main
مرحباً بك يا غير مسجل هل تعلم أن هذا المنتدى يتبع المعهد العربي للبحوث و الدراسات الاستراتيجية، (مؤسسة غير ربحية و غير حكومية).. تعمل من أجل التعريف بدين و حضارة الأمة للآخر.. و أن للمعهد مواقع مختلفة منها على سبيل المثال لا الحصر.. جميع مواقع كلنا.. و السياسي.. و مدوانات عزف.. و قاطع.. و أنا انسان.. و أن مساهمتك في التعريف و تطوير تلك المواقع هي عمل يعادل تبرعك بالمال.. لكم جميعا منا فائق التقديرعلى جهودكم


العودة   منتديات المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية > واحــة السـيــاســي > دوحــة الـســيـاســة > الوثائق و المستندات
التسجيل التعليمـــات التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

الوثائق و المستندات اعرض ما تملكه من مستندات حول جميع القضايا ووثق جرائم الحرب و الجرائم ضد الإنسانية

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 07-23-2008, 10:25 PM
الصورة الرمزية ahmad_a3a
كــاتــب و باحث سيــاسـي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2007
المشاركات: 730
معدل تقييم المستوى: 2
ahmad_a3a is on a distinguished road
عرض كتاب: في قلب العاصفة لجورج تينت

بسم الله الرحمن الرحيم




عرض كتاب: في قلب العاصفة



هذا العرض لكتاب جورج تينيت، مدير المخابرات المركزية الاميركية cia، من الـ1997 وحتى الـ2004. هذا الكتاب، في قلب العاصفة، أثار ضجة كبيرة عند صدوره والعرض التالي من اعداد كامل يوسف حسين ، ونشر في جريدة البيان الإماراتية على أربع حلقات خلال الفترة 11 14 أيار/مايو 2007.


- 1 -
الأميركيون يحرضون مساعدي عرفات على التخلص منه
لم يقدر لأي كتاب، في الفترة الأخيرة، أن يثير الضجة المحتدمة التي أثارها هذا الكتاب لدى صدوره مؤخراً، فمؤلفه، جورج تينيت، شغل موقع مدير المخابرات المركزية الأميركية طوال السنوات من 1997 حتى 2004 ومن ثم فقد كان على رأس عمله وقت وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وبالتالي غدا من المنطقي أن يتضمن كتابه هذا الرواية الأكثر دقة لملابسات هذه الأحداث وما سبقها وما لحقها بما في ذلك غزو أفغانستان والعراق. وهو ما يقوم به على نحو أو آخر، ولكن ليس من قبيل المصادفة أن يبادر بوب وودوارد في عرض مطول للكتاب في صحيفة "واشنطن بوست" إلى الإعراب ضمناً عن اعتقاده بأن الكتاب أثار من الأسئلة أكثر مما طرح من الإجابات.
ربما كان السؤال الأكثر بروزاً ينبع من تأكيد المؤلف أنه نقل مع اثنين من كبار مساعديه في العاشر من يوليو 2001 إلى كوندوليزا رايس مستشارة الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي آنذاك تحذيراً من أنه تلقى في ذلك اليوم نفسه معلومات سرية مؤكدة عن خطر على أميركا من جانب تنظيم القاعدة جعل شعر رأسه يشيب لهول تفاصيله. والسؤال الذي يطرحه وودوارد هو: لماذا لم يبلغ تينيت الرئيس الأميركي نفسه بهذا التحذير على الرغم من أنه يلتقيه كل يوم في اجتماع معد لهذا الغرض على وجه التحديد؟ ليس هذا السؤال إلا الجزء الطافي من جبل جليد أسئلة لا حصر لها تتعلق بالسنوات السبع التي أمضاها تينيت في منصبه خلال إدارتي بيل كلينتون وجورج دبليو بوش.
جانب من هذه الأسئلة يدور حول تنظيم القاعدة وأحداث الحادي عشر من سبتمبر وجانب آخر يدور حول غزو أفغانستان الذي أوصى به تينيت في اجتماعه العتيد مع رايس ثم حول غزو العراق والحرب على الإرهاب وتفكيك شبكة نشر الأسرار النووية التي كان على رأسها أ. ك خان الملقب بأبي البرنامج النووي الباكستاني، وجانب آخر يدور حول عجز فريق الأمن القومي الأميركي والافتقار إلى الاتصال الدقيق والحاسم بين أعضاء مجتمع المخابرات الأميركي.
ترى هل من قبيل الصدفة أن تينيت يبادر إلى القول: "من الألغاز الكبرى بالنسبة لي متى أصبحت الحرب على العراق أمراً حتمياً على وجه الدقة"؟ وتينيت يقول إنه في اليوم التالي لأحداث سبتمبر مباشرة توجه إلى البيت الأبيض، وهناك ـ عند نقاط التفتيش في المدخل ـ صادف ريتشارد بيرل العضو الأبرز في مجموعة منظري المحافظين الجدد، ويقول إنه حدث نفسه: ترى من الذي كان بيرل يزور في البيت الأبيض في هذا الوقت المبكر ليخرج مؤكداً ضرورة غزو العراق؟
الأسئلة تمتد بلا انتهاء، ومن المؤكد أنها تشير إلى أهمية هذا الكتاب وضرورة تحقيق قراءة دقيقة فيما بين سطوره ....
***
تحريض على "الختيار" جوهر هذا الكتاب، إذن، على نحو ما يعبر المؤلف في المقدمة هو الكيفية التي بدت الأمور بها له وهو في قلب العاصفة، أو بتعبير آخر فإن جوهر الكتاب هو النحو الذي رصد به مدير المخابرات المركزية الأميركية الخطر، وما الذي قام به حياله، وما الذي تم اقتراحه ولم ينفذ، وكيف تطور التفكير الأميركي حيال هذا كله، وكيف كانت المخابرات الأميركية جاهزة بخطة عمل للرد على الأحداث التي أودت بحياة ثلاثة آلاف أميركي وأجنبي على الأراضي الأميركية لأول مرة في تاريخ أميركا، وكيف تم التحرك في أفغانستان والعراق، وأيضا التحرك الأميركي لمد الجسور بين الفلسطينيين والإسرائيليين عبر المفاوضات وصولاً إلى حل سلمي لأكثر مشكلات الشرق الأوسط تعقيدا .
هنا لابد لنا من أن نلاحظ أن هذا الكتاب الذي يقع في 549 صفحة هو شأن كل الكتب المماثلة يردد أصداء الحقيقة التي يعرفها كل من تعامل طويلا مع عالم الكتب، وهي أن الكتب المهمة هي دائما كتب محدودة الحجم، وإذا كان كتاب كبير الحجم كهذا مهما، فمن الواضح أن أجزاء بكاملها تفتقر إلى أهمية حقيقية ويمكن للقارئ أن ينحيها جانباً من دون أن يحس بخسارة كبيرة.
من حيث الشكل قسم المؤلف الكتاب إلى مقدمة وجيزة وثلاثة أجزاء، تناول في الجزء الأول جهود الدبلوماسية والمخابرات الأميركية في محاولة التوصل إلى حل للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، مع التركيز على دور المخابرات الأميركية في الترتيبات الأمنية، وعلى الرغم من أهمية هذا الجانب، إلا أن تناول المؤلف له يجعل هذا الجزء بكامله بلا قيمة حقيقية باستثناء الفصل الأخير، الذي يحمل العنوان الدال "عرفات" والذي شئنا البدء به هنا لتنحية هذا الجزء كاملاً.
في الجزء الثاني يتابع المؤلف نذر نشوب عاصفة الحادي عشر من سبتمبر، وما واكبها وما ترتب عليها من نتائج، بما في ذلك طرح تحصيل مفصل لرؤية المؤلف لما استهدفه تنظيم القاعدة وآليات عمله والجهود التي بذلت للتصدي له، ويختتم هذا الجزء بتفكيك شبكة الأسرار النووية ونشرها. في الجزء الثالث والأخير نتابع غزو أفغانستان والعراق والمطاردة الأميركية لأسلحة الدمار الشامل المزعومة ورؤية المؤلف لآليات الموقف المعقد الذي وجدت الولايات المتحدة نفسها فيه عاجزة عن التوصل للحد الأدنى من الوضوح فيما يتعلق بالخروج من المستنقع المزدوج الذي تتخبط فيه.
إذا بادرنا إلى تقليب صفحات الفصل السادس من الكتاب، الذي يدور حول عرفات، لأنه يقدم لنا جوهر رؤية المؤلف للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، تمهيداً لانتقالنا، في مرحلة لاحقة، إلى ما وصفه تينيت بأنه قلب العاصفة، فإننا سنجد أنفسنا أمام موقف واضح وصريح ومحدد من جانب المسؤولين الأميركيين ازاء عرفات، والذي انتهى بالرجل إلى أن يرحل عن عالمنا شهيداً، مثلما تمنى مرات لا حصر لها. لا يتردد الرئيس السابق للسي.أي.إيه في أن يوضح لنا في السطور الأولى من هذا الفصل أن الأميركيين حرضوا مساعدي عرفات كثيرا على التخلص منه، لكنهم لم يجدوا آذانا صاغية.
ويلفت نظرنا، بصفة خاصة الى أن تينيت هنا يتحدث عن مساعدي عرفات الأمنيين على وجه الحصر، من دون أن يمضي أبعد من ذلك في تحديد هويتهم، ويقول إنهم كانوا يعرفون ما يسميه بأوجه قصور عرفات، وغالباً ما أدركوا الحاجة إلى تغييره، وفهموا أنه ليست هناك قابلية للمساءلة في إطار النظام، ولكنه كان من الواضح له أنهم لن يشقوا عصا الطاعة على الختيار. وإذا كان هذا هو موقف تينيت والجهاز الذي تولى قيادته سبع سنوات من عرفات، فإنه بالقدر نفسه من الوضوح يلقي الضوء على موقفه من الإسرائيليين، فيشير في صفحة 89 من الكتاب بقوله: "الحقيقة هي أنني أعشق الإسرائيليين، ولعهم بالحياة، وما فعلوه لنصرة أنفسهم، وما فعلوه في غمار تأسيس دولتهم".
ومن منظور تينيت فإن الإسرائيليين كانوا يعرفون عرفات أفضل من أي طرف آخر في العالم. وكان النقاش حوله يدور دوماً حول ما يلي على الدوام: من هو؟ هل لديه استراتيجية؟ ويشير تينيت إلى أنه أجرى مناقشة مطولة في هذا الصدد ذات ليلة مع شلومو ياناي، الذي كان رئيس التخطيط العسكري في الجيش الإسرائيلي، وبعد جدل امتد طويلاً بينهما، قال هذا الأخير عن عرفات: "أجب عن هذا السؤال: هل عرفات موسى أم بن غوردون؟ إنه موسى، فهو لن يبرم الصفقة أبداً. ولن يوقع على اتفاق في يوم من الأيام ولن يعرض وضعه للخطر لأنه يريد أن يمضي بشعبه إلى الأرض الموعودة. والأرض الموعودة بالنسبة له هي القدس ولن يقدم تنازلات أبداً".
يعقب تينيت علي هذا القول إنه تحليل بعيد النظر لعرفات يفوق كل ما سمعه عنه على الإطلاق. ويشير إلى أنه على الرغم من أن الولايات المتحدة أرست علاقات مع عرفات منذ وقف طويل، إلا أنه سيكون أمراً مضللاً أن توصف هذه العلاقات بأنها ودية، وعلى الرغم من أنه نال جائزة نوبل للسلام بالاشتراك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي اسحق رابين، إلا أنه أدار ظهره بعد ذلك بست سنوات لأفضل عرض سلام قد تتلقاه فلسطين في زماننا، بحسب إشارة المؤلف إلى ما عرض على عرفات في كامب ديفيد الثانية. ويمضي تينيت مشيراً إلى أن عرفات كان أكثر الشخصيات التي عرفها في حياته تعقيداً، وأن "الختيار" كان في بعض الأحيان يوشك على دفعه إلى الجنون، وفي أحيان أخرى كان يرغب في معانقته، وإنه لم يعرف أي الجانبين من شخصية عرفات سيبرز في أي لقاء معه، ولكنه كان يعرف دوماً أنه أياً كان الجانب الذي سيظهر فإنه ستكون هناك قصة تروى فيما بعد. ربما لإرضاء القارئ الذي لا يلم كثيراً بدقائق الحياة السياسية في الشرق الأوسط يروي المؤلف مجموعة من "الطرائف" عن عرفات، لكنها تصب في النهاية في محاولة إظهار عرفات باعتباره شخصية غريبة الأطوار، يصعب التنبؤ بمواقفها، ويستحيل الوصول معها إلى أرضية منطقية مشتركة.
لكن أليست تلك هي بالضبط الصورة النمطية التي حاول الإسرائيليون تقديمها للعالم عن عرفات ليزعموا في نهاية المطاف أنهم ليس لديهم مفاوض أو شريك. سلام فلسطيني؟

