| ||||||
|
![]() |
| |||||||
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
| #1 | ||||
| ||||
| الدراويش يعودون الى المنفى / 05/ رواية / ابراهيم درغوثي / تونس الدراويش يعودون إلى المنفى رواية الجزء الخامس ابراهيم درغوثي / تونس الباب السادس حفل عشاء عند ملك الحيرة في الساحة ما زال درويش يصب الماء على رجليه، يغرف من سطل بجانبه ، و يهرق النفط على أعواد الحطب.. و الخطب .. و صور زعماء القبائل المعروضة في الجرائد اليومية . و يضغط البخار على غطاء قدر الألمينيوم ، فيبرك درويش فوقه و يقول : " لا ! ليس ! الآن مازالت طائراتنا من ورق "... وحول الساحة، و على جنباتها حوانيت تبيع للسياح : الزرابي .. و العقال العربي.. و الأفاعي المحنطة .. و العقارب المدسوسة في علب صغيرة من الزجاج البراق . و فراء الثعالب.. و صور الواحات .. و الجمال .. و كثبان الرمل .. و وصلت القافلة.... كان درويش يمد الدنانير الذهبية المصكوكة في عهد سليمان القانوني إلى الأطفال، و يوصيهم بشراء طائرات ورقية جديدة عندما وصلت قافلة السياح الأمريكان إلى الساحة. ارتفع رغاء الجمال الباركة .. و كثر زعيق البدو : - من هنا "ميس" من هنا ! - "مستر" انظر ما أجمل هذه الناقة. - "مسز" تعالي هنا!هذا جمل عبلة زوجة عنترة، فارس بني عبس. العبد الأسود قاتل الأبطال و فالق هامات الرجال . هل تعرفين " عنترة " يا سيدتي الجميلة ؟ - نعم ، نعم ، أعرفه هو كلب صاحب الفندق . و تتعالى الضحكات... و يصبح الرمل كنار الله الموقدة. و تبدأ الرحلة. إلى أين سنذهب هذا اليوم أيها الدليل ؟ لقد زرنا الواحة ، و عيون الماء ، و المتحف ، و حديقة حيونات الصحراء. و يرد الجمال قائد القافلة : " سنزور اليوم مدينة الحيرة. أنتم ضيوف الملك النعمان". و ينوح الحادي بأغنية لمايكل جاكسون. و " يا حادي العيس في ترحالك الأجل" . و تسير القافلة. الجمال يسير برجليه الحافيتين ، يدب فوق الرمل الحارق . و السائحة الأمريكية على ظهر الجمل في قمة لذتها ، تتحرك يمنة و يسرة فوق السنام. السنام... الصاعد... النازل.. الطالع.. الهابط.. الصاعد... النازل.. الطالع.. الهابط.. و الجمل يخب ... و الجمال يربت على الفخذين الشقراوين .. و يمارس العادة السرية جهارا فيسيل لعابه على الرمل . و السنام يعلو و يهبط . و السراب يحول الصحراء إلى سرير كبير . و تقطر اللذة من عيني السائحة الأمريكية. و يربت الرجل على فخذيها بحنان ، فلا تخجل . و القافلة تقترب من مدينة الحيرة ، فتخرج كوكبة من الحرس السلطاني لإستقبالها . و ترحب بهم الكلاب . و ينبح الرجال . و ترفع البنود فوق المباني الحكومية ، و في الساحات العامة . و يصطف الخلق على جنبات الطرق الرئيسية مهللين مكبرين . و تصيح مضخمات الصوت معلنة عن وصول قافلة الأصدقاء ، فيصفق الأطفال الصغار. و تزغرد النساء. و يضرب الرجال الدفوف و الطبول. و يهزون الأعلام ملوحين بها في كل الاتجاهات . و السياح يصورون هذه المشاهد التي لم تخطر لهم على بال. و السنام يواصل الصعود و الهبوط حتى قصر الضيافة. و يمد السماط على الأرض : جمال مذبوحة. و رجال مذبوحة. عفوا ... غلطني الوزن . أقصد : جمال مذبوحة . و جمال مذبوحة. و جمال مذبوحة. و يفوح الشواء .. شواء لحم الرجال. عذرا مرة أخرى ... جعلني الوزن أغلط . أقصد : فاح شواء لحم الجمال. و يعبق الجو برائحة التوابل و يسر سائح لعجوزه : " يقال أن لحم الجمل يقوي الرغبة في الجماع" و تعضه العجوز في شحمة أذنه . و يصل النعمان بن المنذر، يسبقه الوزراء.. و أرباب الدولة .. و الحجاب.. و الشعراء.. و الخدم .. و الحشم .. و يقرأ الملك خطاب ترحيب على شرف الزوار. و يلقي شاعر البلاط قصيدا طويلا : إذا بلغ الرضيع لنا فطاما تخر له الجبابر ساجدينا - قولوا : " آمين" . - " آمين يا رب العالمين " . و تمتد الأيدي إلى الوليمة تنهش اللحم . و رغاء الجمال يملأ المكان. و النعمان يطعم بيديه الشريفتين الحسناء الأمريكية من كبد الجمل . يضع اللقمة في فمها ، و يمسح بأصابعه على الشفتين الشمسين الطالعتين في صباح يوم صحو. و تدور كؤوس الراح. و "ألا هبي بصحنك فأصبحينا . و لا يبقى خمور الأندرينا . مشعشعة كأن الحص فيها إذا ما الماء خالطها سخينا " . و تخرج القيان من وراء الستائر . و تتثنى الراقصات . و تهتز الأرداف و القدود . و يطرب النعمان ، فيقوم ليرقص بالسيف ، و يطلب من السائحة التي أطعمها كبد الجمل أن تشاركه الرقص . و يضرب برجليه الأرض في خفة و عزم. و تضرب السائحة برجليها الأرض ضربات خفيفة . و يدق النعمان الأرض. و تدق السائحة الأرض . و يدق الأمريكان الأرض . و يدق إسماعيل الأرض . فينفجر الماء نبعا سلسبيلا. و أمه هاجر تطوف بين الصفا و المروى. و بير زمزم عليه حارس لا ينام و الصبايا عليه مثل رف الحمام و يدق الأمريكان الأرض بأرجلهم .. يدقون .. و يدقون .. و يدقون .. فتنفلق .. و يخرج من جوفها الحليب و العسل فيضعهما الأمريكان في بطونهم .. طبقة فوق طبقة. و يخرج من جوفها مارد أسود اللون كريه الرائحة . يعلو .. و يعلو .. و يعلو .. حتى يبلغ كبد السماء . و يصيح النعمان : - ما هذا العمود الأسود يا وزيري ؟ فيرد عليه الوزير : - هو الزيت يا ملك الزمان . اكتم السر حتى لا تحسدنا قبائل هوازن و ثقيف. و تضحك السائحة الأمريكية التي كانت تراقص الملك ، و تقول له " ما رأيك يا ملكي لو أبادلك هذا الزيت اللزج، الكريه الرائحة بقارورة ، عطر فرنسي ، و سبحة ، و مرسيدس ، و سيوف يمانية،و سرير مذهب الحواشي، و غلالة شفافة من الحرير ؟" و يرد عليها ملك "الحيرة" : " أنت ضيفتي ، و نحن كرام . و الضيف لا يرد له طلب ". * * * في تلك الليلة كبرت مدينة الحيرة صارت أجمل من نيويورك . جاء سنمار. طلب من عمال البناء هدم مباني الطين و الحجر. و ارتفعت الدوربدون عمد . و أضاءت فوانيس الكهرباء الشوارع ذات البناءات الشاهقة . و امتدت الطرقات مستقيمة كالمسطرة. و انبهرت الجمال بالأضواء. و خجل خف الجمل من الإسفلت ، فتواري داخل الفيافي . و أز المطاط فوق الطرقات السريعة. وعوت الزمامير. و بنيت العمارات و سط الصحراء تناطح السحاب. و خرج النعمان وسط حاشيته يتفقد هذا النعيم . جلس فوق كدس من الرمل ، و بدأ يحفر بيده الإثنتين . ثم قال وحبيبات الرمل تتطاير في الفضاء : " أنفطي حيث شئت فخراجك لي ..." * * * النفط : دهن معدني سريع الاحتراق ، توقد به النار، و يتداوى به . و كان النفط فيما مضى دواء تطلى به الإبل للجرب و الدبر و القردان. و ذكر ابن سينا فائدته في مداواة أوجاع الوركين و المفاصل و آلام الأذن و بياض العين و مائها و الربو و السعال و لسع الحشرات. و النفاطة : سراج النفط يستضاء به. و النفاطة : أداة من النحاس يرمي فيها بالنفط و النار، استعملها الرشيد في حربه مع الروم لما فتح هرقلة. * * * و عادت القافلة – قافلة السياح الأمريكان – إلى ساحة الصناعة التقليدية عند الفجر. كان درويش ما زال يصب من النفط المكرر في سنغفورة على رجليه. و البخار يصاعد من قدر الألمنيوم. و السائحة الأمريكية تحلم بإعادة الرحلة فوق الجمل ذي السنام الصاعد ، النازل ، الطالع ، الهابط ... و الجمال يمسح لعابه. و حوانيت بائعي التحف لا تغلق أبوابها أبدا . و أضواء كاميرا " السوبر ثمانية " تنهمر على وجه درويش الماد رجليه تحت القدر. و النيران تلتهب و تلتهم الرجلين . ويا حادي العيس عرج كي أودعهم . يا حادي العيس ، في ترحالك الأجل. الباب السابع بطاقة تفتيش لدى اللأنتربول " الفراش يطير حول المصباح إلى الصباح، و يعود إلى الأشكال فيخبرهم عن الحال بألطف المقال، ثم يمرح بالدلال طمعا في الوصول إلى الكمال. صورة المصباح : علم الحقيقة . و حرارته : حقيقة الحقيقة . والوصول إليه: حق الحقيقة . و الفراش لم يرض بضوئه و حرارته فيلقي جملته فيه. و الأشكال ينتظرون قدومه فيحذرهم على النظر حين لم يرض بالخبر. و حينئذ فقط ، يصير متلاشيا،متصاغرا ، متطايرا ، فيبقى بلا رسم و لا اسم و لا جسم . فلأي معنى يعود إلى الأشكال ؟ صار من وصل إلى النظر استغنى عن الخبر. و من وصل إلى المنظور استغنى من النظر " الحسين بن منصور الحلاج "كتاب الطواسين" و صار منزل الفرنسي محجا للأهالي، يطوفون حوله، و يتبركون بأحجاره . حتى الكبار : شيوخ القبائل ، و قادة الجند ، و كبار التجار جرتهم رائحة " الكيف " إلى هناك، فجاءوا زرافات و وحدنا، و حطوا الرحال داخل حديقة القصر. و ترك " الشيوخ" قراءة القرآن، و قيام الليل، و التهجد، و إتمام الأوراد و جاؤوا يتسولون سجائر الأفيون ، و يشاهدون الأفلام الخليعة ، و يمارسون الجنس مع السائحات ، و السياح الفرنسيس و الألمان و الأمريكان. و في آخر الليل يقرأ لهم فرنسوا مارتال أشعارا لعمر بن أبي ربيعة وهم يتبولون فوق الرمل ، و يدوسون بأحذيتهم أحجار الحديقة. و عبدو يبارك الخارجين من المخادع ، و يرشهم بماء الورد . و الرؤوس " المنفوخة برائحة الكيف تكبر" و العيون تبحلق في الفراغ. و يمر السمار من الساحة المدسوسة داخل السوق ، فيعترض طريقهم درويش . يسلمون عليه فيبسط لهم كفه الكبيرة. يصعد الرجال فوق الكف. شيوخ القبائل و قادة الجند و أصحاب الشرطة يصعدون فوق كف درويش الكبيرة. يسوي " الشيوخ" عمائمهم. و يتفقد كبار التجار جيوبهم. و يخرج قادة الجند و صاحب الشرطة السيوف اليمانية من أغمادها. و درويش يبدأ في التضخم . تزداد كفه سعة و ارتفاعا . و يكبر حجم بقية أعضائه إلى أن يصبح كجبل أحد. و الرجال يحاولون الفرار من فوق الكف ، فتحاصرهم أصابع كالمآذن. و يؤذن و المؤذنون : حي على الصلاة . حي على الفلاح. فيخرج الشيوخ سجاجيد من الحرير مطوية في جيوبهم ، و يطرحونها فوق الكف ، و يبدؤون في السجود و الركوع. و الحمد لله رب العالمين ، و السلام عيكم و رحمة الله و بركاته. و ينثر التجار الدنانير الذهبية على يمين " الشيوخ" و على شمالهم ، و يحرك صاحب الشرطة سيفه ، يقتل به مردة الشياطين و كفرة الحان . و الأصابع الكبيرة تحاصر الساحة و مصابيح السماء " إنا زينا السماء الدنيا بمصابيح" تنطفىء الواحدة وراء الآخرى. و كف درويش تهصر الأجساد هصرا ، فيسيل العرق ، و تختنق الأنفاس ، و تبدأ الأصابع التي تحولت إلى كتل كبيرة من الصخر في رجم الرجال المتكورين وسط الكف " . وجعلناها رجوما للشياطين" . و الرجال يحرقهم نور الشمس الخارج لتوه من الفرن فيفيقون من نومهم و قد هدتهم الشهب و النيازك ،فيفركون العيون ، و يركبون الخيول و البغال و السيارات " المرسيدس" ، و يعودن إلى الأحياء الراقية ، يواصلون النوم و الأحلام. قال واحد من الشيوخ بعد أيام حين التقى بصاحب الشرطة و بتاجر المجوهرات : " لقد حلمت حلما رهيبا منذ ثلاث ليال. لقد رأيت طائرات من ورق تحط في ساحة سوق الصناعات التقليدية ، قريبا من درويش، و درويش ، يمسك بالطائرات كما يمسك الصغار بالفراشات". و سمعته ينادي الأطفال : "تعالوا يا أولادي ، تعالوا نذهب من هنا قبل أن تحل أللعنة على هذه القرية" . و الأطفال يخرجون من الفرش الدافئة ،حفاة ، عراة ، كما ولدتهم أمهاتهم ، فيغطيهم درويش بجناحيه. كان له جناحان كبيران مزخرفان بألف لون و لون. و يضم درويش الأطفال إلى صدره ثم يصلي و إياهم صلاة "الوداع". و رأيت المطر يهطل مدرارا ، فيغسل رجلي درويش ، و تخمد نار جهنم المشتعلة فيهما منذ الأزل . و يقوم . يتكىء على عصاه ، و يفتح الطريق. و الأطفال يسيرون وراءه. كان يقول لهم : " لا تلتفتوا أبدا إلى الخلف يا أولادي حتى لا تتحولوا إلى قردة أو تتخطفكم الشياطين و تمسخكم تماثيل من الحجر" . و القرية ، وراءهم تبدأ في الارتفاع نحو السماء. ترتفع القرية ببطء شديد كأنها باخرة كبيرة تغادر الميناء في منتصف الليل. و تبتعد أضواء المنازل. و تصغر الصورة رويدا رويدا إلى أن تصبح في حجم رأس الإبرة ، ثم تهوي القرية إلى باطن الأرض مفتتة كذرات الرمل و محدثة دويا رهيبا كأنما شمس تفتت إلى ملايين الأجزاء" . حينما انتهى الشيخ من سرد الحكاية قال له صاحب الشرطة : " لا تعجب ياصاحبي ، لقد شاهدت نفس الحلم و كأنني كنت نائما في فراشك" . و قال تاجر المجوهرات : " و أنا أيضا عشت هذا الحلم كأنني واحد منكما" . و سكتوا مدة طويلة إلى أن قال " صاحب الشرطة" : " ما قول نبي الله يوسف في تفسير هذا الحلم يا شيخنا ؟" قال الشيخ : " لقد استخرت الله في تفسيره منذ أفقت ليلتها مذعورا فما وفقت . و لعل الله يهديني سواء السبيل" . قال التاجر : " أنا كفيل بتمويل بحث جامعي حول هذا الحلم" . و بعث "صاحب الشرطة" في طلب درويش. بعد حاولي نصف ساعة ، عاد العون السري المكلف بإحضار درويش من ساحة سوق الصناعات التقليدية خائبا . قال إنه وجد الساحة خالية ، و نار الموقد مطفأة ، و الرماد باردا ، و لا أثر لدرويش. قال الشيخ : " و ما العمل الآن يا صاحب الشرطة ؟" رد صاحب الشرطة : " لا يهمك يا شيخنا ، سأرسل بطاقة تفتيش عن الرجل إلى كل " المراكز" الراجعة بالنظر إلى سلطاننا الموقر في عرض الأرض و طولها". و تواعدوا على اللقاء. |
![]() |
| أنشر هذا الموضوع عالمياً في مواقع النشر (المفضلة) |
| لتسهيل البحث عن الموضوع في محركات البحث العالمية أضف الكلمات الدلالية (Tags) الآن بالضغط على تعديل الكلمات الدلالية على اليسار |
| 05 or, المنفي, الى |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
| |