| ||||||
|
![]() |
| |||||||
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
| #1 | ||||
| ||||
| الدراويش يعودون الى المنفى / 04/ رواية / ابراهيم درغوثي / تونس الدراويش يعودون إلى المنقى رواية الجزء الثاني ابراهيم درغوثي / تونس الباب الثالث سفينة نوح تغادر الميناء " نمرة" بنت عم درويش مغرمة بالخيول و بألعاب الفروسية . و درويش فارس و يحب نمرة . و نمرة زاهدة في الزواج . و درويش راغب فيه أشد الرغبة . و ما العمل يا درويش ؟ كتب لها الرسائل المعطرة . بعث لها بالورد في فصل الشتاء. أهداها سيارة مرسيدس و ثلاث إماء اشترهن من سوق العبيد. دفع ثمن السيارة مائة ألف دولار أمريكي. و نمرة مغرمة بالخيول الأنجليزية. تزورها كل يوم في الإسطبل. و تطعمها اللوز و الفستق . و تربت على مؤخراتها بحنان. و تدفع لفرسانها خصلات من شعرها ، و خواتمها الذهبية. و درويش يرشي الشعراء بالهدايا الثمينة ، و بـ "اعطه يا وزير ألف دينار" فيكتبون له قصائد غزل ينسبها لنفسه و يدعو الرواة لحفظها. و نمرة.. نمرة السمراء، غزال الصحاري، و ريم البراري ، يربت فرسان الخيول الأنجليزية على ردفيها بحنان السائس الماهر، و تغادر اسطبل البهائم و بين نهديها بقايا من علف الخيول . * * * و نمرة تذهب كل مساء للنبع مع البنات . تحمل الجرة على رأسها. و تختال كالمهرة .. و تعمل في الحقل . تحرث.. و تزرع .. و تجني المحاصيل .. و تعود إلى البيت مهدودة القوى .. فتأكل الثريد بالحليب.. و تنام على الأرض. * * * و درويش عابر سبيل يطلب شربة ماء . مجنون يغني على ليلاه. حمام يهدل. بدوي يبحث عن ناقة شاردة. و نمرة لا تلتفت إليه ، فتعتريه حالات من الجنون القصوى ، فيتخلص من ثيابه و يهيم في الصحراء. ياكل العشب مع الوحوش. و ينام تحت النجوم. ثم يعود إلى رشده فيذهب إلى مصحة طبيب نفساني من أصدقاء العائلة ’ فيعتني به دهرا ، ثم يكتب له وصفة دواء و يوصله بسيارته إلى أهله. * * * و نمرة تعشق السفر. و تقتني ملابسها الداخلية من باريس ، و أحمر الشفاه من هونغ كونغ ، و كلاسينها من لندرة ، و سوتياناتها من جزر هاواي ، و مرآة الزينة من لاهاي، و عشاقها من بورصة نيويورك. * * * و درويش يدفع . يوقع على شيكات و يدفع . و تسافر نمرة إلى جزر البهاما، فيشتري درويش كل ليلة قينة. و يكتري لها فرفة موسيقية، تعزف العود ، و تضرب على الدربكة و الأورغ الكهربائي. و تنثر تحت قدميها الدنانير الذهبية المصكوكة في عهد السلطان قلاوون. * * * و نمرة ترعى الغنم ، و تجمع الحطب ، و تحلب النوق ، و تصنع الفرش و الزرابي ، و ترفض الزواج من درويش. و يقول الأهالي : نمرة لا تحب درويش ، يا ويلنا إذا أزفت ساعة زواجهما . * * * و يصير درويش بائعا جوالا . يدفع عربته اليدوية ، و يتغنى ببضاعته ، و بأشعار الغزل الرقيقة. عندي أمشاط من عاج أنياب الفيل. عندي خواتم من ذهب البحرين . عندي بخور هندي. راديوهات. سيوف. كاستات. قلوب آدمية. فيديوهات. فول سوداني . بنادق أوتوماتكية . أحزمة من جلد التمساح. بطريات كهرباء. اشعار عمر إبن أبي ربيعة.. " أهيم إلى "نعم" فلا القلب جامع ولا الحبل موصول و لا أنت مقصر. إذا زرت "نعما" لم يزل ذو قرابة لهـا كلمـا لاقيتـها يتنمـر. عزيز عليه أن ألم ببيتها يسر لي الشحناء و البعض يظهر". سوتيانات . أشرطة مسجلة لمادونا . نواسيات. خمر بساتين الحيرة. قمصان نوم . كحل من باكستان . غزل مجنون بني عامر. أشرطة " سكس" . معجون أسنان . قوارير كوكا كولا مثلجة . قراطيس مخدرات . حبوب منع الحمل . عندي صندوق الدنيا . * * * و تهل الصبايا . و يهل العيد . و تغني فيروز . و ترقص الخيول المطهمة . و ينفجر الفرح في قلب درويش . و تمتلىء القرية بالهمس ، و بالضحكات اللذيذة ، و تذهب بنت تنادي نمرة : " تعالي إلى حيث الفرجة و الأشياء الجميلة" ، و تعطيها رسالة من البائع الجوال الذي لبس صورة درويش فيهرب الفرح من القرية و نمرة تغلق في وجه البنت أبواب السماوات السبع بالمفتاح. و تعود البنت إلى البائع الجوال ، فتسمع شقشقة داخل صدره تشبه صوت تحطم البلور. و يسيل دم درويش فوق قمصان النوم الحريرية ، و أحزمة جلد التمساح، و البخور ، و الفول السوداني ، و مشابك شعر الرأس ، و تذوب الإبتسامات، و تهرب البنات في كل الإتجاهات ، و يقصف الرعد ، و ينزل المطر غزيرا على القرية . و تمتلىء الشوارع بالضفادع النازلة من السماء . و تفيض الأدوية بالدم.. و تتحول عربة البائع الجوال إلى " سفينة" . و ينزع درويش قناع البائع الجوال.. و يلبس بذلة الربان – قائد السفينة – . البذلة ذات الشرائط المذهبة . و ينادي : " من كل زوجين إثنين "... و يتدافع الخلق . " من كل زوجين إثنين "... و السيارات . " من كل زوجين إثنين " ... و الأحمرة .. و الفئران .. و الخنازير... و البق. " من كل زوجين اثنين "... و حقائب " السمسونايت".. و أجهزة التلفون الملونة.. و الثلاجات.. و مسابح العوم.. قو قوارير الوسكي.. "منكل زوجين إثنين "... و عرئس البحر .. و خدم الخليفة.. و إماء السلطانة .. " من كل زوجين إثنين "... و التنوريفور .. و صافارات السفينة تعوي .. و درويش ينادي : يا أولاد الكلب . " من كل زوجين اثنين "... و نمرة تردد : " سأعتصم بجبال الهملايا و لن تتفخذني يا درويش "... و ربان السفينة يلوح بماديل الوداع.. و المدعون يمسحون الدموع .. و أعوان الجمارك يضعون طوابعهم على جوازات السفر .. و حراس الحدود ببنادقهم القصيرة يدفعون المتطفلين. و السفينة تقسم الموج شطرين .. و الصفارات تؤذن : حي على السفر ... حي على السفر... ***** "كلما رمت الملجىء لهذه الدنيا ، لبست بدنا إذ لا وجه للكون مع الناس الا بالتأنس" "حكمة هندية " ***** كلما سمعت دق الطبول و شقشقة الدفوف و صهيل الخيل و زغاريد النسوة ، خيل إلي أنني عشت في زمن آخر، و في مكان آخر، على ظهر هذه الأرض العجوز. أين عشت هذه الحياة الأخرى ؟ و متى كان ذلك ؟ لست أدري ... بقيت على هذه الحالة مدة طويلة .. إلى أن كان يوم تذكرت فيه حياتي السابقة كما يتذكر طفل صغير حلما جميلا. المناسبة : حضرت حفل زفاف قطر الندى من الخليفة المعتضد العباسي. الزمان : عصر خمارويه بن أحمد بن طولون. المكان : القطائع من بر مصر . صداق العروس : ولى الخليفة العباسي ، المعتضد ، خمارويه ، جميع البلاد الممتدة من الفرات إلى برقة. و جعل إليه الصلاة و الخراج و القضاء . و خلع عليه إثنتي عشرة خلعة و سيفا و تاجا و وشاحا. جهاز العروس : " حملت معها ما لم ير مثله ، و لا سمع به ، إلا في وقته": دكة من أربع قطع من الذهب ، عليها قبة من ذهب مشبك و في كل عين من التشبيك قرط ، كل قرط معلق