الأوائل | أقلام مميزة | مركز الألعاب | مباشر | إتصل بنا
بحث معلومات إعلان
آيرس موبايل
: تحنانُ رجْعٍ    »   صوته يهمس حبيبتي    »   سقوط للأعلى    »   ملحمة قصيرة جداً !!!!    »   أمانة    »   نعم غبت عنكم لظروف ..لكني اليوم حاضر.. فلنفتح دفة النقاش    »   لو جاء من يقول لك .. أني احبك.. فهل تصدقه؟    »   ألشرف ما يملكه الفقير,,,    »   1-2-3 وقد توصلني للمائة    »   لـلـحرف أيـضا ً مـلامـح . . فـمـن أكـون ؟ ؟ !    »   عقلية التنازل التي انطبعت عليها ذهنية القيادة الفلسطينية    »   غير مسجل ، هل تؤمن بوجود الأطباق الطائرة ؟    »   اشكالية الحوار..    »   قَصر / ق ق جدا    »   وقرعتُ الأبواب ..    »   أكاذيب الفاست فود أمريكانا ..؟    »   الحالة المفترى عليها..!!    »   فلسفة رجل .....    »   خذ لك ساتر يا قيس..    »   إفاقة    »   الشطّار    »   كذبة أبريل ( نيسان )    »   يوم تفاعلي للأطفال والأمهات    »   هل المرأة، مخلوق ناقص، يتطور بتقدم العمر.. أم الرجل يولد بعقل ناقص ينمو بطي السنين؟    »   صورة وحكاية....
منتديات المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية » واحـــة الأدب » دوحــة الحكاية » الـروايــة » الدراويش يعودون الى المنفى /07/ رواية / ابراهيم درغوثي / تونس

إضافة رد
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
  #1  
قديم 08-30-2008, 01:57 AM
الصورة الرمزية ابراهيم درغوثي
تفضل بزيارة منتداي
روائي ومترجم - عضو شرف

كاتب مميز 
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: قفصة / تونس
المشاركات: 1,497
صوت لتميز الموضوع: 0
تم التصويت لتميز مواضيعه 17 مرة في مشاركة واحدة
معدل تقييم المستوى: 5
ابراهيم درغوثي is on a distinguished road
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى ابراهيم درغوثي إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى ابراهيم درغوثي
الدراويش يعودون الى المنفى /07/ رواية / ابراهيم درغوثي / تونس



