصاد " يوم ثلاثاء قبل غروب الشمس مباشر .. وقال : " ربنا ياخد باليد " وسأل المحجوب عن اسم زوجه , فأجاب المحجوب : " لمؤاخذة : جملات " , وسأله عن اسم أمه فأجاب :" لمؤاخذة: توحيده " .
ظل المجلى يكتب أرقاماً وحروفاً , ويجمع يطرح بصوتٍ عالٍ ثم قال للمحجوب: " رقم مراتك 252 , ورقمك أنت 101 " ثم تناول قلمه وكتب : ميمون ياميمون ..عَجَّل إلى بطن 252 وافتح بيت مولادها الأماميا .. وتوكلوا ياخدّام هذه الأسماء بتهييج 101 بحق الأسماء: الوحا2, البغل2, . الساعة 2 " . وقال : لفّ فى هذا الورقة مصطكى ولبان دكر, وسندروس وبخور وارمها فى الجمر , واجعل مراتك تخطو عليها سبع مرات عند غروب الشمس " ؛ وقال : " ربنا ياخد باليد " .
يقال إن المحجوب ما إن نفذ ما طلب منه المجلى بالحرف الواحد حتى شاهدت زوجه أشخاصاً كثيرين الواحد منهم فى حجم إصبع اليد , كانوا ينتشرون فى البيت يرقصون ويلعبون , حتى لأنها عندما كانت تأتى بأى صحن لتكب فيه الطبيح , ترى فيه حفنة من هؤلاء الأشخاص الصغار , وقيل إن المحجوب بلع واحداً منهم ذات مرة وهو يشرب الشاى , وقيل ـ والله أعلم ـ إن هذا الذى بلعه المحجوب هو طبيب من الجن دخل ليداوى جوف المحجوب .
ما يعنينا أن المحجوب هبَّ ذات ليلة من أحلى نومة , ولكز امرأته فى جنبها , فأيقظها هى الأخرى من عز نومها , ولما استفسرت قال لها المحجوب وقد تهلل وجه بشراً وحبورا : " قومى " ولما استفسرت ثانية , قال : " ربَّنا هيا خد باليد .." , ولكنها عادت واستفسرت , فقال : " ربنا سهَّل " .. بيد أنها عادت إلى الاستفسار, ولما رأى المحجوب أنها لم تعد تفهم بَرَك عليها , وقيل أنه ظل يزمزم فوقها , ويزمجر حتى الصباح .

سعدية الحلبية :

