| ||||||
|
![]() |
| |||||||
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
| #1 | ||||
| ||||
| الدراويش يعودون الى المنفى /09/ رواية / ابراهيم درغوثي / تونس الدراويش يعودون إلى المنفى رواية الجزء التاسع والأخير ابراهيم درغوثي الباب الثاني عشر صاحبة الكهف و بعد أن مرت كل هذه الأعوام و الدهور مرور السحاب و أنا كما أنا ما تغير شيء في. أنا الجميلة دوما. العاشقة دوما. المعشوقة دوما. أنا الحبلي بكل ما تشتهي الأنفس و تلذ الأعين. أنا التي تعطي و لا تمنن. أنا التي تجوع و لا تشتكي. أنا التي ...( عفوا لن أقول كل شيء ). اليوم بعد أن مرت كل هذه الأعوام أرى لزاما علي أن أحكي( أنا شهرزاد السجينة بين دفتي كتاب " ألف ليلة و ليلة") ..سأحكي ليلة أخرى نسيها الرواة و لم يدونها الكتبة : بلغني أيها القارىء السعيد ذو الرأي السديد أن درويشا عاد من السفر ذات يوم من أيام شهر كانون الثاني / يناير. عاد كما تعود الخيول الجريحة. ما سال عن أحوالي، و ما زار المغارة التي سكنتها و جملي يوم كان قاب قوسين أو أدنى مني. أقر اليوم فقط أنه كان ساعتها عزيزا على قلبي، و لكن أسبابا شتى جعلتني أفر منه إلى العزلة داخل المغارة و أرفض أن يتتفخذني. فلم أفهم مثلا لماذا أركبني " يوم العرس" هودجا على ناقة، و أحضر في نفس الوقت سيارة مرسيدس ترقص فوقها ألوان قوس قزح. يا الله! قسوت كثيرة أنا الجميلة كنجمة الصبح الطرية ،وهو العاشق الولهان. أردته أن يختار : هذه طريق الجنة، و هذه طريق النار. هذه أبواب قلبي موصدة بألف قفل. و هذه المفاتيح في كفي . و هذا الغريب يترصده و يترصدني. و أنا الحبلي قمحا و زيتونا و عيونا في طرفها حور. يومها أهداني درويش سيفا مذهبا ، و فرسا ، و كسوة حرير اشتراها من متحف قطر الندى. و كنت أرغب في غير ذلك. كنت أشتهي جواهر باريس و بارودة الغريب. ما أشقاني به . و ما أشقاه بقسوتي . و أنا التي عرفته منذ ألاف السنين. عشنا معا سنوات الصيد في البرية. أكلنا لحم الغزال يقطر منه الدم ، و صورنا في الكهوف المظلمة ، الخيول البرية ، و بقر الوحش ، و طيور السماء. رشقنا النبال و السهام في قلوب الحيوانات المرسومة في الصخر، و أكلنا لحمها نيُا . و صلينا للنجوم و الشمس. رأينا القمر فقلنا هذا ربنا ، فلما أفل قلنا نحن لا نحب الآفلين . ثم شققنا الأرض و زرعناها حبا. و أنبتنا الحدائق تينا و زيتون و حدائق غلبا. و ملأنا الأرض ماعزا و خرفانا و جمالا و حميرا و خيولا يقدح الشرر تحت أقدامها. قلت : لنفسي : " ما أقسى قلبك يا نمرة ، و درويش يمتطي صهوة الحصان ، و يقطع رؤوس الأعادي ، و يغني : بلادي بلادي بلادي لك حبي و فؤادي و أنت تغلقين أبواب الرحمة في وجهه. و بيننا القصور، و عمرنا المدن و القرى. بنينا سر من أرى و ملأنا شوارعها بالحدادين و النحاسين ، و بتجار الأقمشة الرفيعة .. و بأسواق الذهب.. و بالخمارات .. و بدور البغاء.. و بزوايا الأولياء.. و درويش يطمع في قلبي و أنا أتمنع . إلى أن لعلع البارود ذات يوم، فدخلنا مدينة سر من رأى و أغلقنا وراءنا أبواب السور، و نمنا مع أصحاب الكهف في مغارتهم. كممنا كلبهم حتى لا يوقضنا نباحه، و أسبلنا الجفون على العيون ، و نمنا. و الغرباء وراء الأسوار. بعد ألف سنة، و كان كلب أصحاب الكهف قد تحول إلى منه يدق جرسه كل ساعة حسب توقيت بيغ بنغ أفقنا. خرجنا من المغارة يتقدمنا أصحاب الكهف، فوجدنا القرية كما تركناها : الأسواق عامرة بالنخاسين .. و السلاطين جالسون على عروشهم. فوق رؤوسهم التيجان المرصعة بالدر و الياقوت.. و يمشي بين أيديهم : الوزراء و الكتبة و أصحاب السيف و النطع. و الغرباء وراء الأسوار. رأيتهم هذه المرة. العيون الزرقاء كموج البحر .. و الخدود يكاد يقطر منها الدم.. و الحديد في أيديهم يلمع و يفرقع كالصواعق . قلت لدرويش : " ماذا لو بدلت سيفك ببارودة الغرباء، و حصانك بواحدة من دوابهم الحديدية ؟" فأدار وجهه،و تركني معهم وحدي . سكنني عشقهم حد الوله. أنا الصحراء و هم قطرات الطل. حدثت درويش عن جنوني سرا و جهرا. قلت له إن قلبي بدأ يميل نحو القطب الآخر، فذهب يستعرض مهاراته في ألعاب الفروسية في الساحة العامة : الفرس يصهل و يخبط الأرض بحوافره ، و درويش يتمنطق بحزام جلدي فوق بذلة الصوف الخشنة ، و يكور العمامة فوق الشعر القصير، و الفرس يطير مسابقا الريح ، و درويش من أعلى ظهره يطلق النار من بارودته التركية ، و يلتقط الرايات المغروزة في الرمل. و أنا الصحراء يا درويش، و أنت الفارس، و حصانك ما عاد يغريني بعد أن سكنني الغرباء فترتك ، و تركت حفل العرس ، و دخلت المغارة ، و لم اخرج منها إلا بعد أن دقت نواقيس القيامة. سمعت صوت الإنفجارات التي هزت المدن. و سمعت زمجرة " التوماهاوك" و "الباتريوت" و الـ"ب 52". جاءتني أصوات الإنفجارات عبر الأثير . و شممت رائحة البارود داخل المغارة. و شم أصحاب الكهف رائحة البارود ، فافاقوا. تركتهم يبحثون عن أثوابهم و عصيهم ، و تسلحت ببعض الدنانير الذهبية و بكسوتين من الحرير و غادرت القاعة المنحوتة في الصخر. قلت : افتح يا سمسم أبوابك أنا نمرة بنت المنذر. فانفتحت الأبواب واحدة وراء واحدة، و دخلت الشمس من بين الشقوق. تركت الجبل، و انحدرت نحو القرية، و أنت تملأ عقلي و قلبي. جلبت الأنظار بكسوتي الغريبة فجرى ورائي الأطفال. ظنوا أنني سائحة متنكرة في ثياب عربية من بقايا القرون الخوالي، رطنوا معي بالفرنسية و الإنجليزية و الأسبانية و الإيطالية. تحدوني ببعض كلمات من اللاتينية و الإغريقية. و لم أرد عليهم. عرضوا علي الجمال الباركة ذات السروج المزركشة، و قادوني إلى الدكاكين التي تبيع السلع التقليدية. أعجبتني الحلي المصنوعة من الفضة، و لكنني كتمت إعجابي داخل قلبي، و لم أتكلم حتى أعيتهم الحيلة، فهموا بمغادرتي. شتموا جدودي و انصرفوا. و لما كاد يبتلعهم الزقاق، ناديتهم بلسان عربي فصيح : تعالوا إلى هنا يا أولاد الزواني أما عرفتهم يا نمرة ؟ عادوا يجرجرون الأقدام، و الحيرة تأكلهم. قالوا : " من تكونين يا نمرة ؟" قلت : حقا ألم تعرفوا أمكم يا أولاد الكلب؟ قالوا : أمنا ماتت منذ ألف عام. قلت : لقد أحييتني معاهدة الصلح التي أبرمها الرومان مع قرطاج. حركوا رؤوسهم، و ذهبوا في كل الاتجاهات. تركوني مع هنيبعل المهزوم. الخوذة مرمية على الأرض، و الحصان الذي أنهكته ثلوج جبال الآلب واقف تحت ظل شجرة زيتون، و هنيبعل يصرخ : ما هزمني الرومان، لقد هزمني بخل تجارك يا قرطاجة. و الجنرال الروماني شيبيون يملي شروطه على مجلس أعيان المدينة. و قرطاجة تستمع لشروط روما و توقع على القرارات الأممية. القرار الأممي رقم 1 : عليكم بدفع مليون قطعة ذهبية لضحايا الحرب البونية الثانية. القرار الأممي رقم 2 : عليكم بالتخلي لفائدة البحرية الرومانية عن كل سفنكم البحرية. القرار الأممي رقم3: عليكم بإعطاء البربر استقلالهم التام. القرار الأممي رقم 5 : يمنع منعا باتا على حكومة قرطاجة امتلاك الأسلحة الكيميائية و البكتريولوجية و الذرية والخيول الأصيلة و الفيلة. القرار الأممي رقم 6 تدعو الأمم المتحدة قرطاجة إلى إغلاق مصانع السيوف و الرماح و النبال و إلى احترام كل القرارات الصادرة عن الهيئات و المنظمات التابعة لها. و أطفال قرطاجة تحت الحصار يموتون جوعا. و الرومان يريدون تهديم أسوار المدينة و زرع الملح في شوارعها. و قد تسمع لو ناديت حيا. و لكن لا حياة لمن تنادي. في المساء التقيت بدرويش في زاوية سيدي عبد القادر الجيلاني. حدثته عن الجنرال شيبيون الروماني فحدثتني عن الجنرال شوارزكوف. و سكتنا. عندما اشتد الظلام في الزاوية جاورني كالطيف، و طلب أن يتفخذني. قلت : لن أهب نفسي لآلة مرتخية منذ ألف عام. قال : و هذا الغريب الجاثم فوق صدرك و شهيقه يصم أسماع الملائكة في السماء السابعة ؟ قلت : هو مغتصب و أنا السبية. و أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح. الباب الثالث عشر النجوم التي انكدر كانت ساعة الصفر ... كنت مع الريح وحدي ... و جاءوا إليك من المهمة القفر ... كانوا قراصنة ..و دهاقنة .. و سمسارة ... و صعاليك حطوا على القلب أوزارهم ... استغلوا سقوط الفوارس في وصمة الصمت. داسوا على صرختي. أشعلوا الماء في جسدي. راودوني عنك. و دقوا خناجرهم في ضلوعك. حزوا جدائل شعرك أودوا بدفء هواك الذي رسمته الصبايا على رئتي. آه لو ننتهي. قبل أن ننحني. آه لو يشعل الحلم في الذاكرة. صورا للنجوم التي انكدرت . يوم أن خضبوا هامة النخلة الباسقة. محمد العوني من ديوان " مملكة القرنفل" قالت : " سأعود إلى الجبل " مشت تحث الخطي و الحجر يقدح شررا تحت رجليها، إلى أن وصلت أمام المغارة. استرحت مدة دقيقة لتستعيد أنفاسها ثم دقت الباب. نبح كلب أصحاب الكهف. قام واحد من الفتية بفتح الباب. قال : افتح يا سمسم ، فتحرك الحجر . دخلت نمرة المقصورة المفروشة بالزرابي و الأرائك. الجو بارد و الحيطان تزينها بعض الرسومات. الأسرة فوقها شراشف نظيفة. عدتها : واحد ... ثلاثة .. خمسة ... تلعثمت فعاودت العد : اثنان ..... أربعة ..... ستة تذكرت ....... سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم . و يقولون خمسة و سادسهم كلبهم رجما بالغيب و يقولون سبعة و ثامنهم كلبهم. قل ربي أعلم بعدتهم . تركت عد الأسرة. و عادت تعد ضحايا ملجأ العامرية . جثة جثتان مئة جثة ألف جثة ألفان مليون جثة . جثة عملاقة رأسها في الخليج و رجلاها في المحيط. الأجساد المحروقة تفوح منها رائحة اللحم المشوي، و حيطان الملجأ تشتعل فيها نيران جهنم، و النسوة يخترن أولادهن من تحت الأغطية و ينهرن الذباب . - آكل لحم البشر – و يقبلن الوجوه المشوهة و يتفلن في وجه طائرات حامت عاليا فوق الرؤوس. قالت للفتى : متى عدتم إلى الكهف؟ رد البارحة . ثم أضاف أنت محظوظة لأن إخوتي ناموا منذ حين، و كنت على أهبة النوم حين نبح الكلب قالت لماذا تركتم القرية . - رفضوا أن يبدلوا دنانيرنا الذهبية بالدولارات، فقررنا العودة إلى الكهف . - ما رأيك هل يتسع كهفكم لكل سكان القرية ؟ - لست أدري ! - اسمع لدي فكرة أرجوك لا تنم قبل أن أعود. و خرجت . ذهبت إلى زاوية سيدي عبد القادر الجيلاني . الأطفال مازالوا يرددون: إنا فتحتا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر و يتم نعمته عليك و يهديك صراطا مستقيما و ينصرك الله نصرا عزيزا ... كان درويش واقفا بباب الزاوية. حالة الرجل غير عادية قالت في نفسها . بادرته بالسلام فلم يرد على تحيتها. عاودت طرح السلام فحرك رأسه . قالت ما بك يا درويش ؟ قال اليوم رأيت صوري معروضة في كل جرائد العالم : لوموند و النيويورك تايمز و الديرشبيكل و الأهرام و الواشنطن بوست و الشرق الأوسط و... لم أعد أذكر هذه الأسماء . و تحت كل واحدة من هذه الصور عبارة "وانتد"، و مكافأة بمليون دولار لمن يعثر على هذا الشخص، أو يدلي بمعلومات تقود إليه . و قد رأيت يهوذا الصغير يحوم حول الزاوية قبل ساعات ، قالت: و ماذا قررت ؟ - لست أدري، لقد كف عقلي عن التفكير منذ أن شاهدت على شاشات التلفزيون طريق البصرة – الكويت المضروب بالنابالم ، - كفى يا درويش، و لنفكر و لو مرة واحدة في مصيرنا ! أيقضته دقات حرف النون من غفوته. - نعم لنفكر قليلا في مصيرنا. و أنت ماذا تقترحين ؟ - تذهب معإ إلى الجبل - أذهب معك إلى الجبل! - سأضمن لك مكانك مع أصحاب الكهف ! جفل. ثم تمالك نفسه و تذكر . - أم حسبت أن أصحاب الكهف و الرقيم كانوا من آياتنا عجبا. إذ آوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة و هيئ لنا من أمرنا رشدا. فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا . ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا . قال : وهل يتسع لنا الكهف جميعا؟ قالت : لا يهمك سأتدبر الأمر. جلس و ظهره إلى سارية من الرخام اللماع . كان أغبر الوجه مهموما. قال ماهزني الغم – كهذه المرة – منذ أن غزا الغول البلاد . - ماذا قالت ؟ الوقت يمر سريعا، و قد يعود يهوذا الصغير مصحوبا بصاحب الشرطة . - كنت يومها ببغداد، و شاهدت بعيني مصرع الخليفة وولديه، ونهب الأسواق ، و حرق الدور و القصور، و اغتصاب السبايا . - كف عن هذا الحديث أيها المجنون، إني أسمع جلبة خارج أسوار الزاوية . و انتصبت فوق الجدار . رأت الجند يحملون الرماح و السيوف، و يتسلقون الجبل من الجهات الاربع. قال : ماذا ترين ؟ - لقد نسي الجماعة بنادقهم و مسدساتهم و جاؤوا مدججين بالرماح و السيوف "! - " و يهوذا الصغير ؟ " - " إنه يمسك بلجام حصان صاحب الشرطة ". - " إذن لقد أزفت ساعة الخلاص ". كان صاحب الشرطة يصرخ داخل مكبر الصوت : " سلم نفسك يا درويش. الجبل محاصر من جميع الجهات . و لا عاصم لك اليوم . قالت : " ما العمل يا درويش ؟ رد " لا عليك يا صاحبتي ، الليل سلطان سيغطينا بجناحه " . كان سكان القرية قد خرجوا من منازلهم عند سماعهم لعلعة مكبر الصوت تجمهر الكبار أمام حوافر الخيل، و جرى الصغار إلى ساحة سوق الصناعات التقليدية . رأوا درويشا مادا رجليه تحت قدر حاتم الطائي، و النيران تلتهم الرجلين. فتح لهم صدره فارتموا في حضنه واحدا وراء واحد. قالوا : " متى عدت يا مولانا ؟" قال : " و كذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم : قال قائل منهم كم لبثتم ؟ قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم. قل ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه و ليتلطف و لا يشعرن بكم أحدا ". و أعطى الأطفال طائرات من ورق. جرى الأطفال قدام الطائرات، فامتلأت السماء بالورق الملون الأحمر و الأخضر و البرتقالي و البنفسجي . و اشتعلت قناديل السماء. و عاد مكبر الصوت يولول : " سلم نفسك يا درويش". الجبل محاصر من الجهات الأربع، و لا عاصم اليوم". و تحرك الحجر الصغير تحت حوافر الخيل و أرجل الجنود. و تقدم الرجال نحو قمة الجبل يحملون المشاعل و الرماح. قالت نمرة : " و الآن يا درويش ؟" قال : " اصمتي يا صاحبتي". و اقتربت أنوار المشاعل من ساحة الزاوية حتى أضاءت وجه درويش. كانت السكينة قد هبطت على قلبه. و كان مكبر الصوت الذي أصبح الآن قريبا جدا يحرض على التسليم. قال : " تعالي يا نمرة سنخرج من الزاوية". قالت مدهوشة : " الآن بعد أن اشتد الحصار"! قال : " لا تخافي ...". دفع باب الزاوية، و أشار بيده إلى الجند، فتحولوا إلى حجارة تحمل الرماح و السيوف، و صار صاحب الشرطة صنما راكبا على جواد من الجرانيت الأحمر. و نزلا من الجبل تحت الأضواء الكاشفة المنبعثة من المشاعل المرفوعة بأيدي الجنود. لم يصدق الحشد المتجمهر في السفح أعينهم عندما رأوا درويشا يمسك بيد نمرة و يقودها في الممرات الصعبة. و صاح يهوذا الصغير : " ها هو درويش يا صاحب الشرطة ". أشار إليه بإصبعه فتحول في الحين إلى تمثال من الحجر الجيري شاهرا إصبعه في وجه الجبل. و يتفرق الخلق في كل الاتجاهات، فصرخ فيهم درويش : " ملتقانا في ساحة سوق الصناعات التقليدية بعد ساعة من الآن. لا تنسوا سأمسخ من يتغيب منكم قردا أو خنزيرا". هجم الهلع على قلوب الرجال، فعادوا إلى منازلهم . ما وجدوا الأطفال في المنازل. بحثوا عنهم في كل مكان فما وجدوا لهم أثرا. حملوا الشيوخ و العجائز و ذهبوا إلى ساحة السوق. و مر الوقت أثقل من الهم على القلب. إلى أن بان الفجر. جاء درويش و نمرة. خطب في الجمع خطبة لم يبدأها باسم الله. عند الانتهاء من الخطبة أمر الجماعة بالمشي وراءه. مشوا ناحية الجبل إلى أن وصلوا إلى الكهف. صاحت نمرة : " افتح يا سمسم " ! انفلق الصخر و ظهر باب صغير. أحنى الرجال الرؤوس و دخلوا إلى الكهف. و دخلت النساء و رائهم. قالت نمرة للفتى : " أما نمت ؟" قال : " لم أرد أن أخلف الوعد"، و دخل درويش وراء الجميع و أغلق باب الحجر" *** في الخارج أشرقت شمس يوم جديد، فجرى الأطفال في شوارع القرية. و امتلأت السماء بطائرات الورق. طائرات بيضاء و زرقاء بعد النهاية قلت : سأمضي إلى أرض أخرى سأمضي إلى بحر آخر. ستوجد مدينة أفضل من هذه. كل محاولة من محاولاتي مدانة من قبل القدر. و قلبي مدفون مثل جثة. إلى متى سيظل فكري في هذه الأرض الخراب ؟ أينما أدرت عيني . أينما نظرت . أرى خرائب حياتي السوداء هنا، حيث أمضيت سنين عديدة، مدمرة و ضائعة. *** لن تجد أرضا جديدة. لن تجد بحرا آخر. ستتبعك المدينة و ستتجول في نفس الشوارع، و تهرم في نفس الجوار. و ستشيب في نفس البيوت. ستصل دائما إلى هذه المدينة . لا تأمل في أخرى. فلا سفينة لك لا طريق. فما دمت قد دمرت حياتك هنا في هذه الزاوية الصغيرة فقد دمرتها في كل مكان آخر من العالم . " قسطنطين كافافي " قفصة – تونس من كانون الثاني / يناير إلى حزيران / يونيو 1991 dargouthibahi******.fr |
| #2 | ||||
| ||||
| رد: الدراويش يعودون الى المنفى /09/ رواية / ابراهيم درغوثي / تونس أحيي فيك النفس الطويل والنقل الرائع واللوحات الجميله لكم مني كل عام وانتم بخير تحياتي سلامي اسرار ![]() ![]() ![]() __________________ الله ولـــي مــن لا ولــي لـه |
![]() |
| أنشر هذا الموضوع عالمياً في مواقع النشر (المفضلة) |
| لتسهيل البحث عن الموضوع في محركات البحث العالمية أضف الكلمات الدلالية (Tags) الآن بالضغط على تعديل الكلمات الدلالية على اليسار |
| المنفي, الى, or 09 or |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
| |