الدراويش يعودون إلى المنفى
رواية
الجزء السايع

ابراهيم درغوثي / تونس




الباب التاسع
موجز لجامع كرامات الأولياء


الرجل الذي نظر إلى جثة نفسه بلا رأس
كان بدمشق حرسها الله تعالى شريف ناسخ كتب. و كان هذا الشريف مضادا للشيخ الأكبر سلطان العارفين سيدي محيي الدين بن عربي. و كنت زمنها تلميذا عنده أشرب من نهر عرفانه.
وصادف أن نسخ الشريف كتابا لأحد الوزراء. وكتب فاتحته وخاتمته و أبوابه بالذهب وغيره من الأصباغ الحسنة، ثم نشر كراريسه بين يديه ليتفرج في صناعته ، و يتفقده قبل دفعه إلى الوزير.
ساعتها ناداني شيخي ( و كان دائم المزاح معي ) و قال لي : هل ترغب في الإطلاع على واحدة من كرامتي يا درويش ؟ ".
قلت : " بلى يا شيخي ".
قال : " اذهب الآن إلى دار الشريف ، و أفسد المخطوط المنشور بين يديه ".
قلت : " حبا و طاعة يا مولاي ".
و انطلقت نحو الدار. و في غمضة عين كنت فوق رأس الشريف.
رآني واحدا من كلابه معلقا في سقف البيت، فخاف و فر، و رمى في فراره منارة السراج على الكتاب، فأفسده جملة.
و عدت إلى شيخي و الغبطة تملأ قلبي.
قال : " ترقبه غدا سيمر من أمام دارنا ".
و نام الشريف مملوءا غيضا .
ثم كان كما قال الشيخ. مر من أمام الدار بكرة ليقي بالكتاب في نهر بردي بظاهر باب الفراديس، فناداه محيي الدين بن عربي و قال له : " أنا نسخت مرة كتابا ..."، و حكى جميع ما جرى للشريف.
فخرج الرجل عن طوره ، و غضب غضبا شديدا ، و سب الشيخ ، و قال له كلاما جارحا . و الشيخ يضحك و لا يلتفت إلى مقولته . ثم قال له :" ارني الكتاب لعلي أعرف له دواء"، فقال الشريف :" الثقيل لا يجيء منه إلا مثله " ، ثم فتح المنديل ، و أعطى الكتاب للشيخ.
وقال الشيخ :اعطني من وراء الباب من الكناسة حفنة ، ففعل ،فذرها الشيخ على الأوراق .
فقال الشريف : الثقيل لا يجيء منه إلا مثله لقد زدته فسادا يا فاعل يا تارك".
فقال الشيخ : " افعل ما كنت تريد من القائه في النهر"، فذهب.
ثم قال لنفسه لعله سحره، ففتحه و نفضه ، فرآه أحسن من حاله عند فراغه منه، فجاء و قال: " يا كافر لقد أحسنت في سحرك".
فقال الشيخ و أنت على حالك "، و مد يده و قال : " لله تعالى رجال يقول أحدهم بسم الله الرحمان الرحيم" و اقتلع رأس الشريف بيده من فوق كتفيه و صار الشريف ينظر إلى جثة نفسه بلا رأس .
ثم بعد ساعة، قال الشيخ :" و لله تعالى رجال يقول أحدهم باسم الله الرحمان الرحيم هكذا " ،ورد رأس الشريف إلي جثته. فقال الشريف : " أشهد أن لا إلاه إلا الله وأشهد أنك ولي الله " .
فقال الشيخ : " و الله ما رددتك إلى الحياة الدنيا إلا حياء من النبي لئلا يعاتبني عن تخلفي عن هدايتك مع نسبتك إليه ".


الرجل الذي سكب البحر في إبريق .

قال درويش : " كنت إذا أردت أن أعدي بحر النيل يقول لي المعدي : هات الكراء يا شيخ ".
فأقول له : "عندنا الله يا فقير ".
فيعديني .
فأبى علي يوما و قال : " ما أعطاني ربك كسرة لعيالي، هات النقود يا شيخ ".
فقلت : " ها الله" .
و طأطأت إبريقا كان معي ، فأخذت ماء البحر كله فيه ، و وقف المركب على الأرض.
فاستغفر المعدي و تاب.
فصببت الإبريق في البحر، فرجع الماء كما كان، ثم قلت للمعدي : " خذ هذا الإبريق و املأه من ماء البحر".
فملاه ، فوجده عسلا.
ثم ملأه، فوجه لبنا .
ثم ملأه، فوجده كوكاكولا.


الرجل الذي يتكلم بالسريانية

قال لي شيخي إبراهيم الدسوقي :
" يا درويش ادع بهذا الدعاء و لا تخف شيءا ".
باسم الإله الخالق الأكبر.
وهو حرز مانع مما أخاف منه و أحذر .
لا قدرة للمخلوق مع قدرة الخالق يلجمه بلجام قدرته .
أحمى حميثا.
أطمى طميثا.
و كان الله قويا عزيزا.
حمعسق حمايتنا.
كهيعص كفايتنا.
و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم".
و حين سألته عن معنى " أحمى حميثا/ أطمى طميثا "، أجابني بكونهما سريانيتين، و في كلا العبارتين سر عجيب لا يطيق القلم تبليغه أبدا.



الرجل الذي وضع رجله اليمنى في باب داره بالهند
و الرجل اليسرى على شاطىء الفرات.