سعدية كُفَّ بصرها مؤخزاً , ولم تعد تخرج للبيع أو الشراء , مثلما اعتادت منذ تزوج بها " أبوضيف " الحلبى وتحملت معه المسئولية , وعرفها الناس تاجرة تبيع القماش والقمصان والمناديل والأطباق والأكواب لنسوة القرى , وقيل إنها أحياناً كانت تتاجر فى الشاى والسكر والصابون , حتى أضحت شهيرة فى كل القرى , تنتظرها النساء كل يوم سوق .. تمر علي البيوت تحصِّل منهم الأقساط وما تجود به الأيدي من خبز وجبن وطبيخ .
تميزت سعدية بجمال واتساع عينيها, وقيل إن الكحل الذي كان يُري في رموشهما ربَّانيٌّ, وربما لسحر وجمال عينيها وحسن منطقها, وخفَّة دمها, وملاحة نكتتها, لاقت سعدية قبولاً عند كل رجال القري علي السواء, وربما أيضاً لامتلاء جسدها وبروز صدرها وردفيها كانت أنظار الرجال معلقة بها, ولم تكن سعدية أكثر من أمرآة جميلة ذكية استغلت حضورها ولهفة الرجال عليها, واستحسان النساء لها وروَّجت بضائعها ومن ثم جرت الفلوس في يدها.
قبل أن يتزوجها أبوضيف بثلاثة أشهر تقريباً سافر بها بعض أهلها إلي أسيوط, واشتغلت في إحدى المقاهي, وظلت في رفقة "جواهر" أشهر راقصات أسيوط في ذلك الوقت, لولا أنها فجأة أصيبت بمرض في الصدر, وقيل إنه "حسد" وقيل إنه سُلٌّ, ومهما كان نوع المرض وسببه فقد عاد بها أهلها إلي أبومندور وتزوج بها أبوضيف .
أحياناً كان الناس يتساءلون عن سعدية هل هي من " الحلب " أم من " الغجر" وعندما كانوا يسألونها صراحة كانت تقول إنها من خلق الله .
سعدية تنتمى أساساً لطائفة من الجماعات السيارة التى لا ترسو كثيراً فى بلدٍ إلا إذا وجدت مكاناً للإقامة , وقبولاً من الأهلين به .
ولقد استقرت منذ طفولتها مع جماعتها على أطراف قرية " أبومندور " حيث نصبوا خيامهم هناك بالتجاور مع بيوت الأقباط , وأقاموا نشاطهم التجارى الذى لا يخلو من التسول العارض أيام الأسواق , وأيام جمع المحصول , سمَّاهم الأهالى " الحَلَب " ربما لأصولهم الشامية ,وقال البعض إنهم ليسوا حلباً بل من " الغجر" , ورغب بعض المترفين فى إقامتهم لأن نساءهم كُنَّ جميلات ممتلئات الجسد , لهن بشرة بيضاء ضاربة إلى الحمرة , وكن فى الكثير من الأحوال لا يرفضن طلباً لمن يتستر عليهن , مادام يغدق عليهن العطاء .
توطدت علاقة سعدية بالمجلى منذ زمن طويل , حيث اعتادت أن ترتاح فى خصَّه أثناء عودتها من جولاتها فى القرى .. تنزل من على ظهر جحشها وتدفع باب الخص بيدها, وتدخل ساحبة الجحش خلفها .. أحياناً يكون المجلى نائماً فتوقظه .. تدفس ذراعها فى خُرْجها , وتخرج ما يشاء حظ المجلى من أطعمة القرى .. تتناول مع المجلى الغداء المتأخر دائماً , ثم تُعِدُّ الشاى , وتجلس بجوار المجلى على المصطبة .
تمتد يدا المجلى إلى صدرها, ووركيها, فتقوم..تتخفف من ملابسها, وتستلقى على المصطبة .
هي تعترف فيما بينها وبين نفسها أن المجلي مارس معها الحرام أكثر من عدد شعر رأسها, وفي كل مرة كانت تستولي على ما في جيب المجلي من فلوس.
كان المجلي راضيا بهذا، فهي صديقته التي مارس معها علاقة جنسية أولي في حياته، وهي التي تأكدت معها فحولة المجلي ورجولته، وهي التي أنس بها، وفتح لها قلبه.
صارحتة مرة أن زوجها " أبوضيف" يعرف ... وأن الفلوس التي تأخذها منه تسلمها لأبي ضيف، وقالت إنه لا يمانع طالما يقبض الثمن .. ضحك المجلي وعلق على كلام سعدية بقوله: عرفت الآن كيف تنتقل الفلوس من جيب رجل إلى جيب رجل أخر.
عندما دخلت خصة ذات مرة ، ورأت " حرمة " ضربت على صدرها بيدها ، قالت : إنت عشقت واحدة ثانية علىَّ يا مجلي؟! ,وأطالت النظر إلى المرأة، وأعادت الضرب على صدرها وسألت بدهشة: حميدة؟!00طلب منها المجلي أن تسترعليه وعليها، وأن تكفئ على ماجوراً، ففعلت ، ولم تبح بالسر بعد أن علمت بوفاتها .. هي صديقة مخلصة للمجلي، وربما هي الوحيدة بين الناس التي تعرف أن المجلي هو الذي استولي على فرسة عبدالنبي وأخفاها حتي ولدت عنده البغل الذي ادَّعي أنه هبط من السماء .
لقد كُفّ بصرها مؤخراً، وأمست حبيسة الدار، ولم يعد أحد يزورها، وهي التي كانت تزور كل الناس .. لقد جابت كل القرى، ودخلت كل البيوت ، أختزنت كثيراً من أسرارها أعتاد الناس رؤيتها فوق ظهر الجحش ، تمسك عصاه في يد، وفي الأخر قلادة الجحش. كنت أخيرا مع زوجها المسن أبي ضيف، وأبنتها الوحيدة " عدلات" التي أنجبتها بعدما اقتربت من الأربعين ، ويقال- والله أعلم- إنها ابنة المجلي وليس ابنة أبي ضيف.
وكان المجلي قد وعد سعدية بأن"عدلات " ستتزوج على يديه، وسيبني لها قصرا بجوار قصره، لذلك فإن الخبر الذي وصل إلى سعدية كان صاعقاً، ومفاجئاً ومخيباً لآملها وآمال ابنتها، والزوج أبي ضيف .. ليس هذا فحسب بل إن سعدية بصفتها كبيرة جماعة الحلب ترى أن مصائب المجلى هى مصائب الحلب فى نفس الوقت .. فمنذ أن زوجته
بـ " سنية " البنت الوسطى " لسلمان أبوالحمد" وأصبحت جماعة الحلب كلها أصهاراً للمجلى .. يأتون إلى حلقة الذكر فى ساحة قصره كل أسبوع .. منهم المنشدون , ومنهم ضاربو الدفوف , وبهم تملأ الصفوف الأولى ..
سعدية لمَّا أتاها الخبر قالت : "نهار أسود" ولمَّا أخبرتها ابنتها أن الشمس قد غربت قالت " تبقى ليلة طين " وأمرت بتجهيز الركائب، ولأن جحش سعدية نفرىّ وعفىّ ,ولم تكن ترتاح إليه منذ أن كفّ بصرها ركبت جحشاً آخر خلف زوجها أبى ضيف , وانطلقا إلى قصر المجلى مع آخرين أتوا معهما من جماعة الحلب , فقد ركب سبعة رجال وخمس نساء الحمير , واتجهوا وراء الجحش الذى يقوده أبو ضيف .