المفاوضات المستحيلة
يرسم جورج تينيت صورة للمفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية برعاية أميركية على أنها ممارسة توشك على اقتحام آفاق المستحيل، ويحمل عرفات الجانب الأعظم من المسؤولية عن هذا الوضع. ها هو في صفحة 90 من الكتاب يبادر إلى الإشارة إلى أن إدارة بوش أرادت، بداية، منه أن يبقى بعيداً عن نشاط عملية السلام وأن يترك الأمور في أيدي الدبلوماسيين، وهو أمر كان يرى أنه لا بأس به. ولكن في الأول من يونيو 2001 حدث هجوم انتحاري على ديسكو في تل أبيب يعرف باسم "دولفناريوم" مما أسفر عن مصرع واحد وعشرين إسرائيلياً، معظمهم من المهاجرين الروس، الأمر الذي أحدث صدمة لدى الإسرائيليين وأشار إلى أن الأمور بسبيلها إلى التفاقم في المنطقة.
هكذا، فإنه بعد أيام قلائل تم إرسال تينيت لتبين ما الذي يمكن القيام به لإحياء جهود السلام ومحاولة التوصل إلى اتفاق أمني قابل للتنفيذ يسمح للعملية السياسية بشق طريقها قدماً. في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أرييل شارون استمرت الجهود بين الجانبين الأميركي والإسرائيلي لوضع اللمسات النهائية على اتفاق مجتمعي، غير أن الإسرائيليين بدأوا في المطالبة باتفاق جانبي، هو نوع من العطاء الذي يمكنهم أن يحتجبوا وراءه إذا ساءت العاقبة، أو بالأحرى يمكنهم تسريبه إلى الصحافة لتخريب العملية بكاملها ونسفها. يقول تينيت إنه رد على الإسرائيليين بقوله: لا، للاتفاقات الجانبية، فردوا عليه بقولهم: لا، للصفقة بكاملها.
على امتداد ثمانية أيام مضى الفريق الأميركي يواصل التنقل بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي وتجميع عناصر ما يعتقد أنه اقتراح منصف، عبر إحياء أفكار قديمة وتوليد أفكار جديدة تقتضي من كل فريق القيام بتحركات صارمة ضد شعبه نفسه. وكان الاتفاق الذي أطلق عليه اسم "خطة عمل" يتألف من قائمة تفصيلية بخطوات محددة من شأنها أن تفضي إلى استئناف التعاون الأمني وفرض التزام صارم بوقف إطلاق النار وإيقاف العمليات الإرهابية على حد تعبير تينيت وإعادة نشر الجيش الإسرائيلي في مواقع كان يرابط فيها منذ ثمانية أشهر.
من الأمور الأخرى التي اقتضتها خطة العمل الوقف الفوري للاشتباكات وقيام الفلسطينيين باعتقال "الإرهابيين" وتخفيف القيود التي يفرضها الإسرائيليون على السفر وسحب القوات الإسرائيلية. بعد فترة من التهدئة، تضمنت الخطة تنفيذ اقتراحات لإقرار السلام سبق طرحها في ابريل 2001 من قبل لجنة ميتشل. وفي مساء 11 يونيو انتهى العمل وعقد اجتماع ثلاثي من أجل القبول النهائي لخطة العمل. وفي ضوء تشديد تينيت على ضيق الوقت وافق الإسرائيليون على الخطة، التي من الجلي أنها تصب لصالحهم في غالبية بنودها في صبيحة اليوم التالي. يقول تينيت إنه بعد ذلك بدأت مرحلة الانتظار الطويلة لرد من جانب عرفات، وانه مضى إلى رام الله للقاء عرفات للحصول على موافقته على خطة العمل العتيدة.
لم يكن عرفات في مدخل مقره في رام الله لدى وصول تينيت إليه، وهو ما اعتبره مدير السي. اي. ايه مؤشراً سيئاً. وقال عرفات لدى استقباله له وقد بدا عليه التجهم إنه يريد اتفاقاً جانبياً مع الأميركيين قبل موافقته على خطة العمل. لدى رفض تينيت لمثل هذا الاتفاق، أصر عرفات على أن يأخذ الأمر صيغة رسالة يحررها عرفات وتوجه إلى تينيت. هذه الرسالة ذات الفقرات الثلاث، امتد التفاوض عليها طويلاً إلى أن دقت الساعة معلنة الثانية بعد منتصف الليل، حيث كتبت الرسالة في صيغتها النهائية وسلمت إلى تينيت، لكنه اكتشف أن هجاء اسمه كتب بصيغة خاطئة، فأصر عرفات على كتابة الرسالة مجدداً ومضى يكيل اللوم للعاملين في مكتبه، ويطالبهم بأن توجه الرسالة في صيغتها الجديدة إلى تينيت حاملة التحية موجهة إلى "عزيزي المحبوب المدير تينيت".
ويشير تينيت إلى أن ذلك كان آخر شيء يود أن يحمله معه عائداً إلى واشنطن، وهكذا أصر على أخذ الرسالة كما هي والعودة إلى فندقه في تل أبيب. في اليوم التالي عقد اجتماع ثلاثي غير بعيد عن مقر ديسكو دولفيناديوم، واتصل الرئيس جورج دبليو بوش، الذي لم يحط بكل جوانب الموقف، بتينيت في اليوم التالي من طائرة الرئاسة ليهنئه على توفيقه في مهمته. ولكن الطرف السياسي من المعادلة لم يمض بالإيقاع نفسه فبعد أسبوع تقريباً انهارت هذه الصفقة برمتها، وتحولت إلى حطام على جانب الطريق الوعر إلى السلام.

اللقاء الأخير
يحدثنا جورج تينيت عن لقاء الوداع الذي ضمه مع عرفات، مشيراً إلى أنه كان من بين أواخر المسؤولين الأميركيين الذين التقوه وهو لا يزال على قيد الحياة في مقره برام الله في عام 2002. بدا عرفات يومها هزيلاً، شاحباً، وكان عند ذلك المنعطف من مسيرته محاصراً ومعزولاً عن شعبه، وسجيناً في مقره الذي حاصرته الدبابات الإسرائيلية، لكنه كان لا يزال زعيماً للفلسطينيين، وهكذا مضى تينيت إليها ليهيب به القيام بإصلاح أجهزته الأمنية، وتنظيمها في إطار لسلسل قيادي واضح، وتعيين وزير لها يتولى المسؤولية عنها. ويشير تينيت إلى أنه في هذه المرة أيضاً لم يقابله عرفات عند مدخل المقر، فقد كانت العيون الإسرائيلية بانتظار ظهوره، ولو للحظة.
بدا المشهد بكامله لتينيت هدراً، بما في ذلك الدبابات الإسرائيلية وشطائر الرمل الفلسطينية، كانت في صفوف الفلسطينيين مواهب كثيرة، وكانت تذهب هدراً. ويقول تينيت إنه في تلك المرحلة كان الجميع في الحكومتين الإسرائيلية والفلسطينية والإدارة الأميركية يثقون في السي. آي. ايه بما فيه الكفاية في ما يتعلق بالقضايا الأمنية بحيث أن الوكالة كان يمكن أن تحدث فارقاً، على حد تعبيره.
ويخلص المدير السابق للمخابرات المركزية الأميركية إلى أن ذلك الوقت قد انقضى، وأن نافذة الفرصة تلك قد أوصدت. وإنه من المحزن أن الجميع كان يمضي وسط الحراك، وأن عرفات كان يعرف ذلك، كان يعرف أنه لن يقود شعبه إلى الأرض الموعودة، بل انه لم يستطع اجتياز المدخل الأمامي لمقره سيراً على الأقدام، فهو حسب تعبير تينيت لم يكن موسى ولم يكن بن غوريون!