كنا مرة جلوسا مع شيخي شاه نقشبند رضي الله عنه، في تربة الشيخ رافع ، و نحن ننظر إلى الفرات، إذ لاح على الشاطىء رجل.
فقال الشيخ : " أترى ذلك الرجل الذي على الشاطىء يا درويش" .
فقلت : " نعم " .
قال : " إنه من أولياء الله تعالى ، وهو من أصحابي. و قد قصد زيارتي من بلاد الهند. و قد صلى العصر في منزله و توجه إليُ . و قد زويت له الأرض ، فخطى من منزله خطوة واحدة فإذا هو في شاطىء الفرات . وهو يمشي من الفرات إلى هنا تأدبا منه معي. و علامة ما أقول لكم أنه يعلم أني في هذا المكان، فيقصده و لا يدخل البلد".
فلما قرب من البلد عرج عنه ، و قصد المكان الذي فيه الشيخ و الجماعة، فجاء و سلم و قال : " يا سيدي أسألك أن تأخذ عني العهد أن أكون من أصحابك " .
فقال له الشيخ : " وعزة المعبود أنت من أصحابي ".
فقال : " الحمد لله ، لهذا قصدتك ".
و استأذن الشيخ في الرجوع إلى البلد.
فقال له الشيخ : " أين أهلك ؟ "
فقال : " في الهند " .
فقال : " متى خرجت من عندهم ؟"
قال : " صليت العصر و خرجت لزيارتك "
فقال له الشيخ : و أنت الليلة ضيفنا".
فبات الهندي عند الشيخ و بتنا عنده.
فلما أصبحنا من الغد قال : " السفر ".
فخرج الشيخ و خرجنا في خدمته لوداعه.
فلما صرنا في الصحراء و أخذ الرجل في وداع الشيخ وضع الشيخ يديه بين كتفيه و دفعه فغاب عنا و لم نره.
فقال الشيخ : " و عزة المعبود في دفعتي له وضع رجله في باب داره بالهند ".





الرجل الذي يشعل القنديل بنظره .

صليت الصبح وراء شيخي محمد الحنفي وهو جالس في مقعده ، فانطفأ القنديل، فقام من كان حاضرا ليوقده، فأشار إليه أن أجلس – و كان مشتغلا بورد الصلاة - فجلس.
ثم جعل الشيخ ينظر إلى القنديل ، و يطيل النظر ، فإذا هو قد توقد، و أضاء أحسن إضاءة.
بعد قليل سمعت الشيخ ينشد في همهمة كهمهمة المجوس :
أحبك حبين .. حب الهوى
و حب لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حب الهوى
فشغلي بذكرك عمن سواكا
و أما الذي أنت أهل له
فكشفك لي الحجب حتى أراك




الرجل الذي اطلع على عواقب الأمور

بقيت في خلوتي مرة عشر سنين حتى سمعت هاتفا يقول : " يا درويش اخرج انفع الناس " ثلاث مرات،
فقمت و خرجت إلى الزاوية فرأيت على فسقية جماعة يتوضؤون .
فمنهم من على رأسه عمامة صفراء.
و منهم من على رأسه عمامة زرقاء .
و منهم من وجهه وجه قرد .
و منهم من وجهه وجه خنزير.
و منهم من وجهه كالقمر .
فعلمت أنني مطلع على عواقب أمور هؤلاء الناس ، فرجعت إلى خلوتي ، فلم أخرج منها حتى ستر عني ما كشف من أحوال الناس.



الرجل الذي تخافه التماسيح

خطف تمساح ولدا فجاءت أمه تبكي إلى شيخي الفرغل ، فقال لنقيبيه : " اذهب إلى الموضع الذي خطفه منه و ناد بأعلى صوتك : " يا تمساح تعال كلم الفرغل" .
فخرج التمساح من النهر، و طلع كالمركب ، وهو ماش ، و الخلق بين يديه ، إلى أن وقف إلى وقف بباب الدار.
فأمر الشيخ رضي الله عنه الحداد بقلع جميع أسنانه ، و أمره بلفضه من بطنه . فلفظ الولد حيا مدهوشا . و أخذ على التمساح العهد أن لا يعود لخطف أحد من بلده ما دام يعيش.
و رجع التمساح و دموعه تسيل حتى نزل النهر.


