| ||||||
|
![]() |
| |||||||
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
| #1 | ||||
| ||||
| الدراويش يعودون الى المنفى / 03/ رواية / ابراهيم درغوثي / تونس الدراويش يعودون إلى المنفى رواية الجزء الثالث ابراهيم درغوثي / تونس الباب السادس حفل عشاء عند ملك الحيرة في الساحة ما زال درويش يصب الماء على رجليه، يغرف من سطل بجانبه ، و يهرق النفط على أعواد الحطب.. و الخطب .. و صور زعماء القبائل المعروضة في الجرائد اليومية . و يضغط البخار على غطاء قدر الألمينيوم ، فيبرك درويش فوقه و يقول : " لا ! ليس ! الآن مازالت طائراتنا من ورق "... وحول الساحة، و على جنباتها حوانيت تبيع للسياح : الزرابي .. و العقال العربي.. و الأفاعي المحنطة .. و العقارب المدسوسة في علب صغيرة من الزجاج البراق . و فراء الثعالب.. و صور الواحات .. و الجمال .. و كثبان الرمل .. و وصلت القافلة.... كان درويش يمد الدنانير الذهبية المصكوكة في عهد سليمان القانوني إلى الأطفال، و يوصيهم بشراء طائرات ورقية جديدة عندما وصلت قافلة السياح الأمريكان إلى الساحة. ارتفع رغاء الجمال الباركة .. و كثر زعيق البدو : - من هنا "ميس" من هنا ! - "مستر" انظر ما أجمل هذه الناقة. - "مسز" تعالي هنا!هذا جمل عبلة زوجة عنترة، فارس بني عبس. العبد الأسود قاتل الأبطال و فالق هامات الرجال . هل تعرفين " عنترة " يا سيدتي الجميلة ؟ - نعم ، نعم ، أعرفه هو كلب صاحب الفندق . و تتعالى الضحكات... و يصبح الرمل كنار الله الموقدة. و تبدأ الرحلة. إلى أين سنذهب هذا اليوم أيها الدليل ؟ لقد زرنا الواحة ، و عيون الماء ، و المتحف ، و حديقة حيونات الصحراء. و يرد الجمال قائد القافلة : " سنزور اليوم مدينة الحيرة. أنتم ضيوف الملك النعمان". و ينوح الحادي بأغنية لمايكل جاكسون. و " يا حادي العيس في ترحالك الأجل" . و تسير القافلة. الجمال يسير برجليه الحافيتين ، يدب فوق الرمل الحارق . و السائحة الأمريكية على ظهر الجمل في قمة لذتها ، تتحرك يمنة و يسرة فوق السنام. السنام... الصاعد... النازل.. الطالع.. الهابط.. الصاعد... النازل.. الطالع.. الهابط.. و الجمل يخب ... و الجمال يربت على الفخذين الشقراوين .. و يمارس العادة السرية جهارا فيسيل لعابه على الرمل . و السنام يعلو و يهبط . و السراب يحول الصحراء إلى سرير كبير . و تقطر اللذة من عيني السائحة الأمريكية. و يربت الرجل على فخذيها بحنان ، فلا تخجل . و القافلة تقترب من مدينة الحيرة ، فتخرج كوكبة من الحرس السلطاني لإستقبالها . و ترحب بهم الكلاب . و ينبح الرجال . و ترفع البنود فوق المباني الحكومية ، و في الساحات العامة . و يصطف الخلق على جنبات الطرق الرئيسية مهللين مكبرين . و تصيح مضخمات الصوت معلنة عن وصول قافلة الأصدقاء ، فيصفق الأطفال الصغار. و تزغرد النساء. و يضرب الرجال الدفوف و الطبول. و يهزون الأعلام ملوحين بها في كل الاتجاهات . و السياح يصورون هذه المشاهد التي لم تخطر لهم على بال. و السنام يواصل الصعود و الهبوط حتى قصر الضيافة. و يمد السماط على الأرض : جمال مذبوحة. و رجال مذبوحة. عفوا ... غلطني الوزن . أقصد : جمال مذبوحة . و جمال مذبوحة. و جمال مذبوحة. و يفوح الشواء .. شواء لحم الرجال. عذرا مرة أخرى ... جعلني الوزن أغلط . أقصد : فاح شواء لحم الجمال. و يعبق الجو برائحة التوابل و يسر سائح لعجوزه : " يقال أن لحم الجمل يقوي الرغبة في الجماع" و تعضه العجوز في شحمة أذنه . و يصل النعمان بن المنذر، يسبقه الوزراء.. و أرباب الدولة .. و الحجاب.. و الشعراء.. و الخدم .. و الحشم .. و يقرأ الملك خطاب ترحيب على شرف الزوار. و يلقي شاعر البلاط قصيدا طويلا : إذا بلغ الرضيع لنا فطاما تخر له الجبابر ساجدينا - قولوا : " آمين" . - " آمين يا رب العالمين " . و تمتد الأيدي إلى الوليمة تنهش اللحم . و رغاء الجمال يملأ المكان. و النعمان يطعم بيديه الشريفتين الحسناء الأمريكية من كبد الجمل . يضع اللقمة في فمها ، و يمسح بأصابعه على الشفتين الشمسين الطالعتين في صباح يوم صحو. و تدور كؤوس الراح. و "ألا هبي بصحنك فأصبحينا . و لا يبقى خمور الأندرينا . مشعشعة كأن الحص فيها إذا ما الماء خالطها سخينا " . و تخرج القيان من وراء الستائر . و تتثنى الراقصات . و تهتز الأرداف و القدود . و يطرب النعمان ، فيقوم ليرقص بالسيف ، و يطلب من السائحة التي أطعمها كبد الجمل أن تشاركه الرقص . و يضرب برجليه الأرض في خفة و عزم. و تضرب السائحة برجليها الأرض ضربات خفيفة . و يدق النعمان الأرض. و تدق السائحة الأرض . و يدق الأمريكان الأرض . و يدق إسماعيل الأرض . فينفجر الماء نبعا سلسبيلا. و أمه هاجر تطوف بين الصفا و المروى. و بير زمزم عليه حارس لا ينام و الصبايا عليه مثل رف الحمام و يدق الأمريكان الأرض بأرجلهم .. يدقون .. و يدقون .. و يدقون .. فتنفلق .. و يخرج من جوفها الحليب و العسل فيضعهما الأمريكان في بطونهم .. طبقة فوق طبقة. و يخرج من جوفها مارد أسود اللون كريه الرائحة . يعلو .. و يعلو .. و يعلو .. حتى يبلغ كبد السماء . و يصيح النعمان : - ما هذا العمود الأسود يا وزيري ؟ فيرد عليه الوزير : - هو الزيت يا ملك الزمان . اكتم السر حتى لا تحسدنا قبائل هوازن و ثقيف. و تضحك السائحة الأمريكية التي كانت تراقص الملك ، و تقول له " ما رأيك يا ملكي لو أبادلك هذا الزيت اللزج، الكريه الرائحة بقارورة ، عطر فرنسي ، و سبحة ، و مرسيدس ، و سيوف يمانية،و سرير مذهب الحواشي، و غلالة شفافة من الحرير ؟" و يرد عليها ملك "الحيرة" : " أنت ضيفتي ، و نحن كرام . و الضيف لا يرد له طلب ". * * * في تلك الليلة كبرت مدينة الحيرة صارت أجمل من نيويورك . جاء سنمار. طلب من عمال البناء هدم مباني الطين و الحجر. و ارتفعت الدوربدون عمد . و أضاءت فوانيس الكهرباء الشوارع ذات البناءات الشاهقة . و امتدت الطرقات مستقيمة كالمسطرة. و انبهرت الجمال بالأضواء. و خجل خف الجمل من الإسفلت ، فتواري داخل الفيافي . و أز المطاط فوق الطرقات السريعة. وعوت الزمامير. و بنيت العمارات و سط الصحراء تناطح السحاب. و خرج النعمان وسط حاشيته يتفقد هذا النعيم . جلس فوق كدس من الرمل ، و بدأ يحفر بيده الإثنتين . ثم قال وحبيبات الرمل تتطاير في الفضاء : " أنفطي حيث شئت فخراجك لي ..." * * * النفط : دهن معدني سريع الاحتراق ، توقد به النار، و يتداوى به . و كان النفط فيما مضى دواء تطلى به الإبل للجرب و الدبر و القردان. و ذكر ابن سينا فائدته في مداواة أوجاع الوركين و المفاصل و آلام الأذن و بياض العين و مائها و الربو و السعال و لسع الحشرات. و النفاطة : سراج النفط يستضاء به. و النفاطة : أداة من النحاس يرمي فيها بالنفط و النار، استعملها الرشيد في حربه مع الروم لما فتح هرقلة. * * * و عادت القافلة – قافلة السياح الأمريكان – إلى ساحة الصناعة التقليدية عند الفجر. كان درويش ما زال يصب من النفط المكرر في سنغفورة على رجليه. و البخار يصاعد من قدر الألمنيوم. و السائحة الأمريكية تحلم بإعادة الرحلة فوق الجمل ذي السنام الصاعد ، النازل ، الطالع ، الهابط ... و الجمال يمسح لعابه. و حوانيت بائعي التحف لا تغلق أبوابها أبدا . و أضواء كاميرا " السوبر ثمانية " تنهمر على وجه درويش الماد رجليه تحت القدر. و النيران تلتهب و تلتهم الرجلين . ويا حادي العيس عرج كي أودعهم . يا حادي العيس ، في ترحالك الأجل. الباب السابع بطاقة تفتيش لدى اللأنتربول " الفراش يطير حول المصباح إلى الصباح، و يعود إلى الأشكال فيخبرهم عن الحال بألطف المقال، ثم يمرح بالدلال طمعا في الوصول إلى الكمال. صورة المصباح : علم الحقيقة . و حرارته : حقيقة الحقيقة . والوصول إليه: حق الحقيقة . و الفراش لم يرض بضوئه و حرارته فيلقي جملته فيه. و الأشكال ينتظرون قدومه فيحذرهم على النظر حين لم يرض بالخبر. و حينئذ فقط ، يصير متلاشيا،متصاغرا ، متطايرا ، فيبقى بلا رسم و لا اسم و لا جسم . فلأي معنى يعود إلى الأشكال ؟ صار من وصل إلى النظر استغنى عن الخبر. و من وصل إلى المنظور استغنى من النظر " الحسين بن منصور الحلاج "كتاب الطواسين" و صار منزل الفرنسي محجا للأهالي، يطوفون حوله، و يتبركون بأحجاره . حتى الكبار : شيوخ القبائل ، و قادة الجند ، و كبار التجار جرتهم رائحة " الكيف " إلى هناك، فجاءوا زرافات و وحدنا، و حطوا الرحال داخل حديقة القصر. و ترك " الشيوخ" قراءة القرآن، و قيام الليل، و التهجد، و إتمام الأوراد و جاؤوا يتسولون سجائر الأفيون ، و يشاهدون الأفلام الخليعة ، و يمارسون الجنس مع السائحات ، و السياح الفرنسيس و الألمان و الأمريكان. و في آخر الليل يقرأ لهم فرنسوا مارتال أشعارا لعمر بن أبي ربيعة وهم يتبولون فوق الرمل ، و يدوسون بأحذيتهم أحجار الحديقة. و عبدو يبارك الخارجين من المخادع ، و يرشهم بماء الورد . و الرؤوس " المنفوخة برائحة الكيف تكبر" و العيون تبحلق في الفراغ. و يمر السمار من الساحة المدسوسة داخل السوق ، فيعترض طريقهم درويش . يسلمون عليه فيبسط لهم كفه الكبيرة. يصعد الرجال فوق الكف. شيوخ القبائل و قادة الجند و أصحاب الشرطة يصعدون فوق كف درويش الكبيرة. يسوي " الشيوخ" عمائمهم. و يتفقد كبار التجار جيوبهم. و يخرج قادة الجند و صاحب الشرطة السيوف اليمانية من أغمادها. و درويش يبدأ في التضخم . تزداد كفه سعة و ارتفاعا . و يكبر حجم بقية أعضائه إلى أن يصبح كجبل أحد. و الرجال يحاولون الفرار من فوق الكف ، فتحاصرهم أصابع كالمآذن. و يؤذن و المؤذنون : حي على الصلاة . حي على الفلاح. فيخرج الشيوخ سجاجيد من الحرير مطوية في جيوبهم ، و يطرحونها فوق الكف ، و يبدؤون في السجود و الركوع. و الحمد لله رب العالمين ، و السلام عيكم و رحمة الله و بركاته. و ينثر التجار الدنانير الذهبية على يمين " الشيوخ" و على شمالهم ، و يحرك صاحب الشرطة سيفه ، يقتل به مردة الشياطين و كفرة الحان . و الأصابع الكبيرة تحاصر الساحة و مصابيح السماء " إنا زينا السماء الدنيا بمصابيح" تنطفىء الواحدة وراء الآخرى. و كف درويش تهصر الأجساد هصرا ، فيسيل العرق ، و تختنق الأنفاس ، و تبدأ الأصابع التي تحولت إلى كتل كبيرة من الصخر في رجم الرجال المتكورين وسط الكف " . وجعلناها رجوما للشياطين" . و الرجال يحرقهم نور الشمس الخارج لتوه من الفرن فيفيقون من نومهم و قد هدتهم الشهب و النيازك ،فيفركون