- 2 -
تحذير من هجوم صاعق على أميركا قبل أحداث سبتمبر بشهرين

يجد القارئ نفسه هنا مع ما يمكن وصفه بأنه أم الألغاز، فيما يتعلق بالعاصفة التي يحدثنا جورج تينيت عن تحركه وسطها. هذا اللغز السوبر يدور حول سؤال محدد: لماذا حملت "السي.آي.إيه" التحذير من هجوم صاعق ومدو على أميركا في العاشر من يوليو 2001 إلى كوندوليزا رايس مستشارة الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي ولم تصعده إلى المستوى الرئاسي؟
يجيب مؤلف الكتاب عن هذا السؤال اللغز بالقول إن الحكومة الأميركية لا تعمل على هذا النحو، فالرئيس ليس المسؤول الأول عن التحرك في مواجهة مثل هذه المواقف، وإنما لابد من حمل المشكلة إلى من يعدون مائدة قراراته ومن ثم يوقع هو على القرار المناسب، ويعقب الصحافي الأميركي البارز بوب وودوارد على ذلك بكلمة وحدة على الطريقة الأميركية، هي "واو" التي خرجت من معناها التقليدي لتعبر هنا عن الذهول وعدم التصديق. يرصد تينيت في الجزء الثاني من كتابه، على امتداد فصلين هما السابع وعنوانه "تجمع العاصفة" والثامن الذي يحمل العنوان الدال "إنهم في الطريق إلى هنا" نذر عاصفة الحادي عشر من سبتمبر، وذلك عبر تقديم حشد هائل من التفاصيل التي تشكل نسيجاً معقداً من التقارير والمعلومات والوقائع. هكذا فإنه، على سبيل المثال، يقدم لنا ثمانية نماذج في صفحة 147 من الكتاب من التحذيرات التي كان المستوى القيادي في "السي.آي.إيه" يتلقاها من هجمات ضد أميركا ومصالحها على امتداد العالم، لنجد أنفسنا أمام حشد من الهجمات تبدأ من الأردن مروراً بباكستان وصولاً إلى كولومبيا ولبنان ومنطقة الخليج وماليزيا وليس انتهاء بالجزائر وبعمليات على غرار تفجير السفينة الأميركية كول.
التحذير ـ اللغز... يوضح جورج تينيت أنه في العاشر من يوليو 2001 كان كومر بلاك وريتش بي. وزملاؤهما من فريق مكافحة الإرهاب في "السي. آي. إيه" قد وضعوا هذا الركام من التقارير في صيغة تقدير موقف استراتيجي مدعم، وطلب كوفر مقابلته، ويعبر عن جوهر ما تم اطلاعه عليه خلال هذا الاجتماع بأنه جعل شعر رأسه يشيب من الهول، وهكذا بادر بدوره إلى التقاط سماعة الهاتف وأصر على لقاء فوري مع كوندوليزا رايس لاطلاعها على تهديد من جانب القاعدة. كانت الجملة الاستهلالية في هذا الاجتماع هي: "سيقع هجوم إرهابي مهم في الأسابيع أو الشهور المقبلة!". وكان من المستحيل تحديد يوم بعينه سيقع فيه هذا الهجوم. خلال الاجتماع تم عرض رسم إيضاحي يشير إلى تجمع سبع معلومات استخبارات محددة خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية وكلها تتنبأ بهجوم وشيك، ومن المؤشرات في هذا الصدد توجه عناصر متشددة بأعداد كبيرة إلى أفغانستان، ومغادرة أعداد كبيرة من أفراد عائلات عناصر مماثلة لليمن، إضافة إلى مؤشرات تهديدات جديدة للمصالح الأميركية في لبنان والمغرب وموريشيوس.
وتعددت المؤشرات الأخرى إلى هجوم وشيك وصف بأنه سيكون هجوماً مدوياً ومعداً لإيقاع خسائر هائلة في تسهيلات ومصالح أميركية. وقال ريتش بي. أحد مساعدي تينيت والذي لم توضح هويته بما يتجاوز ذلك، إن: "الاستعدادات للهجوم قد تمت، ويمكن أن تقع هجمات متعددة ومتزامنة، وستحدث من دون تحذير مسبق أو بتحذير محدود، والقاعدة تنتظر وتبحث عن نقطة ضعف". وتابع ريتش ملخصاً جهود السي. آي. ايه للحيلولة دون استهداف أهداف معينة من قبل تنظيم القاعدة، وأوضح أن هدف الوكالة ليس افزاع من يستعدون للهجوم أو إيقافهم، وإنما حملهم على الاعتقاد بأن خططهم معرضة للخطر، وذلك على أمل أن يتم حمل التنظيم على تأجيل الهجمات على الأقل، ولكن هذا لا يعدو كونه كسباً للوقت. هنا انتقل ريتش من الوضعية الدفاعية إلى الوضعية الهجومية في مواجهة تنظيم القاعدة، مطالباً بضرورة نقل المعركة إلى أفغانستان والاستفادة من سخط بعض القبائل هناك على طالبان والاستعانة بالمقاومة الأفغانية المسلحة.
عند هذا المنعطف طرحت رايس السؤال المتوقع: ما الذي ينبغي أن نقوم به؟
جاء الرد من كوفر على الفور: "هذا البلد بحاجة إلى المضي إلى وضعية الحرب الآن".
من جديد عادت رايس تتساءل: "إذن ما الذي يمكننا القيام به للانتقال إلى الهجوم الآن؟".
وجاء الرد، من دون أن يتذكر المؤلف ما إذا كان ذلك على لسانه أم على لسان كوفر: "علينا أن نعيد إيجاد الصلاحيات التي سبق لنا التقدم للمطالبة بها في مارس الماضي".
لكن قبل ذلك كان يتعين على الرئيس الأميركي تعديل سياسته بما يتوافق مع الوضع الجديد، وهو ما أكدت رايس أنه سيحدث.
يقول تينيت إنه خلال مغادرة مكتب رايس مضى يتبادل التهنئة مع مساعديه الاثنين على أنهم قد حصلوا على الانتباه الكامل من جانب الإدارة.
لقد علق مدير "السي. اي. إيه" الآمال على أن اجتماع العاشر من يوليو سيضع العربة على القضبان الصحيحة أو على الأقل سيشير إلى الاتجاه الصحيح، ويقول إنه بعد ثلاثة أيام عقدت لجنة النواب اجتماعاً لتعديل الصلاحيات المطلوبة في مارس، لكن البيروقراطية تحركت ببطء وأن الصلاحيات التي منحت في نهاية المطاف في 17 سبتمبر كانت هي ذاتها التي طالبت بها الوكالة في مارس 2001.

التصعيد الهارب
توالت التقارير والمعلومات التي تؤكد أن شيئا كبيراً سيقع، واستمرت في التوالي حتى العاشر من سبتمبر، وبعد أربع وعشرين ساعة توالت الأحداث التي اعتقد الجميع أنه لا مجال للتفكير في حدوثها، على حين يقول تينيت إنه ورجاله لم يكونوا يفكرون في أي شيء آخر غيرها. هنا يأتي السؤال الذي بادر بوب وودوارد مساعد مدير تحرير "واشنطن بوست" إلى طرحه في عرضه المفصل لهذا الكتاب، وهو: لماذا لم يصعد تينيت هذا التحذير ويبلغ به الرئيس الأميركي على الرغم من أنه يلتقيه كل يوم تقريبا لإطلاعه على تقارير المخابرات؟
لقد طرح سكوت بيلي مقدم برنامج "60 دقيقة" على شاشة قناة سي.بي.إس هذا السؤال على وجه الدقة على تينيت في مقابلة معه بثت في 29 أبريل الماضي بالصيغة التالية: لماذا لم تبلغ الرئيس بقولك: سيدي الرئيس هذا أمر مفزع. ينبغي علينا أن نقوم بهذا الآن؟
جاء رد تينيت على النحو التالي: لأن حكومة الولايات المتحدة لا تعمل بتلك الطريقة، فالرئيس ليس مسؤول التحرك، وإنما عليك أن تطرح التحرك على مستشار الأمن القومي والناس الذين يعدون المائدة للرئيس ليتخذ القرارات بشأن السياسات التي سينفذونها".
يعقب وودوارد على ذلك بالقول: واو! ذلك إقرار مفزع، وإنني على يقين من أن الرئيس بوش أو أي رئيس سيعتبر نفسه مسؤول التحرك عندما يتعلق الأمر بحماية البلاد من الإرهاب، ويمكنني بالفعل تصور المرشحين لرئاسة 2008 وهم يعدون الناخبين بالقول: لسوف أكون مسؤول التحرك الخاص بكم في ما يتعلق بالإرهاب والأمن".
ويواصل وودوارد إيضاحه لهذه النقطة بالقول إنه إنصافاً للسي.أي.إيه فإنها على امتداد سنوات عملت بمزيد من الجهد، وغالباً على نحو تكلل بالنجاح، لإحباط خطط الإرهابيين على امتداد العالم، ولكن تينيت كان ينبغي عليه أن يكون الرسول الفوري إلى المكتب البيضاوي في صيف 2001، وزلته وقراره الواضح بعدم نقل طلب التحرك إلى الرئيس نفسه لا يعنيان أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر كان من الممكن تجنبها. ولكن هذا الفشل يكشف أوجه قصوره، لقد كان المسؤول أمام الرئيس عن المخابرات، الرجل القيادي المسؤول ليس عن تقديم المعلومات فحسب، وإنما كذلك عن ابتكار حلول ممكنة للتهديدات.
ويمضي وودوارد في إيضاح وجهة نظره مشيراً إلى أن تينيت على الرغم من أنه قائد قوي ومجدد غالباً ومحبوب من الكثيرين في الوكالة إلا أنه عرقلته رؤية بيروقراطية للعالم وكبله التسلل القيادي التقليدي حيث كان مقتنعاً بأن العلاقة الأكثر أهمية التي تربط مدير السي.أي.إيه هي علاقته بمستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي. وهو ما يرى وودوارد أنه تصور غير صحيح وأن علاقته الأكثر أهمية هي بالرئيس الأميركي.