الرجل الذي أفطر على سماط النبي .
قال درويش :
كنت مرة بماردين في ضيافة مولاي محمد الحافي ، و كان له جماعة من التلامذة و المحبين ، فكثر عليه الإنكار من العامة و من الأمير، فصادف الشيخ مرة الأمير فعاتبه، فقال أنا معذور، و أنت يبدو منك و من أصحابك أشياء يقع الإنكار فيها . فأرنا شيئا يكون آية ظاهرة حتى نسلم إليكم حالكم.
فقال الشيخ : " باسم الله أنا أموت الساعة ،و أنت ادفني كيف شئت. و أنا أظهر بعد مئة و خمسين يوما.
فقال الأمير : " رضيت.
و مات الشيخ لوقته، فقضى حقه ، و جهز له بئرا عميقة عدة قامات ، و دفنه أسفلها. و عمل عليها ضريحا بحجارة متقنة – عمارة متعنت ، ممتحن ،متعصب ، ثم ردم البئر، و بنا في أعلاها ضريح خشب .
و رسم عليه رجالا كثيرين لا ينامون بل يسهرون بالنوبة .
فما ظهر الشيخ بعد المدة.
و طلب الأمير الجماعة – و كنت معهم – و انتقم منا بأنواع الأذى . و قال ما أمكن من الشتم و اللعن و غيره ، ثم بعد عشرين يوما ظهر الشيخ محمد الحافي ، فجاءه الأمير في قالب الذلة و الندامة و الإعتذار ،و قال يا سيدي: ما ظهرت في التاريخ الذي عنيته .
فقال الشيخ : في تلك المدة كنت في حبس الله تعالى ، و أما في الزيادة فقد كنت في حبسك .
فقال : صدقت يا سيدي .
ثم استغفر الله ، و سأل الصفح . و أكرم الجماعة الذين أهانهم ، و صار من أكبر المحبين.
وعندما زالت عنا الغمة و جاء الفرج، و انبسط الشيخ و الجماعة، قلت : يا مولاي دفناك ضعيفا، و ظهرت سمينا.
فقال لي : ما ذاك إلا من إفطاري على بساط النبي صلى الله عليه و سلم ، و الخلفاء الراشدين .



الرجل الذي يقرأ أخبار القلب .

سجن أمير تونس جماعة من أهلي . و غلهم بالسلاسل، فجئته مستشفعا في إطلاقهمم فما سمع كلامي، فبقيت متحيرا و استحييت أن أخبر شيخي أحمد بن عروس بذلك.
ثم عزمت على أن أخبره بالقلب دون اللسان.
فجئت إليه، و أضمنت قصتهم في نفسي، و رجوت الشيخ في خلاصهم ثم توجهت من عنده في تلك الليلة . فما أن ظهر الصباح حتى جئت إلى بيت الشيخ و جلست على دكة. و إذا بجماعة اللذين كانوا في السجن يسلمون علي من شباك القاعة. فالتفت إليهم مستغربا، و قلت لهم : من أطلقكم ، و متى جئتم هنا ؟
قالوا : " خلصنا الله تعالى ببركة سيدي أحمد بن عروس.
قلت : و كيف ذلك ؟
قالوا : إن لنا قصة عجيبة و أحاديث غريبة. و ذلك أنه لما اشتد بنا الكرب الليلة ، و الأغلال في أعناقنا، استغثنا بحضرة الشيخ و استجرنا به.
قال أحدهم : فأخذتني سنة من النوم، فرأيت سيدي ابن عروس و قد جاء إلينا و قال : قوموا و اخرجوا.
فقلت إليه : و كيف المخرج يا سيدي ؟
قال : اتبعوني .
ثم فتحت عيني ، فرأيت الأغلال قد حطت علينا، و رأيت الشيخ خارجا من باب السجن، فقمنا فقفونا أثره ، فلم نره.
و خفنا أن يرانا أحد من الحراس ، فأخذنا معنا عصا و مضينا، فوجدنا الباب مفتوحا، و الخفراء جالسين بأعتابه، فخرجنا. فلم يلتفت إلينا واحد منهم. ثم سرنا فلم نجد أحدا في الطريق، و الوقت مظلم : حتى وصلنا إلى جامع الزيتونة فسمعنا المؤذن يؤذن الفجر، فدخلنا و صلينا فيه الصبح.
ثم جئنا إلى بيت الشيخ، فوجدناه مفتوحا ...