فيه حبة من الجوهر. كل حبة من الجوهر لا يعرف لها قيمة. و مئة هاون من الذهب لدق الطيب. و ألف تكة ثمن الواحدة منها عشرة دنانير. و قد أمر خمارويه بعد أن فرغ من الجهاز بأن يبنى لبنته على كل مرحلة ، قصر أشبه بالمنزل أو مكان الأستراحة ،تنزل فيه وهي في طريقها إلى بغداد. و أعدت هذه القصور بكل ما تحتاج إليه ، فكانت في سفرها ممتعة بجمع وسائل الراحة و أسباب الرفاهية كما لو كانت في قصر أبيها. جائزة إبن الجصاص الذي عهد إليه بإعداد جهاز العروس : أربعمائة ألف دينار. و قد أقيمت الحفلات و المآدب بمناسبة هذا الزواج في قصر خمارويه . و إجتمعت النساء في أحسن ملابسهن الحريرية . و ظهرن أجمل حليهن ، و إرتدت قطر الندى ثوبا من الحرير الأبيض. ووضع على رأسها إكليل من الذهب ، و طرحه مرصعة بالجواهر ، و على أذنها قرط ثقيل الوزن على شكل حلقة من الذهب ، و في أصابعها الخواتم. و في معصمها سوار من الذهب المرصع بالجواهر. و زين وجهها بالأصباغ ، فبدت في أحسن زينة. و مد السماط ، و زين بالأزهار ذات الرائحة الذكية ، و بالألوان المختلفة. جلست العروس في صدر السماط. و جلست أمها عن يمينها و جدتها عن يسارها. و وضع في طرفي السماط قطعتان كبيرتان من الحلوى . و نثرت عليه صحاف ملأى بألوان الطعام المختلفة . و خرجت قطر الندى من قصر أبيها في موكب اخترق مدينة القطائع التي اشترك أهلها في توديع ابنة الأمير، الذي تقدم الموكب ، يحف به حرسه المختار، يلبسون الأقبية ، و يتقلدون السيوف المحلاة بالذهب ، وهو ممتط فرسه الأشهب ، متقلدا سيفا بحمائل ، تكسوه الهيبة ، و يتبعه جيشه من المصريين و الأتراك ، يحملون الدروع و السهام. ومن السودانيين يرتدون الأردية و العمائم السود. و لما وصلت قطر الندى إلى بغداد ، نزلت في قصر صاعد ، و أقيمت الحفلات ، و دعيت النساء من علية القوم ، و كن يرتدين أفخر الثياب ، و يتزين بأنفس الحلي و مدت الأسمطة و عليها أنواع الطعام على النحو الذي مدت به في مصر، و أخرجت القيان ، و المغنيات. إفلاس : لما وصلت قطر الندى إلى بغداد كان خمارويه في شدة و كرب شديدين بسبب تجهيز ابنته الذي استنفد كل ثروته و ليس أدل على صحة هذا القول من أنه احتاج إلى شمعة فلم يوفق إلى أجادها لوقته. * * * هل حضرت حقا هذا الحفل ؟ هل قرأت قصته في مخطوط قديم ... هل شاهدت شريطا سنمائيا يحكي عن زواج قطر الندى و أنا في سابع نومة ؟ كل هذه الاحتمالات واردة. ما أنا متأكد منه فقط ، هو أنني قررت حينها أن يكون حفل زواجي من نمرة ، كعرس قطر الندى. و طبعت استدعاءات باسم خمارويه التركي و المعتضد العباسي. و لم أنس ابن الجصاص ... و هل ينسى ابن الجصاص ؟ الباب الرابع البراق لا يحط في المطار أفاق عبدو كعادته باكرا ، تحسس بقعة لطمة البارحة و أن بصوت خافت ، ثم اغتسل غسلا كاملا بالماء البارد. كان دائما يردد : " الماء البارد طهارة للروح و البدن ". و صلى و أخرج سبحة صغيرة من جيبه و راح يسبح ... * * * حين استيقظ فرنسوا مارتال ، كانت العصافير قد شاركت عبدو في تسبيحه . تمطى و تثاءب بصوت عال. و رسم إشارة صليب . و رتل صلواته . و نادى عبدو، فجاء بالقهوة و بغليون ، و بعلبة ثقاب. ارتشف من القهوة رشفات ، و أشعل الغليون ، و تثاءب من جديد. اقترب عبدو من السرير، و نظر في عينيه. كانت دموع البارحة