main
مرحباً بك يا غير مسجل هل تعلم أن هذا المنتدى يتبع المعهد العربي للبحوث و الدراسات الاستراتيجية، (مؤسسة غير ربحية و غير حكومية).. تعمل من أجل التعريف بدين و حضارة الأمة للآخر.. و أن للمعهد مواقع مختلفة منها على سبيل المثال لا الحصر.. جميع مواقع كلنا.. و السياسي.. و مدوانات عزف.. و قاطع.. و أنا انسان.. و أن مساهمتك في التعريف و تطوير تلك المواقع هي عمل يعادل تبرعك بالمال.. لكم جميعا منا فائق التقديرعلى جهودكم


العودة   منتديات المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية > واحـــة الأدب > دوحــة الحكاية > الـروايــة
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 08-30-2008, 01:47 AM
الصورة الرمزية ابراهيم درغوثي
أديــب - عضو شرف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
المشاركات: 897
معدل تقييم المستوى: 2
ابراهيم درغوثي is on a distinguished road
الدراويش يعودون الى المنفى / 02/ رواية / ابراهيم درغوثي / تونس



الدراويش يعودون إلى المنفى

رواية

ابراهيم درغوثي / تونس

الجزء الثاني




"الأسطورة الشعبية تخلق الكون الذي يدفع تلك العناصر التي نسميها إنسانية أو طبيعية أو فوق الطبيعة إلى الانخراط في لعبة تبادل و تحول هائلة لكنها دقيقة التفاصيل.
الفكر الأسطوري لا يقدم آلهة أو بشرا في وضع من التضاد و التعارض. إنه يؤله الإنساني و يؤنسن الإلهي".

ميشال زيرافا
"الأسطورة و الرواية"


الباب الأول
درويش يشتري قدر حاتم الطائي من "السوبرماركت"

حدتني يحي بن عقاب قال :
"رأيت قبر حاتم طيء ببقة وهو أعلى جبل ، و له واد يقال له الخابل ، و إذا قدر عظيمة من بقايا قدور حجر مكفأة في ناحية من القبر، وهي من القدور التي كان يطعم فيها الناس . و عن يمين قبره أربع جوار من حجارة . و على يساره أربع جوار من حجارة . كلهن صاحبة شعر منشور. متحجرات على قبره كالنائحات عليه . و الجواري بالنهار كما ذكرنا . فإذا هدأت العيون . ارتفعت أصوات الجن بالنياحة عليه. و نحن بمنازلنا نسمع ذلك . إلى أن يطلع الفجر. فإذا طلع الفجر سكتن و هدأن . و ربما مر المار فيراهن . فيفتتن بهن فيميل إليهن عجبا بهن . فإذا دنا منهن وجدهن حجارة".

المسعودي
"مروج الذهب"


كان جالسا أمام الموقد ، مادا رجليه تحت القدر، و نيران جهنم تلتهم الرجلين ، تأكل من الحم و العضم ، وهو يتدفأ . يفرك اليد اليمنى باليسرى ، و يتدفأ متلذذا ، و يضع من حين لآخر قطع الحطب يؤجج بها النيران ، و اللهب يصبح بلون الشمس ، والبخار يتصاعد من القدر ،والرجلان تشتعل فيهما النيران ، ويشتعل في وجهه نور الشمس فيعكسه في كل الاتجاهات .
و يصبح وجهه مرآة تشتعل فيها كل شموس الدنيا.
قيل : هذا درويش العائد من غربته ليلة السادس عشر من الشهر الفائت حين اكتمل القمر في سمائه.
ترك حصانه يرعى في الجبل و جاء إلى هذه الساحة. بات ثلاث ليل بدون طعام ترك الصدقات جانبا: صحون الكسكسي، و قدور المرق ،و البطاطة المقلية ، و البيض المسلوق، و الخبز، و التمر. قال إن الدنيا كانت تأتيه على هيأة عجوز و تحمل إليه في كل ليلة رغيفين و كوز ماء ،و تكنس الساحة،و تسامره حتى أذان الفجر، ثم تذهب.
في اليوم الرابع سأل عن "السوبرماركت" ،نطقه هكذا ،بلكنة أمريكية، فدله على الطريق واحد من الصبية العائدين من المدرسة، و أعطاه العنوان : امش سيدي حتى نهاية هذا الشارع ثم در يمينا و لا تتوقف حتى يتقاطع شارع الحرية مع شارع الإستقلال هناك على يسارك ستجد بناية كبيرة ذات ثلاث طوابق ، إنتبه و أنت تشق شارع الحرية فقد مات هناك خلق كثير.
شكر الصبي ، و أعطاه كيس دنانير ذهبية مرسوم على وجهها صورة الإمبراطور رونالد ريغن ، و مكتوب على قفاها: "ضربت في عهد الخليفة الناصر لدين الله" .
ومشى في الشارع الطويل إلى أن صفعته البناية ذات الطوابق الثلاثة. وقف أمام الباب البلوري و دهش عندما انفتح الباب وحده و دلف إلى داخل قاعة فسيحة ملأى بالكؤوس البلورية و السكاكين و الملاعق و أجهزة التلفزيون و الطبخ و الراديوهات و قوارير الجعة و "الجوني ولكر" و علب المشروبات الغازية و ثياب الأطفال و اللحم المصبر و قمصان النوم الحريرية الحمراء و الوردية و البنفسجية و مضارب كرة التنس و قدور الألمنيوم في أحجام مختلفة و الكراسي و الطاولات و بنادق صيد . و أحس بالدوار، فأخرج من جرابه كيس الدنانير الذهبية . عد عشرة ، أعطاها للبائع ، و طلب قدرا . قال :"قدر من الألمينيوم من فضلك . هذه القدر الكبيرة" . حول البائع نظراته بين الرجل و الدنانير الذهبية . و اشتعل الذهب في وجهه فبحث عن السلم . ارتقاه مرتعشا. أنزل قدر الألمنيوم الكبيرة . لفها بسرعة . و مدها للرجل. قال درويش : هذه قدر حاتم طيء.
و لم يفهم الرجل قصده . تركه واقفا يحتضن القدر و ذهب إلى "الكاسة". أخرج من صندوقها قطع نقود نحاسية . عدها و مدها إلى هذا الشاري الغريب الذي يقايض الألمنيوم بالذهب.
و ابتعد وهو يلتفت في كل الاتجاهات ...
و عاد درويش إلى الساحة وهو يحمل قدر الألمنيوم ، و وضعها فوق ثلاث صخور، و أشعل النيران في رجليه ، و جلس يطبخ الماء و الحجر. تجمع الأهالي حوله ينظرون . خالطت نظراتهم الدهشة و الخوف تشجع بعضهم اقتربوا أكثر. مدوا أيديهم فما أحسوا بلسعة النار.
قالوا : "نار درويش لا تحترق".
و تركوه و عادوا إلى منازلهم .
و جاء الصغار. حاموا حول الموقد وجلين فنداهم ، أو هكذا خيل إلى الصغار. ذهبوا قربه فتناول الجواهر و الدنانير الذهبية من السماء ، وضع الجواهر في كيسه ، و نثر الدنانير في الهواء . تخاطفها الأطفال و طاروا إلى السوق . اشتروا طائرات من ورق و رجعوا إلى الساحة.
أعادوا إلى درويش باقي النقود ، قطع صغيرة من النحاس . قلبها في يده و ضحك.
قال : "سأبني هيكلا ها هنا ، أعلم فيه الأطفال السحر و قيادة الطائرات الورقية ،
و نطير حتى المنتهى ،
حتى المنتهى" .
و مرت أيام.
و مر أسبوع .
و مر شهروشهور.
و مر دهر ،
مرت دهور،
و درويش يترقب مجىء الرجال ،
و الرجال توسدوا نهود النساء، و ناموا.
رأوا درويش يمشي على الماء.
و ناموا.
و رفعوا رؤوسهم مرة فإذا برجل جالس في الهواء و في يده سلسلة من ذهب فيها كوز من ياقوت أحمر و درويش يشرب و يقول : "هاكم اشربوا ماء أطيب من المسك ، و أبرد من الثلج، و أحلى من العسل". و الرجال يقولون : "نار درويش لا تحرق" .
والكلاب ما أعياها النباح .
و الأطفال لم يتعبوا من الجري تحت القمر.
و طائرات الورق مازالت تطير.
و الرجال يقولون : "من يفك عن أطفالنا سحر هذا الساحر" ؟
و يذهبون إلى شيخ القبيلة .
و شيخ القبيلة في خيمته يتنصت لطنين مكيف الهواء .
و الرجال يستأذنون من الحاجب في الملوث بين يدي الشيخ.
و يحرك الحاجب رمحه و يتنحى عن الباب .
و يقول للرجال : "النجدة يا أمير المؤمنين" .
طائرات من ورق يقودها أطفال المدارس – يجرونها من تحت بخيوط من البلاستيك – تطير كل يوم فوق القرية من الصباح إلى المساء . و نحن خائفون يا مولانا أن تقصف الطائرات القرية" .
و يصاب الشيخ برعدة . و ينفجر غضبا : "هاتوا اللاسلكي".
و يصيح : "الله الله يا خليفة رسول الله أنجد جنود الإسلام بطير من أبابيل" .
و تخفت خشخشة اللاسلكي فيتفرق رجال القبائل . و النيران تشتعل في الموقد تحت قدر الألمنيوم ، و الأطفال يصيحون في الساحة ،
و البرقيات تصل تباعا إلى الخليفة ،
و الكلاب تهر،
و النيران تشتعل في رجلي درويش ،
و الناس يحكون عن أموات القرية الضاحكين على المغتسل . ضحك الأموات فلم يجسر أحد على غسلهم ، فتكدسوا في ثلاجة المستشفى.
و مدرس التاريخ يحكي للأطفال عن إبراهيم الخليل قال : هل تعرفون قصة إبراهيم الخليل يا أولاد ؟"
قالوا : "لا".
قال : " جمع النمرود في بابل حطب الدنيا كلها و أشعل نارا أحمى من الشمس و ألقى فيها إبراهيم".
قالوا : "يا الله ما أقسى قلبه".
قال : "و خرج إبراهيم من النار و لم تحترق سوى قيوده" .
قالوا : "عجيب ".
قال : "لا تتعجبوا يا أطفالي . و عودوا إلى الساحة . اركبوا طائراتكم ..طائرات الورق ، و طيروا".
ما أجمل أن يطير الأطفال فوق طائرات من ورق ، حتى المنتهى




الباب الثاني
بدء الخليقة


كان السائح الفرنسي الجنسية فرنسوا مارتال يزور قريتنا مرتين في العام الواحد رحلة الشتاء و الصيف
فرنسوا مارتال كاد يفارق سن الشباب ، إلا أن بنية جسمه مازالت شديدة ، فهو طويل ، ذو كتفين عريضين ، و وجه حليق دائما كوجوه القدسيين المعروضة في أيقونات الأدرية القديمة . و كل ما يلفت الناس إليه أكثر من غيره مشيته ، و بروز صدره - قيل و لله أعلم أنه يضع حمالتي نهود – و رجرجة ردفيه عند المشي و العكلة التي لا تفارق أوداجه أبدا.
* * *
فرنسوا مارتال يحب قريتنا حبا كبيرا ، فقد بنى فيها منزلا عصريا اختار له مواد بناء محلية : جريدة النخل و سعفه و خشبه و الآجر المشوي والطين و حجر الجبل . انتدب أمهر البنائين في الجهة . و صرف من المال الشيء الكثير، فنقشوا له الحجر، و تفننوا في صقل الخشب ، و في تصفيف الجريد حتى صار المنزل تحفة معمارية يزورها السياح الذين عبروا في أكثر من مرة عن إعجابهم الشديد بالمنزل .
و كان الفرنسي ينظم في ليالي الصيف خاصة سهرات تدوم حتى الصباح ، سهرات "مالوف" و أذكار و رقص شعبي و سكر و عربدة و غناء ، و أشياء أخرى...
و كان المنزل المبني فوق هضبة تطل على الواحة ذات المليون نخلة قد زينت جدرانها بصور سيدنا علي ابن أبي طالب محفوفا بسبطيه الحسن و الحسين عليهم و على آلهم أفضل الصلاة و التسليم ، و "رأس الغول" الكلب المهول "مخارق" صاحب واد السيسبان ، و البراق الشريف بقوائمه ذوات الحوافر، و جناحيه المزخرفين بألف لون و لون ، و وجه الملاك الذي يزينه ، و هدوج الجازية الهلالية ، و خيول بني هلال ، و ذياب ، و خليفة الزناتي ، و آدم و حواء بعد أن أكلا من تفاح الجنة ، و الحية الراقصة و قابيل و هابيل ، و كبش الرب النازل من السماء ، و جبرائيل ، و إسماعيل ، و إبراهيم الخليل ، و ملائكة ترفرف بأجنحة السلام ، و قناديل زيتية ، و مراوح من سعف النخل ، و مكاحل ، و سيوف ، و بنادق من العهد التركي ، و صناديق عرائس ، و مرشات عطور، و حلي فضية ، و قدور من طين و مشارب من فخار، و تسجيلات لأغاني الأعراس ، و نواح النادبات في المآتم...
البيوت فسيحة و جميلة ، تسر الناظرين ، و بيت النوم أجمل من كل البيوت الأخرى ، يتوسطه سرير كبير، مذهب الحواشي ، تتدلى على جنباته الشراشف المطروزة بخيوط الحرير، و تحف به من الجانبين طاولتان صغيرتان ، على الأولى "أبجورة " حمراء ، و فوق الثانية "راديو" قديم من الحجم الكبير.
و عبدو صديق الفرنسي و حارس المنزل عند غيابه ، لا ينفك ينفض الغبار و يمسح التحف و يغني و يسكر فالشراب متوفر دائما في هذا المكان...
* * *
عندما جاء فرنسوا مارتال هذا العام إلى القرية ، قام كعاته في كل مرة بزيارة للأحياء القديمة التي يرجع تاريخ بنائها إلى القرن الخامس عشر.
كان مصحوبا بكلبه ، و بآلة تصوير كبيرة الحجم ، و بقفة ملأى بالحلوى ، و بعبدو.
صور الصبيان العائدين من الواحة على الأحمرة ، حفاة ، يقطر من أنوفهم المخاط و الذياب . و هزته النشوة وهم يتغزلون بمؤخرته ، و يغمزون عبدو بأعين الذئاب ، و يطلقون في الهواء كلاما بذيئا ، فأعطاهم الحلوى ، و رد على نكاتهم بنكات ماجنة.
و مر على العم علي التوكابري صانع المراوح و قفاف السعف و كراسي الجريد ، و حياه ، فباس الشيخ يده ، و تمنى له إقامة سعيدة مع صاحبه عبدو . و ضحك ، فبانت بقية أسنانه النخرة ، و حرك راسه أسفا ، و لسان حاله يقول : " لماذا كان وصولك إلينا متأخرا كل هذا الوقت أيها الرومي الملعون ؟
وحاول التقاط صور للشابات العائدات من الغدير ، فانهلن عليه سبا وشتما بعد أن غطين وجوههن بالملاءات السوداء ، فطيب عبدو خاطره قائلا :
" لا عليك يا صاحبي إنهن يخفن الغريب خوفهن من وباء الكوليرا".
ووقف ككل مرة يصل فيها إلى زقاق البهاليل أمام مبنى قديم تهدمت جدرانه إلا أن يد الفنان الذي أبدع الرسوم و الأشكال الهندسية على الحيطان بالآجر الأبيض و الأحمر و الأصفر و البني ما زالت ماثلة للعيان حتى هذا اليوم . قال : "لو أعرف من يعيد تشكيل هذه الرسوم "الساذجة" و العفوية بهذه الدقة و الحنان لجعلته يسافر معي إلى باريس" .
و صور تلك الرسوم من جهات مختلفة ، و بأضوء مختلفة ، و بعدسات مختلفة، و تحسر على هذه الكنوز الضائعة.
و واصل طريقه إلى أن حط الرحال في الساحة العمومية . كانت طائرات من ورق تغطي الساحة . طائرا ت بيضاء وحمراء وصفراء وبأشكال مختلفة . طائرات على شكل عفاريت ، و أخرى كالثعابين ، و طائرات تشبه الطيور الكبيرة المنقرضة.
و كان درويش هناك ، يشعل النار في رجليه ، و يطبخ الماء و الحجر قدر "الألمنيوم . اقترب الفرنسي من الرجل الماد رجليه تحت القدر..
ووقف مدهوشا.
وضع آلة التصوير على الأرض و أقعى ..
فأقعى الكلب بجانبه.
و أقعى عبدو بجانب الكلب.
نظر إلى النيران المشتعلة في رجلي درويش
أغمض عينيه مرة أولى..
و فتحهما..
ثم أغمضهما مرة أخرى.
و فتحهما .
اقترب أكثر من النار و قرب جمرة من وجهه
"نار درويش لا تحترق" ، قال الرجال .
أحس بلهيب النار يكويه ، فرمى الجمرة أرضا .
رأى النيران تشتعل في حفرة كبيرة ..حفرة في حجم الشمس. حاول أن يتذكر أين رأى تلك الشمس الملتهبة فوق الأرض.
تذكر التوراة...
و تراتيل الأحبار..
و اللحي المتدلية حتى الصدور..
و بابل ..
و إبراهيم الخليل ..
و النمرود ..
و "أنا ربكم الأعلى".
أنا الخالق ..
الرازق..
المحي..
المميت..
الرحمان..
الرحيم ..
الجبار ...
القهار ..
المتكبر ..
والمنجنيق يقذف بإبراهيم وسط اللهب ،
و الهتافات تتعالى حتى السماء :
" حرقوا هذا الدعي..
حرقوه و أنثروا رماده في الجهات الأربع"
وضع رأسه فوق رأس الرجل و حركه فتحركت الرموش و تجاعيد الوجه أحس بقلبه يدق دقا عنيفا ، و بركبتيه ترتجفان ، و بوزنه يخف ، و بدأ يطير. امتطى طائرة ورقية على شكل تنين ، و طار.
طار إلى الأعلى ..
إلى الأعلى حتى المنتهى .
و من هناك صور درويش مادا رجليه تحت القدر، و النيران تلتهب في الرجلين ، و بخار الماء يتصاعد من القدر حتى السماء .
قال عندما حط التنين على الأرض : " شكرا للرب ، اليوم فقط اكتشفت سحر الشرق" .
و سلك طريق العودة إلى البيت ، يتبعه كلبه و عبدو ، و آلة التصوير تتدلى فوق صدره ، و طائرات الورق تملأ السماء ، و الكلب ينبح ، و عبدو يمسك بيد سيده و يقوده إلى الازقة التي خلت من المارة فالشمس حارة ، و نيران بابل مازال لهيبها يصفع الوجوه.

* * *

في تلك الليلة ، و بعد أن استحم فرنسوا ، و تعطر، و تزين بالكحل ، و مضغ السواك ، و لبس غلالة شفافة ، و أطلق الكلب في الحديقة ، و أطفأ أنوار البيت ، و نام مع صديقه عبدو فوق السرير الرحب الواسع الرحمة ، و الموشحات الأندلسية تأتي من مكان بعيد ، هامسة ، خافتة كوقع أقدام الملائكة ..
في تلك الليلة ، دق الجرس دقات جنائزية ، مرعبة ، تقطر سما. خاف الفرنسي حتى بال على الشراشف البيضاء النظيفة ، و عاود دق الجرس طويلا ، عنيفا ، لا ينتهي ..دقا كعواء الكلاب المسعورة.
قام عبدو ، واتجه نحو الباب ، فتحه بوجل فرأى أمامه درويشا ، تلتهب النيران في رجليه . حاول الهرب فلم يقدر. صوت من أعماقه ، عويل ذئب مجروح.
قال له : "لن يسمعك الرومي يا صاحبي" و اتجه نحو الخزانة الكبيرة ..الخزانة العجيبة التي تتصدر قاعة الجلوس أخرج منها آلة التصوير و الأشرطة ، و بدأ في التهامها شريطا وراء شريط ،و الفرنسي يصيح :
" يا ويلتي" ...
أكلني هذا الوحش ...
أكل هذا الوحش الشرقي بدء الخليفة ."

* * *
يروي عن ابن عباس (رضي الله عنه ) أن أول ما خلق الله عز و جل الماء.
و كان عرشه عليه.
فلما أراد ان يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا ، فارتفع الدخان فوق الماء ، فسماه سماء.
ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة.
ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين : الأحد و الاثنين .
و خلق الأرض على حوت..
و الحوت في الماء..
و الماء على الصفاء..
و الصفا على ظهر ملك..
و الملك على صخرة ..
و الصخرة على الريح ..
فاضطرب الحوت ، فتزلزلت الأرض ، فأرسى الله عليها الجبال ، فقرت الأرض . و خلق أقوات أهلها و سخرها و ما ينبغي لها في يومين : الثلاثاء الأربعاء . ثم استوى في السماء وهي دخان ، فقال لها و للأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا : أتينا طائعتين .
فكان ذلك الدخان من نفس الماء حين تنفس..
فجعلها سماء واحدة .
ثم فتقها فجعلها سبعا في يومين : الخميس و الجمعة.
قال ابن عباس :
و إن السماء الدنيا من زمردة خضراء.
و السماء الثانية من فضة بيضاء.
و السماء الثالثة من ياقوتة حمراء.
و السماء الرابعة من درة بيضاء.
و السماء الخامسة من ذهب أحمر.
و السماء السادسة من ياقوتة صفراء.
و السماء السابعة من نور.
و في السماء السابعة ملائكة قيام على رجل واحدة تعظيما لله لقربهم منه قد خرقت أرجلهم الأرض السابعة فاستقرت أقدامهم على مسيرة خمسمائة عام تحت الأرض السابعة . و رؤوسهم تحت العرش من غير أن تبلغه و هم يقولون : " لا إله إلا الله ذو العرش المجيد " فهم إلى ذلك منذ خلقوا إلى أن تقوم الساعة.
و تحت العرش بحر، منه أرزاق الحيوان يوحي الله إليه فيمطر من سماء إلى سماء حتى تنتهي إلى مكان يقال له " الأبرم" فتحمله الريح إلى السحاب فتغربله.
و تحت السماء الدنيا بحر من ماء فيه من الدواب مثلما في بحور الأرض مستمسكة بالقدرة.
و إن الله تعالى أسكن ظهر الأرض – لما فرغ من خلقها – الجن قبل آدم فجعلهم من مارج من نار و إبليس فيهم و نهاهم الله أن يسفكوا دم البهائم ، وأن يظهروا المعصية بينهم ، فسفكوا ، وعدا بعضهم على بعض .
فلما رآهم إبليس لا يقلعون عن ذلك ، سال الله أن يرفعه إلى السماء ، فصار من الملائكة يعبد الله أشد عبادة .
و أرسل الرب إلى الجن – وهم حزب إبليس – قبيلا من الملائكة ، فطردهم إلى جزر البحار.
و قتلوا ما شاء الله منهم.
و جعل الله " إبليس " على السماء الدنيا خازنا
فتوقع في صده كبر ثم شاء الله عز و جل أن يخلق آدم فقال للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة.
قالوا : ربنا و ما يكون ذلك الخليفة ؟
قال : تكون له ذرية.
و يفسدون في الأرض .
و يتحاسدون .
و يقتل بعضهم بعضا .
قالوا : ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ، و يسفك الدماء ، ونحن نسبح بحمدك و نقدس لك ؟
قال : إني
أعلم
ما
لا
تعلمون.
ثم بعث الله جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها .
قالت له الأرض : " إني أعوذ بالله منك أن تنقضني " فرجع.
و لم يأخذ منها شيئا .
وقال : " يا رب إنها عاذت بك" .
ثم بعث الله ميكائيل، فقالت له مثل ذلك .
فرجع .
و لم يأخذ منها شيئا .
فبعث الله ملك الموت ، فعاذت بالله منه .
فقال : " و أنا أعوذ بالله أن أرجع و لم أنفذ الأمر. " فأخذ من تربة : سوداء
وحمراء .
وبيضاء
فلذلك يخرج بنو آدم مختلفين في الألوان .
و سمي آدم لأنه خرج من أديم الأرض
و أوكل الله ملك الموت بالموت.
و جبل آدم و تركه حتى صار طينا لا زبا يلصق بعضه ببعض أربعين سنة ، ثم صوره و تركه بلا روح – من صلصال كالفخار – حتى أتى عليه مئة و عشرون سنة ، فكانت الملائكة تمر به فيفزعون منه . و كان أشدهم فزعا إبليس . كان يمر به فيضربه برجله فيظهر له صوت كظهوره من الفخار.
و كان إبليس يدخله من فيه و يخرج من دبره و يقول : "لأمر ما خلقت "...
فلما أراد الله أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة :
- " اسجدوا لآدم ".
- فسجدوا.
إلا إبليس أبى و استكبر و قال : " يا رب أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين. و النار أشرف من الطين.
و أنا الذي كنت مستخلفا في الأرض.
و أنا الملبس بالريش.
و الموشح بالنور.
و المتوج بالكرامة.
و أنا الذي عبدتك في سمائك و أرضك ".
قال له تعالى :
"أخرج منها فانك رجيم .
إن عليك لعنتي إلى يوم الدين" .
فسأل الله المهلة إلى يوم يبعثون .
فأنظره الله إلى يوم الوقت المعلوم .
ثم نفخ الله تعالى في آدم من روحه .
ثم خلقت حواء من آدم .
و أسكنا الجنة لثلاث ساعات وهو ربع يوم بمائتي سنة و خمسين سنة من أعوام الدنيا.
و أهبط الله آدم بسرنديب ،
و حواء بجدة ،
و إبليس ببيسان ،
و الحية بأصبهان.
فهبط آدم بالهند على جبل " الراهون" .
و عليه الورق الذي خصفه من ورق الجنة ، فيبس ، فذرته الرياح ، فانتشر في بلاد الهند . فقيل إن علة الطيب بأرض الهند من ذلك الورق.
و خصت أرض الهند بالعود و القرنفل و المسك و سائر الطيب.
و كذلك الجبل لمعت عليه اليواقيت. و كان منه الماس.
و في جزائر بحره السنباذج
و في قعره مغائص اللؤلؤ.
و إن آدم لما أهبط من الجنة ، اخرج منه و معه صرة من الحنطة ، و ثلاثون قضيبا من شجيرات الجنة ، مودعة أصناف الثمار.
فمنها عشرة مما له قشر : وهي الجوز و اللوز و الجلوز- وهو البندق – و الفستق و الخشخاش و الشاه بلوط و الرانج و الرمان و الموز و البلوط.
و منها عشرة ذات نوى : وهي الخوخ و المشمش و الإجاص و الربط و الغبيراء و النبق و الزعرور و العناب و المقل و الشاملوج - وهو إسم فارسي و تفسيره ملك الإجاص –
و منها عشرة مما لا قشرة لها ولا حجاب دون طعمها و لا نوى داخلها وهي التفاح و السفرجل و العنب و الكمثرى و التين و التوت و الأترج و القثاء و الخيار و الخروب .
ثم أن آدم لما أدى الوصية أتته وفاته عليه السلام ، فتوفى يوم الجمعة لستة خلون من نيسيان في الساعة التي كان فيها خلقه .
و كان عمره تسعمائة و ستة و ثلاثين سنة.
و يقال إنه مات عن أربعين ألفا من ولده و لد ولده.
و تنازع الناس من قبره.
فمنهم من زعم أن قبره بمنى في مسجد الخيف .
و منهم من رأى أنه في كهف في جبل أبي قبيس .
و قيل غير ذلك .
و الله
أعلم
بحقيقة
الحال.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر هذا الموضوع عالمياً في مواقع النشر (المفضلة)

لتسهيل البحث عن الموضوع في محركات البحث العالمية أضف الكلمات الدلالية (Tags) الآن بالضغط على تعديل الكلمات الدلالية على اليسار
02 or, المنفي, الى

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

Counters

الساعة الآن 03:12 AM.


.جميع الحقوق محفوظة للمعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية 2006

الآراء المنشورة في المنتديات ليست بالضرورة تمثل وجهة نظر المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية او القائمين عليه

Designed by: Typical Design
Powered by vBulletin® Version 3.7.0, Copyright ©2000 - 2009, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.2.0