الرجل الذي شاهد أعضاءه تتفرق على الأرض

بعث لي يوما شيخي أبو أحمد الأندلسي فجئته.
بعث لي يوما شيخي أبو أحمد الأندلسي فجئته ، فوقف على راسي و بيده قدوم.
بعث لي يوما شيخي أبو أحمد الأندلسي فجئته ، فوقف على راسي و بيده قدوم ، فصار يهدم فيُ و أنا أشهد أعضائي تتفرق على الأرض حتى وصل إلى كعبي.
بعث لي يوما شيخي أبو أحمد الأندلسي فجئته ، فوقف على راسي و بيده قدوم ، فصار يهدم فيُ و أنا أشهد أعضائي تتفرق على الأرض حتى وصل إلى كعبي ، ثم بناني عضوا عضوا من كعبي إلى دماغي.
بعث لي يوما شيخي أبو أحمد الأندلسي ، فجئته ، فوقف على راسي و بيده قدوم ، فصار يهدم فيُ و أنا أشهد أعضائي تتفرق على الأرض حتى وصل إلى كعبي ، ثم بناني عضوا عضوا من كعبي إلى دماغي ،ثم قال لي : " استغنيت ، فسر إلى بلدك ".
فانكشف لي العالم كشفا بحيث لا ينحجب عني منه شيء