مازالت عالقة بجفونه ، و النحيب مازال يملأ الغرفة ، و يتردد في أرجائها : " أكل هذا الوحش الشرقي صور بدء الخليقة" و تتحرك الكتب المرتبة في ركن من أركان بيت النوم : كتب التوراة و الإنجيل و القرآن. و مجلدات في علم الأديان و في التاريخ القديم . كتب تحكي عن البابليين.. و الآشوريين .. و الكلدان .. و الفينيقيين ... تحكى عن هزائم هنيبعل و تنسى انتصاراته قرب نهر بو. و المصريين القدماء : " مومياء " + عرب = "مومياء" + عبد الناصر = "مومياء" + السادات = حرب أكتوبر + عصر الانفتاح و الصلح ألإنفرادي و "طز" في العرب البائدة. و العرب العاربة و العرب المستعربة و الآراميين و الإغريق و مملكة سبأ ، و داوود ينكح بلقيس بعقد صوري ، و بمباركة الهدهد . و الصين ، و الهند ، و كتاب العبر . و دوركايم تتلمذ على ابن خلدون و سرق منه علم الإجتماع. و عصور ما قبل التاريخ . " و إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد" . و عصا موسى التي أكلت ثعابين الحواة. " و إذ قال إبراهيم ربي ارني كيف تحيي الموتى ؟ " قال : ألم تؤمن ؟ قال بلى و لكن ليطمئن قلبي. قال فخذ أربعة من الطير، فصرهن إليك ، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا . ثم ادعهن يأتينك سعيا. و أعلم أن الله عزيز حكيم". و أنكيدو ، و جلجامش ، و تموز، و أفروديت ، و فرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد ... فصب عليهم ربك سوط عذاب ... إن ربك لبالمرصاد ..." و حمل فرنسوا مارتال آلة التصوير على كتفه ، و خرج . التقى في الطريق بمجموعة من السياح الأمريكان النازلين لتوهم من حافلة على ملك وزارة السياحة و الإرشاد القومي . رطن معهم بالأنجليزية و اتجهوا إلى ساحة درويش كان في الطريق قد حدثهم عن ساحر يشعل النيران في رجليه و لا يكتوي بنارها . و وصل الأمريكان إلى الساحة . حمر. سمان . يقطر الشحم من تحت آباطهم و من بين أفخاذهم . تحلقوا حول درويش ، و أشبعوه تصويرا. و أشبعوا الدليل أسئلة عن هذه النيران التي تشتعل في رجلي الرجل و لا تحرقه. رأى الحيرة تحوم حول الوجوه ، فذكرهم بقصة إبراهيم الخليل والنمرود ، و كيف أن النيران كانت على إبراهيم بردا و سلاما . قالوا : ذلك رسول الله ... قال : و هذا درويش الله ... و لا قناعهم أكثر، و ربما لا رباكم ،حكى لهم هذه الحكاية: " مات درويش في مركب فجهز، و أريد إلقاؤه في البحر، فجف البحر، و أنزلت السفينة ، فحفروا له قبرا ، و دفنوه . فلما فرغوا ، استوى الماء . و ارتفع المركب". و قالوا : " هل هذا الدرويش مجنون ؟" قال فرنسوا مارتال : " البارحة أكل صور بدء الخليفة ". و قال الدليل : " و ما صاحبكم بمجنون و لكنه الحب ". * * الجزء الرايع ما رأيكم أصدقائي الكرام لو نترك هذه القصة في هذا المقطع ، و نعود مع قافلة السياح الأمريكان إلى نزل الأنترناشيونال ، فقد عرض عليهم الدليل مشاهدة شريط سينمائي بالألوان الطبيعية يحكي قصة جنون درويش بعد أن هام حبا بنمرة ، و بعد أن قالت له يوم الطوفان العظيم : " سأعتصم منك بجبال الهملايا و لن تتفخذني يا درويش". و قد راقت الفكرة للسياح ، فوافقوا على العودة مهللين ، مكبرين ،مصفقين كالأطفال الصغار. سكوت. سيبدأ الآن عرض شريط : مجنون الصحراء. درويش و نمرة الصورة الأولى : دعاية للحليب الزبادي .. و قوارير الكوكا كولا كبيرة الحجم .. و احتفالات في الشوارع .. أعلام .. و شرائط حريرية ملونة .. و تصفيق .. و يعيش . يعيش . يعيش. و يحيا. و صورة لرئيس دولة زنجبار و قرينته .. و أطفال المدارس في صفوف طويلة على جنبات الطرق. - أواه ذكرني أطفال المدارس بطائرات الورق – و ظهرت رمال الصحراء ، و صوت الناي.. و نمرة راكبة في هودجها مع خادم سوداء و مسعود السائس يقود الجمل : " و سوق و ربص ، آسعد شوشان . سوق و ربص.. سايس جمل للاك حتى تلبس .. آسعد آشوشان سوق و هني ، آسعد آشوشان . سوق و هني .. سايس جمل للاك حتى تحني أسعد آشوشان . و الفرقة الماسية بقيادة الموسيقار بليغ عبد الحليم تعزف ألحانها.. و فرق الموسيقى الشعبية .. و الطبل و المزمار.. و البواريد تلعلع .. و زغاريد النساء .. و الجمل يتمخطر.. إلى أن وصلت قوافل العرس إلى نبع الماء المبارك الخارج من شق في الجبل. شرب الأطفال من ماء النبع ، و شربت النسوة ، و شرب درويش ، و اغتسل ، و مسح على شعره. و شرب الرجال بعده ، و اغتسلوا . و نادي عراف القرية نمرة : طلب منها أن تخرج من الهودج ليغسل لها يديها و وجهها و يباركها. و يقرأ الحاضرون سورة الفاتحة. و تنحر الخرفان. لكن جملها لم يبرك و عاود العراف النداء ، فقالت له إنها طامث ، و لا تريد له النجاسة ، و طلبت منه أن يبتعد عن النبع المبارك. و عاود العراف النداء ، فأخرجت له الخادم قميصا ملطخا بالدم . قال العراف : " بكم بعت عفتك يا نمرة ؟ ردت من وراء الحجاب : " أنا لا أبيعها و لو بمليارات من الدولارات يا سيدي أنا أهب عفتي يا سيدي لم أهوى ". قال : " و من وطئك إذن في هذا الهودج ؟" قالت : " صاحب هذا الجبل ، يا سيدي العراف " . و جلس العراف على ركبتيه ، و أغمض عينيه ، و ضرب الجبل بحجر، فانفلق الصخر . و صاح العراف : زع ... زع ... زع ... يا جمل فدخل الجمل من الباب المفتوح في الصخر بعروسه وهودجه المزدان بالشرائط ، و البالولات الحمراء و الصفراء والزرقاء ، وذاب داخل الجبل . وهم درويش بالدخول وراءه ، فصده العراف . قال له :"لقد استجارت منك بصاحب الجبل ." و حاول مرة ثانية فانغلقت الأبواب السبعة في وجهه.. بابا وراء باب . و حاول مرة ثالثة. صاح : افتح يا سمسم ... فرددت الأودية صدى صوته : ,, افتح يا سمسم . إلا أن أبواب الجبل بقيت موصدة . و تفرق الخلق في الجهات الأربعة. و ضرب طاقم الموسيقى لدرويش سلام تعظيم . و أطلقت المدافع عشرين طلقة .. و امتلأت السماء بالنجوم الاصطناعية . و عوت صفارات الإنذار. و قال الأهالي : يا ويلنا من هذا الليل الطويل . سيقتل درويش نفسه . و شق درويش صدره ... و أشعل النيران في الساحة . و شوى كبده فوق النار الملتهبة . و أطعم منه خمارويه التركي .. و المعتضد العباسي .. و ابن الجصاص .. و الفرس الصاهل أمامه ... و الشياطين ... و عزرائيل ... و سائق سيارة العريس ... و مسعود الجمال ... و حادي العيس .. يا حادي العيس عرج كي أودعهم يا حادي العيس في ترحالك الأجل ... و الموسيقار بليغ عبد الحليم . و أكل بعد ذلك قطعة من الطورطة العملاقة . و أطعم حصانه قطعة أخرى . و مد السكين لضيوف الشرف . قال لهم ليأخذ كل منكم كفايته و لا يخجل . و لحسن أصابعه من بقايا الشوكولاطة . و ثقب بدبوس البالونات التي تزين السيارة المعدة سلفا لنقل العروسين إلى فيلا السعادة . و أخرج من خرج معلق بجانبه برذغة الحصان قميصا أبيض ، و دنانير ذهبية مسكوكة في دار السكة في عهد الخليفة العثماني سليمان القانوني أعطاها لعجوز جاءت تطلب صدقة لوجه الحي القيوم . و الظلام يعم القاعة قاعة عرض الأفلام في نزل الانترناشيونال . و الأمريكان سكوت ... و صوت آلة العرض يتكتك تك..تك..تك .. و ذهب درويش إلى النبع . ذهب وحده هذه المرة . فتطهر ، و مسح وجهه بالتراب ... و صلى ركعة واحدة .. و سلم ذات اليمين .. و سلم ذات الشمال .. و ذهب إلى أعلى الجبل .. وقف فوق الصخرة .. رأى القرية تمتد تحت بصره ، لونها أحمر كلون حجارة الجبل . و الدخان يتصاعد من وسط الواحة و يعلو حتى السماء . قال : ماذا لو ذهبت مع هذا الدخان إلى السماء ... و ربت على ظهر حصانه، فنبت في الحين الحصان جناحان، ريشهما من كل الألوان . ريش أجمل من ريش الطاووس . و استدار وجه الحصان . صار أجمل من وجه حورية من حوريات الجنة . عينان سوداوان برموش طويلة .. و فم يقطر منه الشهد . و أصبحت الساحة الممتدة تحته مطارا كبيرا . و البراق يتحفز للطيران و صوت المكروفون يردد : على المسافرين على متن الطائرة القادمة من فرنكفورت الالتحاق بمكاتب جوازات السفر لإتمام الإجراءات القانونية . تلمس حقيبته الصغيرة . فيها منامة ، و ثلاثة كتب : الحب في زمن الكوليرا لماركيز .. و المسيح يصلب من جديد لكزانتراكسيس .. و المحصول الأحمر لخورخي امادو.. و مجلة أدبية .. و مسودة لرواية غير مكتملة . و نسخة صغيرة من حربه . حربة من البرنز المطعم بالفضة . تحفة . - ماذا؟ ماذا قلت ؟ حربة داخل حقيبتك حربة . - فتشوه ... تململ السياح الأمريكان في قاعة العرض . - سيحول وجهة الطائرة . - أيلول الأسود. - بادريماين هوف . - الجيش الجمهوري الإرلندي . - الدرب المضيء. - أبو العباس . - أبو نضال . - بدأ الهرج و الصياح . طلقات نارية ززز... دم... فرق مكافحة الإرهاب تحاصر المطار. سلم نفسك ... مسافرون محتجزون في إحدى القاعات . الصليب الأحمر الدولي . سيارات الإسعاف . وزير الإعلام يتحدث عن اكتشاف كلاشنكوف داخل حقيبة مسافر عربي في مطار دولي . إذاعات العالم تنقل الخبر. مفاوضات . مفاوضات . مفاوضات . مفاوضات. فاوض. يفاوض. مفاوضات . النساء و الأولاد يغادرون الطائرة . الرجال المرضى يغادرون الطائرة . فاوض. يفاوض . مفاوض . مفاوضات. الإرهابي يسلم نفسه مصحوبا بآلة الجريمة : حربة من البرونز المطعم بالفضة ، و الحب في زمن الكوليرا، و الدم يعود إلى وجوه السائحات الأمريكيات . وجوه سمينة . وجوه معطرة . وجوه يقطر منها السم. و الهدوء يعود من جديد إلى قاعة العرض. و العسل يسيل أنهارا من فم الطاووس . و البراق يردد: إلى أين يريد سيدي السفر ؟ . و درويش يرد : إلى الحيرة عند الملك النعمان بن المنذر . * * * إشتعلت الأضواء في القاعة .. وتهامس السياح . تساءلوا عن الحيرة ، و عن النعمان بن المنذر . جاء الدليل يسعى . جمعهم حوله و بشرهم : لا تتساءلوا كثيرا عن الحيرة سنزورها هذا المساء . و هذه بطاقات إستدعاء من الملك النعمان بن المنذر . قيل إنه سيولم لضيوفه . سيذبح لهم ألف بعير . قالوا : هي فرصة لا تتكرر مرتين . قبلنا الدعوة أيها الدليل . و سنتذوق لحم الجمال . ما أحلاك يا لحم الجمل ... سكر . الباب الخامس ملصق دعاية على تفاح تركيا . عاد فرنسوا مارتال إلى داره بعد أن حل الظلام . نادى عبدو طلب منه احضار الغليون و الحشيش و الخمر . عاد الخادم يسعى بمائدة عامرة بالحلوى الشامية ، و بأجود أنواع الخمور . وانصرف للمراقبة . الأحوال هادئة . لا خوف و لا هم يحزنون . و الرجال يصلون تباعا ، و يتجرجرون داخل جبابهم ، و يكركرون برانيسهم الثقيلة ، فالليلة جمعة ، و حلقة الذكر ستبدأ عما قريب . جذب الفرنسي نفسا من الغليون ، و ترك الهواء مدة طويلة داخل صدره ، ثم أخرجه رويدا رويدا ،و تنهد : أكل هذا الوحش الشرقي صور بدء الخليفة . و عاد إلى غليونه يعب منه بشراهة . *** دقت البنادير و الصنوج و الطبول خفيفة في بادئ الامر . تحسس الرجال جلودها فوق النار، ثم جربوها مرة أخرى . رنت الضربات واثقة هذه المرة ، ثم مرروا الجلود ثانية على النار، و نقروها . طنت في الآذان ،عنيفة ، صارخة من الالم . و دارت كؤوس الشاي . و دار الغليون محشوا بالكيف . و ارتفع صوت الجماعة رخيما حزينا .. مليئا بالألم . و أنت الصنوج و خشخشت، و العصيات الرقيقة تنوشها بحذق و خفة . و رزم الطبل . و صوت البندير . و تعالت أصوات المداحين : مزجت روحك في روحي كما ، تمزج الخمرة بالماء الزلال . فإذا مسك شيء مسني . فإذا أنت أنا في كل حال . و عبق الجو بروائح البخور و الجاوي و العنبر و عود القماري . و انتشى الفرنسي ، فزاد في كمية الحشيش ، و مرر الغليون إلى حلقة المداحين ، فلهجوا بالعرفان و الثناء ، و ناحوا و رؤوسهم تدور يمنة و يسرة : أنا من أهوى و من أهوى أنا . نحن روحان حللنا بدنا . فإذا أبصرتني أبصرته ، و إذا أبصرته أبصرتنا . و قام شيخهم و الزبد يتكدس على شدقيه و بدأ يتكلم بلغة أعجمية . و وقف واحد من الجماعة يرد عليه باللغة نفسها . خطاب هستيري، تخللته شطحات و رقصات مجنونة إلى أن أغمى على الشيخ، فسكبوا فوق جبهته قارورة عطر ... و بللوا وجهه بماء الورد . و الفرنسي مازال يشعل النيران في الكوانين، و يرمي فيها بأعواد العنبر و الجاوي و البخور و تمتد السهرة حتى الفجر . ثم يغادر أهل الذكر الدار . و يفتح عبدو الأبواب من جديد لندامى آخر الليل . و تدور كؤوس الراح . و يدندن العود نشيطا و الأنامل الرقيقة تدغدغ أوتاره . و يهزج صوت رخيم تعتعه السكر : يا رب دعني بلا صلاح . يا رب ذرني بلا فلاح . يدي مدى الدهر فوق ردف ، و راحتي تحت كأس راح . و يقول الحضور بصوت واحد : آمين و ترتفع الآهات . و الفرنسي راقد فوق السرير. و الشباب يروحون و يجيئون على بيت النوم. يتهامسون .. و يتغامزون.. و يدسون الدنانير في جيوبهم و يعودون إلى دنان الخمر يكرعون منها ، و يحرضون المغنى على الغناء : يا خليلي قد عطشت وفي الخمرة ري للحائم العطشان فاسقياني بين الدنان إلىأن ترياني كبعض تلك الدنان ، و اسقياني ، فقد رأيت بعيني في قرار الجحيم أين مكاني ؟ و يغادر الندامي البيت و الديك يؤذن ، فيغلق عبدو الأبواب ، و يذهب لينام . و يتحرك فرنسوا مارتال على الفراش.. منهوكا ... فتتحرك الصور المعلقة على جدران البيت أمام السرير .. صور بدء الخليقة .. و تمد حواء التفاحة لآدم .. و تقول : " كل يا حبيبي هذا التفاح الأحمر ، له رائحة أحلى من المسك هو تفاح مستورد من تركيا . كل و لا تخف " . و تعض التفاحة بأسنانها البيضاء كالثلج ، تقضم قطعة ، و تمدها لآدم - يقطر منها الرضاب- و يستعيذ آدم بالله من الشيطان الرجيم .. و يبسمل .. و يحوقل .. و يبوس يد حواء و يطلب منها برفق أن تبعد عنه التفاح. - هذه الثمرة ممنوعة يا حبيبتي و أكلها حرام علينا ... - لماذا تقول حواء ، وهي معروضة في الأسواق ،وتحت الشجر، وفوق أغصان الحدائق العمومية . -هكذا أشاء الرب يا عزيزتي.. ولا تقتنع حواء بكلامه. . و تقرب التفاحة من فم آدم. و يشجعه فرنسوا مارتال : " لماذا كل هذا الاضطراب يا آدم ؟ كل و لا تخف ، فالتفاح عندنا زهيد ،الثمن وهو ملقى على قارعة الطريق . لماذا يا آدم تحرم نفسك من التفاح ؟ و يلتفت آدم يمنة و يسرة ، و يمسك بالتفاحة في يده. على التفاحة ملصق صغير يقول إنها مستوردة من تركيا . و يعض. و تنغرس أسنانه الحادة في لحم الثمرة .. و يسيل ماؤها داخل فمه. - أحلى من العسل – و يعض بعنف . يعض بعنف المحروم . و لا شاهد عل الخطيئة سوى الفرنسي و يخرج آدم من الصورة المعلقة على الجدار. يمشي بخطى خفيفة .. عريان السوأة . و حواء تصيح من داخل الصورة : " عد يا آدم ... عد يا آدم لقد فضحتنا ". و يبحث آدم داخل خزائن المطبخ عن التفاح ويفتح الدواليب . و يملأ حضنه بالثمر المحترم ... و يعود إلى الصورة قبل أن يغلق الرب في وجهه الأبواب. * * * " فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري منهما من سوءاتهما و قال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين. و قاسمهما إني لكما من الناصحين فدلاهما بغرور. فلما ذاقا الشجرة ، بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة . و ناداهما ربهما ألم أنهاكما عن تلكما الشجرة و أقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين. قالا ربنا ظلمنا أنفسنا و ان لم تغفر لنا و ترحمنا لنكونن من الخاسرين . قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو. و لكم في الأرض مستقر و متاع إلى حين" . قرآن ( سورة الأعراف) * * * فنادى الرب الإله آدم و قال له أين أنت ؟ فقال سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأني عريان فاختبأت . فقال من أعلمك أنك عريان ؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها ؟ فقال آدم للمرأة التي جعلتها معي أعطتني من الشجرة فأكلت . فقال الرب الإله للمرأة ما هذا الذي فعلت ؟ فقالت المرأة الحية غرتني فأكلت . فقال الرب الإله للحية لأنك فعلت هذا ملعونة أنت من جميع البهائم و من جميع وحوش البرية. و على بطنك تسعين. و ترابا تأكلين كل أيام حياتك . و أضع عداوة بينك و بين المرأة. و بين نسلك و نسلها . هو يسحق رأسك. و أنت تستحقين عقبه. و قال للمرأة تكثيرا أكثر أتعاب حبلك. و بالوجع تلدين أولادا. و إلى رجلك يكون اشتياقك ، و يسود عليك. و قال لآدم لأنك سمعت لقول امرأتك ، و أكلت من الشجرة التي أوصيتك قائلا لا تأكل منها. ملعونة الأرض بسببك " . العهد القديم ( الإصحاح الثالث ) |
![]() |
| أنشر هذا الموضوع عالمياً في مواقع النشر (المفضلة) |
| لتسهيل البحث عن الموضوع في محركات البحث العالمية أضف الكلمات الدلالية (Tags) الآن بالضغط على تعديل الكلمات الدلالية على اليسار |
| 04 or, المنفي, الى |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
| |