| ||||||
|
![]() |
| |||||||
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
| #1 | ||||
| ||||
| الدراويش يعودون الى المنفى / 02/ رواية / ابراهيم درغوثي / تونس الدراويش يعودون إلى المنفى رواية ابراهيم درغوثي / تونس الجزء الثاني "الأسطورة الشعبية تخلق الكون الذي يدفع تلك العناصر التي نسميها إنسانية أو طبيعية أو فوق الطبيعة إلى الانخراط في لعبة تبادل و تحول هائلة لكنها دقيقة التفاصيل. الفكر الأسطوري لا يقدم آلهة أو بشرا في وضع من التضاد و التعارض. إنه يؤله الإنساني و يؤنسن الإلهي". ميشال زيرافا "الأسطورة و الرواية" الباب الأول درويش يشتري قدر حاتم الطائي من "السوبرماركت" حدتني يحي بن عقاب قال : "رأيت قبر حاتم طيء ببقة وهو أعلى جبل ، و له واد يقال له الخابل ، و إذا قدر عظيمة من بقايا قدور حجر مكفأة في ناحية من القبر، وهي من القدور التي كان يطعم فيها الناس . و عن يمين قبره أربع جوار من حجارة . و على يساره أربع جوار من حجارة . كلهن صاحبة شعر منشور. متحجرات على قبره كالنائحات عليه . و الجواري بالنهار كما ذكرنا . فإذا هدأت العيون . ارتفعت أصوات الجن بالنياحة عليه. و نحن بمنازلنا نسمع ذلك . إلى أن يطلع الفجر. فإذا طلع الفجر سكتن و هدأن . و ربما مر المار فيراهن . فيفتتن بهن فيميل إليهن عجبا بهن . فإذا دنا منهن وجدهن حجارة". المسعودي "مروج الذهب" كان جالسا أمام الموقد ، مادا رجليه تحت القدر، و نيران جهنم تلتهم الرجلين ، تأكل من الحم و العضم ، وهو يتدفأ . يفرك اليد اليمنى باليسرى ، و يتدفأ متلذذا ، و يضع من حين لآخر قطع الحطب يؤجج بها النيران ، و اللهب يصبح بلون الشمس ، والبخار يتصاعد من القدر ،والرجلان تشتعل فيهما النيران ، ويشتعل في وجهه نور الشمس فيعكسه في كل الاتجاهات . و يصبح وجهه مرآة تشتعل فيها كل شموس الدنيا. قيل : هذا درويش العائد من غربته ليلة السادس عشر من الشهر الفائت حين اكتمل القمر في سمائه. ترك حصانه يرعى في الجبل و جاء إلى هذه الساحة. بات ثلاث ليل بدون طعام ترك الصدقات جانبا: صحون الكسكسي، و قدور المرق ،و البطاطة المقلية ، و البيض المسلوق، و الخبز، و التمر. قال إن الدنيا كانت تأتيه على هيأة عجوز و تحمل إليه في كل ليلة رغيفين و كوز ماء ،و تكنس الساحة،و تسامره حتى أذان الفجر، ثم تذهب. في اليوم الرابع سأل عن "السوبرماركت" ،نطقه هكذا ،بلكنة أمريكية، فدله على الطريق واحد من الصبية العائدين من المدرسة، و أعطاه العنوان : امش سيدي حتى نهاية هذا الشارع ثم در يمينا و لا تتوقف حتى يتقاطع شارع الحرية مع شارع الإستقلال هناك على يسارك ستجد بناية كبيرة ذات ثلاث طوابق ، إنتبه و أنت تشق شارع الحرية فقد مات هناك خلق كثير. شكر الصبي ، و أعطاه كيس دنانير ذهبية مرسوم على وجهها صورة الإمبراطور رونالد ريغن ، و مكتوب على قفاها: "ضربت في عهد الخليفة الناصر لدين الله" . ومشى في الشارع الطويل إلى أن صفعته البناية ذات الطوابق الثلاثة. وقف أمام الباب البلوري