تحت الرماد
في الفصل التاسع الذي يدور حول أحداث الحادي عشر من سبتمبر يفصل المؤلف القول في وقائع ذلك اليوم، لكن رؤيته يمكن إيجازها في عبارة دالة أوردها في صفحة 162 من الكتاب، حيث يقول: "انقلب عالمنا الأميركي الآمن رأساً على عقب وجاءت الحرب على الإرهاب إلى شواطئنا".
ربما كان هذا هو جوهر ما سيحكم تصرفات صانعي القرارات ومتخذيها منذ ذلك اليوم الحافل بالرماد والرعب في أميركا وحتى مستقبل أبعد مدى مما يتصور كثيرون.
ما حدث بعد ذلك هو تاريخ، كما يقال، بالطبع. ولكن قد يكون من أن تتابع ما جرى في اليوم التالي، أي في الثاني عشر من سبتمبر، حيث تولى جورج دبليو بوش رئاسة اجتماع لمجلس الأمن القومي الأميركي، استهله بمزيد من التأكيد على ما كان قد قاله على شاشات التلفزيون في المساء السابق، وهو أنه لا يريد معاقبة من هم وراء الهجمات فحسب وإنما المضي وراء الإرهابيين وكل من يوفر لهم المأوى على امتداد العالم.
هكذا بادر تينيت إلى تقديم ما يسميه "خطة حربنا"، وهو يعيد إلى الأذهان أنه في ذلك الاجتماع قال: "إننا على استعداد للقيام في وقت قصير بشن برنامج تحرك سري نشط سينقل القتال إلى العدو، وبصفة خاصة إلى القاعدة وحماتها في طالبان".
كانت الفكرة الجوهرية هي قيام الوكالة بنشر فريق من المظليين التابعين لها داخل أفغانستان للعمل مع قوى المعارضة، وعلى وجه الخصوص التحالف الشمالي، وتمهيد الطريق لدخول طلائع القوات الخاصة الأميركية. بتعبير آخر كان دور الوكالة هو تمهيد الأرض الأفغانية للغزو المقبل الذي يستفيد من الأخطاء التي وقع فيها الروس في غزوهم لأفغانستان.
في السابع عشر من سبتمبر منحت "السي. اي. ايه" الصلاحيات التي كانت قد طالبت بها في مارس 2001، وبدأ التنسيق على مستوى العالم للأحداث التي ستتوالى هادرة. البعض قد يخطئ ويتصور أن الأزرار التي تم الضغط عليها في تلك الفترة كانت تتعلق بالمخابرات والجيش والطيران والبحرية فقط، أي بالمؤسسة العسكرية الأميركية والمؤسسات ذات الصلة الوثيقة بها فحسب. لكن تينيت يشير إلى أن الاجتماعات التي أشرفت الوكالة في تلك المرحلة عليها كنت تضم العناصر القيادية في مجالات لا تخطر على البال، وهو ما يفسر في بعض الجوانب تحركات لا تزال تجري حتى اليوم.
حول هذه الموائد وفي قلب تلك الاجتماعات التي دارت حول كيف يمكن استهداف "العدو" على امتداد العالم كان هناك رموز الثقافة الأميركية، بمن في ذلك القيادات المسؤولة عن استوديوهات السينما، حدائق الترفيه، المراكز الرياضية، مراكز المواصلات الكبرى كالمطارات والموانئ والجسور، وكان هناك المسؤولون عن المقار الرئيسية للمؤسسات الاقتصادية الكبرى والعناصر المشكلة للنظام الاقتصادي الأميركي بما في ذلك قطاع الطاقة، وكان هناك أيضاً المسؤولون عن الرموز الأميركية الشهيرة بما في ذلك تمثال الحرية وجبل راشمور ومتحف واشنطن. وكان هناك أيضاً المسؤولون عن الاتصالات العالمية وفي مقدمتها الانترنت والتعاملات المصرفية الإلكترونية.
يلفت نظرنا أنه في إطار هذا كله اتصل تينيت بجاك فالنتي رئيس رابطة السينما الأميركية وشدد عليه بضرورة مشاركة صناعة الأفلام الأميركية في الجهود التي تبذل في الحرب على الإرهاب، والتقى شخصيات من قبيل مايكل أيزنر من شركة ديزني، وجاري بينمان المفوض الوطني للرابطة الوطنية لرياضة الهوكي، وديفيد شتبرن مفوض الاتحاد الوطني لكرة السلة ليهيب بهم التدقيق في إجراءات الأمن في مواقع أنشطتهم والمشاركة في هذا التيار العارم من الجهود المبذولة على أوسع نطاق.
يقول تينيت إن تقدير الموقف الصارم الذي أعدته الوكالة كان وراء وصول الرئيس الأميركي إلى الاعتقاد بأن الأمن الداخلي في أميركا بحاجة إلى من يتولى مسؤوليته، ومن هنا جاء القرار اللاحق بإنشاء وزارة الأمن الوطني.

السؤال الصعب: هل كان من الممكن وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر؟
يرد المؤلف على هذا السؤال الصعب بالقول إنه على الرغم من الكم الهائل من عمليات تقصي الحقائق التي قام بها أعضاء لجنة الحادي عشر من سبتمبر والصحافيون والمؤلفون وغيرهم كثير فإن هذا السؤال يواصل مطاردة جميع من لهم علاقة بمكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة. لقد خلصت كل من لجنة الحادي عشر من سبتمبر ولجنة التحقيق المشتركة التابعة للكونغرس الأميركي إلى أن منع حدوث الهجمات أمر مستبعد ، ولكن ذلك لا يمنع الكثيرين من التساؤل: ماذا لو كان هناك ما يمكن القيام به لتحقيق هذا الهدف؟
ويقول تينيت إنه بالتأكيد لا يدعي أن بوسعه تقديم إجابات قاطعة في هذا الصدد، ولكن بإمكانه إزالة بعض جوانب الحيرة والتشوش وسوء الفهم التي تحيط بما يصفه بالفرص المهدرة وموضوعات قوائم المراقبة، أي وضع الإرهابيين المشتبه بهم في قوائم لمنع دخول أي منهم إلى الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أهمية متابعة هذه الجوانب، وبصفة خاصة ما يتعلق منها بالفرص المهدرة، إلا أنه ربما كان الأكثر أهمية أن نتابع برنامج التحرك الذي أشار إليه المؤلف، والذي أفضى في نهاية المطاف إلى التعجيل بدخول الولايات المتحدة إلى المستنقع الشائك الذي تجد نفسها فيه اليوم.
يشير المؤلف إلى أنه على امتداد خمس مرات خلال عامين قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر قامت فرق تابعة للسي. آي. إيه بالانتشار في وادي بانشير بشمالي أفغانستان للقاء العديد من زعماء القبائل وبصفة خاصة أحمد شاه مسعود زعيم التحالف الشمالي المؤلف الذي يضم قبائل من الطاجيك والأوزبك الذين عارضوا حكم طالبان لأفغانستان.من هنا ليس من قبيل الصدفة أن يبدأ غزو أفغانستان بتحرك تحالف الشمال، ويقول تينيت ان استئصال طالبان والقاعدة من أفغانستان في غضون أسابيع تمت تحقيقه على يد 110 من ضباط الوكالة و316 من عناصر القوات الخاصة وعشرات العناصر من قيادة العمليات الخاصة المشتركة مما أحدث فوضى هائلة وراء خطوط طالبان، مما جعل القضاء على حكم طالبان أمراً ممكناً.
وفي أوائل نوفمبر أشارت تقارير الوكالة إلى هرب العديد من العناصر المطاردة، وعلى رأسها أسامة بن لادن إلى إقليم تورا بورا، ولدى سقوط كابول في 14 نوفمبر، ساد الاعتقاد بأن هذه العناصر ستبادر إلى الهرب من أفغانستان، ربما للذهاب إلى المناطق التي لا تخضع لسيطرة محكمة السلطات في باكستان.
هكذا اندفعت عناصر من "السي. آي. إيه" لتشكيل فرق التحالف الشمالي ومستشارين أميركيين، وكانت هذه المهمة برهنت على تعذر تنفيذها في ضوء المساحات الشاسعة للمنطقة التي جرت فيها عمليات المطاردة، وحيث كانت منطقة تورابورا تتضمن العشرات من الكهوف والأنفاق التي يسهل الاحتماء بها، وهذا الموقف الذي عبر عنه أحد عناصر الوكالة بقوله: "إن الجبل يقف وراءه وميادين خالية للرماية بالنيران تمتد أمامه والسكان المحليون لا يرغبون في مواجهته أو إخراجه" كما فعلت الوكالة في مواقف ومناسبات عدة، لجأت إلى مزيجها المعتاد من الضغوط والتهديدات وتقديم مخصصات نقدية فورية للدف باتجاه هجوم مشترك عن معاقل القاعدة، وتسللت فرق من الوكالة لتوجيه القصف الجوي إلى الأهداف المطلوبة.
يقدر تينيت أنه تم إسقاط حوالي سبعمئة ألف رطل من القنابل والمتفجرات على المنطقة في الفترة من الرابع إلى السابع من ديسمبر وحدها، ولقي المئات من عناصر القاعدة مصرعهم، ولكن عناصر الوكالة في المنطقة بدأ يساورهم الشك في إمكانية الاعتماد على العناصر المسلحة الأفغانية في القيام بهذه المهمة والأسوأ من ذلك أن بعض الوحدات الأفغانية ربما كانت تتعاون مع الهاربين وتساعدهم على إكمال رحلة الهرب. ويقول تينيت إنه يتذكر سؤالاً طرحه الرئيس بوش عما إذا كانت هناك إمكانية لإغلاق الحدود الباكستانية الأفغانية، وكيف ان الرد جاء واضحاً من الخبراء العسكريين: "لا، يا سيدي ليست لدى أحد قوات كافية للحيلولة دون أي إمكانية للهرب في منطقة كتلك.

- 3 -
أربعة محاذير تلقي بظلالها على مناقشات غزو العراق
عند هذا المنعطف من الكتاب، نحن على موعد مع لغز آخر من الألغاز العديدة التي يطرحها علينا مؤلفه جورج تينيت، فهو لا يتردد في الإشارة إلى أنه لا يعرف على وجه الدقة متى أصبحت الحرب على العراق شيئاً حتمياً بالنسبة للإدارة الأميركية، بل يمضي إلى القول إنه لا يعرف بالتحديد متى قرر الرئيس الأميركي المضي إلى الحرب، وهو يلقي الضوء على المحاذير الأربعة التي طرحت في إطار المناقشات حول قرار الغزو وما يمكن أن يترتب على تنفيذه في ما يتعلق بالمنطقة بكاملها، وهو لا ينسى في غمار القضايا العديدة التي يطرحها الإشارة إلى اللعنة التي طاردته طويلاً، والتي حاول إنكار ملابساتها كلية أولاً ثم التعلل بإساءة تفسيرها ثانياً، وهي لعنة وصفه لأسلحة الدمار الشامل العراقية بأنها "حالة لقمة طرية" حسب التعبير الأميركي العامي الشائع، على الرغم من أن غزو العراق قدر له أن يقف في زور العم سام حتى اليوم.
في الفصل السادس عشر من الكتاب الذي يحمل عنوان "سبب الحرب"، يفاجئنا تينيت في صفحة 302 بالقول إن من الألغاز الكبرى بالنسبة له الموعد المحدد الذي أصبح فيه غزو العراق شيء حتمي، فقد كان في الفترة التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر مشغولاً إلى حد الهوس بالحرب على الإرهاب، وبالتالي فإن للعديد من الليالي التي أمضاها مؤرقاً في تلك المرحلة لم تكن له صلة بالرئيس العراقي صدام حسين، وإنما انصبت ليس على ما إذا كان تنظيم القاعدة سيضرب مجدداً بل على أي شكل ستتخذه تلك الضربة المقبلة وأين، ومضى يقدح زناد فكره حول الأمور التي يمكن القيام بها لتعطيل وعرقلة ومنع مثل هذا الهجوم.وهو يقول إنه عندما يعود بذاكرته إلى تلك المرحلة، فإنه يتمنى لو كان بمقدوره أن يعطي اهتماماً مماثلاً للعراق في ضوء الأخطاء الفادحة التي قدر للإدارة الأميركية الوقوع فيها.

الجسور المقطوعة
يضع بوب وودوارد، الذي قرأ هذا الكتاب بعين الصحافي وبعين مؤلف عدة كتب في هذا الموضع، يدنا على طرف خيط بالغ الأهمية، وهو أن فريق الأمن القومي في إدارة بوش كان يعاني من اخفاق حقيقي في الأداء وكانت جسور التواصل بين أعضائه مقطوعة على نحو يدعو للتساؤل.
هذا الافتقار للتواصل يبدو لنا واضحاً في فهم تينيت للعديد من القرارات بالغة الأهمية التي اتخذتها إدارة بوش. وإذا كنا قد رأينا حالاً أن من الألغاز الكبرى بالنسبة لتينيت الموعد الذي أصبح فيه شن الحرب على العراق أمراً حتمياً، فإننا سنرى أنه لم يكن واضحاً بالنسبة له متى اتخذ قرار المضي إلى شن هذه الحرب.
هكذا يلفت نظرنا أنه في 26 أغسطس 2002، أي قبل سبعة شهور من الغزو الفعلي للعراق يقول تينيت إنه قد فوجئ تماماً عندما قال نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني في خطاب ألقاه أمام قدامى المحاربين إنه: "ليس هناك شك في أن صدام حسين لديه الآن أسلحة دمار شامل".
من منظور تينيت، كان ذلك يعلن تقدير الاستخباري الخاص، وبالتالي يقتحم مجال مدير المخابرات المركزية. ويقول تينيت إن هذا الخطاب قد مضى إلى ما يتجاوز ما يمكن لتحليل الوكالة أن تدعمه وهو يذهب إلى أنه كان ينبغي عليه أن يبلغ تشيني بذلك، ولو في لقاء يقتصر عليهما. وكل من له إلمام، ولو من بعيد، بآليات عمل الإدارة الأميركية يعرف أن تينيت كان ينبغي أن يحرك هذه المسألة إلى قضية كبرى سواء في لقاءات خاصة مع تشيني وغيره من مسؤولي الإدارة أو علناً. وهو نفسه يشير إلى أن صمته كان يعني ضمناً موافقته على ما طرحه تشيني. ولكنه بعد خمسة أسابيع بالضبط، أصدر تقرير المخابرات الشهير الذي يقع في تسعين صفحة، والذي يصل في جوهره إلى الاستنتاج الخاطئ نفسه وهو أن "بغداد لديها أسلحة كيماوية وبيولوجية".

حكاية اللقمة الطرية
ربما يعد من أسوأ ما ارتبط باسم جورج تينيت تأكيده للرئيس الأميركي ومجلس حربه في 21 ديسمبر 2002، أي قبل غزو العراق بثلاثة أشهر أن أسلحة الدمار الشامل العراقية هي "حالة لقمة طرية" بمعنى أنه أمر يسهل اثباته وتمريره تماماً كما يسهل ابتلاع اللقمة الطرية. ومعروف للكافة أن هذا التوصيف أطلق للعلن لأول مرة في إطار ما كشف النقاب عنه بوب وودوارد عام 2004 في كتابه "خطة الهجوم". وفي حين جادل تينيت في صحة نسبة هذا التعبير إليه، لكنه هنا في فصل بأمه وأبيه يحمل عنوان "لقمة طرية" يقر بأنه قال ذلك، لكنه ينكر أنه نهض من الأريكة التي كان يجلس عليها في المكتب البيضاوي وفرد ذراعيه في الهواء دعماً لهذا التعبير، ويقول إن هذا الاجتماع كان أقرب إلى اجتماع تسويق لتحديد أي معلومات المخابرات يمكن طرحها علناً للبرهنة على أن العراق لديه أسلحة دمار شامل. هكذا فإن هذا التعبير المثقل بحمولات العامية الأميركية تحول إلى لعنة تطارد تينيت، وقد رأينا أنه في البداية أنكر كلية أن يكون قد قاله، ثم عاد ليقول أنه لا يتذكر ما إذا كان قد قاله من عدمه، وإن كان لا ينازع في أنه طرح. يقول بوب وودوارد إنه في عام 2005 شارك في منتدى علني في لوس أنجلوس بحضور تينيت أمام جمهور يصل إلى خمسة آلاف شخص. وعندما سئل تينيت عن "اللقمة الطرية" في ذلك المنتدى قال: "هاتان هما أسخف كلمتين نطقت بهما على الإطلاق". ويلاحظ وودوارد ان تينيت لا يأتي على ذكر هذه الواقعة في الكتاب.
وبالمقابل فإن تينيت يشير في الكتاب إلى أنه اتصل بأندرو كارد كبير موظفي البيت الأبيض وأعرب عن شكواه من أن تسريب حكاية اللقمة الطرية جعله يبدو شخصاً سخيفاً وأنه يود أن يعرب عن غضبه الشديد حيال ذلك. وأن شخصاً ما في الإدارة قد علق هذه المسألة في رقبته بأكثر الطرق التي رأها في حياته جدارة بالازدراء. هكذا فإن تينيت يشير إلى أن وودوارد استقى هذه المسألة من مصدر واحد، وهو ما ينبري الصحافي الشهير إلى تكذيبه قائلاً إنه استقاها من أربعة مصادر أصلية على الأقل، بمعنى أنها مصادر كانت شهوداً على الواقعة. ويمضي وودوارد إلى أبعد من ذلك فيقول إنه في مقابلة أجراها مع الرئيس جورج دبليو بوش في ديسمبر 2003 أشار إلى حكاية اللقمة الطرية أربع مرات على الأقل وفي المرة الخامسة قال بوش: وقال تينيت: لا تقلق فهي لقمة طرية، وكان ذلك أمراً بالغ الأهمية.
بعد عشرة أسابيع من تعقيب حكاية اللقمة الطرية هذه قدم تينيت و"السي. اي. ايه" لكولن باول وزير الخارجية الأميركي آنذاك معلومات المخابرات التي استخدمها في العرض الشهير الذي قدمه في 5 فبراير 2003 أمام مجلس الأمن والعالم، وأكد في غماره أنه على يقين من أن صدام حسين لديه أسلحة دمار شامل. المدهش حقاً أن تينيت يقول عن عرض باول ذلك إنه: "كان عرضاً عظيماً، ولكن من سوء الطالع أن فحواه لم يقدر له التماسك فقد بدأت أعمدة الخطاب في التداعي واحداً اثر الآخر، وبصفة خاصة فيما يتعلق ببرنامج العراق الخاص بالأسلحة الكيماوية والبيولوجية، وبالتالي فقد تم تعليق وزير الخارجية ليجن أمام العالم وتردت مصداقية أمتنا إلى الحضيض". نحن جميعاً نعلم أن باول ألقى على تينيت اللوم عن تعليقه ليجن أمام العالم حسب تعبير المدير السابق للسي. اي. ايه وعلى الرغم من أن تينيت يتحمل بعض المسؤولية عن أخطائه وأخطاء الوكالة ويقر بذلك في كتابه، إلا أنه غالباً ما يروع منها، وهو في هذه الحالة يكتفي في معرض تبرير اخفاقات الوكالة بالقول: "ربما ان الأمر يرجع فحسب إلى أن تلك هي الطريقة التي تعمل بها واشنطن".

المحاذير الأربعة
من المحقق أن "حكاية اللقمة الطرية" تغري بمواصفة الحديث فيها لما يكتنفها من غرائب وأعاجيب، ولكن دعنا نبادر إلى الاكتفاء بما سقناه في الحديث عنها لننتقل إلى ما نراه أكثر جدارة بالوقوف عنده وتأمله طويلاً. وقد رأينا بالفعل أن تينيت يلزم الصمت حيال طروحات في الإدارة الأميركية لا يمكن لتحليلات وكالته دعمها، كما رأينا في خطاب تشيني عن أسلحة الدمار العراقية. لكن ذلك ليس أهم ما في جعبة تينيت، فهناك حديثه في صفحة 317 وما بعدها من الكتاب عن ورقة بالغة الأهمية طرحتها وكالته بتاريخ 13 أغسطس 2002 بعنوان "العاصفة الكاملة ـ التخطيط للنتائج السلبية لغزو العراق".
جوهر هذه الورقة مجموعة من سيناريوهات الحالات الأسوأ التي يمكن أن تبرز في غمار جهد تقوده الإدارة الأميركية لتغيير النظام في العراق.وينص ملخص الورقة على أنه في أعقاب غزو تقوده أميركا للعراق، فإنها ستواجه نتائج سلبية فيما يتعلق بالعراق نفسه وبالمنطقة وما يتجاوزها، وهذه النتائج تشمل مايلي:
* الفوضى وتمزق وحدة أراضي العراق
* فقدان للاستقرار يهدد الأنظمة في الدول العربية الرئيسية
* اتساع هائل في نطاق الإرهاب العالمي ضد المصالح الأميركية يغذيه العداء الديني المتزايد للولايات المتحدة.
* انقطاعات كبرى في الإمداد بالنفط وتوترات شديدة في التحالف الأطلسي. ولا يتردد تينيت في القول إنه من المغري إيراد هذه المعلومة والقول: "أترون، لقد تنبأت بالعديد من المصاعب التي برزت في وقت لاحق؟!". ولكن الحقيقة غالباً ما تكون معقدة أكثر مما تكون ملائمة.
وهو يلفت نظرنا إلى أن ما دار في الاجتماع الذي شمل مناقشة الورقة لم يتضمن صراخاً ولا ضرباً على المائدة. وكل ما هنالك أنه قيل إن هذه هي السيناريوهات الأسوأ وأنه تم توصيفها بأنها سيناريوهات، لم يكن هناك سبيل آنذاك إلى معرفة الكيفية التي سيتطور بها الموقف على الأرض في العراق.

لماذا خاضوا الحرب؟
في الفصل السابع عشر من الكتاب الذي يحمل العنوان الطويل والمدهش "القضية الوحيدة التي أمكن أن يتفق حولها الجميع"، يبادر المؤلف إلى القول إن الولايات المتحدة لم تمض إلى غزو العراق بسبب أسلحة الدمار الشامل وحدها، بل أنه يشك في أن هذا كان السبب الرئيسي.
حسب تينيت، يمضي قادة الدول إلى اتخاذ قرار خوض الحرب بسبب معتقدات جوهرية، حسابات جيواستراتيجية أوسع نطاقاً، رؤية ايديولوجية، وفي حالة العراق فقد مضت أميركا إلى خوض قرار الحرب بسبب رؤية الإدارة الأميركية غير الحليفة التي قوامها أن التحول الديمقراطي للشرق الأوسط في غمار تغيير النظام في العراق سيكون جديراً بتكبد عناء دفع ثمنه. وكانت أسلحة الدمار الشامل، على نحو ما صرح بول وولفويتز لمجلة "فانيتي فير" في مايو 2003 شيئاً استقر رأينا عليه لأنه كان القضية الوحيدة التي كان بوسع الجميع الاتفاق عليها. هكذا، فإن قطار الحرب على العراق وصل إلى محطته في مارس 2003، ويلفت المؤلف نظرنا إلى أنه بالنسبة للسي. آي. ايه.، فإن هذه الحرب كانت من كل الجوانب مختلفة عن الحرب التي خاضت غمارها في أفغانستان، فهناك كانت الوكالة بحسب التعبير العسكري المهني القيادة "المدعومة" أما في العراق فهي جهة "داعمة" والفارق بين الوضعين هائل.
في حالة غزو أفغانستان كانت الوكالة هي إلى حد كبير التي جاءت بخطة الغزو، وقامت بتغذية الاستراتيجية وصقلها على امتداد شهور طويلة قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر على أمل الحصول على إذن بالانطلاق وراء القاعدة في معقلها، وبالاستعانة بأعداد محدودة من رجال القوات الخاصة والقوة الجوية الأميركية تم الانطلاق بقوات العديد من قادة زعماء الحرب وجماعات القبائل لطرد طالبان من أفغانستان. أما في العراق فقد كانت هناك حكاية أخرى. ويقول تينيت إنه منذ البداية أبلغت الوكالة الإدارة بأن نموذجاً مختلفاً تماماً سيتم استخدامه فيما يتعلق بغزو العراق، وهو يشير إلى أنه بعيد تسلم إدارة بوش مقاليد السلطة تم اطلاع كبار مسؤوليها وبصفة خاصة نائب الرئيس على أنه من المؤكد على وجه التقريب العمل السري من جانب الوكالة سيعجز عن الإطاحة بصدام حسين. وقد وصلت الوكالة إلى هذه النتيجة من خلال تجربة مؤلمة في منتصف التسعينيات، حيث لم تكلل أي محاولة في هذا الصدد بالنجاح في ضوء البطش الذي مارسه الرئيس العراقي آنذاك والأخطاء التي وقعت فيها الوكالة والتي أسفرت عن مصرع العشرات ممن لجأت إلى توظيفهم من العراقيين.
يوضح تينيت أنه خلافاً للوضع في أفغانستان اقتصر دور الوكالة في العراق على تقديم المعلومات للعسكريين حول مواضع تمركز القوات المعادية وقدراتها وتقويم البيئة السياسية وتنسيق جهود الشبكات المحلية من المتعاونين الذين مهدوا الطريق للتقدم العسكري الأميركي وقاموا بعمليات تخريب وما إلى ذلك، وهو دور تقليدي تلعبه أجهزة المخابرات في مثل هذه المواقف لكنه لم يكن سهلاً ولا يسيراً في أي جانب من جوانبه. وقد بدأ غزو العراق الذي حمل عنوان "عملية تحرير العراق" قبل الموعد المقرر له أصلاً بقليل بسبب معلومات من مصادر داخلية موثوقة عن المكان الذي يحتمل وجود صدام حسين فيه، ولكن الضربة التي وجهت إلى هذا المكان لم تؤد إلى النتيجة المطلوبة، وهي القضاء على صدام حسين.
كانت الضربة الأولى مؤلفة من أربعين صاروخاً من طراز كروز، وكانت دالة فيما سيأتي عقب ذلك، حيث اعتمد الغزو على القوة النارية الهائلة المنهمرة من السماء عبر الصواريخ والطائرات والقنابل الذكية.وفي معرض تقييم الموقف يقول تينيت إن الغزو كان نجاحاً أولياً كبيراً، حيث ذابت المقاومة العسكرية العراقية على حد تعبيره، وتمزق النظام بتفرق عناصره القيادية، وظلت حقول النفط سليمة إلى حد كبير، ولكن الانفجارات توالت مع انطلاق قوات الغزو مسرعة إلى بغداد، حيث بدا واضحاً أن التحالف المهاجم كان يفتقر إلى القوات الكافية لتأمين جوانبه من الهجمات، وكان الأمل معلقاً على أن تثير سرعة الهجوم مشاعر الصدمة والرعب الأمر الذي يجعل الغزو يتم بلا مقاومة تقريباً. لكن الواقع فرض شيئاً آخر.
- 4 -
الورطة الأميركية في العراق بدأت قبل الغزو

يحرص المؤلف في ختام كتابه على تأكيد أنه بفضل الخطوات التي اتخذتها الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة فإنها أصبحت أكثر أمناً مما كانت عليه قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهو يفصل القول في تبرير اعتقاده هذا، لكن ربما كان الجانب الأكثر أهمية في الجزء الختامي من هذا الكتاب، بالنسبة للقارئ العربي، هو قراءة جورج تينيت لوقائع ما يجري اليوم في العراق، وليس من قبيل الصدفة أنه يفرد للعراق فصلاً ممتداً يحمل العنوان الدال "المهمة التي لم تنجز" حيث يلقي الضوء على النتائج المروعة التي ترتبت على مجموعة خاطئة من القرارات الأميركية، وفي مقدمتها القرار الأميركي بحل الجيش العراقي.
ومن منظور تينيت، فإن الورطة الأميركية في العراق بدأت قبل وقت ليس باليسير من الغزو، فلم يكن هناك إلا قدر محدود من التخطيط قبل تنفيذ قرار الغزو حول ما سيجرى بعد هذا التنفيذ، بما في ذلك عملية الاعمار، ولكن الجانب الأخطر هو عملية إعادة هيكلة البلاد سياسياً، حيث يدور السؤال الكبير حول الكيفية التي سيدار بها العراق وأي دور سيسند إلى العراقيين في تقرير مستقبلهم السياسي، وعلى الرغم من انه جرت مناقشات مكثفة في هذا الشأن بين المؤسسات الأميركية المختلفة، كانت غالبا على أعلى مستوى، إلا انه لم يكن حداً أدنى من الوضوح فيما يتعلق بما ستمضي إليه الأمور في هذا الشأن. وقد أبدت كوندوليزا رايس مستشارة الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي آنذاك وديك تشيني نائب الرئيس الأميركي اهتماماً كبيرا بهذا النقاش وغالباً ما شاركا فيه بصورة مباشرة وشارك عن "السي. آي.ايه" في هذا النقاش اثنان من كبار مسؤوليها، هما جون ماكلولن وبوب جرينير.

المهمة التي لم تنجز
يوضح جورج تينيت ان هذا النقاش الذي دار حول العراق انقسمت الآراء بصدده وفقاً للخطوط المألوفة، حيث جند كلاً من وزارة الخارجية الاميركية والسي.آي.ايه ومجلس الأمن القومي تبني منهاج أكثر شمولا وشفافية، يتم في اطاره تجميع العراقيين الذين يمثلون القبائل والطوائف ومجموعات المصالح العديدة في البلاد للمشاورة وتشكيل نوع من الجمعية الوطنية التي يمكنها بعد ذلك اختيار مجلس استشاري ومجموعة من الوزراء لحكم العراق. ويلاحظ انه لم يدع أحد إلى ادخال الديمقراطية على طريقة جيفرسون إلى العراق، ولكن الكثيرين كانوا يعتقدون ان العراقيين ينبغي تشجيعهم على المشاركة في هذه العملية التي ستساعد سريعاً على تحديد زعماء حقيقيين للعراق الديمقراطي واضفاء الطابع الشرعي على وضعهم.
غير ان نائب الرئيس الأميركي والمدنيين في البنتاغون دعوا إلى منهاج مختلف تمام الاختلاف، فبدلا من المخاطرة بعملية سياسية مفتوحة النهاية يمكن للأميركيين التأثير عليها لكنهم لا يتحكمون بها ولا يسيطرون عليها، فقد أرادوا التمكن من الحد من سلطة العراقيين وانتقاء أولئك العراقيين الذين سيشاركون في هذه العملية.
وعلى الصعيد العملي، فقد كان ذلك يعني أحمد الجلبي ومجموعة محدودة من المعارضين المقيمين في المنفى منذ وقت طويل والمعروفين للجميع، جنباً إلى جنب مع قادة المناطق الكردية التي تتمتع بالحكم الذاتي بصورة جوهرية.
وكان الفارق بين المنهاجين بالغ الوضوح، وقد لخص نائب الرئيس هذه الورطة بقوله ان الاختيار هو بين "السيطرة والشرعية" وأعرب دوجلاس فيث بوضوح عن اعتقاده بأنه لن يكون من الضروري ان يضفي المنفيون العراقيون الطابع الشرعي على أنفسهم، وقال.. يمكننا نحن ان نضفي الطابع الشرعي عليهم.. وذلك من خلال المساعدة الاقتصادية والحكم الجيد الذي ستقدمه الولايات المتحدة.
هكذا بدا جليا أنهم لا يدركون أبدا ان السيطرة السياسية تعتمد في جوهرها على موافقة المحكومين.
هنا يلفت المؤلف نظرنا إلى أنه لم يتم قط التوصل إلى إجماع بين الأطراف المشاركة في النقاش حول ما سيتم القيام به، ولم يتم التوصل إلى خطة واضحة. غير أنه في أوائل يناير 2003 وقع الرئيس جورج دبليو بوش التوجيه الرئاسي الأمني القومي رقم 24 الذي أسند إلى وزارة الدفاع "الملكية" التامة والمطلقة لعراق ما بعد الحرب.
ويشير تينيت إلى أنه في ذلك الوقت لم يبد الأمر واضحاً لكن هذا التوجيه سيحسم من الذي ستكون له القرارات النهائية فيما يتعلق بهذه المسائل بالغة الأهمية، وسيحدد الاتجاه الذي تمضي فيه عملية إعادة البناء في مرحلة ما بعد الحرب.

القرارات الكارثية
يكشف المؤلف النقاب عن أن جيرمي بريمر، الذي أصبح الحاكم الأميركي الفعلي لعراق ما بعد الحرب قد التقى دوجلاس فيث قبيل مغادرته إلى بغداد بأيام في مقر البنتاغون، حيث أهاب به هذا الأخير أن يبادر في أسرع وقت ممكن إلى إصدار أمر يقضي بمنع الأعضاء السابقين في حزب البعث من أن يكون لهم أي دور في الحكم الجديد، وهو ما فعله بريمر على وجه الدقة في 16 مايو، أي بعد أربعة أيام فقط من وصوله إلى العراق.
تلك كانت البداية في سلسلة قرارات وصفتها مصادر عديدة بالكارثية وفي مقدمتها قرار بريمر حل الجيش العراقي ومجموعة المؤسسات ذات الصلة من قريب أو بعيد بالمؤسسة العسكرية العراقية بما في ذلك الشرطة وقوى الأمن على اختلاف مسمياتها.
إذا كان هذا القرار الأول لبريمر سيتوقف عنده المؤرخون وطويلاً، فإن قراره الثاني سيصدر في 23 مايو وسيقضي بحل الجيش العراقي، وهو ما يعقب عليه تينيت بأنه من المؤكد أن عناصر في الجيش العراقي وبصفة خاصة الحرس الجمهوري وتنظيم الأمن الخاص قد لوثت أياديها بكثير من الدماء غير أن الكثير من ضباط الجيش العراقي كان ينبغي النظر إليهم باعتبارهم مهنيين دفعتهم القيم الوطنية العراقية وليس الولاء لصدام حسين، وبمقدورهم أن يشكلوا القوام الأساسي والجوهري لمؤسسة عسكرية عراقية جديدة، لكن هذا الأمر الذي أصدره بريمر وجه ضربة قاسية الذين يزعم تينيت إنهم يشكلون عشرين في المئة من سكان العراق، والذين شغلوا من الناحية العملية جميع المناصب العليا في الجيش. وقد أدى قرار بريمر إلى إثارة سخطهم باعتبارهم خمس سكان العراق جنباً إلى جنب مع معظم سكان وسط البلاد. في 8 يوليو 2003 أفاد تقرير من الضابط الأعلى للـ "سي. آي. إيه" في بغداد أنه بينما يبدو أن الأمور تعود تدريجياً إلى طابعها العادي بالنسبة للعراقيين العاديين فإن أمن قوات التحالف كان يتداعى، وأنه "بين العوامل المؤدية إلى إثارة العداء نحو القوات المتحالفة الشعور العام بخيبة الأمل حيال التقدم البطيء في إعادة إعمار العراق وتقديم دليل ملموس على أن الحياة ستكون أفضل مما كانت عليه في ظل النظام السابق". كان التقرير حافلاً بالتحذيرات، وتوالت تقارير أخرى على غراره.

الشراكة الغريبة
يبادر المؤلف إلى إيضاح أن الـ "سي. آي. إيه" لم تكن هي وحدها التي انفردت بالتحذيرات من خطورة الوضع المتردي في العراق، وإن مشاركتها في ذلك الخارجية الأميركية. في 10 نوفمبر 2003 خرج كولن باول وزير الخارجية الأميركية بتقدير للموقف في العراق يشارك تقديرات الوكالة في طابعها المتشائم حيال ما ستمضي إليه الأوضاع في العراق، حيث كتب يقول: "في ضوء السخط الشعبي المتصاعد على الاحتلال، فإننا لا يمكننا الحفاظ على الترتيب الراهن المتعلق بسلطة الاحتلال المؤقتة وقتاً طويلاً بما يكفي للسماح بإكمال العملية المعقدة المتعلقة بصياغة مسودة دستور وإجراء انتخابات شاملة. إن عملية سياسية تتمتع بالمصداقية تفضي إلى نقل مبكر للسلطة تعد بالغة الأهمية في إخضاع الحركة المسلحة المتزايدة التي تواجهها قوات الاحتلال".
بحلول منتصف نوفمبر 2003، بدأ يتضح في أذهان الكثيرين في الإدارة الأميركية أنه لابد من تغيير ما في العراق، وبحسب ما أكده أحد مسؤولي الوكالة في تلك المرحلة، فإن العراق: "ليس لديه ماء، ولا كهرباء، وفرص العمل في أدنى المستويات، وكل من سنحاول تنصيبه لتولي المسؤولية سينظر إليه على أنه مسؤول عن ذلك كله وسوف يسقط".
وقد كان أحمد الجلبي في أذهان الكثيرين في الإدارة الأميركية في تلك المرحلة، ولكن تينيت يبادر إلى تأكيد أن وجهة نظره أن الجلبي لن يقدر له النجاح كثيراً في مهمته، ويقول إن وجهة نظره هذه برهنت على أن الصواب كان يحالفها، حيث أنه عندما أجريت الانتخابات في نهاية المطاف لم يحصل حزبه على أصوات تذكر، ولم يفز بمقاعد. في صفحة 441 من الكتاب، يوضح المؤلف أن إعادة تشكيل الجيش العراقي يعد أكبر تجربة مخيبة لآمال الأميركيين في العراق، حيث أن الجهود التي بذلت في هذا الشأن سارت من سيء إلى أسوأ.
ولكن ما الذي كانت الوكالة تقوم به في ذلك الوقت في العراق؟
إن المؤلف ـ بالطبع ـ لا يوضح لنا أبعاد دور الوكالة كاملة، لكنه لا يتردد في القول إنها كانت تتحرك على كل الجبهات، بما في ذلك الجبهة السياسية، حيث أعدت برنامجاً للعمل مع زعماء القبائل يقوم على قيام الوكالة بتقديم مواد الإغاثة والمساعدة إلى أبناء هذه القبائل مقابل "التعاون" من جانب زعمائها، ولا ينسى أن يشير إلى أن بريمر رفض دعم هذا البرنامج. وفي مناسبة أخرى نظمت الوكالة اجتماعاً في المنطقة الخضراء يضم عدداً من قيادات السنة لمحاولة إقناعهم بالمشاركة في الحكومة العراقية الجديدة، فبادر بريمر إلى دخول قاعة الاجتماع حيث ألقى خطاباً حماسياً استمر عشرين دقيقة، ثم انصرف خارجاً من القاعة، تاركاً القيادات السنية تغلي من الغضب، وبالفعل فقدت السي. آي. إيه اتصالها بأغلبية هذه القيادات. وفي مناسبة أخرى كان ضابط الوكالة الأرفع رتبة في بغداد قد نظم اجتماعاً مع سبعة وخمسين من كبار الضباط العراقيين السابقين، وكان الهدف من الاجتماع فتح حوار بين هؤلاء القادة وبين جنرال ريك سانشيز قائد قوات الجيش الأميركي في العراق، وكان المقصود بالاجتماع أن يكون خطوة أولى نحو تشكيل حكومة عراقية مؤقتة حتى وإن لم يكن بالإمكان أن يخدم أي من هؤلاء الضباط السابقين فيها، غير أن بريمر أمر سانشيز بألا يذهب لحضور الاجتماع، وقال له: "إننا لن ندخل في حوار مع العدو".

حوار مع علاوي
في مايو 2004 كانت قيادة التحالف تحاول إقناع دكتور إياد علاوي رئيس حزب الوفاق الوطني بالموافقة على شغل منصب وزير الدفاع في الحكومة العراقية الانتقالية الجديدة، ويقول تينيت انه كان قد التقى علاوي مرات عدة في واشنطن ولندن على الرغم من أنهما لم تربطهما معرفة وثيقة، لكنه بحكم منصبه كان راعياً لكل جهود بناء الثقة والنوايا الحسنة التي بذلتها الوكالة معه ومع حزبه، ولهذا السبب طلب منه أن يلتقيه ويحثه على قبول منصب وزير الدفاع.
تم اللقاء بين الرجلين في غرفة بأحد فنادق العاصمة الأردنية، واقتصر عليهما، وكان تينيت قد تلقى تعليمات بالحديث مع علاوي بصراحة وجعله يدرك أنه يتعين عليه قبول المنصب المعروض عليه، لكنه كان يعرف أنه لا ينبغي أن يلجأ إلى هذا الأسلوب في الحوار معه، وهكذا مضى إلى الاجتماع عاقداً العزم على تركه يتحدث ويصغي إليه فيما يعرب عن شعوره بالإحباط، وقد كان هذا هو ما حدث بالفعل في الاجتماع. وقد تبين أن علاوي لا يكترث كثيراً بالقيادة المؤقتة للتحالف التي يتولى رئاستها بريمر، وقال إنه تم الاتصال به لتولي منصب وزير الدفاع، ولكن أحداً لم يكلف نفسه عناء إخباره ما الذي يعنيه ذلك.
وكان جوهر ما قاله إنه بعيد عن اليقين بما إذا كان يريد المشاركة في أي شيء من هذا القبيل، لأنه يدرك أن هناك احتمالاً كبيراً لعدم تكليل الحكومة العراقية المؤقتة بالتوفيق أصلاً. وقد انتظر تينيت لكي ينتهي علاوي من الإعراب عن مشاعر السخط، قبل أن يبادر إلى محاولة إقناعه بقبول المنصب، ولكن بأسلوب مباشر، حيث قال له: "إياد، ليس بمقدوري إبلاغك بأنك لابد لك من أخذ هذا المنصب، ولكنني بحاجة إلى أن أقول لك إنه يتعين عليك التمعن في الأمر بدقة. وإذا كان أناس طيبون مثلك لنا يتقدموا لشغل المناصب المهمة، فلن يكون هناك أمل للعراق". فرد علاوي قائلاً: "جورج ليس بمقدوري إقناع أي أحد في سلطة التحالف بإبلاغي بواجبات وزير الدفاع، وما هي صلاحياته وما هي حدود عمله. كيف يمكنني أن أقبل وظيفة لا يستطيع أحد توصيفها؟" هنا وعده تينيت بأن يوعز إل أحدهم بأن يقدم له التفاصيل المطلوبة، وهكذا انتهى الاجتماع العتيد، ووصلت إلى علاوي المعلومات التي يريدها فأبدى اهتمامه والتقى بعدد من القادة العراقيين الآخرين وناقشوا الخطوات التالية، وسرعان ما بعث إلى بريمر مبدياً اهتمامه بالمنصب، ومشيراً إلى أنه على استعداد لقبول منصب رئيس الوزراء في الحكومة العراقية المؤقتة، وقد تبين أنه نجح في تجميع عدد كبير من القادة العراقيين الآخرين حوله، الذين أبدوا تأييدهم الكامل.
ويقول تينيت إن أول رد فعل له حيال سماع ذلك هو القول: عظيم! وذلك على الرغم من أنه لم يكن على تمام الثقة من أن علاوي هو الرجل المناسب لهذا المنصب القيادي. ويعود المدير السابق للسي. آي. إيه إلى المحاولات الأميركية لإعادة تشكيل الجيش العراقي، فيقول إنه مع تولي إياد علاوي رئاسة الحكومة العراقية المؤقتة في يونيو 2004 بدا واضحاً أن جهود التدريب تمضي بشكل سيء، وعلى الرغم من أن وحدات قوامها كتائب قد شرعت في الظهور إلا أن انضباطها كان متواضعاً، وغالباً ما كانت تنحل في غمار القتال، وبدأ كبار الضباط العسكريين الأميركيين في الإعراب عن اعتقادهم بأن المشكلة ليست في التدريب الأميركي، وإنما هي تكمن في القيادة العراقية. ويلخص الكاتب رؤيته للموقف في العراق إلى أنه لا سبيل إلى العودة إلى العراق القديم، وأن السنة لن يشغلوا أبداً المواقع ذات المزايا التي تمتعوا بها يوماً، فالولايات المتحدة تدعم سلطة شيعية متزايدة ولن تسمح لأي نوع من البديل السني المعادل بالظهور.
وهو يضيف: إنك عندما تقرر أن تمضي بالبلاد إلى الحرب، فإنه يتعين عليك ليس فقط أن تعرف أن بمقدورك أن تهزم العدو عسكرياً وإنما ينبغي أن تكون لديك خطة واضحة تسمح لك بالحفاظ على السلام. ولم يكن هناك أبداً أي شك في أن القوات الأميركية ستهزم العراق عسكرياً، ولكن ما لم تتوافر لواشنطن وحدة الهدف والموارد اللازمة على الأرض، وببساطة بالغة فإن مجلس الأمن القومي لم يؤد عمله.

الخروج
في الصفحات النهائية من الكتاب، يبادر المؤلف إلى الإشارة إلى مجمل الظروف الموضوعية التي غادر فيها منصبه، ويعرب عن اعتقاده بأن الولايات المتحدة كانت لدى تركه لهذا المنصب في يوليو 2004 في وضعية أكثر أمناً مما كانت عليه قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر. غير أنه يشدد على أنه لابد من أن يقال إن المخابرات ليست الرد الوحيد على أي مشكلة معقدة. وغالباً، من أفضل الحلول ما يكون 60% فقط من الحقائق المتعلقة بأي قضية أمن قومي قابلة لأن تعرف، والمخابرات تحاول أن ترسم صورة واقعية لموقف بعينه على أساس تفسير الخبراء وتحليل المعلومات التي تم تجميعها، والنتائج هي بصفة عامة انطباعية ونادراً ما تعرض بصورة مجسمة وواضحة.
غير أن القدرة على الحصول على هذه الانطباعات هي مسألة بالغة الأهمية، وللقيام بذلك فإن أي أمة يتعين عليها أن تكرس اهتماماً مستمراً وموارد لقدراتها الاستخبارية، ليس في وقت الأزمات فقط وإنما دائماً. ومن منظور جورج تينيت فإن الإرهاب والعراق كانا القضيتين الأكثر إلحاحاً خلال فترة توليه منصبه التي امتدت سبع سنوات، ولكن على الرغم من أهميتهما، فإنهما لا ينبغي أن تحجبا عن العيون قضايا أخرى في منطقة الشرق الأوسط التي تكتنفها المتاعب، فهذه المنطقة أقل استقراراً اليوم من أي وقت مضى في غضون ربع القرن المنصرم. وقد دخلت الولايات المتحدة الحرب في العراق وتصرفت كما لو أن أعمالها هناك لا علاقة بها بعملية السلام في الشرق الأوسط ولا بالاحداث في لبنان أو سوريا أو الصراع الأوسع نطاقاً ضد الارهاب، بينما هذه القضايا متداخلة وتقتضي الآن استراتيجية تتضمن النظر إليها على أنها مترابطة على نحو لا مجال لتفكيكه.
هكذا تكلم جورج تينيت، وما يقوله مهم ومفيد وجدير بالتوقف عنده وتحليله طويلاً، لكن ما لم يقله هو إلى أي حد تعد الولايات المتحدة عامة، والجهاز الذي تولى مسؤوليته سبع سنوات كاملة خاصة، مسؤولين عن تفاقم قضايا المنطقة، وصولاً إلى هذه الوضعية المتشابكة التي يتحدث عنها.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 11-26-2008, 12:09 AM
الصورة الرمزية محمد بن سعيد الفطيسي
اشــراف عـام على واحـة الـســيـاســة-كاتب وباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
 
تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 1,091
معدل تقييم المستوى: 2
محمد بن سعيد الفطيسي is on a distinguished road
رد: عرض كتاب: في قلب العاصفة لجورج تينت

تم رفع الموضوع لينال المزيد من التواصل والنقاش
رد مع اقتباس
إضافة رد

أنشر هذا الموضوع عالمياً في مواقع النشر (المفضلة)

لتسهيل البحث عن الموضوع في محركات البحث العالمية أضف الكلمات الدلالية (Tags) الآن بالضغط على تعديل الكلمات الدلالية على اليسار
لجورج, العاصفة, بيوت, عرض, قمة, كتاب

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

Counters

الساعة الآن 12:44 AM.


.جميع الحقوق محفوظة للمعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية 2006

الآراء المنشورة في المنتديات ليست بالضرورة تمثل وجهة نظر المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية او القائمين عليه

Designed by: Typical Design
Powered by vBulletin® Version 3.7.0, Copyright ©2000 - 2009, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.2.0