العيون ، و يركبون الخيول و البغال و السيارات " المرسيدس" ، و يعودن إلى الأحياء الراقية ، يواصلون النوم و الأحلام. قال واحد من الشيوخ بعد أيام حين التقى بصاحب الشرطة و بتاجر المجوهرات : " لقد حلمت حلما رهيبا منذ ثلاث ليال. لقد رأيت طائرات من ورق تحط في ساحة سوق الصناعات التقليدية ، قريبا من درويش، و درويش ، يمسك بالطائرات كما يمسك الصغار بالفراشات". و سمعته ينادي الأطفال : "تعالوا يا أولادي ، تعالوا نذهب من هنا قبل أن تحل أللعنة على هذه القرية" . و الأطفال يخرجون من الفرش الدافئة ،حفاة ، عراة ، كما ولدتهم أمهاتهم ، فيغطيهم درويش بجناحيه. كان له جناحان كبيران مزخرفان بألف لون و لون. و يضم درويش الأطفال إلى صدره ثم يصلي و إياهم صلاة "الوداع". و رأيت المطر يهطل مدرارا ، فيغسل رجلي درويش ، و تخمد نار جهنم المشتعلة فيهما منذ الأزل . و يقوم . يتكىء على عصاه ، و يفتح الطريق. و الأطفال يسيرون وراءه. كان يقول لهم : " لا تلتفتوا أبدا إلى الخلف يا أولادي حتى لا تتحولوا إلى قردة أو تتخطفكم الشياطين و تمسخكم تماثيل من الحجر" . و القرية ، وراءهم تبدأ في الارتفاع نحو السماء. ترتفع القرية ببطء شديد كأنها باخرة كبيرة تغادر الميناء في منتصف الليل. و تبتعد أضواء المنازل. و تصغر الصورة رويدا رويدا إلى أن تصبح في حجم رأس الإبرة ، ثم تهوي القرية إلى باطن الأرض مفتتة كذرات الرمل و محدثة دويا رهيبا كأنما شمس تفتت إلى ملايين الأجزاء" . حينما انتهى الشيخ من سرد الحكاية قال له صاحب الشرطة : " لا تعجب ياصاحبي ، لقد شاهدت نفس الحلم و كأنني كنت نائما في فراشك" . و قال تاجر المجوهرات : " و أنا أيضا عشت هذا الحلم كأنني واحد منكما" . و سكتوا مدة طويلة إلى أن قال " صاحب الشرطة" : " ما قول نبي الله يوسف في تفسير هذا الحلم يا شيخنا ؟" قال الشيخ : " لقد استخرت الله في تفسيره منذ أفقت ليلتها مذعورا فما وفقت . و لعل الله يهديني سواء السبيل" . قال التاجر : " أنا كفيل بتمويل بحث جامعي حول هذا الحلم" . و بعث "صاحب الشرطة" في طلب درويش. بعد حاولي نصف ساعة ، عاد العون السري المكلف بإحضار درويش من ساحة سوق الصناعات التقليدية خائبا . قال إنه وجد الساحة خالية ، و نار الموقد مطفأة ، و الرماد باردا ، و لا أثر لدرويش. قال الشيخ : " و ما العمل الآن يا صاحب الشرطة ؟" رد صاحب الشرطة : " لا يهمك يا شيخنا ، سأرسل بطاقة تفتيش عن الرجل إلى كل " المراكز" الراجعة بالنظر إلى سلطاننا الموقر في عرض الأرض و طولها". و تواعدوا على اللقاء. الباب الثامن الثعابين و سرعان ما اخترع خيال أهل التصوف أن في الجنة كراسي يجلس عليها الصوفية و هي تميل بهم و تدور فتكفيهم مؤونة الرقص . و ذلك كما قالوا بأن يبعث الله لأهل الجنة مغاني من الحور العين وتنصب لاهلها المراتب و المساند ، ثم تغني الحور العين بأصوات لم يسمع احسن منها ، و يقول الله لهن أسمعن عبادي الذين نزهوا أنفسهم عن مطربات الدنيا ، و تلذذوا بسماع كلامي و أحاديث الرسول . فيطرب القوم ويهيمون . فتقدم الملائكة إليهم كراسي من ذهب . و تقول لهم لا تزعجوا أعضاءكم بالرقص لقد كفى ما تعبتم في الدنيا بالصلاة و العبادة ، و اجلسوا على تلك الكراسي و هي تميل بكم و تدور . فيغيبون عن وجودهم من الطرب أبو الليث السمرقندي. قرة العيون و مفرج القلب المحزن . وجد صبي هذه الأوراق في الساحة التي عاش فيها درويش ردحا من الزمن . وجدها في محفظة من جلد الغزال مختومة بالشمع الأحمر ، و مكتوب عليها بالحبر الصيني ، و بالقلم المغربي : المرسل : درويش . المرسل إليه : فرنسوا مارتال . منزل رقم .1990 حي الواحة القديمة . تنبيه و تحذير : على واجد هذه اللقطة إيصالها إلى صاحبها مباشرة اليد باليد ، و إلا فإن لعنتي ستحل به آجلا أم عاجلا . و قد أعذر من أنذر. *** أخذ الصبي المحفظة... محفظة جلد الغزال ... المحفظة المكتنزة . السمينة . الملأى حد التخمة . و طار بها إلى منزلهم. دق باب السقيفة بعنف . ضرب الباب بحجر . ركله برجله ... بيديه .. بخشبة . و ظل يضرب بخفة و عنف إلى أن فتحت له أمه و الخوف ماسك بتلابيبها . إرتمى الطفل في خضنها ، و قال لا تخافي يا أمي . لقد جئتك اليوم بكنز مولانا درويش . قالت المرأة مرتاعة: أين هو؟ ضرب الولد على صدره و أخرج من بين طيات ملابسه محفظة من جلد الغزال . فاحت روائح المسك و العنبر في أرجاء البيت . و دقت أجراس صغيرة داخل جمجمة المرأة المضطربة ، فجلست على الأرض ، ودعت ولدها إلى فض أختام المحفظة . عندما هم الولد بالمحفظة ، رأت المراة الخطوط تتوهج كالنار. خافت المرأة ، و اعتراها اضطراب شديد ، و دعت ابنها إلى قراءة هذا الخط الذي تحول إلى ثعابين تتلوى . قرأ الولد التنبيه : على واجد هذه اللقطة إيصالها إلى صاحبها مباشرة اليد باليد و إلا فإن لعنتي ستحل به آجلا أم عاجلا ، و قد أعذر من أنذر . و تلوت الثعابين من جديد فوق جلد الغزال ، و أخرجت ألسنتها الرقيقة في وجه المرأة . رمت المرأة المحفظة على الأرض، و سحبت الولد من يده ، و أغلقت الباب وراءها بالمفتاح، و قالت : أتركها ( تعني المحفظة) هناك حتى يعود أبوك . بكى الطفل . ضرب وجهه بيديه و تلوى على الأرض . قال دعيني أفتحها . هي ملأى بالدنانير. أريد شراء طائرة من ورق . ردت أمه بحزم :لا حاجة لنا بطائرات درويش بعد اليوم . صه ! لقد احترقت طائرات الورق . كل الطائرات . بقي الطفل ينهنه، و الأم تراقب باب الدار عل واحدا من الثعابين يغادر جلد الغزال و يخرج . إلى أن وصل رب البيت . حكت له زوجته الحكاية و هي تضطرب ، و الطفل يبكي بهدوء . ضحك الرجل ، و أخذ من يدها مفتاح الدار، وضعه في القفل، و أداره ثم دفع الباب . أمسكت المرأة بولدها و احتضنته . خطا الرجل خطوات داخل الدار . أغمضت المرأة عينيها ، و قالت : - حاذر الثعابين يا رجل ! رد عليها بصوت هازئ : - سأطلق عليها عصى موسى يا ست . و التقط المحفظة . رازها . تبدو ثقيلة و طرية . جسها . و خمن . هي ملأى بالأوراق . - لا بد أنها أوراق مالية من فئة العشرين دينارا . ثروة و رب البيت . أدارها (المحفظة) بين يديه ، و قلبها ذات اليمين و ذات الشمال . رأى الشمع الأحمر ، و الحبر الصيني و التنبيه ، و لقد أعذر من أنذر، و الأوراق المالية ذات العشرين دينارا ،و..... اقتربت المرأة من الباب المفتوح و قالت : هل قرأت التنبيه ؟ . رد: قرأته، و سأفتح المحفظة . و هم بالشمع، فتحركت الثعابين فوق جلد الغزال . صاحت المرأة فزعة ، و رمى الرجل المحفظة على الأرض. قالت : دعنا من هذه اللعنة . قال: لا و الله! لن أدعها ! أنا الآن متعب ، ولكنني غدا سأفض الأختام و أكتشف سر هذه المحفظة . و أحضرت له زوجته العشاء فتعشى و نام الصبي، فأطفأ جهاز التلفزيون، وسبق زوجته إلى الفراش . تعطر و ترقبها . جاءت من الحمام دافئة . احتضنها، ووضع رأسه بين نهديها . مسح على شعرها . مرر يده على اليتيها . قبلها من فيها . و هم بها .. فما وجد ذكره. إرتاع و صرخ .مرر يده من جديد بين فخذيه، فلم يجد شيئا . كان مكان الذكر ممسوحا . صوتت المرأة : هي اللعنة يا رجل ، لعنة درويش حلت بنا . ألم أحذرك،فعاندتني، و ركبت رأسك. سأرمي بهذه المحفظة خارج البيت الآن ، الآن . و ليس غدا ... كان الرجل مضطربا . وجهه اصفر، و قلبه يدق بعنف، و بين فخذيه ممسوح . أملس كالحائط. قال لا ترمي بالمحفظة خارج البيت . غدا سيحملها الصبي إلى منزل فرنسوا مارتال . - نامي الآن و الصباح رباح . و ناما. ناما تلك الليلة نوما مضطربا ، أثقل من الرصاص . و جاءتهما الأحلام المزعجة . طلب درويش من الرجل إيصال اللقطة إلى صاحبها . و أغلظ له في التهديد . و أطنب له في الوعيد . و طلع الصباح . و نبت ذكر الرجل من جديد بين فخذيه . و نما إلى أن عاد كما كان ، بل أكبر. و عاد الحلم بامتلاك الثروة يراود الرجل . و عاد الرجل إلى المحفظة يعالج شمعها الأحمر . و عادت الثعابين تخرج السنتها الرقيقة في وجه المرأة. و المرأة تصرخ : " ارم بهذه اللعنة خارج المنزل" . و الرجل يكابر . إلى أن جاء الليل. ضمر ذكره شيئا فشيئا وهو يراقب ذلك مدهوشا ، جزعا، إلى أن امحي تماما . و المرأة تصرخ : "ارم بهذه اللعنة خارج المنزل يا رجل !" و الثعابين تتراقص فوق جلد الغزال. قال جازما : "غدا سأحمل بنفسي المحفظة و أرمي بها داخل حديقة ذلك الكافر " و نام. و تكررت العملية ستة أيام . في اليوم السابع رافقت المرأة ولدها حتى منزل فرنسوا مارتال قرعت الجرس و عندما جاء عبدو طلبت منه أن يدعو الفرنسي. و جاء الفرنسي يختال كالمهرة، فسلمه ولدها المحفظة، و غادر المكان من دون أن يلتفت إلى الوراء. أمسك الفرنسي بالمحفظة بين يديه، و راح يقرأ خطوط الحبر الصيني. من درويش إلى فرنسوا مارتال. ...و قد أعذر من أنذر. قال : " ماذا يريد مني هذا الوحش الشرقي ؟ ألم يأكل صور بدء الخليقة "؟ و تحسس اللطمة ، و مسح الدموع. و خار : عبدو ، تعال هنا أيها الوحش الصغير! جاء عبدو يسعى بين يديه طلب منه أن يحمل المحفظة إلى بيت النوم، و أن يضعها فوق السرير بكل لطف و احترام يليقان بدرويش . لبى عبدو طلبه و عاد إلى مجلسه في الحديقة. عب الفرنسي نفسا عن غيلونه.. نفسا طويلا.. سمينا . رأى درويش في هيئة طائر كاسر يحوم حول المنزل . حوم الطائر مدة طويلة ثم حط على رأسه .. ( رأس الكافر ) تململ يمنة و يسرة . و الطائر جاثم فوق الرأس . ثقيلا.. رهيبا.. مرعبا. و عبدو ينادي : " لقد نمت يا مولاي جالسا على المقعد البارد" و الطائر يأكل من رأس الفرنسي. ثقب الجمجمة ، و راح يكرع من المخ. و المنقار المحدودب يرتفع و يهبط بخفة و رشاقة. و دخان الغليون المحشو بالكيف يملأ أرجاء الحديقة . و قام فرنسوا مارتال متثاقلا. ذهب إلى سريره و فض ختم الشمع الأحمر. بانت الأوراق داخل المحفظة .. أوراق كثيرة .. مكتوبة بالحبر الصيني.. و بالقلم المغربي. أخرج الورقة الأولى و قرأ : " أنا أكرهك أيها الفرنسي اللعين، و مع ذلك فقد قررت أن استودعك بعض أسراري. أعرف أنك مغرم بالنبش داخل دهاليز الذاكرة ، و بالبحث عن صور بدء الخليقة. و قد قررت قبل الصعود إلى المنتهى أن أترك عندك محفظتي و ما فيها وديعة حتى أعود راكبا على ظل حصاني " تحسس الفرنسي المحفظة فامتلأت الدار بروائح الند و العطور الهندية، ثم أفرغها (المحفظة المصنوعة من جلد الغزال ) فوق السرير. كانت ملأى بقصاصات صغيرة من الورق العادي، و من سعف النخل المكتوب من الجانبين و بورق البردي، و رقائق من جلود مختلفة الأحجام و الأشكال. كلها مكتوبة من الحد إلى الحد.. حكم هندية .. و سور قرآن بخط الإمام " ورش" و أحاديث نبوية باسانيد مجهولة.. و أشعار لأبي نواس من خمرياته و غلمانياته و زهدياته.. و تاريخ . الفتنة الكبرى. دم عثمان و قميص عثمان و أصابع نائلة، و سيف ابن ملجم ينغرز بين أضلع الخليفة الرابع.. و معاوية ابن أبي سفيان يقول : أنا كالشعرة إذا شدوا ارخيت ، و إذا أرخوا شددت، و يملأ حجور أصحابه دنانير. و الوليد بن يزيد الأموي يعلق المصحف في شجرة و يرميه بالنبال . و المأمون يذبح الأمين . و "هولاتكو" يعود من جديد فوق طيور من حديد. و ملوك الطوائف يستنجدون بالكفار لذبح أبناء العم. و رائحة شواء لحم أبناء العم تصل تخوم السماء السابعة. قلت لمولاي الحسن الحفصي : " لماذا يا مولانا تطلب عون ملك النصارى على أبناء ملتك و أنت أمير المؤمنين بيدك المصحف و السيف" ؟ قال : " أسكت يا درويش و إلا علقتك على الخازوق ". قالت له : " لقد خوزقك التاريخ يا " مولانا ". و أسمعته خبرا تحدث به جنود كارلوس الخامس و دونه أحمد بن أبي الضياف في "إتحاف أهل الزمان بملوك تونس و عهد الأمان " يقول إن خيول الأسبان وطأت المصاحف بجامع الزيتونة، و بالت فوق وجوه المصلين، و زبلت في وسط المحراب. و إن مرينز الأسبنيول قتلوا ثلث سكان تونس، و أسروا الثلث، و شردوا الثلث. قال : " صبرك عليُ لقد طلبت منهم أن يستبيحوا المدينة ثلاثة أيام فقط ". و غادرني غاضبا، و عيناه المسمولتان بالحديد المحمى ينز رمنهما القيح و الصديد. و قرأ فرانسوا مارتال قصص الفقراء و المجاذيب، و فضائل مشائخ الصوفية، و كرامات الأولياء و الأقطاب: مولانا القطب الأعظم سيدي محي الدين بن عربي و جلال الدين الرومي و سيدي أحمد بن عروس و محمد الحافي و الحلاج . قال الفرنسي : " شكرا للرب هي ذي صورة بدء الخليقة طازجة. هذا مرغوبي الذي سكنت من أجله هذه الصحراء.. قصص المجاذيب و الأولياء". و مال على الورق، يقرأ القصص بشبق. الباب التاسع موجز لجامع كرامات الأولياء الرجل الذي نظر إلى جثة نفسه بلا رأس كان بدمشق حرسها الله تعالى شريف ناسخ كتب. و كان هذا الشريف مضادا للشيخ الأكبر سلطان العارفين سيدي محيي الدين بن عربي. و كنت زمنها تلميذا عنده أشرب من نهر عرفانه. وصادف أن نسخ الشريف كتابا لأحد الوزراء. وكتب فاتحته وخاتمته و أبوابه بالذهب وغيره من الأصباغ الحسنة، ثم نشر كراريسه بين يديه ليتفرج في صناعته ، و يتفقده قبل دفعه إلى الوزير. ساعتها ناداني شيخي ( و كان دائم المزاح معي ) و قال لي : هل ترغب في الإطلاع على واحدة من كرامتي يا درويش ؟ ". قلت : " بلى يا شيخي ". قال : " اذهب الآن إلى دار الشريف ، و أفسد المخطوط المنشور بين يديه ". قلت : " حبا و طاعة يا مولاي ". و انطلقت نحو الدار. و في غمضة عين كنت فوق رأس الشريف. رآني واحدا من كلابه معلقا في سقف البيت، فخاف و فر، و رمى في فراره منارة السراج على الكتاب، فأفسده جملة. و عدت إلى شيخي و الغبطة تملأ قلبي. قال : " ترقبه غدا سيمر من أمام دارنا ". و نام الشريف مملوءا غيضا . ثم كان كما قال الشيخ. مر من أمام الدار بكرة ليقي بالكتاب في نهر بردي بظاهر باب الفراديس، فناداه محيي الدين بن عربي و قال له : " أنا نسخت مرة كتابا ..."، و حكى جميع ما جرى للشريف. فخرج الرجل عن طوره ، و غضب غضبا شديدا ، و سب الشيخ ، و قال له كلاما جارحا . و الشيخ يضحك و لا يلتفت إلى مقولته . ثم قال له :" ارني الكتاب لعلي أعرف له دواء"، فقال الشريف :" الثقيل لا يجيء منه إلا مثله " ، ثم فتح المنديل ، و أعطى الكتاب للشيخ. وقال الشيخ :اعطني من وراء الباب من الكناسة حفنة ، ففعل ،فذرها الشيخ على الأوراق . فقال الشريف : الثقيل لا يجيء منه إلا مثله لقد زدته فسادا يا فاعل يا تارك". فقال الشيخ : " افعل ما كنت تريد من القائه في النهر"، فذهب. ثم قال لنفسه لعله سحره، ففتحه و نفضه ، فرآه أحسن من حاله عند فراغه منه، فجاء و قال: " يا كافر لقد أحسنت في سحرك". فقال الشيخ و أنت على حالك "، و مد يده و قال : " لله تعالى رجال يقول أحدهم بسم الله الرحمان الرحيم" و اقتلع رأس الشريف بيده من فوق كتفيه و صار الشريف ينظر إلى جثة نفسه بلا رأس . ثم بعد ساعة، قال الشيخ :" و لله تعالى رجال يقول أحدهم باسم الله الرحمان الرحيم هكذا " ،ورد رأس الشريف إلي جثته. فقال الشريف : " أشهد أن لا إلاه إلا الله وأشهد أنك ولي الله " . فقال الشيخ : " و الله ما رددتك إلى الحياة الدنيا إلا حياء من النبي لئلا يعاتبني عن تخلفي عن هدايتك مع نسبتك إليه ". الرجل الذي سكب البحر في إبريق . قال درويش : " كنت إذا أردت أن أعدي بحر النيل يقول لي المعدي : هات الكراء يا شيخ ". فأقول له : "عندنا الله يا فقير ". فيعديني . فأبى علي يوما و قال : " ما أعطاني ربك كسرة لعيالي، هات النقود يا شيخ ". فقلت : " ها الله" . و طأطأت إبريقا كان معي ، فأخذت ماء البحر كله فيه ، و وقف المركب على الأرض. فاستغفر المعدي و تاب. فصببت الإبريق في البحر، فرجع الماء كما كان، ثم قلت للمعدي : " خذ هذا الإبريق و املأه من ماء البحر". فملاه ، فوجده عسلا. ثم ملأه، فوجه لبنا . ثم ملأه، فوجده كوكاكولا. الرجل الذي يتكلم بالسريانية قال لي شيخي إبراهيم الدسوقي : " يا درويش ادع بهذا الدعاء و لا تخف شيءا ". باسم الإله الخالق الأكبر. وهو حرز مانع مما أخاف منه و أحذر . لا قدرة للمخلوق مع قدرة الخالق يلجمه بلجام قدرته . أحمى حميثا. أطمى طميثا. و كان الله قويا عزيزا. حمعسق حمايتنا. كهيعص كفايتنا. و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم". و حين سألته عن معنى " أحمى حميثا/ أطمى طميثا "، أجابني بكونهما سريانيتين، و في كلا العبارتين سر عجيب لا يطيق القلم تبليغه أبدا. الرجل الذي وضع رجله اليمنى في باب داره بالهند و الرجل اليسرى على شاطىء الفرات. كنا مرة جلوسا مع شيخي شاه نقشبند رضي الله عنه، في تربة الشيخ رافع ، و نحن ننظر إلى الفرات، إذ لاح على الشاطىء رجل. فقال الشيخ : " أترى ذلك الرجل الذي على الشاطىء يا درويش" . فقلت : " نعم " . قال : " إنه من أولياء الله تعالى ، وهو من أصحابي. و قد قصد زيارتي من بلاد الهند. و قد صلى العصر في منزله و توجه إليُ . و قد زويت له الأرض ، فخطى من منزله خطوة واحدة فإذا هو في شاطىء الفرات . وهو يمشي من الفرات إلى هنا تأدبا منه معي. و علامة ما أقول لكم أنه يعلم أني في هذا المكان، فيقصده و لا يدخل البلد". فلما قرب من البلد عرج عنه ، و قصد المكان الذي فيه الشيخ و الجماعة، فجاء و سلم و قال : " يا سيدي أسألك أن تأخذ عني العهد أن أكون من أصحابك " . فقال له الشيخ : " وعزة المعبود أنت من أصحابي ". فقال : " الحمد لله ، لهذا قصدتك ". و استأذن الشيخ في الرجوع إلى البلد. فقال له الشيخ : " أين أهلك ؟ " فقال : " في الهند " . فقال : " متى خرجت من عندهم ؟" قال : " صليت العصر و خرجت لزيارتك " فقال له الشيخ : و أنت الليلة ضيفنا". فبات الهندي عند الشيخ و بتنا عنده. فلما أصبحنا من الغد قال : " السفر ". فخرج الشيخ و خرجنا في خدمته لوداعه. فلما صرنا في الصحراء و أخذ الرجل في وداع الشيخ وضع الشيخ يديه بين كتفيه و دفعه فغاب عنا و لم نره. فقال الشيخ : " و عزة المعبود في دفعتي له وضع رجله في باب داره بالهند ". الرجل الذي يشعل القنديل بنظره . صليت الصبح وراء شيخي محمد الحنفي وهو جالس في مقعده ، فانطفأ القنديل، فقام من كان حاضرا ليوقده، فأشار إليه أن أجلس – و كان مشتغلا بورد الصلاة - فجلس. ثم جعل الشيخ ينظر إلى القنديل ، و يطيل النظر ، فإذا هو قد توقد، و أضاء أحسن إضاءة. بعد قليل سمعت الشيخ ينشد في همهمة كهمهمة المجوس : أحبك حبين .. حب الهوى و حب لأنك أهل لذاكا فأما الذي هو حب الهوى فشغلي بذكرك عمن سواكا و أما الذي أنت أهل له فكشفك لي الحجب حتى أراك الرجل الذي اطلع على عواقب الأمور بقيت في خلوتي مرة عشر سنين حتى سمعت هاتفا يقول : " يا درويش اخرج انفع الناس " ثلاث مرات، فقمت و خرجت إلى الزاوية فرأيت على فسقية جماعة يتوضؤون . فمنهم من على رأسه عمامة صفراء. و منهم من على رأسه عمامة زرقاء . و منهم من وجهه وجه قرد . و منهم من وجهه وجه خنزير. و منهم من وجهه كالقمر . فعلمت أنني مطلع على عواقب أمور هؤلاء الناس ، فرجعت إلى خلوتي ، فلم أخرج منها حتى ستر عني ما كشف من أحوال الناس. الرجل الذي تخافه التماسيح خطف تمساح ولدا فجاءت أمه تبكي إلى شيخي الفرغل ، فقال لنقيبيه : " اذهب إلى الموضع الذي خطفه منه و ناد بأعلى صوتك : " يا تمساح تعال كلم الفرغل" . فخرج التمساح من النهر، و طلع كالمركب ، وهو ماش ، و الخلق بين يديه ، إلى أن وقف إلى وقف بباب الدار. فأمر الشيخ رضي الله عنه الحداد بقلع جميع أسنانه ، و أمره بلفضه من بطنه . فلفظ الولد حيا مدهوشا . و أخذ على التمساح العهد أن لا يعود لخطف أحد من بلده ما دام يعيش. و رجع التمساح و دموعه تسيل حتى نزل النهر. الرجل الذي أفطر على سماط النبي . قال درويش : كنت مرة بماردين في ضيافة مولاي محمد الحافي ، و كان له جماعة من التلامذة و المحبين ، فكثر عليه الإنكار من العامة و من الأمير، فصادف الشيخ مرة الأمير فعاتبه، فقال أنا معذور، و أنت يبدو منك و من أصحابك أشياء يقع الإنكار فيها . فأرنا شيئا يكون آية ظاهرة حتى نسلم إليكم حالكم. فقال الشيخ : " باسم الله أنا أموت الساعة ،و أنت ادفني كيف شئت. و أنا أظهر بعد مئة و خمسين يوما. فقال الأمير : " رضيت. و مات الشيخ لوقته، فقضى حقه ، و جهز له بئرا عميقة عدة قامات ، و دفنه أسفلها. و عمل عليها ضريحا بحجارة متقنة – عمارة متعنت ، ممتحن ،متعصب ، ثم ردم البئر، و بنا في أعلاها ضريح خشب . و رسم عليه رجالا كثيرين لا ينامون بل يسهرون بالنوبة . فما ظهر الشيخ بعد المدة. و طلب الأمير الجماعة – و كنت معهم – و انتقم منا بأنواع الأذى . و قال ما أمكن من الشتم و اللعن و غيره ، ثم بعد عشرين يوما ظهر الشيخ محمد الحافي ، فجاءه الأمير في قالب الذلة و الندامة و الإعتذار ،و قال يا سيدي: ما ظهرت في التاريخ الذي عنيته . فقال الشيخ : في تلك المدة كنت في حبس الله تعالى ، و أما في الزيادة فقد كنت في حبسك . فقال : صدقت يا سيدي . ثم استغفر الله ، و سأل الصفح . و أكرم الجماعة الذين أهانهم ، و صار من أكبر المحبين. وعندما زالت عنا الغمة و جاء الفرج، و انبسط الشيخ و الجماعة، قلت : يا مولاي دفناك ضعيفا، و ظهرت سمينا. فقال لي : ما ذاك إلا من إفطاري على بساط النبي صلى الله عليه و سلم ، و الخلفاء الراشدين . الرجل الذي يقرأ أخبار القلب . سجن أمير تونس جماعة من أهلي . و غلهم بالسلاسل، فجئته مستشفعا في إطلاقهمم فما سمع كلامي، فبقيت متحيرا و استحييت أن أخبر شيخي أحمد بن عروس بذلك. ثم عزمت على أن أخبره بالقلب دون اللسان. فجئت إليه، و أضمنت قصتهم في نفسي، و رجوت الشيخ في خلاصهم ثم توجهت من عنده في تلك الليلة . فما أن ظهر الصباح حتى جئت إلى بيت الشيخ و جلست على دكة. و إذا بجماعة اللذين كانوا في السجن يسلمون علي من شباك القاعة. فالتفت إليهم مستغربا، و قلت لهم : من أطلقكم ، و متى جئتم هنا ؟ قالوا : " خلصنا الله تعالى ببركة سيدي أحمد بن عروس. قلت : و كيف ذلك ؟ قالوا : إن لنا قصة عجيبة و أحاديث غريبة. و ذلك أنه لما اشتد بنا الكرب الليلة ، و الأغلال في أعناقنا، استغثنا بحضرة الشيخ و استجرنا به. قال أحدهم : فأخذتني سنة من النوم، فرأيت سيدي ابن عروس و قد جاء إلينا و قال : قوموا و اخرجوا. فقلت إليه : و كيف المخرج يا سيدي ؟ قال : اتبعوني . ثم فتحت عيني ، فرأيت الأغلال قد حطت علينا، و رأيت الشيخ خارجا من باب السجن، فقمنا فقفونا أثره ، فلم نره. و خفنا أن يرانا أحد من الحراس ، فأخذنا معنا عصا و مضينا، فوجدنا الباب مفتوحا، و الخفراء جالسين بأعتابه، فخرجنا. فلم يلتفت إلينا واحد منهم. ثم سرنا فلم نجد أحدا في الطريق، و الوقت مظلم : حتى وصلنا إلى جامع الزيتونة فسمعنا المؤذن يؤذن الفجر، فدخلنا و صلينا فيه الصبح. ثم جئنا إلى بيت الشيخ، فوجدناه مفتوحا ... الرجل الذي شاهد أعضاءه تتفرق على الأرض بعث لي يوما شيخي أبو أحمد الأندلسي فجئته. بعث لي يوما شيخي أبو أحمد الأندلسي فجئته ، فوقف على راسي و بيده قدوم. بعث لي يوما شيخي أبو أحمد الأندلسي فجئته ، فوقف على راسي و بيده قدوم ، فصار يهدم فيُ و أنا أشهد أعضائي تتفرق على الأرض حتى وصل إلى كعبي. بعث لي يوما شيخي أبو أحمد الأندلسي فجئته ، فوقف على راسي و بيده قدوم ، فصار يهدم فيُ و أنا أشهد أعضائي تتفرق على الأرض حتى وصل إلى كعبي ، ثم بناني عضوا عضوا من كعبي إلى دماغي. بعث لي يوما شيخي أبو أحمد الأندلسي ، فجئته ، فوقف على راسي و بيده قدوم ، فصار يهدم فيُ و أنا أشهد أعضائي تتفرق على الأرض حتى وصل إلى كعبي ، ثم بناني عضوا عضوا من كعبي إلى دماغي ،ثم قال لي : " استغنيت ، فسر إلى بلدك ". فانكشف لي العالم كشفا بحيث لا ينحجب عني منه شيء الباب العاشر هل تكفي رصاصة واحدة لثقب السماء ؟ عندما ذهب فرنسوا مارتال إلى الخزانة التي تتصدر قاعة الجلوس كانت خطواته مرتبكة، و كان وجهه مصفرا، و شعره مبعثرا في كل الاتجاهات. رأيته يخرج من درج صغير مسدسه ( قال لي أكثر من مرة إن هذا المسدس لا يقدر على قتل ذبابة ، و إنه تحفة يزن بها الخزانة) . لهذا لم أهتم به كثيرا حين رأيته يقلبه بين يديه، وواصلت نفض الغبار من على الكتب، و كنس الأتربة و الرمال التي تكدست على أرضية القاعة. واصل فرنسوا تقليب المسدس، ثم حشى الخزان برصاصة لست أدري من أين أتى بها ، و قرب الفوهة من صدغه و أطلق النار. رأيت الرصاصة ترتطم بالجدار، وترتد عنه. ورأيت الدم ينبعث من رأس الرجل كنافورة صغيرة. وانهد الجسم، وارتطم بالأرض محدثا زلزلة دكتني دكا. لم أدر ماذا أفعل. بقيت واقفا في مكاني مدة دقيقة أو أكثر، ثم جريت خارج البيت . نفخت في الصور ثلاث نفخات، و أمسكت حبل الناقوس و بدأت أجره في كل الاتجاهات، فأحدث دويُا رهيبا، و جاء الخلق من كل مكان كأن الأرض قد انشقت عنهم. لم أتركهم يدخلون قاعة الجلوس. أمسكت رمحا في يدي و أشرعته في وجوههم. ( هكذا كان قد أوصاني الفرنسي قبل مماته. قال لي عندما يحين أجلي خذ حربة ، حربة وحشي التي قتل بها حمزة بن عبد المطلب ، واملأ بها الباب ، ولا تترك المتطفلين يدنسون جسدي، حتى تحظر الملائكة لمحاسبتي على أفعالي في دار الفناء. أرجوك أن تحظر ساعة الحساب لأنني سأطلبك للشهادة ). كنت أضحك منه و من هلوساته في ذلك الوقت، و لكني الساعة بدات و بدون شعور مني في تطبيق وصيته.. إلى أن جاءت الشرطة، و حاكم التحقيق ، و فرقة مقاومة الإجرام. أبعدت الحربة عن صدورهم ، و سبقتهم إلى قاعة الجلوس. قام فرنسوا مرتال و الدم مازال ينز من صدره. سلم على الجماعة بأدبه المعهود في المناسبات الرسمية ،و طلب منهم أن يمسكوا عن التفتيش عن القاتل وعن طرح الأسئلة ، وعن استجواب الخدم ، والأصدقاء والأحباب لأنه هو الذي قتل نفسه وبواسطة مسدسه الشخصي ، ومع سابقية الإضمار والترصد . ثم أمر بإحضار القهوة لأعوان الأمن ، وعاد إلى النوم من جديد والدم مازال ينز من صدغه . شرب الجماعة القهوة التركية ، ثم غادروا المنزل ، فوضعت شرشفا نظيفا على وجه الفرنسي ، وأغلقت باب قاعة الجلوس بالمفتاح ، وخرجت إلى الحديقة . هبط الليل ثقيلا ، وحط كتفي . لمست بأصابعي كتل الظلام اللزجة ، وتذوقتها بلساني . كانت الرائحة كريهة رغم عطر الزهور الفائح من كل مكان . وكنت وحيدا . صاحب الشرطة اكتفى بسماع أقوال المقتول ، ولم يسألني رأيي . لماذا لم يشك لحظة واحدة بأنني قد أكون القاتل ... انتابني شعور حاد بالهزيمة ، فطفقت أبكي . وغزتني الروائح الكريهة من كل مكان. و لم أتحرك من فوق المقعد الحجري المنتصب قرب النخلة العجوز التي سكنت هذا المكان منذ ألف عام أو يزيد . تذكرت أول يوم رأيت فيه الفرنسي و كلبه و آلة التصوير. كان كهلا و كنت في العشرين. كان ثلجا ، و كنت " نار الله الموقدة" . كان شاطئا ، و كنت أمواج البحر العاتية. و تعارفنا بلا مقدمات. قال : مرحبا . قلت : مرحبا. و نطقت " الراء" " غينا" لكي أعاكسه. ابتسم و مد لي يده مصافحا و الكلب ينظر باتجاه شزرا. نهره بلطف، فابتعد بضعة أمتار و أقعى . قال : أنا طالب لغات شرقية. أتكلم العربية و العبرية و النبطية و السريانية. و عدُ أكثر من لغة أخرى. قلت : و أنا أعشق فرنسا. و ذهبنا للنزهة. زرنا البلدة القديمة و المقبرة. و صورنا باب دار البغاء العلني المزخرف بالخط الكوفي. و ذهبنا إلى السوق. اشترى بعض التحف و عذقا من التمر. و اشتدت الحرارة ، فقال أنه يدعوني إلى فطور في واحد من أفخر النزل. أكلنا هنيئا .. و شربنا مريئا.. و تواعدنا على اللقاء في المساء. *** رأيت فانوس الكهرباء المعلق في سقف قاعة الجلوس يشتعل و ينطفئ، فلم أعره انتباها. قلت قد أكون ترتكه مشتعلا حين غادرت القاعة. و الظلام يزداد كثافة .. و النجوم تذوب في السماء واحدة وراء واحدة.. و فرنسوا مرتال يختار مكان إقامة منزله. و تجري الدنانير بين أيدي البنائين و النجارين و الحدادين. و ترتفع الحيطان فوق الهضبة المطلة على الواحة، و تعلو زغاريد النسوة يوم تدشين المنزل، و يمتد 'السماط" فوق الرمل. و رجال القرية و أطفالها يأكلون اللحم و الفواكه ، و يشربون الكوكاكولا ، و يتجشؤون ، و يمسحون على البطون الشبعى ، و يشربون الشاي. و كاميرا الفرنسي لا تتعب من التصوير. و الكلب البني يتثاءب و يعود إلى النوم. و عندما هم الفرنسي بمغادرة القرية ، ترك لي شرف حراسة منزله، و دفع أجري مسبقا ،و أجزل العطاء ،و قال إنه سيعود في الشتاء. سمعت همسا داخل قاعة الجلوس ، و رأيت ظلالا تتحرك. أحسست برهبة و حاولت مغادرة الحديقة. رأيت مسامير مدقوقة في الأرض .. مسامير كبيرة الحجم، و رجلاي مربوطتين بسلسلة موصولة بتلك المسامير. حاولت تكسير أسنان السلسلة ، فما قدرت. و عاد الضجيج و شيئا كخشخشة المفتاح في قفل الباب يقرع مسمعي. *** و مرت الأيام رتيبة في منزل الفرنسي. خلال زياراته التالية جاء معه بصناديق ملأى كتبا. كان يقرأ بنهم. و يسأل عن أشياء بدت لي تافهة جدا في أول الأمر. كان يسأل عن الخلافات التي تجد بين العائلات ، و عن أسبابها ، و عن أصل العداوات بين القبائل التي تسكن الجهة، و عن الزيجات بين الأقارب ، و عن عدد الصم و البكم في كل فخذ من هذه القبيلة أو تلك. و يقيس أحجام رؤوس الأطفال و يوزع حبوب منع الحمل ، و يشجع الأطفال على مطالعة الكتب الفرنسية ، و يحضر مع الشيوخ حلقات الذكر، و يسجل ملاحظاته على دفاتر صغيرة ، و يهتف كل يوم إلى تونس ، و باريس ، و يملأ جيوبي بالدنانير، و بطني بالوسكي ، و رأسي بالحشيش. هكذا مرت السنون الأولى إلى أن كان اليوم الذي التقى فيه بدرويش ، فتغيرت كل عاداته. صار يطلب مني أن أحكم إغلاق الأبواب ، و أن أكون يقضا أناء الليل و أطراف النهار. و لم يعد ينهر الكلب عندما يشتد نباحه عند الفجر. و أكثر من طرح الأسئلة على درويش. و تردد اسمه في كل المناسبات التي سمعته يهتف فيها إلى باريس. حكى عن درويش الذي يشعل النار في رجليه. و عن درويش الذي يدفع للأطفال ثمن طائرات الورق. و عن درويش الذي يهزأ من رجال القرية ، و يسب شيوخ القوافل ، و تجار الصناعات التقليدية. و استحكم العداء بين الفرنسي و بين درويش. كان فرنسوا مرتال يردد بمناسبة و بدون مناسبة :"أكل هذا الوحش الشرقي صور بدأ الخليقة". و يدفع الهبات لمن يحمل له بعض الأخبارعن حيوات الرجل الحاضرة و الماضية ، و يسجل على الأشرطة خرافات و حكايات الشيوخ و العجائز عن درويش عاش في القرون الخوالي فوق هذه الأرض. و كان درويش يدفع الدنانير الذهبية للأطفال ، و يحرضهم على صناعة طائرات الورق. *** و اكتشفت الحقيقة ذات يوم عن طريق المصادفة. *** و انفتح باب قاعة الجلوس خرج فرنسوا مرتال ملفوفا في كنفه و الدم يمز من صدره. مشى ناحيتى بخطوات ثقيلة. قال وهو يقترب مني .. " لا تحاول الهرب فلن تقدرعلى ذلك. أريدك أن تدس هذه الكلمات في دماغك : رصاصة واحدة لا تكفي لثقب السماء يا صاحبي ". و مات. أعدت جثته التي صارت ثقيلة كأنها قدت من حديد إلى فراشه ، و مشيت ناحية الباب. كان جهاز لا سلكي يهتف من مكان بعيد : .. آلو ...آلو ..آلو... و أصداء الصوت تتردد داخل الخزانة العجيبة ذات الأقفال السبعة المغروسة وسط المكتبة التي تتصدر قاعة الجلوس. |
![]() |
| أنشر هذا الموضوع عالمياً في مواقع النشر (المفضلة) |
| لتسهيل البحث عن الموضوع في محركات البحث العالمية أضف الكلمات الدلالية (Tags) الآن بالضغط على تعديل الكلمات الدلالية على اليسار |
| 03 or, المنفي, الى |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
| |