و دهش عندما انفتح الباب وحده و دلف إلى داخل قاعة فسيحة ملأى بالكؤوس البلورية و السكاكين و الملاعق و أجهزة التلفزيون و الطبخ و الراديوهات و قوارير الجعة و "الجوني ولكر" و علب المشروبات الغازية و ثياب الأطفال و اللحم المصبر و قمصان النوم الحريرية الحمراء و الوردية و البنفسجية و مضارب كرة التنس و قدور الألمنيوم في أحجام مختلفة و الكراسي و الطاولات و بنادق صيد . و أحس بالدوار، فأخرج من جرابه كيس الدنانير الذهبية . عد عشرة ، أعطاها للبائع ، و طلب قدرا . قال :"قدر من الألمينيوم من فضلك . هذه القدر الكبيرة" . حول البائع نظراته بين الرجل و الدنانير الذهبية . و اشتعل الذهب في وجهه فبحث عن السلم . ارتقاه مرتعشا. أنزل قدر الألمنيوم الكبيرة . لفها بسرعة . و مدها للرجل. قال درويش : هذه قدر حاتم طيء. و لم يفهم الرجل قصده . تركه واقفا يحتضن القدر و ذهب إلى "الكاسة". أخرج من صندوقها قطع نقود نحاسية . عدها و مدها إلى هذا الشاري الغريب الذي يقايض الألمنيوم بالذهب. و ابتعد وهو يلتفت في كل الاتجاهات ... و عاد درويش إلى الساحة وهو يحمل قدر الألمنيوم ، و وضعها فوق ثلاث صخور، و أشعل النيران في رجليه ، و جلس يطبخ الماء و الحجر. تجمع الأهالي حوله ينظرون . خالطت نظراتهم الدهشة و الخوف تشجع بعضهم اقتربوا أكثر. مدوا أيديهم فما أحسوا بلسعة النار. قالوا : "نار درويش لا تحترق". و تركوه و عادوا إلى منازلهم . و جاء الصغار. حاموا حول الموقد وجلين فنداهم ، أو هكذا خيل إلى الصغار. ذهبوا قربه فتناول الجواهر و الدنانير الذهبية من السماء ، وضع الجواهر في كيسه ، و نثر الدنانير في الهواء . تخاطفها الأطفال و طاروا إلى السوق . اشتروا طائرات من ورق و رجعوا إلى الساحة. أعادوا إلى درويش باقي النقود ، قطع صغيرة من النحاس . قلبها في يده و ضحك. قال : "سأبني هيكلا ها هنا ، أعلم فيه الأطفال السحر و قيادة الطائرات الورقية ، و نطير حتى المنتهى ، حتى المنتهى" . و مرت أيام. و مر أسبوع . و مر شهروشهور. و مر دهر ، مرت دهور، و درويش يترقب مجىء الرجال ، و الرجال توسدوا نهود النساء، و ناموا. رأوا درويش يمشي على الماء. و ناموا. و رفعوا رؤوسهم مرة فإذا برجل جالس في الهواء و في يده سلسلة من ذهب فيها كوز من ياقوت أحمر و درويش يشرب و يقول : "هاكم اشربوا ماء أطيب من المسك ، و أبرد من الثلج، و أحلى من العسل". و الرجال يقولون : "نار درويش لا تحرق" . والكلاب ما أعياها النباح . و الأطفال لم يتعبوا من الجري تحت القمر. و طائرات الورق مازالت تطير. و الرجال يقولون : "من يفك عن أطفالنا سحر هذا الساحر" ؟ و يذهبون إلى شيخ القبيلة . و شيخ القبيلة في خيمته يتنصت لطنين مكيف الهواء . و الرجال يستأذنون من الحاجب في الملوث بين يدي الشيخ. و يحرك الحاجب رمحه و يتنحى عن الباب . و يقول للرجال : "النجدة يا أمير المؤمنين" . طائرات من ورق يقودها أطفال المدارس – يجرونها من تحت بخيوط من البلاستيك – تطير كل يوم فوق القرية من الصباح إلى المساء . و نحن خائفون يا مولانا أن تقصف الطائرات القرية" . و يصاب الشيخ برعدة . و ينفجر غضبا : "هاتوا اللاسلكي". و يصيح : "الله الله يا خليفة رسول الله أنجد جنود الإسلام بطير من أبابيل" . و تخفت خشخشة اللاسلكي فيتفرق رجال القبائل . و النيران تشتعل في الموقد تحت قدر الألمنيوم ، و الأطفال يصيحون في الساحة ، و البرقيات تصل تباعا إلى الخليفة ، و الكلاب تهر، و النيران تشتعل في رجلي درويش ، و الناس يحكون عن أموات القرية الضاحكين على المغتسل . ضحك الأموات فلم يجسر أحد على غسلهم ، فتكدسوا في ثلاجة المستشفى. و مدرس التاريخ يحكي للأطفال عن إبراهيم الخليل قال : هل تعرفون قصة إبراهيم الخليل يا أولاد ؟" قالوا : "لا". قال : " جمع النمرود في بابل حطب الدنيا كلها و أشعل نارا أحمى من الشمس و ألقى فيها إبراهيم". قالوا : "يا الله ما أقسى قلبه". قال : "و خرج إبراهيم من النار و لم تحترق سوى قيوده" . قالوا : "عجيب ". قال : "لا تتعجبوا يا أطفالي . و عودوا إلى الساحة . اركبوا طائراتكم ..طائرات الورق ، و طيروا". ما أجمل أن يطير الأطفال فوق طائرات من ورق ، حتى المنتهى الباب الثاني بدء الخليقة كان السائح الفرنسي الجنسية فرنسوا مارتال يزور قريتنا مرتين في العام الواحد رحلة الشتاء و الصيف فرنسوا مارتال كاد يفارق سن الشباب ، إلا أن بنية جسمه مازالت شديدة ، فهو طويل ، ذو كتفين عريضين ، و وجه حليق دائما كوجوه القدسيين المعروضة في أيقونات الأدرية القديمة . و كل ما يلفت الناس إليه أكثر من غيره مشيته ، و بروز صدره - قيل و لله أعلم أنه يضع حمالتي نهود – و رجرجة ردفيه عند المشي و العكلة التي لا تفارق أوداجه أبدا. * * * فرنسوا مارتال يحب قريتنا حبا كبيرا ، فقد بنى فيها منزلا عصريا اختار له مواد بناء محلية : جريدة النخل و سعفه و خشبه و الآجر المشوي والطين و حجر الجبل . انتدب أمهر البنائين في الجهة . و صرف من المال الشيء الكثير، فنقشوا له الحجر، و تفننوا في صقل الخشب ، و في تصفيف الجريد حتى صار المنزل تحفة معمارية يزورها السياح الذين عبروا في أكثر من مرة عن إعجابهم الشديد بالمنزل . و كان الفرنسي ينظم في ليالي الصيف خاصة سهرات تدوم حتى الصباح ، سهرات "مالوف" و أذكار و رقص شعبي و سكر و عربدة و غناء ، و أشياء أخرى... و كان المنزل المبني فوق هضبة تطل على الواحة ذات المليون نخلة قد زينت جدرانها بصور سيدنا علي ابن أبي طالب محفوفا بسبطيه الحسن و الحسين عليهم و على آلهم أفضل الصلاة و التسليم ، و "رأس الغول" الكلب المهول "مخارق" صاحب واد السيسبان ، و البراق الشريف بقوائمه ذوات الحوافر، و جناحيه المزخرفين بألف لون و لون ، و وجه الملاك الذي يزينه ، و هدوج الجازية الهلالية ، و خيول بني هلال ، و ذياب ، و خليفة الزناتي ، و آدم و حواء بعد أن أكلا من تفاح الجنة ، و الحية الراقصة و قابيل و هابيل ، و كبش الرب النازل من السماء ، و جبرائيل ، و إسماعيل ، و إبراهيم الخليل ، و ملائكة ترفرف بأجنحة