الباب العاشر
هل تكفي رصاصة واحدة لثقب السماء ؟

عندما ذهب فرنسوا مارتال إلى الخزانة التي تتصدر قاعة الجلوس كانت خطواته مرتبكة، و كان وجهه مصفرا، و شعره مبعثرا في كل الاتجاهات.
رأيته يخرج من درج صغير مسدسه ( قال لي أكثر من مرة إن هذا المسدس لا يقدر على قتل ذبابة ، و إنه تحفة يزن بها الخزانة) .
لهذا لم أهتم به كثيرا حين رأيته يقلبه بين يديه، وواصلت نفض الغبار من على الكتب، و كنس الأتربة و الرمال التي تكدست على أرضية القاعة.
واصل فرنسوا تقليب المسدس، ثم حشى الخزان برصاصة لست أدري من أين أتى بها ، و قرب الفوهة من صدغه و أطلق النار.
رأيت الرصاصة ترتطم بالجدار، وترتد عنه. ورأيت الدم ينبعث من رأس الرجل كنافورة صغيرة. وانهد الجسم، وارتطم بالأرض محدثا زلزلة دكتني دكا.
لم أدر ماذا أفعل. بقيت واقفا في مكاني مدة دقيقة أو أكثر، ثم جريت خارج البيت . نفخت في الصور ثلاث نفخات، و أمسكت حبل الناقوس و بدأت أجره في كل الاتجاهات، فأحدث دويُا رهيبا، و جاء الخلق من كل مكان كأن الأرض قد انشقت عنهم.
لم أتركهم يدخلون قاعة الجلوس.
أمسكت رمحا في يدي و أشرعته في وجوههم. ( هكذا كان قد أوصاني الفرنسي قبل مماته. قال لي عندما يحين أجلي خذ حربة ، حربة وحشي التي قتل بها حمزة بن عبد المطلب ، واملأ بها الباب ، ولا تترك
المتطفلين يدنسون جسدي، حتى تحظر الملائكة لمحاسبتي على أفعالي في دار الفناء.
أرجوك أن تحظر ساعة الحساب لأنني سأطلبك للشهادة ).
كنت أضحك منه و من هلوساته في ذلك الوقت، و لكني الساعة بدات و بدون شعور مني في تطبيق وصيته.. إلى أن جاءت الشرطة، و حاكم التحقيق ، و فرقة مقاومة الإجرام. أبعدت الحربة عن صدورهم ، و سبقتهم إلى قاعة الجلوس.
قام فرنسوا مرتال و الدم مازال ينز من صدره. سلم على الجماعة بأدبه المعهود في المناسبات الرسمية ،و طلب منهم أن يمسكوا عن التفتيش عن القاتل وعن طرح الأسئلة ، وعن استجواب الخدم ، والأصدقاء والأحباب لأنه هو الذي قتل نفسه وبواسطة مسدسه الشخصي ، ومع سابقية الإضمار والترصد .
ثم أمر بإحضار القهوة لأعوان الأمن ، وعاد إلى النوم من جديد والدم مازال ينز من صدغه .
شرب الجماعة القهوة التركية ، ثم غادروا المنزل ، فوضعت شرشفا نظيفا على وجه الفرنسي ، وأغلقت باب قاعة الجلوس بالمفتاح ، وخرجت إلى الحديقة .
هبط الليل ثقيلا ، وحط كتفي .
لمست بأصابعي كتل الظلام اللزجة ، وتذوقتها بلساني .
كانت الرائحة كريهة رغم عطر الزهور الفائح من كل مكان .
وكنت وحيدا .
صاحب الشرطة اكتفى بسماع أقوال المقتول ، ولم يسألني رأيي .
لماذا لم يشك لحظة واحدة بأنني قد أكون القاتل ...
انتابني شعور حاد بالهزيمة ، فطفقت أبكي .
وغزتني الروائح الكريهة من كل مكان.
و لم أتحرك من فوق المقعد الحجري المنتصب قرب النخلة العجوز التي سكنت هذا المكان منذ ألف عام أو يزيد .
تذكرت أول يوم رأيت فيه الفرنسي و كلبه و آلة التصوير.
كان كهلا و كنت في العشرين.
كان ثلجا ، و كنت " نار الله الموقدة" .
كان شاطئا ، و كنت أمواج البحر العاتية.
و تعارفنا بلا مقدمات.
قال : مرحبا .
قلت : مرحبا.
و نطقت " الراء" " غينا" لكي أعاكسه. ابتسم و مد لي يده مصافحا و الكلب ينظر باتجاه شزرا.
نهره بلطف، فابتعد بضعة أمتار و أقعى .
قال : أنا طالب لغات شرقية. أتكلم العربية و العبرية و النبطية و السريانية.
و عدُ أكثر من لغة أخرى.
قلت : و أنا أعشق فرنسا.
و ذهبنا للنزهة.
زرنا البلدة القديمة و المقبرة.
و صورنا باب دار البغاء العلني المزخرف بالخط الكوفي.
و ذهبنا إلى السوق. اشترى بعض التحف و عذقا من التمر.
و اشتدت الحرارة ، فقال أنه يدعوني إلى فطور في واحد من أفخر النزل.
أكلنا هنيئا ..
و شربنا مريئا..
و تواعدنا على اللقاء في المساء.
***
رأيت فانوس الكهرباء المعلق في سقف قاعة الجلوس يشتعل و ينطفئ، فلم أعره انتباها. قلت قد أكون ترتكه مشتعلا حين غادرت القاعة.
و الظلام يزداد كثافة ..
و النجوم تذوب في السماء واحدة وراء واحدة..
و فرنسوا مرتال يختار مكان إقامة منزله.
و تجري الدنانير بين أيدي البنائين و النجارين و الحدادين.
و ترتفع الحيطان فوق الهضبة المطلة على الواحة، و تعلو زغاريد النسوة يوم تدشين المنزل، و يمتد 'السماط" فوق الرمل.
و رجال القرية و أطفالها يأكلون اللحم و الفواكه ، و يشربون الكوكاكولا ، و يتجشؤون ، و يمسحون على البطون الشبعى ، و يشربون الشاي.
و كاميرا الفرنسي لا تتعب من التصوير.
و الكلب البني يتثاءب و يعود إلى النوم.
و عندما هم الفرنسي بمغادرة القرية ، ترك لي شرف حراسة منزله، و دفع أجري مسبقا ،و أجزل العطاء ،و قال إنه سيعود في الشتاء.
سمعت همسا داخل قاعة الجلوس ، و رأيت ظلالا تتحرك.
أحسست برهبة و حاولت مغادرة الحديقة.
رأيت مسامير مدقوقة في الأرض .. مسامير كبيرة الحجم، و رجلاي مربوطتين بسلسلة موصولة بتلك المسامير.
حاولت تكسير أسنان السلسلة ، فما قدرت.
و عاد الضجيج و شيئا كخشخشة المفتاح في قفل الباب يقرع مسمعي.
***
و مرت الأيام رتيبة في منزل الفرنسي.
خلال زياراته التالية جاء معه بصناديق ملأى كتبا.
كان يقرأ بنهم. و يسأل عن أشياء بدت لي تافهة جدا في أول الأمر. كان يسأل عن الخلافات التي تجد بين العائلات ، و عن أسبابها ، و عن أصل العداوات بين القبائل التي تسكن الجهة، و عن الزيجات بين الأقارب ، و عن عدد الصم و البكم في كل فخذ من هذه القبيلة أو تلك. و يقيس أحجام رؤوس الأطفال و يوزع حبوب منع الحمل ، و يشجع الأطفال على مطالعة الكتب الفرنسية ، و يحضر مع الشيوخ حلقات الذكر، و يسجل ملاحظاته على دفاتر صغيرة ، و يهتف كل يوم إلى تونس ، و باريس ، و يملأ جيوبي بالدنانير، و بطني بالوسكي ، و رأسي بالحشيش.
هكذا مرت السنون الأولى إلى أن كان اليوم الذي التقى فيه بدرويش ، فتغيرت كل عاداته.
صار يطلب مني أن أحكم إغلاق الأبواب ، و أن أكون يقضا أناء الليل و أطراف النهار.
و لم يعد ينهر الكلب عندما يشتد نباحه عند الفجر.
و أكثر من طرح الأسئلة على درويش.
و تردد اسمه في كل المناسبات التي سمعته يهتف فيها إلى باريس.
حكى عن درويش الذي يشعل النار في رجليه.
و عن درويش الذي يدفع للأطفال ثمن طائرات الورق.
و عن درويش الذي يهزأ من رجال القرية ، و يسب شيوخ القوافل ، و تجار الصناعات التقليدية.
و استحكم العداء بين الفرنسي و بين درويش.
كان فرنسوا مرتال يردد بمناسبة و بدون مناسبة :"أكل هذا الوحش الشرقي صور بدأ الخليقة".
و يدفع الهبات لمن يحمل له بعض الأخبارعن حيوات الرجل الحاضرة و الماضية ، و يسجل على الأشرطة خرافات و حكايات الشيوخ و العجائز عن درويش عاش في القرون الخوالي فوق هذه الأرض.
و كان درويش يدفع الدنانير الذهبية للأطفال ، و يحرضهم على صناعة طائرات الورق.