( يتبع )

التعديل الأخير تم بواسطة خفاجى ; 05-25-2007 الساعة 01:15 AM.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 05-17-2007, 05:45 AM
الصورة الرمزية dr.hanyhaggag
تفضل بزيارة منتداي
أديــب

كاتب مميز التكريم من الدرجة الثانية 
 
تاريخ التسجيل: Aug 2006
المشاركات: 1,029
صوت لتميز الموضوع: 0
تم التصويت لتميز مواضيعه 0 مرة في 0 مشاركة
معدل تقييم المستوى: 6
dr.hanyhaggag is on a distinguished road
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى dr.hanyhaggag
عمل مميز بحق ويستحق زيارة لاحقة

دمت بخير
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 05-17-2007, 11:08 AM
الصورة الرمزية SOSO

وسام التواصل 
 
تاريخ التسجيل: Aug 2006
الدولة: مصر
المشاركات: 3,233
صوت لتميز الموضوع: 42
تم التصويت لتميز مواضيعه 0 مرة في 0 مشاركة
معدل تقييم المستوى: 10
SOSO will become famous soon enough
تسجيل حضور ومتابعة
سو سو
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 05-19-2007, 01:38 PM
الصورة الرمزية عبدالرحمن جاسم
فني
 
تاريخ التسجيل: Aug 2006
المشاركات: 9,209
صوت لتميز الموضوع: 21
تم التصويت لتميز مواضيعه 0 مرة في 0 مشاركة
معدل تقييم المستوى: 20
عبدالرحمن جاسم will become famous soon enough
الأستاذ عبد الجواد خفاجى
رائع ما خطته اناملك
ارجو أن لا تبخل علينا بالمزيد
تحياتي؛
عبد الرحمن
__________________





الحزن كلمة تنقصها دقة الوصف للحالة..

الموت ليس نهاية الأمس بل ماساة الغد..

فهد..

و بدات ماساتي مع فقدك..
*** ***
اعذروا.. تطفلي على القلم
[/center]
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 05-25-2007, 10:09 PM
الصورة الرمزية جان صباغ
عضو شرف
 
تاريخ التسجيل: Aug 2006
الدولة: ......
المشاركات: 2,152
صوت لتميز الموضوع: 0
تم التصويت لتميز مواضيعه 0 مرة في 0 مشاركة
معدل تقييم المستوى: 8
جان صباغ is on a distinguished road
مرحبا بهذا القلم الرائع
جان
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 05-28-2007, 02:51 PM
الصورة الرمزية نور الأدب
تفضل بزيارة منتداي
إشراف عام
مساعد اداري
رئيسة تحرير نوارس أدبية
أديـــبـة

وسام التميز التكريم من الدرجة الأولى وسام الإتقان 
 
تاريخ التسجيل: Aug 2006
الدولة: مملكة النور
المشاركات: 11,253
إجمالي التدوينات: 1
صوت لتميز الموضوع: 75
تم التصويت لتميز مواضيعه 0 مرة في 0 مشاركة
معدل تقييم المستوى: 20
نور الأدب has a spectacular aura aboutنور الأدب has a spectacular aura about


ومنذ ذاك الوقت !! ونحن بانتظار هذي الـ "يتبع" سيدي ..؛



__________________

الحكم نتيجة الحكمة والعلم نتيجة المعرفة فمن لا حكمة له لا حكم له ، و من لا معرفة له لا علم له

قليل جميل، خير من كثير عليل؛
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 04-23-2009, 09:09 AM
الصورة الرمزية رحيق

عضو مميز وسام التواصل 
 
تاريخ التسجيل: Aug 2006
الدولة: عربي....
المشاركات: 7,960
صوت لتميز الموضوع: 41
تم التصويت لتميز مواضيعه 0 مرة في 0 مشاركة
معدل تقييم المستوى: 20
رحيق will become famous soon enoughرحيق will become famous soon enough
رد: بغل المجلى ـ رواية : عبدالجواد خفاجى ( الجزء الأول )

الاستاذ الخفاجي
عالمك السردي مختلف
لافض فوك
رحيق
رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر هذا الموضوع عالمياً في مواقع النشر (المفضلة)

لتسهيل البحث عن الموضوع في محركات البحث العالمية أضف الكلمات الدلالية (Tags) الآن بالضغط على تعديل الكلمات الدلالية على اليسار
الليلي, الأول, الجزء, بعل, خفاجى, رواية, عبدالجواد

« من رواية " رسالة في زجاجة " | ليلة إفريقية رواية جديدة للكاتب مصطفى لغتيري »
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة