
| |
| منتديات المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية » واحـــة الأدب » دوحــة الحكاية » الـروايــة » المكفوفون (رواية) | |
![]() |
| #1 | ||||
| ||||
| المكفوفون (رواية) بسم الله الرحمن الرحيم 1 اشتدَّ الجزع به، وهو يحدِّق في المرآة إلى الهالات البيضاء التي تنسجها عيناه لأول مرة. ثمَّ استدار بحركةٍ سريعةٍ إلى زوجته المستلقية عند طرف السرير، مشيرًا بسبَّابته إلى عينيه، بارتيابٍ وتوتُّرٍ بادييَّن بجلاء ٍتام. - "ماذا ترين؟! أجيبيني!!" أثار الإرتياب البادي على شحنته ريبتها، فلم تستطع معها الكلام، ولبثت هكذا حتَّى ثار مجدداً: - "لعن الله صمتك هذا!! أجيبيني!!!" - "لا أرى شيئًا حول عينيك!! ماذا أصابك؟!" فعاد مجددًا إلى المرآة، ينظر إلى عينيه بإمعانٍ وتركيز، فلم يستدل على أثرٍ ما. وها هو ذا يرى تلك الهالات البيضاء أينما أشاح ببصره، هناك عند الباب، وعند النافذة الوحيدة التي يطلُّ منها ضوء القمر، وعند جهة السرير حيث زوجته القابعة بارتيابها المتجلي وتوجّسها. للوهلة الأولى، انتابته هواجس لا تُحصى، وثقل كاهله بما ينوء به من إحساسٍ قابضٍ تعاظم في دخيلته. فما معنى إذن ما يراه هاته الساعة؟! أيعقل أن تكون ...؟! لا، لا يمكن أن يحدث ذلك!!، كل شيء إلا أن يمسّ العين مكروه!! لا يمكن أبدًا!! لا يمكن!! لا يمكن!! عقد الصمت حباله على فمه، وأومأ رأسه غارقًا في فوضى اللاجدوى. ومضى الوقت على غير هدى، فإذا بيدٍ حانية تربت على كتفه، وصوتٌ ينضح بالرقة، لامس صفحة الركود من مكمنه. - "عبد الغفَّار، بربك، ماذا بك؟! أقلقتني!!" ينظر عبر النافذة إلى الحيِّ المسجَّى تحت عباءة الظلام، فيشرأبُّ الأسى بين مسالك عينيه، وتبرق وسط الظلام، تلك الهالات البيضاء، لتقذفه إلى رحلة الجنون الطويلة التي أوشكت أن تبتدأ قبل أوانها. 2 ندَّتْ عنه ضحكة وهو يسترق السَّمع إلى أحد العميان، بينما كان الأخير يكيل أقذع الشتائم إلى مدير بيت الرعاية، غير عابئ بالإيماءات التحذيرية التي تترامى إلى أذنيه. كان يطيب له سماع مثل هذه الشتائم، خاصة، وأنَّها موجَّهة إلى ذات الشخص، ذو القامة العريضة، والوجه المستدير، والصوت الغليظ ذو النبرة الحادة. بقدر ما كان هذا الأمر مسلِّيًا بالنسبة له، كان يجد في أحاديثهم وشتائمهم اللاذعة ما يثير الإستغراب في آنٍ واحد؛ هذا الرجل الذي ألفتْ ألسنة العميان وسخرياتهم اللاذعة اسمه، كان رجلاً أبعد ما يكون إلى تلك الشتائم والسخريات!! فها هو ذا يشخص إليهم بين فينةٍ وأخرى، متفقِّدًا ما آلتْ إليه أحوالهم، وها هو ذا يسمح لهم بمغادرة المكان لساعاتٍ طويلة حيثما ابتغوا الذَّهاب إليه، كما أنه خصَّ لكلِّ واحدٍ منهم بصندوق ٍفي بيت الرعاية، يودع فيه ما ناله من العائد النقدي للأعمال اليدوية التي يزاولها الكثير من العميان في فترات الصَّباح، فلماذا إذن كلَّ هذا التكهُّن؟!. انتبه فجأة إلى صوت أحد العميان وهو يردد بصوتٍ يحمل بين ثناياه شجن ينزف من أعماق ذاته، بلغ صداه أرجاء وأقاصي المكان: - "الظلام أسوأ من عذاب جهنم ... ليتني مت ولم أصب بالعمى!!" فتعرَّف على الفور إلى صاحب الصوت؛ إذ غالبًا ما يخرج إلى أروقة المكان عند كل مساء، منذ أن أوتِيَ به قبل ستة أشهر، مردِّدًا عبارته المعتادة. حاول أن يكتم ضحكته فلم يستطع، وعندما عجز عن ذلك، افتعل نحنحة ثقيلة، مناديًا بصاحب الصوت: - "أهذا أنت يا مصبح؟! تعال، اقترب، تعال إلى هنا" فاهتدى إليه، ملتمسًا طريقه بعصاه، مرهفًا السَّمع نحو أثره. ولمَّا بلغ مكانه، جلس على الأرض بغمغمةٍ لا تكاد تُفهم، بينما لكزه الآخر على مرفقه، مداعبًا، وقد حاول جاهدًا ألا يطلق ضحكته من فمه. - "الناس تنسى مع مرور الوقت يا مصبح!!" - "كلٌّ يشدو ببلواه يا شيخ حسن" - "لا عليك، قل لي، ما آخر أخبار مأوانا؟!" - "كالعادة، ابن الكلب سمح للكل بالخروج والعودة قبل حلول الظلام" حينها، لم يحتمل وطئة الضحك، فندَّتْ عنه ضحكة خفيفة على غرارٍ عنه. 3 مضت الأيام وتبدَّى عبد الغفَّار على غير عهده الأول. فقد بدا شخصًا آخرًا، لا يكاد أن يتكلم إلا قليلاً. وتردَّى وسط ردهات الهواجس وهوة الظنون السحيقة، مبغوتًا بقسمة الضَّياع. كما بدت عليه سيمات الإرهاق المتجلي بوضوحٍ تام تحت جفنيه وانحناءة ظهره البارزة. كان كل ذلك يقع تحت مرأى الزوجة التي بدت هي الأخرى على غير عادتها. - "لشدّ ما يحزنني حالك ... بالكاد أصبحت تتكلم الآن!!" - "دعيني وشأني أرجوكِ" - "يجب أن تفعل شيئًا!! ... أي شيء!! ... لا يجب أن تسكت هكذا!!" - "قلتُ لكِ دعيني وشأني" - "عليك أن ترى أطبَّاء آخرون خارج مسقط... قد يجدي ذلك نفعًا!!" أطرق مليًّا يفكِّرُ في غمرة التَّشتُّتِ والفوضى. لماذا يحدث كل هذا؟! لم تبقَ على صفحة الوجود عيادة كامنة في مسقط إلا وشَخَصَ إليها، ومع ذلك، جاءت التقارير الطبية لتؤكد أن العين سليمة تمامًا، بل أنها معافية من كل شائبة!! إنَّ لفي الأمر ما يثير الريبة في سريرة ذاته، لتتراءى له كامتدادات متعددة للمدى الواحد. هل يعقل أن تكون تلك الهالات البيضاء محض وهم ليس إلا؟! لا، لا يمكن أبدًا!! ثمَّ إذا اتفق أنها كذلك، فلماذا إذن تلازمه طيلة الوقت؟! استدار ببطأ إلى الجهة الأخرى من السرير، حيث المرارة تكوي جبينها ومحياها. مسِّد راحة يدها بيدٍ ولج العطف بها، وابتسامة هادئة يشوبها كلل القلق والليالي. - "ما الخطأ؟! ... كلام الأطبَّاء لا يبدو صائبًا!! ... مجرَّد قصر نظر ليس إلا؟!" - "ربما كانوا على حق ... أقول ربما ... ولكي تقطع الشك باليقين، عاود أطبَّاء آخرون خارج مسقط" أطرق مرةً أخرى يفكِّرُ، بينما أعاصير التَّشتُّت تجثم على صدره، ترديه حائرًا وسط اللجة المنسحقة في هوة العدم. الأبواب المغلقة تتكاثر في مخيلته، لتنبثق أبواب أخرى محكمة الإقفال، تبحث عن مفاتيحها، أو قبضة من حديد، تحطِّم طغيان الأبواب والأقفال جميعها. يتبع ... |
| #2 | ||||
| ||||
| رد: الأعمى والضرير (رواية) 4 قال الحاج يعقوب وهو يقهقه من الضحك، حتَّى أدمعتْ عيناه، وكاد أن يتوقف نَفَسَه: - "الحمار يفكِّر ويعمل بعقله أمَّا سليم فلا ... كان يجدر بالمدير أن يركله بقدمه عندما قُبِضَ عليه وهو يحاول الفرار ليلاً ... الأحمق لم يستطع التفريق بين باب حجرة الحارس وباب بيت الرعاية الكبير" وعلت القهقهات والضحكات بين الحاضرين من العميان. إنَّ لمثل هذه المواقف نكهة تستصيغ لها نفوسهم، والحديث عنها موطئ الفضول والإهتمام. وإن كانت رتابة الأيام تخيِّم على ظلال أعمارهم؛ فالعهدة إلى أصحاب تلك المواقف، لإضفاء معنى آخر للأيام التي تجري ببطأ إلى مستقر غير معلوم. - "أتراه الآن يحاول الهرب عبر حجرة المدير؟!" فعلت الضحكات والقهقهات مرةً أخرى حتَّى ارتوت الجدران بصداها، وأردف سعود ولد عبد الله وهو تحت وطأ الضحك: - "ربما أراد العون من المدير هذه المرة، أو ربما أراد استعارة سيَّارته للهرب كما أشرتَ يا سلُّوم!!" - "صدِّق ما قلته لك ... كل شيء محتمل مع هذا الأحمق ... ها، ما قول سعدون في ذلك؟!" - "صدقت والله ... قد يفعلها ... من يعلم!!" جثم الليل سريعًا، وحلَّت العتمة صدر المكان، وإذ بهم ينفضُّون اتِّباعًا، كلٌّ إلى مبتغاه، حتَّى خلا المكان إلا من حسن ومصبح. - "حسنًا ... لماذا لم تنطق بكلمة طيلة الوقت؟! ... لحظتُ ذلك صدفةً ... كل الجلسات التي نحضرها هنا لا تفتح فمك بكلمة واحدة!!" - "لا أحبُّ الكلام بقدر الإستماع والإنصات، وهذا مناسب بالنسبة لي" - "لابد أن تشاركنا الحديث ... غريبٌ أمرك بالفعل!!" - "صدِّقني ... هنا يختلف الأمر تمامًا، ولابد أن تنصت وتستمع وتبدي لهم إعجابك فيما يقولون" - "لم أفهم قصدك؟!!" - "ألا ترى أن الأحاديث تدور في دائرة واحدة، بالكاد تخرج منها؟! ... العميان منشغلون ببعضهم البعض، لا تُخفى عن أعينهم زلة لسان أو حادثة عارضة، حتَّى ينقضُّون بالنميمة والسخرية ... لذا وجب الحذر معهم يا مصبح" - "الله، الله عليك ... لكم أنت رائعٌ يا صاحبي!!" وساد الصمت بينهما، ممتزجًا بسعال يخرج من أحد العميان عبر إحدى الأروقة، وصدى ضحكات آتية من بعيد، تتردَّد وسط العتمة والظَّلام. 5 عجبًا!! الأشياء لم تعد كما هي!! تغيُّرات مذهلة تحدث السَّاعة!! دأب القلق ينبض بين أوصاله، مُحْدِثًا وَقْعًا غير مألوف يعتمل وسط أضلعه ودواخله. البنايات الشاهقة التي تعلو سماء (الخوير) لم تعد كسابق عهدها. السيارات المتدافعة نحو الشارع العام بدتْ هي الأخرى مختلفة!! والمارة، وأعمدة الإنارات، والأشجار المصفوفة بمحاذاة الشارع العام في تحفة آسرة تخلب الألباب وتسفر عن يقين الجمال لإشراقة الأنظار عند كل صباح، وأشياء أخرى اعتاد النظر إليها، بدت اليوم مختلفة تمامًا!! ماذا حدث!! بالكاد صار يرى!! الهالات البيضاء تتسع بشكل يبعث الخوف من بواطن الخفايا، ويساوره هاجس لا يفتأ أن يعود بين فينةٍ وأخرى، حاملاً فأس القلق بيدٍ متجاسرة تلوح عاليًا في الأفق. تسمَّرت النظرات تحدِّق فيه وهو يجتاز الممر المؤدي إلى مكتب شؤون الموظفين. وَسَمَ الأرق في عينيه، حتَّى تجلَّتْ خطوط التعب واضحة تحت جفنيه، وعلت الكآبة والسآمة جبينه، فبدا إنسانًا آخرًا. ولج إلى المكتب، مُلقيًا التَّحيَّة بغير اهتمام، ثمَّ جلس وراء مكتبه، وذاب في كومة الملفات والأوراق، يُراجع ملفٌّ ما تارة، ويختم في ورقةٍ ما تارة أخرى، وزملاءه من حوله يتبادلون فيما بينهم النظرات والإستفهامات. وما أن دأبت الحركة في أوصال مكتب شؤون الموظفين، وانصرف كلٌّ إلى عمله، حتَّى دنا منه أحدهم. - "اقتنيتُ بالأمس سيَّارة جديدة ... كان سعرها مغريًا" فانسلَّ الكلام إليه، ملامسًا موضع الترحاب والفضول. ولكنه ظلَّ في مكانه، لا يقوى على رفع رأسه عن كومة الأوراق والملفات تلك. ولبث لهنيهة هكذا، بين مقصلتين توشكان السُّقوط على رأسه: بين ظلمة الهواجس، وسطوة الفضول. - "دعنا نخرج من هنا" لفظها، وقام سريعًا، مغادرًا مكتب شؤون الموظفين، بينما رسمتِ الحيرة لوحتها على وجه الآخر، الذي راب في أمر صاحبه الكثير والكثير. شقشقة الطُّيور توقظ سبات الراحة من ليل الهواجس والظنون، فيبتهل إشراقًا مع استقباله لأشعة الشمس الصَّباحيَّة المنسكبة على المواقف العامة للوزارة والسيارات المنتشرة فيه. وكم هو رائع بعد كل شيء، أن ينال المرء قسطًا من ذلك كلَّه بعد هذا العذاب المضني!!. - "أليستْ مذهلة هذه التحفة الرائعة؟!" مرَّر بصره بين جنبات السيارة، وإطاراتها المعدنية، البرَّاقة، ولم يتفوّه بقيد حرف. فأردف الآخر، قائلاً: - "هذه زوجتي ... أرأيتها؟!" - "لقد أحسنت الإختيار حقًا" وساد الصمت بينهما. أسند ظهره على مؤخرة السيارة، ووضع كلتا يديه خلف رأسه، وهو ينظر إلى عبد الغفَّار باسمًا. - "لماذا أشعر أنك لست على ما يرام؟!" - "لا أعلم أين ابتدأ!! ... لن تصدِّق ما يحدث السَّاعة يا سعيد!!" - "كلِّي آذان صاغية لكَ" - "باختصار، لستُ على ما يرام ... كدتُ أن اصطدم بسيارةٍ ما وأنا في طريقي إلى هنا ... لا أستطيع أن أرى بذاك الوضوح ... المشكلة في عيني" - "غريبة!! ... ألم تقصد طبيبًا بعد؟!" - "الأطبَّاء!!! ... ها" خرجت الكلمة الأخيرة من فمه بسخرية اختلطتْ بحزنٍ عميق، سحيق المدى، وأطرق صامتًا مرَّة أخرى. 6 مضى بين الأروقة والممرات على عجل، ملتمسًا طريقه بعصًا غليظةٍ، وفمٌ يرتجف اتِّباعًا لانتفاضة روحٍ توشك أن تهوي في غلالة الآتي. صعد الدرج المؤدي إلى حجرة العميان، وأسئلةٌ جمة تكاد أن تدمي رأسه. وما كاد أن يدلف إلى الداخل، حتَّى أخذ نفسًا طويلاً، على أثره اندفع بثورةٍ قيِّضتْ في كنِّها صرخةُ تردد صداها بين جدران الحجرة، وهو يلقي على الحاضرين بهذا النبأ الخاطر: - "اسمعوا ... اسمعوا ... قد فعلها ابن ال ... ماذا أقول لكم؟!! ... لقد سمح بإيوائهم ... أولاءك الذين يعانون فقد السمع والكلام ... هنا بحلول بضعة أيَّام فحسب... لقد سمعته يقول لأحد العاملين بذينك الأذنين" اتسعتْ أحداق أعينهم، بانبهارٍ مخلفًا صدى واسعٍ، آخذًا باتساع لابتلاع فجوة أوسع للأسئلة الطارئة في ظلام أعينهم. فإذا بأصواتهم الخافتة تعلو اتباعًا، بعد صمتٍ قصير: - "لا يمكن أن يفعلها" - "من المستحيل أن نرضى بذلك" - "لا يمكنني تصديق ما أسمع" - "أنا احتج" - "هذا المكان للعميان فقط" - "ما الذي دفعه للإقدام على فعل ذلك؟!" كانت الوجوه تعكس ما بدخيلتها، فتتراءى للناظر ملامح شتى في بوتقةٍ واحدة تحمل الغضب بتجلٍّ واضح. والأصوات التي درجتْ تعلو مع احتدام المشاعر الهائجة ببعضها البعض، أخذتْ بالإنخفاض، فالإنعدام، حتَّى جثم الصمت، متكلِّمًا بلغته الغامضة، ثمَّ تسللت برويِّ، بشائر الهمسات والنمنمات من جديد. - "المكان ضيق، بالكاد يكفينا" - "يا ترى، ماذا سيحدث بعد؟!" - "ربما هذه خطوة لبيع المكان بمن فيه!!" - "يبيعنا!!!!! ابن ال ..." - "أين سيسكنهم؟! ... لا توجد حجرٌ كافية هنا!!!" وظلَّ الجميع تحت مظلَّة الإرتياب والحيرة. تنتصب على أعينهم خشية ما، تفضي بعدد لا يُحصى من الهواجس التي تنداح على أكتافهم، فتثقلها بوطأ الإنتظار والترقب، حتَّى يعلو سأم الإنتظار عاليًا، وسط أفق الأسئلة المتلبد بالغيوم المحتدمة. يتبع ... |
| #3 | ||||
| ||||
| رد: الأعمى والضرير (رواية) 7 وضع مرفقيه على العارضة الحديدية للشرفة المطلة على الحارة الذائبة في العتمة، وهو ينظر إلى الأفق المرصَّع بنجومٍ خافتة وضوء قمرٍ صافٍ، ثم استدار إلى الخلف، حيث الظلمة تدثِّر نوم زوجته. الهواجس الضارية تنقر باب الريبة باستمرار، لتثير في حفيظته أسئلة لا تتوانى عن الظهور أمام كل وجه يصادفه، سواء أكان في طريقه إلى العمل، أم في منزله، أم في صحبة الأصدقاء والأقارب. وريبته تلك تتجلى في خوفٍ مستديم، لا ينقطع منذ اعتراه (قصر البصر)، وخوفه هذا يظهر بجلاء واضح في الإنتظار الذي يجثم صدره ليلاً ونهارًا، يوحي إليه بأفكارٍ قاتمة تدور حول بصره، وما قد تؤول به الأيام. تأمَّل عبد الغفَّار الشرفة والمحيط الذي يلتفُّ من حوله، المتمثل بالأشجار والأعشاب الصغيرة المتناثرة في أزقَّة الحارة وأرصفة شوارعها، والبيوت القديمة الملاصقة ببعضها البعض، والسيارات المركونة بمحاذاة البيوت والأرصفة. وفجأةً، انسلَّ إلى أعماق ذاته، حيث تزخم بتفاصيل الأحداث والوجوه التي وَسَمَتْ أثرها في ذاكرته. كانت التحديقة المبهمة التي دفنها المدير العام في عينيه، أثناء زيارته لمكتب شؤون الموظفين صباح الأمس، ألقمتْ عبد الغفَّار شعورًا آخرًا باللاجدوى. لقد كان شعورًا هاويًا عندما تسمَّر المدير العام واقفًا وسط المكتب بمهابةٍ خيمتْ على صدور الموظفين وأعينهم التي اختزلت الرهبة المنبعثة من أوصال هذا الواقف المحدِّق نحو أحدهم. - "الأخبار التي تصلنا مؤخرًا لا تسرنا يا عبد الغفَّار" - "اعتذر عن قصر أدائي في الآونة الأخيرة ... ظروف طارئة يا أستاذ عيسى" - "لقد عهدناك دومًا على المستوى المنشود ... الإدارة تكرمت أن منحتك الإجازات إلا أن ذلك لم يعطِ مفعولاً! ... ركِّز!" تتصاعد وتيرة الأحداث بشكل ملفت، لتنبأ بويلات جديدة ستعصف عمَّا قريب. بات وشيكًا أن يسقط في الهوة السحيقة التائهة في أعماق ذاته وأغوارها. فها هو ذا، يرسم الحيرة ويعلِّقها في عيون صحبه وأهله، حتَّى بات من المألوف والمعتاد أن تلتقط أذناه هذه العبارات التي بات يألفها كثيرًا: - "لقد تغيرتَ كثيرًا!" - "ماذا حدث لك؟! أصبحتَ مختلفًا تمامًا" - "نكاد لا نعرفك الآن!" - "لم نعهدك هكذا من قبل ... وجهك قد تغير!" - "سبحان الله مغيّر الأحوال! ... لقد تغيرت!" ألسنة الناس كأسنَّة الرماح، والوجوه التي عكست ملامح الإرتياب بدتْ له أضيق من الهوة التي تحكم قبضتها في عنق راحته. حتَّى سعيد صاحبه الذي اصطفاه بين كل هاته الخليقة، ليفضي إليه ما يؤرق جفنه ليلاً، ويثقل فكره نهارًا، ذاك الذي لا تُخفى عنه خاطرة يجيش بها صدره، لم يعد كسابق عهده به. لقد كان كلامه واضحًا عندما قال له أبَّان الإستراحة القصيرة المتخللة في صخب العمل: - "أنت تقلق كثيرًا!! وهذا لا يساعد على شفاؤك إطلاقًا!" - "أنت لم تصب بما أصبته به" - "صدقني ... أنت تفكر كثيرًا ... هذا لا يساعدك" - "أنا أعاني ... أعاني كثيرًا ... أنت لا تفهم!" - "فكر جيِّدًا وسترى إني على حق" في هاته الساعة المتأخرة من الليل، تتهادى إليه كل هاته الأحداث والوجوه التي مرتْ به وهو على الشرفة ينظر إلى حارته الذائبة في عتمتها. عيناه اغرورقتا بالدموع، ومعاني متعددة للآلام تخطُّ مداد حبرها على أعماق ذاته المأفونة بالظلماتِ. وما كادتْ أن تهوي دمعة من عينيه متحدرة على وجنته، حتَّى مسحها بطرف كفِّه سريعًا. 8 - "المصائب قادمة ... أشعر بها جيِّدًا" - "بدتُ أخشى مما أسمعه، وخاصة منك أنت" - "لذلك لا تفهمني" - "ها أنت ذا تتكلم بلغتك وتريدني أن أفهم" - "العميان سيخربون هذه الدار فوق رؤوسنا ... سمعتُ أحدهم يدعو إلى التنكيل بالقادمين، وهذا ما سيغضب المدير بلا شك" - "دعهم لحالهم ... لا تكترث بأمرهم يا شيخ حسن" انحشر الصمت وسطهما، آخذًا في الإنتشار والتوسع. إنَّ لمثل هذه الأحداث ما يؤجج فيه الفضول، ويدفعه إلى التقصي والتدبر في شأنها؛ فالقادم أسوأ بكثير من الحاضر، والأيام هنا تجري إلى حيث لا اهتداء. ينظر إلى مصبح، مصبح الذي سبر أغواره، وأنس بقربه، وكان عليمًا بذات أحاسيسه وأفكاره، غير أنَّ إدراكه لمجرى ما يدور الساعة، ينتزع إلى ذلك الفهم والإدراك الذي ينمُّ عن عقليةٍ لا تجيد السبر في الظلمات، شأنه كشأن أغلب العميان القاطنين في هاته الدار، وقد يبدو لوهلةٍ خاطفة ضربًا من الإستحالة أنْ يفطن لكل ما يدور من دسيسة تحاك في الخفاء، حيث لا أذن تسمع، ولا عين ترى. - "أشاطرهم الرأي فيما ذهبوا إليه" - "عفوًا؟!" - "هذه الدار لنا ... ثمَّ بربك أين سيقطنون والمكان بالكاد يكفينا يا شيخ حسن؟!" - "لا أعرف ... لا تهمني هذه المسألة بقدر ما يثير خشيتي من جرَّاء تفاقهما وتصاعد وتيرتها لتهوي بنا في قعر الجحيم" - "ذهبتَ بعيدًا!!" - "لا، لم أذهب بعيدًا ... أنظر إلى ما حولك جيِّدًا لترى صدق ما أقول" - "أين سيمكثون والدار بالكاد تكفينا وتؤوينا من حر القيظ والنهار؟!" - "هذا همّ المدير وحده، وهو أعلم بأحوال هذه الدار ومن فيها" - "أكاد أجزم لك أنه مخطئًا حتمًا فيما سيقدم على فعله" - "أنت لا تعرف ولن تعرف ما يحدث هنا ... نحن مشكلتنا تكمن في عصبةٍ من العميان ... هذا كل ما في الأمر" هزَّ مصبح منكبيه في استسلام، وراح يتمتم بكلماتٍ لم يعرها حسن أدنى اهتمام. ها هو ذا، يلج إلى مسالك تشي بعتمة الخفاء، الخفاء الذي يبدو دامسًا بما يعتمل فيه، بعيدًا عن الأعين والآذان التي لا ترهف ولا ترى إلا بقدر ذاتها المأفونة بالسذاجة وقصر ذات الإدراك. وأنَّ الهدوء الذي يسبق العاصفة لا ينذر إلا بهول القادم والويل العظيم، الذي يبدو للبعض – وما أكثرهم – صفاء مسترسل يشوبه سكون مطبق، يخلب الألباب!. يتبع ... |
| #4 | ||||
| ||||
| رد: الأعمى والضرير (رواية) 9 أزفَّ ميعاد الليل، ودنى الغروب إلى شطر الظلام، ولم يبقَ على الشاطئ العاج بالنسيم والأمواج سوى عبد الغفَّار وزوجه. تأبطتْ ذراعه، ورمتْ برأسها على كتفه، فازدرد جسده ملاذٌ أنثوي، حمله إلى أقاصي وأرجاء بعيدة، لم يكن قد أدركها قبل هاته اللحظات المحتفة بنشوة السكون والتأمل. وراح يمسِّد كتفها بيده، وهو ينظر إلى البحر، وشاردة من شتى الأفكار والهواجس تدكُّ رأسه بقبضتها الجائرة. إن البحر بأسره لم يستطع أن يوقظ الأمل من ردهات الظنون والمصاعب التي ما تني أن تفتك به وتمحو كل بارقة للأمل. - "ما أنتَ بصانعٍ يا حبيبي؟!" - "أعتقد أن العيادات والمستشفيات لم تجدِ نفعًا ... لا أعرف حقًّا أين أذهب بنفسي!!" وران صمت قصير على حين غرة، يتخلله صوت تناغم الموج مع الشاطئ، فأضفى للصمت عذوبة لم تشهد لها أذنٌ ما، وشقشقة الطيور وهي تودع آخر أنغامها للغروب، بدتْ مقطوعةٌ موسيقية في غاية الروعة والتناسق. - "لا يسعني إلا أن أنسى جملة الهموم أمام هذا البحر" - "فلينعم الله عليك بحياةٍ هانئة كما هاته اللحظات الجميلة" - "يذكرني البحر بلقائنا القديم ... أتذكرين تلك الأيام؟! ... لقد كانت رائعة حقًّا" - "لم تغب قط عن ذاكرتي ... يا لها من أيامٍ جميلة!!" - "كنَّا بالكاد نستطيع أن نلتقي بعيدًا عن العيون والألسن" - "كنَّا نأتِ إلى هنا ... بعد أن تغيب الشمس ويحل الظلام، حيث يتعسر على المرء رؤيتنا" - "ومرَّت الأيام وشاء الله أن أتزوجكِ، ومن ثم أن يصيبني هذا الداء اللعين" - "ستُشفى مما أنت فيه، وتعود المياه إلى مجاريها" انقضت الدقائق سريعًا، بما فيها من لحظاتٍ آسرةٍ حلَّقتْ بأجنحتها إلى حدائق الذاكرة والذكريات التي لم يعف عنها الزمن. وكم هو جميلٌ بعد كل شيء أن يزدرد المرء من عسل الذكريات ما يعينه على مجابهة الآتي، ويشدُّ من أزره ليصمد من هولها بما ملكته قواه. لقد سمتْ روحه من جديد، وعلتْ في الآفاق والأرجاء لتقاوم بأس القادم وهول الحاضر. إنَّ لمثل هذه اللحظات قدسية تخرس فاه الهواجس والظنون في حضرة صومعتها، لترسم فراغًا يحتضن شتَّى أشكال المنى والأمل. فجأةً، رعى انتباه الزوجة طارئٌ خطر على بالها، فرمقته بنظرةٍ ذات معنى، لم يسعفه فهمه ليدرك فحواها. ونمى به الفضول درجاتُ ودرجات، لحظة أن رأى ذلك البريق الحاد يشعُّ من عينيها، مخلفًا أثر الإرتياب والسؤال. - "ما رأيك بزيارة أمِّ حسين لتعاين عينك؟!" - "أتعنين تلك الساحرة؟! ... أجننتِ!! ... لا، لا، لن أذهب إليها ... ماذا أصابك؟!" - "صدقني ... ربما أصابت عينك عين حسد" - "لا أصدِّق ما تتفوهين به" - "جرِّب ... لن تخسر شيئًا ... مجرد معاينة بسيطة لا تستغرق وقتًا طويلاً" - "أنتِ مجنونة حتمًا، وأنا أكثر جنونًا منكِ لإعطاؤك أذنٌ تصغي لهذه الترهات اللامعقولة" - "أنت لا تعرف ما يمكن أن تفعله أمِّ حسين لحالتك تلك" - "لا أريد أن أعرف ... دعينا نتحدث في أمرٍ آخر ... عجبًا منكِ!!" - "صدقني ... لن تخسر شيئًا ... مجرد معاينة سريعة لا تستغرق وقتًا طويلاً" لم يصدِّق ما ترامى إلى أذنيه السَّاعة. الزوجة بدتْ بكامل قواها العقلية وهي تشير إليه بهكذا رأي. هل حقًّا حدت الصروف به وضيق ذات السبل حتَّى يعاود أمَّ حسين، تلك العجوز التي تدَّعي التبصُّر في مثل هذه الأمور التي يعدُّها ضربًا من الجهل والشرك؟!. - "ها ... ما رأيك يا حبيبي؟!" - "عجبًا منكِ!! ... لا أصِّدق ما تتفوهين به!!" - "صدقني ... أرجوك ... لن تخسر شيئًا" - "سأرى في ذلك ... سأرى" 10 - "سأخرج من هنا" لزم الصمت جميع الحاضرين من العميان، وآثروا الإنصات والإنتباه لما ترامى إلى مسامعهم. سعود ولد عبد الله جهرتْ نفسه بما لا يُحمد على عقباه!! أعلنها على الملأ، وبقوةٍ ووضوح: "سأخرج من هنا ". فليكن ما يكون. لقد خرجت الكلمة من لسانه بإصرارٍ لا تثنيه صفعة الخوف التي تعاود مخيلته عند كل كلمةٍ تسقط سهوًا من فيه. لقد نطق بما ساورته نفسه. لقد تكلم! وإنها لشرارة أولى تتبعها شرارةٌ متوهجة ستضرم الدار لتلتهمه بغمضة جفنٍ خاطفة، دون أن يتسنَّى لأحد إخمادها. - "سأخرج من هنا ... أرض الله واسعة ... لا يمكن أن أعيش هنا بعد الآن" كأنما ابتلع الخوف ألسنة العميان، وتوارى الذي في نفوسهم إلى غياهب التوجس والترقب والآذان التي لا يُخفى عنها زلة لسان. تبدت الوجوه بوجومها الباهت الذي يفضي إلى سريرة النفوس الكاظمة بما تنوء به من غيض، فتتراءى للناظر تعابير وملامح شتَّى من القهر والغضب. - "هذا ما كان ينقصنا ... أن تأتِ أنت لتخرج من هنا ... من يريد أن يخرج فليخرج" - "أتعاتبني على خروجي من هنا يا صالح؟! ... ماذا تريدني أن أفعل؟! ... أن أبلغ الغيض وأسكت كما تفعل أنت؟!" - "يا لك من أحمق!! ... لن أجيبك على سؤالك" وما كاد النزاع أن يحتدم بينهما ويبلغ أقصى مداه حتَّى نهض حسن من مكانه، وافتعل نحنحةٌ استرعت انتباه الحاضرين، ثم حذى نحوهما وئيد الخُطا، مستدلاً بيديه الطريق إليهما. - "تبادل الشتائم والإتهامات لن تجدِ نفعًا الآن ... وكما أن خروجك يا سعود لن يعود إلا بالضرر إليك" - "انظروا من جاء لينصحني!! ... ماذا حدث حتى فتحتَ فمك الآن؟! ... لم نعهد منك مشاركتنا الكلام يا حسن!!" - "قل ما يحلو لك" أضاف، بعد أن ندتْ عنه ضحكةٌ ساخرة: - "لقد كنتم من الباصرين قبل أن تصابوا بالعمى، وعلى غراركم، لم أبصر نورًا منذ أن خرجتُ من صلب أمي ... عجبًا!!" فعاجله سعود ولد عبد الله أن قال بسخرية: - "إلى ماذا ترمي ها؟!" - "لا عليك ... ولكن تذكر ... أنت أعمى وأنا ضرير ... أنت كنتَ تبصر قبل الآن ... تذكر ذلك جيِّدًا" - "ها ... كفاك فلسفة ... أرحنا قليلاً" وعاد الصمت في الأرجاء. شيءٌ ما دفعه إلى إقحام نفسه في مغبة الحديث مع زمرة الحاضرين من العميان. لا يعرف ما هو!! لماذا تكلم الآن؟! ما الذي دفعه إلى ذلك؟! مصبح كذَّب أذناه!! حسن الضرير نهض وبادر الحديث!! إنها لحادثة مريبة لمن لم يعهد له المبادرة والكلام قبل هاته اللحظة!! لابد وأن في الأمر ما يدعو إلى الحيرة!! إلى التساؤل!! لقد بدا الصمت، وقتذاك، وهو يجول في الأرجاء والأنحاء، وبين أفواه العميان وسخطهم، كهوةٍ سحيقةٍ غارقة في الظلمة الحالكة. يتبع ... |
| #5 | ||||
| ||||
| رد: الأعمى والضرير (رواية) 11 شوشرة المراجعون والأعمال المكتبية التي تتطلب ذهنًا صافيًا لإنجازها، كلها تضيق به. الوجوه الآتية من باب مكتب شؤون الموظفين ممتقعة اللون، لا تنذر إلا بما تحمل من ضعينة بائدة تشي عن سخطٍ مريرٍ، وتذمر لا ينتهي، ولاسيما في الفترة الأخيرة التي شارفتْ أواخر السنة. إن الأيام التي تمضي هنا تكفي أن تجعل منه إنسانًا مختلفًا. لقد سأم من كل شيء، ولم يعد من الراغبين على مواصلة الطريق مع هاته الوزارة التي يعمل بها منذ ما يقارب العشرون عامًا. مكتب شؤون الموظفين أستنزف منه قواه، فبرز الضمور على ملامحه كأوراق الخريف، ولا عزاء له فيما هو فيه سوى زميله سعيد المنهمك الآن في مراجعة بعض الملفات والأوراق. - من يراك الآن سيشفق على حالك حتمًا ... أنظر إلى نفسك وأنت غارق وسط تلك الملفات! - وما العمل يا عبد الغفَّار؟! ... يطلبون منك أن تنجز كل هاته الأوراق ومراجعتها ... ولكم أكره القيام بهذا! - ربما ... أقول ربما ... في القريب العاجل تحصل على إجازةٍ ما لترتاح قليلاً من كل هاته الفوضى هنا. - أنت حالم ممتاز يا عبد العفَّار. - غالبًا ما تتحقق الأحلام! - ليس هنا على كل حال ... العمل الكثير يسلب منك رشدك، لتصبح بغير فائدة مرجوة. - ستحصل على إجازةٍ ما في القريب العاجل بلا شك. - وها أنت ذا تعود من جديد! ... يحقُّ لنا أن نحلم بالإجازة، أمَّا أن نطلبها وتتحقق، فذاك يعدُّ ضربًا من المستحيل! أخذ يتلفت يمنةً ويسرةً، آملاً أن يخلو المكان من المراجعين، ثم غمز بعينه اليمنى لسعيد أن يتبعه إلى الخارج، ونهض من مكتبه الكامن في أقصى مكتب شؤون الموظفين سريعًا دون أن يمنح لسعيد فرصة سانحة للكلام والمجادلة. مبنى الوزارة من خلفهما. الحرارة المنبعثة من الشارع الإسفلتي، والهواء الرطب غير المطاق الذي يشبه إلى حدٍّ ما فوهة بركان ثائر، وضجيج المارة وأبواق السيارات، كلها أحبُّ إليه من الجلوس في مكتب شؤون الموظفين والنظر إلى شؤون المراجعين واحتمال سخطهم المستمر بصبر يعلم الله وحده مدى سعته، لاسيما، والباب الذي يُفتح على مصراعيه منذ بداية الدوام الرسمي إلى حين انتهاءه، لا يتوقف من سيلان المزيد من المراجعين والساخطين والمتذمرين، مما يجعل من الصبر مهنة لابد من اتقانها. - أودُّ أن أصارحك بأمرٍ ما يا سعيد. - تكلم ... لا يردك إلا لسانك. - أنت تعلم بلا شك بأمر عينيّ وعلتها. - أكمل. - ولا يُخفى عليك ما تحملته من أذى، ولاسيما وأن المداواة التي تلقيتها من الأطباء والمستشفيات لم تجدِ نفعًا حتى الآن. - كلي آذانٌ صاغية لك يا عبد الغفَّار. - بالأمس تبادلتُ وزوجتي بخصوص هذا الشأن، فأشارتْ إليّ بزيارة أمّ حسين. - تلك العجوز المتبصرة التي تقطن في (مطرح)؟! - أصبت. - ولمَ لا تأخذ برأيها؟! - أجننت!! ... أمُّ حسين لا تتعدى كونها كاذبة ومخادعة في آنٍ واحد. - ليستْ كما تصف. - بل هي كذلك. - أعرف الكثير ممن قصد دارها ولم يقل إلا خيرًا. - لا أؤمن ما تؤمنون به. - هذا أمرٌ راجعٌ إليك ... وأنا أرى ما تراه زوجتك يا عبد الغفَّار. خفض بصره إلى الأرض وهو يفكّر. إنها لكبيرة أن تمحى الخيارات من على صفحة الخليقة التي يسير فيها ويتدبر في شأنها كسائر البشر الذين لا يجدون من سبيلٍ إلا لخوض معترك الحياة للفوز بما وعد الله به من نعيم، إلى خيارٍ واحدٍ يبدو كظلمة داخل ظلمة حالكة السواد. أمُّ حسين. أخذ يردد هاته الكلمة في نفسه مرارًا، بينما أشعة الشمس رابضة في الأفق، تكوي الجباه والموجودات. يتبع ... |
| #6 | ||||
| ||||
| رد: الأعمى والضرير (رواية) بداية نرحب بك أجمل ترحيب ونتمنى لك طيب الإقامة بيننا لنا عودة هنا انشاء الله |
| #7 | ||||
| ||||
| رد: الأعمى والضرير (رواية) ذكرتني بعض سطورك بقول الكاتبه هيلن كيلر، أفضل وأجمل اشياء في العالم، ليست تلك التي نراها أو نلمسها، إنها الأشياء التي نشعرها فقط في قلوبنا.. وكانت الكاتبة كفيفه ولا تنطق!!! أكمل سيدي نقرؤك. __________________ الحكم نتيجة الحكمة والعلم نتيجة المعرفة فمن لا حكمة له لا حكم له ، و من لا معرفة له لا علم له قليل جميل، خير من كثير عليل؛ |
| #8 | ||||
| ||||
| رد: الأعمى والضرير (رواية) الاستاذ منهل الرئيسي كتبت فاجدت لاعدمناك رحيق |
![]() |
| أنشر هذا الموضوع عالمياً في مواقع النشر (المفضلة) |
| لتسهيل البحث عن الموضوع في محركات البحث العالمية أضف الكلمات الدلالية (Tags) الآن بالضغط على تعديل الكلمات الدلالية على اليسار |
| (رواية), الأعلى, والضرير |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
| |