السلام ، و قناديل زيتية ، و مراوح من سعف النخل ، و مكاحل ، و سيوف ، و بنادق من العهد التركي ، و صناديق عرائس ، و مرشات عطور، و حلي فضية ، و قدور من طين و مشارب من فخار، و تسجيلات لأغاني الأعراس ، و نواح النادبات في المآتم... البيوت فسيحة و جميلة ، تسر الناظرين ، و بيت النوم أجمل من كل البيوت الأخرى ، يتوسطه سرير كبير، مذهب الحواشي ، تتدلى على جنباته الشراشف المطروزة بخيوط الحرير، و تحف به من الجانبين طاولتان صغيرتان ، على الأولى "أبجورة " حمراء ، و فوق الثانية "راديو" قديم من الحجم الكبير. و عبدو صديق الفرنسي و حارس المنزل عند غيابه ، لا ينفك ينفض الغبار و يمسح التحف و يغني و يسكر فالشراب متوفر دائما في هذا المكان... * * * عندما جاء فرنسوا مارتال هذا العام إلى القرية ، قام كعاته في كل مرة بزيارة للأحياء القديمة التي يرجع تاريخ بنائها إلى القرن الخامس عشر. كان مصحوبا بكلبه ، و بآلة تصوير كبيرة الحجم ، و بقفة ملأى بالحلوى ، و بعبدو. صور الصبيان العائدين من الواحة على الأحمرة ، حفاة ، يقطر من أنوفهم المخاط و الذياب . و هزته النشوة وهم يتغزلون بمؤخرته ، و يغمزون عبدو بأعين الذئاب ، و يطلقون في الهواء كلاما بذيئا ، فأعطاهم الحلوى ، و رد على نكاتهم بنكات ماجنة. و مر على العم علي التوكابري صانع المراوح و قفاف السعف و كراسي الجريد ، و حياه ، فباس الشيخ يده ، و تمنى له إقامة سعيدة مع صاحبه عبدو . و ضحك ، فبانت بقية أسنانه النخرة ، و حرك راسه أسفا ، و لسان حاله يقول : " لماذا كان وصولك إلينا متأخرا كل هذا الوقت أيها الرومي الملعون ؟ وحاول التقاط صور للشابات العائدات من الغدير ، فانهلن عليه سبا وشتما بعد أن غطين وجوههن بالملاءات السوداء ، فطيب عبدو خاطره قائلا : " لا عليك يا صاحبي إنهن يخفن الغريب خوفهن من وباء الكوليرا". ووقف ككل مرة يصل فيها إلى زقاق البهاليل أمام مبنى قديم تهدمت جدرانه إلا أن يد الفنان الذي أبدع الرسوم و الأشكال الهندسية على الحيطان بالآجر الأبيض و الأحمر و الأصفر و البني ما زالت ماثلة للعيان حتى هذا اليوم . قال : "لو أعرف من يعيد تشكيل هذه الرسوم "الساذجة" و العفوية بهذه الدقة و الحنان لجعلته يسافر معي إلى باريس" . و صور تلك الرسوم من جهات مختلفة ، و بأضوء مختلفة ، و بعدسات مختلفة، و تحسر على هذه الكنوز الضائعة. و واصل طريقه إلى أن حط الرحال في الساحة العمومية . كانت طائرات من ورق تغطي الساحة . طائرا ت بيضاء وحمراء وصفراء وبأشكال مختلفة . طائرات على شكل عفاريت ، و أخرى كالثعابين ، و طائرات تشبه الطيور الكبيرة المنقرضة. و كان درويش هناك ، يشعل النار في رجليه ، و يطبخ الماء و الحجر قدر "الألمنيوم . اقترب الفرنسي من الرجل الماد رجليه تحت القدر.. ووقف مدهوشا. وضع آلة التصوير على الأرض و أقعى .. فأقعى الكلب بجانبه. و أقعى عبدو بجانب الكلب. نظر إلى النيران المشتعلة في رجلي درويش أغمض عينيه مرة أولى.. و فتحهما.. ثم أغمضهما مرة أخرى. و فتحهما . اقترب أكثر من النار و قرب جمرة من وجهه "نار درويش لا تحترق" ، قال الرجال . أحس بلهيب النار يكويه ، فرمى الجمرة أرضا . رأى النيران تشتعل في حفرة كبيرة ..حفرة في حجم الشمس. حاول أن يتذكر أين رأى تلك الشمس الملتهبة فوق الأرض. تذكر التوراة... و تراتيل الأحبار.. و اللحي المتدلية حتى الصدور.. و بابل .. و إبراهيم الخليل .. و النمرود .. و "أنا ربكم الأعلى". أنا الخالق .. الرازق.. المحي.. المميت.. الرحمان.. الرحيم .. الجبار ... القهار .. المتكبر .. والمنجنيق يقذف بإبراهيم وسط اللهب ، و الهتافات تتعالى حتى السماء : " حرقوا هذا الدعي.. حرقوه و أنثروا رماده في الجهات الأربع" وضع رأسه فوق رأس الرجل و حركه فتحركت الرموش و تجاعيد الوجه أحس بقلبه يدق دقا عنيفا ، و بركبتيه ترتجفان ، و بوزنه يخف ، و بدأ يطير. امتطى طائرة ورقية على شكل تنين ، و طار. طار إلى الأعلى .. إلى الأعلى حتى المنتهى . و من هناك صور درويش مادا رجليه تحت القدر، و النيران تلتهب في الرجلين ، و بخار الماء يتصاعد من القدر حتى السماء . قال عندما حط التنين على الأرض : " شكرا للرب ، اليوم فقط اكتشفت سحر الشرق" . و سلك طريق العودة إلى البيت ، يتبعه كلبه و عبدو ، و آلة التصوير تتدلى فوق صدره ، و طائرات الورق تملأ السماء ، و الكلب ينبح ، و عبدو يمسك بيد سيده و يقوده إلى الازقة التي خلت من المارة فالشمس حارة ، و نيران بابل مازال لهيبها يصفع الوجوه. * * * في تلك الليلة ، و بعد أن استحم فرنسوا ، و تعطر، و تزين بالكحل ، و مضغ السواك ، و لبس غلالة شفافة ، و أطلق الكلب في الحديقة ، و أطفأ أنوار البيت ، و نام مع صديقه عبدو فوق السرير الرحب الواسع الرحمة ، و الموشحات الأندلسية تأتي من مكان بعيد ، هامسة ، خافتة كوقع أقدام الملائكة .. في تلك الليلة ، دق الجرس دقات جنائزية ، مرعبة ، تقطر سما. خاف الفرنسي حتى بال على الشراشف البيضاء النظيفة ، و عاود دق الجرس طويلا ، عنيفا ، لا ينتهي ..دقا كعواء الكلاب المسعورة. قام عبدو ، واتجه نحو الباب ، فتحه بوجل فرأى أمامه درويشا ، تلتهب النيران في رجليه . حاول الهرب فلم يقدر. صوت من أعماقه ، عويل ذئب مجروح. قال له : "لن يسمعك الرومي يا صاحبي" و اتجه نحو الخزانة الكبيرة ..الخزانة العجيبة التي تتصدر قاعة الجلوس أخرج منها آلة التصوير و الأشرطة ، و بدأ في التهامها شريطا وراء شريط ،و الفرنسي يصيح : " يا ويلتي" ... أكلني هذا الوحش ... أكل هذا الوحش الشرقي بدء الخليفة ." * * * يروي عن ابن عباس (رضي الله عنه ) أن أول ما خلق الله عز و جل الماء. و كان عرشه عليه. فلما أراد ان يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا ، فارتفع الدخان فوق الماء ، فسماه سماء. ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة. ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين : الأحد و الاثنين . و خلق الأرض على حوت.. و الحوت في الماء.. و الماء على الصفاء.. و الصفا على ظهر ملك.. و الملك على صخرة .. و الصخرة على الريح .. فاضطرب الحوت ، فتزلزلت الأرض ، فأرسى الله عليها الجبال ، فقرت الأرض . و خلق أقوات أهلها و سخرها و ما ينبغي لها في يومين : الثلاثاء الأربعاء . ثم استوى في السماء وهي دخان ، فقال لها و للأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا : أتينا طائعتين . فكان ذلك الدخان من نفس الماء حين تنفس.. فجعلها سماء واحدة . ثم فتقها فجعلها سبعا في يومين : الخميس و الجمعة. قال ابن عباس : و إن السماء الدنيا من زمردة خضراء. و السماء الثانية من فضة بيضاء. و السماء الثالثة من ياقوتة حمراء. و السماء الرابعة من درة بيضاء. و السماء الخامسة من ذهب أحمر. و السماء السادسة من ياقوتة صفراء. و السماء السابعة من نور. و في السماء السابعة ملائكة قيام على رجل واحدة تعظيما لله لقربهم منه قد خرقت أرجلهم الأرض السابعة فاستقرت أقدامهم على مسيرة خمسمائة عام تحت الأرض السابعة . و رؤوسهم تحت العرش من غير أن تبلغه و هم يقولون : " لا إله إلا الله ذو العرش المجيد " فهم إلى ذلك منذ خلقوا إلى أن تقوم الساعة. و تحت العرش بحر، منه أرزاق الحيوان يوحي الله إليه فيمطر من سماء إلى سماء حتى تنتهي إلى مكان يقال له " الأبرم" فتحمله الريح إلى السحاب فتغربله. و تحت السماء الدنيا بحر من ماء فيه من الدواب مثلما في بحور الأرض مستمسكة بالقدرة. و إن الله تعالى أسكن ظهر الأرض – لما فرغ من خلقها – الجن قبل آدم فجعلهم من مارج من نار و إبليس فيهم و نهاهم الله أن يسفكوا دم البهائم ، وأن يظهروا المعصية بينهم ، فسفكوا ، وعدا بعضهم على بعض . فلما رآهم إبليس لا يقلعون عن ذلك ، سال الله أن يرفعه إلى السماء ، فصار من الملائكة يعبد الله أشد عبادة . و أرسل الرب إلى الجن – وهم حزب إبليس – قبيلا من الملائكة ، فطردهم إلى جزر البحار. و قتلوا ما شاء الله منهم. و جعل الله " إبليس " على السماء الدنيا خازنا فتوقع في صده كبر ثم شاء الله عز و جل أن يخلق آدم فقال للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة. قالوا : ربنا و ما يكون ذلك الخليفة ؟ قال : تكون له ذرية. و يفسدون في الأرض . و يتحاسدون . و يقتل بعضهم بعضا . قالوا : ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ، و يسفك الدماء ، ونحن نسبح بحمدك و نقدس لك ؟ قال : إني أعلم ما لا تعلمون. ثم بعث الله جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها . قالت له الأرض : " إني أعوذ بالله منك أن تنقضني " فرجع. و لم يأخذ منها شيئا . وقال : " يا رب إنها عاذت بك" . ثم بعث الله ميكائيل، فقالت له مثل ذلك . فرجع . و لم يأخذ منها شيئا . فبعث الله ملك الموت ، فعاذت بالله منه . فقال : " و أنا أعوذ بالله أن أرجع و لم أنفذ الأمر. " فأخذ من تربة : سوداء وحمراء . وبيضاء فلذلك يخرج بنو آدم مختلفين في الألوان . و سمي آدم لأنه خرج من أديم الأرض و أوكل الله ملك الموت بالموت. و جبل آدم و تركه حتى صار طينا لا زبا يلصق بعضه ببعض أربعين سنة ، ثم صوره و تركه بلا روح – من صلصال كالفخار – حتى أتى عليه مئة و عشرون سنة ، فكانت الملائكة تمر به فيفزعون منه . و كان أشدهم فزعا إبليس . كان يمر به فيضربه برجله فيظهر له صوت كظهوره من الفخار. و كان إبليس يدخله من فيه و يخرج من دبره و يقول : "لأمر ما خلقت "... فلما أراد الله أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة : - " اسجدوا لآدم ". - فسجدوا. إلا إبليس أبى و استكبر و قال : " يا رب أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين. و النار أشرف من الطين. و أنا الذي كنت مستخلفا في الأرض. و أنا الملبس بالريش. و الموشح بالنور. و المتوج بالكرامة. و أنا الذي عبدتك في سمائك و أرضك ". قال له تعالى : "أخرج منها فانك رجيم . إن عليك لعنتي إلى يوم الدين" . فسأل الله المهلة إلى يوم يبعثون . فأنظره الله إلى يوم الوقت المعلوم . ثم نفخ الله تعالى في آدم من روحه . ثم خلقت حواء من آدم . و أسكنا الجنة لثلاث ساعات وهو ربع يوم بمائتي سنة و خمسين سنة من أعوام الدنيا. و أهبط الله آدم بسرنديب ، و حواء بجدة ، و إبليس ببيسان ، و الحية بأصبهان. فهبط آدم بالهند على جبل " الراهون" . و عليه الورق الذي خصفه من ورق الجنة ، فيبس ، فذرته الرياح ، فانتشر في بلاد الهند . فقيل إن علة الطيب بأرض الهند من ذلك الورق. و خصت أرض الهند بالعود و القرنفل و المسك و سائر الطيب. و كذلك الجبل لمعت عليه اليواقيت. و كان منه الماس. و في جزائر بحره السنباذج و في قعره مغائص اللؤلؤ. و إن آدم لما أهبط من الجنة ، اخرج منه و معه صرة من الحنطة ، و ثلاثون قضيبا من شجيرات الجنة ، مودعة أصناف الثمار. فمنها عشرة مما له قشر : وهي الجوز و اللوز و الجلوز- وهو البندق – و الفستق و الخشخاش و الشاه بلوط و الرانج و الرمان و الموز و البلوط. و منها عشرة ذات نوى : وهي الخوخ و المشمش و الإجاص و الربط و الغبيراء و النبق و الزعرور و العناب و المقل و الشاملوج - وهو إسم فارسي و تفسيره ملك الإجاص – و منها عشرة مما لا قشرة لها ولا حجاب دون طعمها و لا نوى داخلها وهي التفاح و السفرجل و العنب و الكمثرى و التين و التوت و الأترج و القثاء و الخيار و الخروب . ثم أن آدم لما أدى الوصية أتته وفاته عليه السلام ، فتوفى يوم الجمعة لستة خلون من نيسيان في الساعة التي كان فيها خلقه . و كان عمره تسعمائة و ستة و ثلاثين سنة. و يقال إنه مات عن أربعين ألفا من ولده و لد ولده. و تنازع الناس من قبره. فمنهم من زعم أن قبره بمنى في مسجد الخيف . و منهم من رأى أنه في كهف في جبل أبي قبيس . و قيل غير ذلك . و الله أعلم بحقيقة الحال. |
![]() |
| أنشر هذا الموضوع عالمياً في مواقع النشر (المفضلة) |
| لتسهيل البحث عن الموضوع في محركات البحث العالمية أضف الكلمات الدلالية (Tags) الآن بالضغط على تعديل الكلمات الدلالية على اليسار |
| 02 or, المنفي, الى |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
| |