***
و اكتشفت الحقيقة ذات يوم عن طريق المصادفة.
***
و انفتح باب قاعة الجلوس خرج فرنسوا مرتال ملفوفا في كنفه و الدم يمز من صدره.
مشى ناحيتى بخطوات ثقيلة. قال وهو يقترب مني .. " لا تحاول الهرب فلن تقدرعلى ذلك. أريدك أن تدس هذه الكلمات في دماغك : رصاصة واحدة لا تكفي لثقب السماء يا صاحبي ".
و مات.
أعدت جثته التي صارت ثقيلة كأنها قدت من حديد إلى فراشه ، و مشيت ناحية الباب.
كان جهاز لا سلكي يهتف من مكان بعيد : .. آلو ...آلو ..آلو...
و أصداء الصوت تتردد داخل الخزانة العجيبة ذات الأقفال السبعة المغروسة وسط المكتبة التي تتصدر قاعة الجلوس.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر هذا الموضوع عالمياً في مواقع النشر (المفضلة)

لتسهيل البحث عن الموضوع في محركات البحث العالمية أضف الكلمات الدلالية (Tags) الآن بالضغط على تعديل الكلمات الدلالية على اليسار
المنفي, الى, or 07 or

« الدراويش يعودون الى المنفى / 05/ رواية / ابراهيم درغوثي / تونس | الدراويش يعودون الى المنفى /08/ رواية / ابراهيم درغوثي / تونس »
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة