| ||||||
|
![]() |
| |||||||
| الوثائق و المستندات اعرض ما تملكه من مستندات حول جميع القضايا ووثق جرائم الحرب و الجرائم ضد الإنسانية |
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
| #1 | ||||
| ||||
| الحرب الصليبية المعاصرة الحقيقة المفضوحة والدور المطلوب كتاب الأنصار دراسة موضوعية متكاملة تصدر كل أربعة أشهر عن مجلة الأنصار العدد الثاني / ذو القعدة 1423 هـ / يناير - 2003 م الحرب الصليبية المعاصرة الحقيقة المفضوحة و الدور المطلوب بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة إن التصادم بين حضارة الحق و"حضارة" الباطل حقيقة قدرية لا داعي لإنكارها، ومعطى قائم على امتداد التاريخ، سواء كان هذا التصادم بسبب اختلاف المنطلقات الحضارية أو كان بسبب تضارب المصالح أو كان بهما معًا. وأي محاولة تَطرح إمكانية التعايش الدائم في ظل هذا الاختلاف تبدو ضربا من خيال الحالمين، أو لنقل: إنها – في حقيقة الأمر – ممارسة هروبية لن يستفيد منها إلاّ العدو. خاصة عندما تأتي في مثل الأوضاع الراهنة، والتي تتسم بانتشار النفوذ الغربي، وتنامي أطماعه في مقدرات العالم الإسلامي. لقد ظل البعض يدعو إلى "الانسجام" الحضاري (في مقابل الصراع الحضاري) طيلة العقود الماضية، واجتهد في هذا الاتجاه إلى الحد الذي جعله يتهم المخالفين له بالتطرف الفكري، فما الذي – يا ترى – جنته الأمة من هذه الدعوة؟ هل تحقق السلام؟ هل عادت فلسطين..؟ باختصار: لا، لم يتحقق شيء، بل – على العكس – لقد ساعدت هذه الدعوة على تمييع القضية في عقل ووجدان المسلمين، مما رسخ نفسية الاسترخاء بينهم، في حين أن العدو كان يتحرك بجد في خط الصراع، ويستجمع كل ما أتيح لـه من المقدمات الضرورية لذلك.. وها هي النتيجة أمام أعين الجميع، إنها الحرب الصليبية تشن على الأمة من جديد، في محاولة واضحة لتكرار تجربة الماضي، وكأن التاريخ – كما قيل – يعيد نفسه مرة أخرى. ويمكننا من خلال التتبع الموجز لمسيرة هذه الحروب، أن نضع أيدينا على الخلفية الدينية الكامنة وراءها، وأنها كانت دائما تستند إلى تحالف وطيد بين رجال السياسة ورجال الكنيسة، سواء أعلن الصليبيون عن ذلك صراحة أم حاولوا إخفاءه رعاية للمصالح. ولعل هذا ما ظهر بوضوح في الحملة المعاصرة، والتي أعلن "بوش" بصراحة أنها حرب صليبية شاملة. وقد كان من المطلوب – شرعا وعقلا – أن يقف المسلمون على الدلالات التاريخية التي تحملها هذه الكلمة، أولاً ليستنبطوا منها نوع وطبيعة الحرب معلنة عليهم، وثانياً ليلتقطوا من خلال إيحاءاتها طبيعة الدور المطلوب في هذه المرحلة. لكن الإرث السلبي لعقود القعود، وعمليات التدليس التي مارسها البعض على العقل الإسلامي كلها عوامل ساعدت على إفراز حالة من التفاعلات الهزيلة لا ترتقي إلى مستوى الحدث الذي يهدد الأمة في مقوماتها الحضارية ووجودها الحقيقي. وفي هذا الكتاب "الحرب الصليبية المعاصرة: الحقيقة المفضوحة والدور المطلوب" حاول الباحثون أن يقدموا رؤية متكاملة للحدث الذي يواجه الأمة الإسلامية في المرحلة الراهنة، آملين من الله تعالى أن نكون قد وقفنا إلى المساعدة على توعية الأمة بحقيقة الواقع القائم، ورسمنا لها معالم عامة على الطريق المؤدي إلى غد أفضل. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل. التحرير الحملة الصليبية المعاصرة رؤية إسلامية سيف الدين الأنصاري لقد كانت المقالة الشهيرة "صدام الحضارات" لـ"صموئيل هانتغتون" التي نشرها سنة 1993 م، والتي تحولت فيما بعد إلى كتاب، إشارة واضحة إلى ما يمكن أن تكون عليه الأوضاع في المستقبل، خاصة أن المقالة كثفت من استدعاء الدلائل التي تبرز أن الحضارة الإسلامية هي أول المرشحين للتصادم مع الحضارة الغربية، وأن هذا التصادم يرجع أساسا إلى العامل الديني، والذي – حسب تعبير الكاتب – "يقسم الناس بشكل أكثر حدة وشمولاً". وخاصة – كذلك – أن "هانتغتون" ليس مجرد كاتب عادي، فهو البروفيسور هانتغتون، المقرب من دوائر صناعة القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي غالبا ما تستند في مشاريعها الاستراتيجية إلى الأطروحات الفكرية لمثل هؤلاء المنظرين. فكان من المفترض – إذن – أن يأخذ قادة الفكر والسياسة هذه الإشارة مأخذ الجد، وأن يتعاملوا معها على أساس أنها استشراف لمعالم الهدف المستقبلي، وتسريب لثوابت الرؤية الغربية اتجاه العالم الإسلامي. لكن بينما كان الغرب يطرح فكرة حتمية الصدام بين حضارته والحضارة الإسلامية، ويجتهد في بلورة هذه الفكرة إلى رؤية استراتيجية يتحرك من خلالها إلى تحقيق مصالحه في بلادنا، كان مثقفو الأمة يعيشون حالة من الارتباك الفكري، جعلتهم يتعاملون مع الموضوع بروح هاربة من مواجهة الواقع، بحيث اجتهدوا فقط في إسقاط هذه الفكرة وإثبات أنها فرضية متهافتة، لا تعبر إلاّ عن مثالٍ للتفكير الأصولي الشاذ، ولذلك لم يسمحوا لها أن تعكر عليهم أجواء التلذذ بموائد الحوار وأماني السلام. وازدادت آثار المشكلة سوءً عندما ساهم في هذا التغافل بعض مثقفي التيار الإسلامي، حيث بدأت – في سبيل إبراز الوجه الحضاري للدعوة – عملية "تزييف الوعي"، وهي العملية التي تمت عن طريق التشويش على مجموعة من الثوابت العقدية والمفاهيم المنهجية، والضغط عليها لتتلاءم مع الصورة الوردية للإسلام، فبدأنا نسمع عن "إخواننا النصارى" و"الملة الإبراهيمية لتقارب الأديان الثلاثة" و"خط اللاعنف مطلقا" و"التسامح بلا حدود" و"مذهب غاندي"، وغيرها من المفاهيم الانهزامية التي ساعدت على تكريس حالة الاسترخاء اتجاه العدو، في الوقت الذي كان فيه هذا العدو يستعد لصدام حضاري بالمعنى الكامل للكلمة. وقد كانت الحرب على العراق – بما صاحبها من التدمير والتنكيل الذي تجاوز موضوع تحرير الكويت – علامة واضحة على طبيعة النية المبيتة، حيث ظهر بجلاء أن الهدف الحقيقي هو استعمار المنطقة، وزرع الوجود الغربي في قلب العالم الإسلامي. ويومها قال العقلاء إنها حرب صليبية جديدة، وإن هذه الخطوة – رغم فظاعتها – ما هي إلاّ إجراء تحضيري يستهدف التمهيد لحرب شاملة. ثم جاءت الحرب على أفغانستان، وظهر بجلاء – كذلك – أن المحرك الأول للاعتداء هو الحقد النصراني على المسلمين والرغبة في الوصول إلى خيرات بلدانهم، وإلاّ لماذا تُستهدف دولة قائمة بحجة أن هناك بعض "الإرهابيين" في البلاد!! ولماذا بدأ الاعتداء قبل ظهور ولو نصف دليل على مسؤولية "القاعدة"؟ ولماذا هذا التحالف النصراني على التنكيل بالشعب الأفغاني المسلم؟ ثم لماذا تفرض عليه حكومة مرتدة عميلة لأمريكا؟!! كل هذه الأسئلة يجيب عنها القيصر "بوش الصغير" بالواضح: "إنها حرب صليبية شاملة". نعم لقد استعمل بوش هذه العبارة عند بداية الحملة، وكان بالإمكان أن ترن في آذان المسلمين ليستيقظوا من سباتهم، وليراجعوا حساباتهم، إلاّ أن العكس هو الذي وقع، لقد أوّلها المنافقون، وتغافل عنها الأكثرون، إصرارا منهم على استبعاد فكرة الحرب الدينية وإحسانا للظن بالإدارة الأمريكية "المتحضرة". لكن "بوش" عاد مرة ثانية وأكد أنه يعي ما يقول، حيث جاء في حديثه إلى الجنود الكنديين "وقِفوا إلى جانبنا في هذه الحملة الصليبية الهامة"، حتى لقد قال "روبرت فيسك" في إحدى مقالاته: "يبدو أن الرئيس بوش يعتقد حقيقة أنه يقود حملة صليبية، فقد عاد ليستعمل العبارة قبل أيام رغم أنه حُذر من ذلك". وها هي الأحداث تؤكد أن أفغانستان وجماعات الجهاد لم تكن إلاّ المحطة الأولى في هذه الحملة، وأن شعار مكافحة "الإرهاب" لم يكن إلاّ عنوانا مغلوطا يتم تحته الاجتهاد في طمس هوية الأمة الإسلامية، وقتل الشرفاء من أبنائها، واستغلال خيراتها، بل والتدخل السافر في كل شؤونها، فيما يبدو أنها محاولة جديدة للعودة إلى الاستعمار المباشر، بعد أن ظهر أن الاستعمار بالوكالة قد بدأ يفقد قدرته على الإمساك بزمام الأمور. وها هي جنود الصليب ترابط اليوم على أبواب جزيرة العرب، وتطوق قلب العالم الإسلامي، وقد أعدت نفسها لتنفيذ المشروع الصهيوني في المنطقة، في تناسق كامل بين المصالح السياسية والخلفية الدينية، تماما كما هي الحقيقة الثابتة للحروب الصليبية على امتداد التاريخ. أولاً: الحملة المعاصرة والامتداد التاريخي يعتبر التاريخ أهمَ العوامل المؤثرة في تشكيل الوعي عند الإنسان، لأنه يعرّفه بالجذور العميقة للتفاعلات الحضارية، ويفتح أمامه آفاق الاستفادة من التجارب البشرية التي سبقته، خاصة عندما تكون عملية قراءة الأحداث خاضعة لمنهج علمي دقيق، بحيث يعمل على تمحيص الأخبار، ويحرص على استخراج السنن القدرية التي تحكم حركة الحياة، مما يُكسب المطلع على التاريخ خبرات عديدة تساعده على امتلاك رؤية جيدة للواقع، وتقترب به كثيرا نحو التقدير الصحيح للموقف. وقد حرص القرآن الكريم على ترسيخ الاهتمام بدراسة التاريخ، وأمر مرارا بالنظر في أحداثه لاستفادة العبر والدروس التي يحتاجها المسلمون في مسيرة الحياة. إضافة إلى أنه عرض صفحات طويلة من التاريخ البشري، خاصة فيما يتعلق بالتفاعل بين حضارة الحق و"حضارة" الباطل، وقرر في هذا الموضوع خطوطا عريضة تصلح أن تكون بمثابة السجل الذي يمكّن المسلمين من معرفة العدو، والقواعد العلمية التي تساعد على استشفاف الدلالات الخفية لمواقفه، لكي لا نبقى ضحيةَ الإيحاءاتِ التي تحملها المواقف التكتيكية والتي غالبا ما تتحول تبعا للمصالح المتحركة. ولكن – وللأسف – قليل هم الذين يهتمون بالتاريخ من المسلمين المعاصرين، وحتى من يفعل فإنه يعرف عن تاريخ العالم الغربي أكثر مما يعرف عن تاريخ أمته الإسلامية، مما أتاح للغرب فرصة تزييف التاريخ الإسلامي، حيث اجتهد في قلب الحقائق والتحكم في تفسير الأحداث، مستغلا في ذلك ضعف الذاكرة عند المتأخرين من المسلمين. 1 – لمحة تاريخية لاستعادة الذاكرة لقد كانت الانتصارات التي حققتها الفتوحات الإسلامية – خاصة في بلاد الشام وشمال إفريقية – سببا أساسيا في تغلغل الحقد الدفين لدى الدول النصرانية اتجاه المسلمين، إذ رأى هؤلاء في هذه الفتوحات تقليصا لنفوذهم السياسي الذي كان يستعبد الشعوب، وتضررا لمصالحهم الاقتصادية التي كانوا يجنونها من الدول المستعمَرة، فناصبوا المسلمين العداء والحرب من أجل ذلك. وزاد من هذا العداء دخول الكنيسة على الخط، لأن مصالحها كانت مرتبطة بمصالح الأمراء الإقطاعيين، ولأن الدعوة الإسلامية ساعدت على تحرير العقل الأوروبي من الخرافات الكهنوتية، مما أدى إلى تراجع حاد في سلطان الكنيسة على الإنسان المسيحي، فردت هي بشن حملة فكرية سعت من خلالها إلى تشويه صورة الإسلام، ورسخت ذلك ببث الأفكار العدائية وجعْلها من صلب العقائد المسيحية، الأمر الذي ضاعف من مستوى كراهية النصارى للمسلمين، وجعل منهم مادة أولية للحروب الصليبية التي شُنت على العالم الإسلامي. فبعد الهزائم المتكررة أمام حركة الفتح الإسلامي تنادت الدول النصرانية إلى التكتل لتوجيه ضربة قوية واستباقية إلى العالم الإسلامي، مستغلة في ذلك خصوصيةَ المرحلة التي كانت تمر بها الأمة (التمزق الداخلي)، ودخولَ عناصر همجية محاربة (القبائل الجرمانية والمجرية) في النصرانية، فتشكل من ذلك التكتل حلفا نصرانيا تدعمه كل الكنائس الغربية، وتوجهوا لغزو العالم الإسلامي. ففي سنة 489 هـ (1095 م)جمع البابا "أوربان الثاني" في فرنسا جمعا غفيرا من رجال الدين، ودعا إلى الحرب الصليبية على العالم الإسلامي، وطلب من النصارى أن يحتلوا بيت المقدس. وقد تولى بطرس الناسك التنفيذ السريع لهذا الطلب، حيث سار بجموع المتطوعين – الذين كان أغلبهم يعاني من عقدة الحرمان والجوع – إلى أن وصلوا إلى بلاد المسلمين، وعندها صبّوا جام غضبهم عليها فأهلكوا الزرع والضرع، وأحرقوا الأخضر واليابس، وقتلوا ومثّلوا وانتهكوا الحرمات، إلى أن تدخلت دولة السلاجقة (الإسلامية) وصدت هذا الهجوم الهمجي، فأفشلت هذه الحملةَ ومنعتها من تحقيق أهدافها. لكن تلتها حملة أخرى بعد أعوام، وقد كانت أكثر تنظيما من الأولى، مما مكنهم من تحقيق أهدافهم، حيث دخلوا أنطاكية سنة 491 هـ، ثم اتجهوا بعدها نحو القدس ودخلوها سنة 492 هـ (1099 م)، ثم حيفا سنة 494 هـ، وعكا سنة 497 هـ، وطرابلس وجبلة سنة 503 هـ، ثم أخذوا صيدا سنة 504. وقد كان لدولة العبيديين (الدولة المرتدة) الأثر الكبير في التمهيد لهذه الحملة، لأنهم هم الذين استعانوا بالصليبيين على دولة السلاجقة، وتحالفوا معهم على الإطاحة بها على أساس أن يتقاسموا حكم الشام بعدها. ثم جاءت حملة ثالثة أرادت أن توطد أركان الاستعمار وأن تتوسع أكثر في العالم الإسلامي، لكن تصدت لها جماعات الجهاد ودولة آل زنكي المجاهدة، وكانت الحرب سجالا بين الطرفين، إلى أن انتهت في عهد صلاح الدين الأيوبي بالانتصار في معركة حطين سنة 583 هـ، وهو الانتصار الذي لم يتحقق إلاّ بعد القضاء على دولة العبيديين (الدولة المرتدة) في مصر، لأنها كانت بمثابة العدو الذي ينخر في الجسم الإسلامي من الداخل، ويقدم الخدمات الكبيرة للعدو الخارجي!! لكن الدول الصليبية كانت قد ذاقت لذة الغزو، فعادت إلى الحملات مرات أخرى، واستهدفت مناطق متعددة في العالم الإسلامي، وفي كل مرة كانت تلقى مقاومة شرسة – إما رسمية أو من طرف الجماعات المجاهدة – تتكبد فيها خسائر كبيرة، حتى لقد أُسِر في بعض الحملات لويس التاسع عشر ملك فرنسا على يد الظاهر بيبرس رحمه الله. ثم غيَّر الصليبيون استراتيجياتهم لغزو العالم الإسلامي، فبدأت هذه المرة حركة الاكتشاف التي مهدت لما عرف بالاستعمار الأوروبي، وقد كان من أشهرها رحلة "فاسكودي جاما"، وهي الرحلة التي قالوا بعد نجاحها: "الآن طوقنا رقبة العالم الإسلامي، فلم يبق إلا جذْب الحبل فيخنق". وهو ما وقع بالفعل، فقد تدفقت حملة استعمارية تحمل الروح الصليبية بكل ما تعنيه الكلمة من التوافق بين المصالح السياسية والخلفية الدينية، حيث كانت هذه الحملة تتم بدعم لامحدود من قيادات الكنيسة، وعلى رأسهم الأب "نيقولا الخامس" الذي كان يحرص على تغذية الحرب بالمشاعر الدينية، حتى لقد قال الجنرال غورو وهو يقف على أرض الشام: "ها قد عدنا ثانية يا صلاح الدين". وفي الماضي القريب اتخذت أمريكا من حادث الهجوم على الكويت ذريعة لشن حملة على العراق، وقد كانت حملة صليبية بالمعنى الكامل للكلمة، أولاً لأنها تجاوزت موضوع تحرير الكويت إلى الاستيطان في المنطقة بكل ما يعنيه ذلك من التداعيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وثانياً لأنها حملت حقدا نصرانيا تجلى في الحرص على تدمير كل العراق، وقتل وتجويع وتجهيل كل الشعب العراقي، بل والعمل على تنصيره كما يقع في الشمال. وهذه هي ملامح الحروب الصليبية على امتداد التاريخ. ولازالت ذيول هذه الحرب تمتد إلى يومنا هذا، وربما كانت أهم الأسرار الكامنة وراء الحملة الصليبية المعاصرة. 2 – الحملة المعاصرة: الحلقة الجديدة مباشرة بعد غزوتي ثلاثاء الفتح – وقبل أن يظهر أيُّ دليل على مسؤولية القاعدة – أعلنت أمريكا الحرب على أفغانستان، مخالفة بذلك كل ما يعرف بالأعراف الدولية، وضاربة بكل قيمها الديموقراطية عرض الحائط، حيث أعطت لنفسها الحق في كل شيء.. العدوان من غير دليل، والقصف الوحشي للأبرياء، والتدخل في الشؤون الخاصة للدول، وفرض الأنظمة التابعة لها على الشعوب.. إلخ، وكلها تجاوزات أسقطت عن أمريكا وحلفائها الأقنعة التي كانت تتجمل بها، فظهرت على حقيقتها أمام الجميع، خاصة أن بوش لم يتمالك نفسه فأعلن بعظمة لِسَانه أن الحرب صليبيةٌ شاملة. ولأنها كذلك فقد تجاوزت حد الاعتداء على أفغانستان لتدخِل في دائرتها كل الجماعات المجاهدة على امتداد العالم، حتى تلك التي تقاوم الاحتلال الأجنبي، كالجماعات المجاهدة في فلسطين وفي الشيشان وفي كشمير، وفي غيرها من ديار المسلمين، حتى لقد ظهر بجلاء أن النية المبيتة عند العدو هي الإجهاز على كل عرق نابض بالحياة في هذه الأمة، لتصبح كالدجاج والنعاج، يُعتدى عليها فلا ترد، وتُغتصب أرضها فلا تدافع، وينتهك عرضها فلا تغضب، وتداس مقدساتها فلا تثور، ويُنصّب عليها العملاء فلا تتحرك، وإلاّ فهي أمة إرهابية.. وللغرب النصراني الحق في مكافحة الإرهاب!! بل لقد امتدت هذه المكافحة للإرهاب إلى كل ما هو إسلامي، بدءً بمدارس العلوم الشرعية ومرورا بالجمعيات الخيرية، ولم تنته بعدُ بالعمل على تغيير المناهج التعليمية والتوطيد للنظم السياسية والاجتماعية الجاهلية، لأنها – كما يقول بوش – حرب صليبية شاملة، تستهدف القضاء على الهوية الإسلامية للأمة، لتصبح مسخا مشوها مفتقدا لكل مقوماته الحضارية، من تم يسهل على الغرب النصراني ابتلاعه، أو على الأقل دمجه في حظيرة الأمم التابعة. وها هي أمريكا – بعد أن فشلت في تحقيق أهدافها الأساسية في أفغانستان – تتوجه إلى العراق، وتحشد لضرب أبناء الأمة الإسلامية هناك ما يُظهر مستوى الحقد ونوعية المقاصد المبيتة، وأنها أولاً التمكين للكيان الصهيوني في المنطقة، والوصول إلى خيرات البلاد العربية، في خطوة يظهر عليها بوضوح أنها تجمع بين المصالح السياسية والخلفية الدينية للحرب، تماما كما هي الحقيقة الثابتة للحروب الصليبية. ثانياً: الحملة المعاصرة والحضور الديني لقد استبعد البعض أن تكون الحرب التي تشنها أمريكا وحلفاؤها على الأمة الإسلامية حربا صليبية، لأن هذا التوصيف يوحي بالحمولة الدينية للحرب، وفكرة الحرب الدينية عند هؤلاء فكرة رجعية لا تليق إلاّ بقاموس "القرون الوسطى"، في حين أن الدول الغربية دول متحضرة، يجب أن تُنزه عن التلبس بالأفكار المتخلفة. وإذا كان "بوش" قد قال إنها حرب صليبية، فإن عقلانية الرؤية تفرض علينا أن نعتبرها مجرد فلتة لسان قابلة للتأويل!! هكذا يقول أصحاب الورع "المتأمرك"، وهي محاولة لخلط الأوراق الفكرية على المسلمين، تهدف إلى خلق حالة من الارتباك في التعامل مع الموقف، بحيث تؤدي إلى تجميد العدد الأكبر من الطاقات الإسلامية، ومن تم يتسنى لأمريكا الوصول إلى أهدافها بأقل الخسائر الممكنة. ولذلك أريد أن أركز – قبل الدخول في التفاصيل – على مسألة معينة، وهي أنه سواء كانت هذه الحرب حربا دينية صليبية أم لا فإن الواجب الشرعي يفرض على المسلمين أن يجاهدوا الاعتداء وأن يردوا على عدوان الكافرين حتى ولو كانوا من عالم الجن والشياطين، قال تعالى: {فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين}[البقرة: 191]. ولكن لا بأس بتوضيح المشهد الراهن ليكون المسلمون أكثر وعيا بالواقع القائم، لعل ذلك يساعد على تحريك العناصر الصادقة في هذه الأمة، ويدفع بها إلى أخذ موقعها في الصراع قبل فوات الأوان. 1 – ما معنى حرب دينية؟ عندما تكون محاربتنا للعدو الكافر مستندة في دوافعها إلى الدين الإسلامي فإنها بالنسبة إلينا حرب دينية، وهي التي نسميها في عرفنا الشرعي الجهاد، ولا يهمنا في تحديد هذا التوصيف لطبيعة حربنا للعدو هل العدو هو الآخر يخوض ضدنا حربا دينية أم لا، فذاك موضوع ثان، المهم في الحكم على طبيعة حربنا نحن هو طبيعة الدوافع ومدى ارتباطها بالدين الإسلامي. فالحرب مع التتار مثلا كانت بالنسبة إلينا حربا دينية، رغم أن التتار همج لم يكونوا يحاربون من أجل دين معين، أي أنها من جهتهم لم تكن حربا دينية، لأنها كانت فقط من أجل النهب والسلب، ولكن من جهتنا نحن كانت حربا دينية، لأننا كنا نستند إلى ديننا الإسلامي في وجوب الدفاع عن النفس ووجوب الرد على العدوان. وهكذا هي الحرب في الإسلام، دائما يجب أن تكون دينية، لأنها دائما يجب أن تستند إلى الدوافع التي حددها الدين. فإذا كان العدو هو الآخر مستندا في حربه لنا إلى دين معين فإن الحرب في هذه الحالة أصبحت دينية من الجهتين، وغالبا ما تكون هذه الحالة هي صورة الحروب التي قد نخوضها مع أصحاب الأديان السماوية المحرّفة (اليهود والنصارى)، أو مع أصحاب العقائد الأرضية الكفرية (الوثنية والشيوعية والعلمانية مثلا). لكن إلى أي حد يمكن اعتبار الحرب التي تشنها أمريكا على المسلمين هي حرب دينية؟ للجواب عن هذا السؤال نحتاج – أولاً – إلى استحضار معنى الدين، وأنه قد يكون أرضيا كما يكون سماويا، وأنه أكبر من أن يختزل في الجانب العقدي وبعض الشعائر التعبدية، وإنما المعنى العام للدين هو أنه عبارة عن نظام للحياة يستند إلى تصور معين ، فإن كان هذا النظام يرجع إلى الوحي الإلهي – وبالضبط القرآن الكريم والسنة المحمدية – فهو الدين الحق، وإن كان لا يرجع إلى الوحي الإلهي فهو الدين الباطل، سواء كان سماويا محرفا أو كان أرضياً من وضع البشر للبشر. وقد أعلنت أمريكا أنها تستند في حربها على الأمة الإسلامية إلى قيمها الأمريكية، بدءًا من العلمانية في السياسة وليس انتهاء بالإباحية في الاجتماع، وأنها تريد فرض هذه القيم على المسلمين تحت مسمى القيم الديموقراطية، لتصبح بديلا عن القيم الإسلامية. أي أن المسألة تتجاوز الحرب السياسية بمعنى الصراع على المصالح الخالية من الحضور الديني، فهناك قيم أمريكية يراد لها أن تفرض علينا في مقابل قيمنا الإسلامية، وهناك حرب إفرنجية – بكل ما تحمله من الإرث العقدي المتصهين والحاضر العلماني – يشنها العالم الغربي على الأمة الإسلامية، فالتحالف النصراني إذن يشن علينا حربا دينية بالمعنى الواضح للكلمة، مهما حاول البعض دس رأسه في الرمال للهروب من هذه الحقيقة. وبما أن طلائع الأمة الإسلامية (الجماعات المجاهدة) تقابل هذه الحرب بجهاد إسلامي يجتهد في الدفع والمواجهة فإن الحرب تصبح دينية من الجهتين، أو على حد تعبير المستشرق "برنارد لويس" النصراني ذو الاتجاه الصهيوني، في إحدى مقالاته: "إن ما يحدث لا يمكن أن يكون غير وأقل من صدام حضارات"!!. أما عندما تقول أمريكا وحلفاؤها أننا لسنا ضد الإسلام فإنهم يقصدون إسلاما أمريكيا، أي إسلاما هجينا يقبل الخضوع لأمريكا، بل ويعطيها الشرعية لأن تبسط سلطانها على العالم الإسلامي، إسلاما يجعل من المسلم جنديا أمريكيا مخلصا لوطنه مجتهدا في قتل المسلمين، إسلاما يقبل العلمانية في السياسة، ويقبل الإباحية في الاجتماع، ويقبل اللبرالية في الاقتصاد،.. يقبل كل شيء، يعني في الأخير إسلاما لأمريكا وليس إسلاما لله. أما الإسلام الذي يدعو إلى التوحيد، ويعمل على إزالة دولة إسرائيل، ويعمل على إخراج المستوطنات العسكرية من جزيرة العرب،.. أما هذا الإسلام فإن العالم الغربي يؤمن ويصرح بأنه معه في صراع حضاري. 2 – ثم هي حرب صليبية قد يكون من نافلة القول التأكيد على أنها حملة صليبية، خاصة بعد أن صرح قائدها بوش بذلك، ولكن لا بأس أن نشير إلى أننا لا نحتاج لكي نعتبر حربا ما أنها صليبية أن يصرح أصحابها بمكنونهم النفسي، لأننا لسنا أغبياء إلى هذه الدرجة، إذ يكفي أن ننظر إلى المشاركين فيها هل هم نصارى أم لا؟ ثم هل تغذي العقيدة النصرانية هذه الحرب أم لا؟ فإذا اجتمع هذان الأمران فهي حرب صليبية، ويجب على المسلمين أن يتعاملوا معها على هذا الأساس، مهما اجتهد أصحابها في إخفاء الهوية بمساحيق التجميل وأدوات التنكر. ومن هنا فإن الحرب التي يشنها اليوم العالم الغربي بقيادة أمريكا على العالم الإسلامي هي – بالواضح – حرب صليبية، بمعنى أنها حرب جديدة للنصارى على المسلمين، تُستحضر فيها – بشكل أساسي – الخلفية الدينية للمواجهة، لأنه كما يقول "مايكل كورتب وزوجته" (وهما أستاذان في جامعة بول الأمريكية) في كتاب بعنوان "الدين والسياسة في الولايات المتحدة الأمريكية": "توجد الجذور الدينية للمواقف الأمريكية اتجاه الحرب والسلام في الكتب المُقدسة المسيحية واليهودية،... حيث أن المسيحية كانت لها السيادة في تشكيل المواقف في الولايات المتحدة اتجاه الحرب". ثم يُعدد المؤلفان مواقف الأمريكان فيقولان: تنقسم الحروب إلى ثلاثة أنواع هي: - الحرب المُقدسة: "..كان منهج الحرب المقدسة أو الحرب الصليبية هو أحد المظاهر المهمة للمواقف في الولايات المتحدة اتجاه الحروب، ومصطلح الحرب المقدسة يعني حربًا يشنها الصالحون نيابة عن الرب ضد الكفار والمهرطقين سياسيًا أو دينياً". - الحرب العادلة: "..إن النموذج السائد للحرب والذي شكل مواقف الناس كان بطريقة أو بأخرى صورة من صور الحرب العادلة، ما دام إعلان الحرب يكون من جانب السلطة الصحيحة وما دامت أسبابـها عادلة فيجوز للأفراد المشاركة فيها بنية حسنة، ويجوز إجبارهم على ذلك إذا استدعى الأمر... وعلى هذا النحو أصبحت الحرب أقرب ما تكون للحرب المقدسة". - الحرب السَّلامية: "أي التي ترفض الحرب من وجهة نظر دينية باعتبارها أمرًا يتنافى مع تعاليم المسيح عليه السلام.. لكن عنوان الاتجاهات السّلامية هذه تقف لتؤيد الحرب وتنخرط في أعمال اجتماعية لمساعدة المُتضررين منها حين تقع" . إذن رغم أن الدين يتراجع باستمرار في معظم المواقف الحياتية للعالم الغربي إلاّ أنه في حالة الحرب يكون أول الحاضرين، بحيث أنه هو الذي يتولى عملية تفسير الحالة وعملية تحديد الموقف المبدئي فيها، لأن الحرب هي لحظة الأزمة الكبرى في العقل الغربي، وخاصة عند المجتمع الأمريكي، لأنه مجتمع طارئ لم يتأسس إلاّ بفعل الحروب الأوروبية على سكان البلد الأصليين، ولذلك عندما تقع الحرب فإن الوجدان الأمريكي يستدعي – وبسرعة – المعاني الدينية لتكون هي الأساس الأول في تفسير الحرب. وليست هناك حرب خاضتها أمريكا لم يكن الدين حاضرا فيها بقوة، حتى الحرب العالمية الأولى، بل حتى حرب الإبادة التي طالت السكان الأصليين للبلاد، فعلاقة الدين بالحرب في العقل والوجدان الأمريكي علاقة وطيدة ومتداخلة، وما هذا التناغم الأمريكي- الصهيوني في حرب الإبادة التي تشن على الشعب الفلسطيني إلاّ صورة من تجليات هذه العلاقة، خاصة عندما نعلم أن الدين في العقلية الأمريكية هو خليط مفبرك من العهد القديم (التوراة) والعهد الجديد (الإنجيل)، أي تحالف قذر بين اليهودية الصهيونية والمسيحية المتصهينة. بل لقد فُسرت حرب الخليج الثانية على أنـها خطوة نحو الإعداد لحرب "هرمجدون"، وهي الحرب التي لها شأن كبير في العقل والوجدان النصراني. وعندما قال "بوش" أنـها حرب صليبية لم يكن مُخطئًا ولا ناسيا ولا نائما، وإنما كان يُعبر عن الضمير الأمريكي في أوقات الحروب، وعن حقيقة الوجدان الغربي اتجاه العالم الإسلامي. وحتى العبارات الأخرى التي أطلقها في حملته مثل "مواجهة الشر" و" الطيبين والأشرار" و"العادلة المطلقة"، هي في الواقع تعبيرات دينية ذات طابع صليبي، يُقصد بها المسيحية والمسيحيون في مواجهة الإسلام والمسلمين. أما المحاولات التي استهدفت الترويج لمقولة أن الإسلام يختلف عن الإرهاب فلم تكن إلاّ لذر الرماد في العيون، ولم تكن إلاّ خدعة سياسية قصد بها إرباك الموقف الإسلامي، أولاً لتحييد البعض – مؤقتا – من ساحة المواجهة، وثانياً لإفساح المجال أمام الأنظمة العميلة في العالم الإسلامي لتساهم في الحرب على الإسلام والمسلمين تحت دعوى الحرب على الإرهاب. لأن العالم الغربي النصراني يعلم أن الإسلام هو الوحيد الذي يُمثل بالفعل تحديًا للحضارة الغربية اليهودية - المسيحية، وأن المسلمين المجاهدين هم العائق الأكبر – أو ربما الوحيد – في طريق بسط هذا الغرب سيطرته على العالم الإسلامي. ثالثاً: النصارى والحملة: مشهد التداخل من المعلوم عندنا أن اليهود أشد عداوة للمسلمين من النصارى، قال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا}[المائدة:82]، ولعل هذا هو السبب في الحساسية العالية التي تجدها في إرثنا الثقافي اتجاههم، فنحن نبغض اليهود أكثر من بغضنا للنصارى، لكن إذا تأملنا التاريخ فإننا نجد أن جل حروبنا في الماضي كانت مع النصارى ولم تكن مع اليهود!! فاليهود لم يدخلوا حربا مع المسلمين طيلة أربعة عشر قرناً إلا مرة في زمن النبوة، ثم عند الاحتلال الأخير لفلسطين، بخلاف النصارى فإن الحرب معهم لم تكن تهدأ إلاّ قليلا!! ومن المهم جدا أن نقف أمام هذا المعطى التاريخي الهام، لا لنبحث عن الأسباب الكامنة وراء قلة الحروب مع اليهود، فهي معروفة، ولكن لنتأمل في الدلالات التي تحملها كثرة الحروب مع النصارى، هذه الحروب التي لازالت مستمرة إلى الآن، والتي لا تعد دولة اليهود في فلسطين إلاّ واحدة من آثارها، لعل هذا التأمل يساعدنا على استعادة التوازن إلى نظرتنا العقدية اتجاه النصارى، وأنهم في الحقيقة ليسوا "إخواننا النصارى" كما يحلو للبعض أن يصفهم، وإنما هم أعداؤنا النصارى، الكفار الذين كانوا دائما أعداء، والذين كثيرا ما كانوا كأنهم الذراع التنفيذي للمشروع اليهودي، لأنهم ينطلقون من تحالف عقدي يضع الإسلام هو العدو الأول في حياته، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}[المائدة:51]. يجب أن لا تغطي كراهيتنا لليهود الدورَ الخبيث لأوليائهم النصارى، كلهم أعداء، وإذا كان اليهود هم الأشد عداوة للذين آمنوا، فإن النصارى هم الأكثر قتالا للذين أسلموا، إضافة إلى أن التطور العقدي للمسيحية لم يترك فرقا يذكر بين النصارى واليهود، فجلهم صار من أتباع الحركة الصهيونية، إلاّ ما استثناه الدليل. 1 – الحملات الصليبية والخلفية النصرانية. لقد تبين لنا من خلال اللّمحة التاريخية أن الحملات الصليبية مرتبطة بشكل مباشر بالنصارى، فهم مادتها الأولية.. القادة نصارى، والجنود نصارى، والمجتمعات النصرانية مستعدة دائما لتزويد الجيوش الصليبية بالعناصر المطلوبة. إذن هناك تداخل كبير بين النصارى والحملات الصليبية، ومن الصعوبة بمكان التفريق بينهما، إلاّ في حالات استثنائية ضيقة لا تعبر عن حقيقة الواقع من جهة، ولا تصلح لتأسيس الموقف المبدئي اتجاه هؤلاء النصارى من جهة أخرى. وحقيقة هذا التداخل معروفة غير خافية، وهذا التاريخ أمام الجميع، لقد كانوا دائما أعداء، وفي أكثر الأوقات محاربين، ويمكن مشاهدة هذه الحقيقة في الماضي البعيد كما يمكن مشاهدتها في الماضي القريب، فهي موجودة في الحملات على العالم الإسلامي في التاريخ القديم، وفي الحملات الاستعمارية في التاريخ الحديث، وفي الحملات على البلقان وعلى العراق وعلى أفغانستان في التاريخ المعاصر.. إلخ. ويكفي أن نستحضر أن دولة اليهود التي تعد أم المشاكل الإسلامية في الوقت الراهن هي – في حقيقة الأمر – إنتاج إنجليزي، توطد في الماضي بفعل التواطؤ الغربي، ولازال مستمرا بفعل الدعم الأمريكي اللامحدود. بل ويمكن ملاحظة مشهد التداخل بين النصرانية والصليبية في المواقف الرسمية كما يمكن ملاحظتها على المستوى الشعبي، فأثناء حرب الخليج الثانية ظهرت شعارات في بريطانيا تُكتب على جدران الأحياء التي يسكنها المسلمون، تقول: (سنقتل طِفلَيْن مسلمَيْن، مقابل كل جنديٍ بريطانيٍ يُقتَل في العراق)!! أما ما يعانيه المسلمون في بلاد الغرب هذه الأيام من الاضطهاد والتمييز والتضييق فلا يحتاج إلى تعليق. وعموما العالم الغربي كلُّه مسكون بفكرة الحروب الصليبية، وهي عميقة في الجذور النفسية والفكرية للشخصية الغربية، وتكفي الإشارة إلى أنه لم توجد دولة مسيحية واحدة اعترضت على العدوان الأمريكي على أفغانستان، حتى العالم الشرقي الأرثوذكسي والذي تقوده روسيا وقف هو الآخر في صف أمريكا، لأن العدو هذه المرة هو "الإرهاب" الإسلامي الذي يريد التحرر من ربقة الاحتلال النصراني. إن العقل الغربي المعاصر ما هو إلاّ امتداد للعقل الغربي في القرون الوسطى، وكما كان رجال الكنيسة يعملون على ترغيب الناس في الحرب من خلال وعدهم بأن احتلال القدس يساوي الذهاب إلى الجنة, فإن رجال الكنيسة "الغربية" يعملون اليوم على الترغيب في محاربة العالم الإسلامي لنصرة القيم الأمريكية، ولقتال الإرهابيين الذين يهددون "إله الحرية" ويقفون في وجه عولمة القيم الغربية، ولذلك فليبارك الرب الحرب الصليبية على كل المسلمين، لنبدأ بالمجاهدين، فـ "ليس الجهاد إلا "صاعقاً" لقنبلةٍ هيدروجينيةٍ من نوعٍ جديد، اسمها: الإسلام) !.. وللتوضيح، فإن الخلفية النصرانية للحروب الصليبية لا تعني أن يكون هؤلاء النصارى متدينون بالمعنى العملي، كـلا، فهم غالبا ما يكونون من أبعد الناس عن الارتباط بالتعاليم المسيحية، فلا هم مسيحيون و"لا هم يحزنون"، وإنما هم مجرد نصارى حاقدين على المسلمين وطامعين في خيراتهم، ولا بأس أن يكون بعضهم متدين بالمعنى الاعتقادي، أي يحمل في رأسه وقلبه مجموعة من الأفكار المشبعة بالروح التلمودية، والتي تدعو إلى إبادة كل ما هو إسلامي وإلى التعجيل بإقامة دولة إسرائيل الكبرى لأنها مفتاح الخروج الثاني للمسيح عليه السلام!! فعقدة الحروب الصليبية إذن هي أساس المفاهيم التي ينظر من خلالها الغرب إلى العالم الإسلامي، وإذا وجد بعض النصارى الطيبين والعقلاء فهذا لا ينفي القاعدة العامة، لأنهم استثناء من الأصل، وغالبا ما يكونون أبعدَ الناس عن مواقع التأثير. ومن الخطأ الكبير أن نروج لهذه الحالات الاستثنائية على أنها الوجه الحقيقي للعالم الغربي. 2 – الحملة المعاصرة والمسيحية المتصهينة باستثناء بعض الأفراد القلائل يمكن أن نجزم أن العالم الغربي لم يعرف قط المسيحية على حقيقتها، وإنما عرف صورة محرفة من صنع الكنيسة لا صلة لها بالأصل. وباعتراف مؤرخي الغرب ومفكريه فإن اليهودي "بولس" كان قد أدخل على العقيدة المسيحية تعديلات جوهرية صرفتها كليا عن حقيقتها الخالصة. إذن لقد بدأ الاختراق اليهودي للمسيحية منذ زمن طويل، وهو السبب الأول في كل الانحرافات العقدية الموجودة عند النصارى. لكن الجديد في عالم الاختراقات اليهودية للمسيحية كان في القرن السادس عشر ميلادي، حين ظهر المذهب البروتستانتي الذي يؤمن بكل النبوءات التوراتية، ويسعى باجتهاد إلى تحقيق كل ما يعتقد أنه من المقدمات الضرورية لتحقق تلك النبوءات، وأهمها: إقامة دولة إسرائيل المنصوص عليها في التوراة (من النيل إلى الفرات) وتجميع يهود العالم فيها. وقوع معركة كبرى بين قوى الخير (النصارى واليهود) وقوى الشر (المسلمين) تسمى (هرمجدون). هدم أو تدمير المسجد الأقصى ليتسنى بناء الهيكل اليهودي مكانه. وقد كانت إقامة دولة إسرائيل – على يد النصارى الإنجليز – واحدة على الطريق إلى "هرمجدون". بل يبدو واضحا من خلال التناغم اليهودي النصراني أن العالم الغربي سائر بجد نحو تحقيق كل هذه الأحلام اليهودية، فأمريكا توفر كل شيء لإسرائيل مهما كان الثمن، حتى لقد قال بعض الأمريكيين: "لقد حيرني أمر الصهاينة المسيحيين منذ الثمانينات. إنهم يضعون عبادة إسرائيل فوق تعاليم المسيح". ومن هنا أصبح الصراع الإسلامي النصراني أكثر حدة من الماضي، لأن الصليبية اليوم صارت تجمع أكثر من رمز أيديولوجي في مواجهة الإسلام. فهي هذه المرة تنطلق من وحدة الإرث المسيحي - اليهودي، لتشكل تحالفا قذرا يرى أن العدو الأول هو كل ما له علاقة بالإسلام والحركات الإسلامية. وبذلك صار الدين (بالمعنى الاعتقادي) يلعب دورا مركزيا في صياغة سياسة العالم الغربي اتجاه العالم الإسلامي، وخاصة منطقة الشرق الأوسط، لأنها بؤرة الصراع. إنها حرب صليبية جديدة يتلاقى فيها مزيج من اليهودية الصهيونية مع المسيحية المستولدة من صلب اليهودية الغربية. ومن تم صار أهم ما يميز هذا التحالف الصهيوني هو وحدة المصير ووحدة الهدف، إضافة إلى التقاء المصالح السياسية والاقتصادية، حتى لقد قال "حاييم" رئيس دولة اليهود الأسبق: "إنّ الأصولية الإسلامية هي أكبر خطرٍ يواجه العالَم، وإنّ إسرائيل تحمي قِيَم الغرب من الصحوة الإسلامية"!! رابعاً: الحملة الصليبية والعناوين المغلوطة لقد كان الغرب الصليبيّ – ولازال – يعتبر أنّ الإسلام هو مصدر الخطر الأكبر، لأنه الدين الذي يستطيع أن يشكل تهديدا حقيقيا للحضارة الغربية المفلسة، والزاد الذي يمكّن العالم الإسلامي من الوقوف في وجه مخططات الغرب الاستعمارية، ولذلك ينظر العالم الغربي إلى الصحوة الإسلامية على أنها أكبر خطرٍ يهدّده في المرحلة الراهنة. لأنه يعلم أن هذه الصحوة إذا ما تم توجيهها بشكلٍ إيجابيٍ فستؤدي إلى استعادة المسلمين لدورهم الحضاري في العالم، خاصة أن الحضارة الغربية آيلة إلى الزوال بفعل تراكم عوامل الفساد الخلقي والقيمي، وهذا ما عبر عنه أحد المسؤولين الكبار في الخارجية الفرنسية بقوله: "إنّ العالَم الإسلاميّ عملاق مقيّد لم يكتشف نفسه اكتشافاً تاماً، فإن تحرر من قيود جهله وعجزه، فإنه سيشكّل خطراً داهماً يُنهي الحضارة الغربية، ويُنهي وظيفتها في قيادة العالَم) . فكل المواقف والإجراءات العدوانية السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية، التي يتّخذها الغرب الصليبي اتجاه العالَم الإسلاميّ تحركها – بالأساس – هذه النظرة التي تحمل في عمقها الإحساس بالخطر من هذا العملاق، خاصة بعد أن ظهرت عليه بوادر استعادة العافية بفعل محاولات الرجوع إلى الهوية الإسلامية، وبفعل تنامي الوعي بالدور الخبيث الذي تلعبه الدول الغربية في تكريس حالة العجز والتبعية. لكن الغرب الصليبي كان – ولازال – يجتهد في التستر على حروبه العدوانية بعناوين مغلوطة، يقصد بها إرباك الآخر من جهة، وإضفاء الشرعية على نفسه من جهة أخرى، وقد كان أهمها هذه المرة: 1 - محاربة الإرهاب الدولي لقد أدى الإحساس المتزايد بـ"التهديد" الإسلامي للمصالح الغربية إلى جعْل الحركات الإسلامية على رأس قائمة الأعداء، وخاصة تلك التي تنتمي إلى ما بات يعرف بـ"السلفية الجهادية"، لأن الغرب وجد في الجماعات الممثلة لهذا التوجه حصانة عقدية ومنهجية تصعّب عليه وعلى أوليائه عملية الاحتواء، كما أن هذه الجماعات كانت قد أثبتت أنها الأكثر تعبيرا عن آمال الأمة والأكثر قدرة على التجاوب مع متطلبات المرحلة. ولم تكن غزوة الثلاثاء إلاّ بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس، وأبرزت الحرب الصليبية إلى السطح، وإلاّ فإن الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني وعملية القتل البطيء (الحصار) لغيره من أبناء الأمة الإسلامية كانت قائمة ولم تكن بحاجة إلى 11 سبتمبر، بل لم تكن تلك الغزوة إلاّ ردا طبيعيا على هذا العدوان. فإذا كان الرد بالمثل يسمى إرهاباً فإن أمريكا هي المسؤولة عن تأسيس الإرهاب والإرهاب المضاد. عموما لا نريد أن ندخل في الجدل السفسطائي، فأمريكا وحلفاؤها النصارى هم أحرص الناس على عدم تحديد مفهوم دقيق للإرهاب، لأن هذا التحديد سيظهر أن الغرب النصراني هو الإرهابي الكبير عبر تاريخ البشرية. ويكفي أنّ أمريكا تعتبر الجماعات المجاهدة للمحتل الأجنبي – مثل حماس في فلسطين وطالبان في أفغانستان – جماعات إرهابية، وهو ما يعني على أن تعريف الإرهاب عند الغرب هو كل ما يفزعه، وأن الإنسان الإرهابي هو كل مسلم يمكن أن يتسبب في إفزاع إنسان صليبي. لقد أصبحت "الحرب على الإرهاب" مقولة ممجوجة، خاصة بعدما تجاوزت الحملة المعاصرة الحرب مع مجاهدي القاعدة، وامتدت إلى الاعتداء على دولة طالبان الإسلامية، في هجمة مورست فيها كل أنواع الإرهاب الصليبي على الأمة الإسلامية هناك، بل لقد تجاوزت كل ما له علاقة بالجهاد لتصل إلى كل ما هو إسلامي، سواء كأشخاص ومنظمات أو كدين وثقافة، في محاولة واضحة لفرض القيم الأمريكية والهيمنة الغربية على المسلمين وعلى العالم الإسلامي. فـ"الإرهاب" في العقل الغربي ليس إلا كلمة السر التي تفتح ملف كل ما هو إسلامي، لأن هناك إرثا ثقافيا مركوزا في الداخل الغربي هو الذي يفك رموز هذه الكلمة المشفرة، أي أن الإدراك الغربي يرى من منظور ثقافي (ديني) أن الإسلام هو الخطر الأكبر الذي كان – ولازال – يشكل له مصدر قلق وفزع، ومن تم فهو المعنى المتبادر لكلمة الإرهاب. وقد كان الإنتاج الفكري والإعلامي أقل تَحفظًا حين دعا – بوضوح – إلى وضع حد للوهم الذي يفرق بين الإسلام كدين وحضارة وبين الإرهاب. ومن منظور التحليل النفسي فإن التصريحات التي أطلقها "بوش، وتشيني، وبلير" وغيرهم من تأكيد التفرقة بين الإسلام والإرهاب ما هي إلاّ جزء من حيل الدفاع لإخفاء الحقيقة المضمرة في عقولهم.. وهي أن المقصود بالحرب هو الإسلام، وأن "الحرب على الإرهاب" ليست إلاّ عنوانا مغلوطا يتم تحته الاجتهاد في طمس هوية الأمة، وقتل طلائعها المجاهدة، وشعار يراد به التسويق للحملة الصليبية في العالم، أولاً لإرباك الموقف الإسلامي في التعامل مع الوضع، وثانياً لتوفير الغطاء "الشرعي" لحشد الأنظمة ضمن حملة التحالف العدواني على هوية الأمة وعلى الشرفاء من أبنائها. 2 – قصة الأسلحة العراقية هذا هو العنوان الثاني للحملة المعاصرة، والذي يتم تحته حشد إمبراطورية عسكرية صليبية في المنطقة العربية، أولاً لتطوق قلب العالم الإسلامي، وثانياً لتحضّر لغزو مكشوف للعراق وربما لكامل بلاد الشام والجزيرة العربية. ولا نريد أن نخوض في الجواب عن السؤال الأول في الموضوع وهو: لماذا لا يجوز للعراق أن يمتلك أسلحة الدمار الشامل؟ ثم لماذا تحرم هذه الأسلحة على دولة عربية في حين أنها مباحة للدول الأخرى، وبالضبط لإسرائيل العدو التاريخي المزروع في قلب المنطقة العربية؟ طبعا من السخافة محاولة إقناعنا بشرعية هذه المعايير المزدوجة لأننا أمة تفكر بعقول الأحرار وليس بعقول العبيد، لكن الأكثر سخافة هو محاولة "شرعنة" الغزو الصليبي للعراق، حيث تم استصدار قرار دولي (يعني صليبي) يخول لبوش أن يقول: "إذا رفض الرئيس العراقي السماح بدخول المفتشين غير المشروط إلى كل موقع وكل وثيقة وكل شخص، فإن هذا سيكون إشارة واضحة إلى عدم الالتزام". وعدم الالتزام يعني مبرر الهجمة على العراق لقتل المسلمين والسطو على خيرات بلدانهم حسب القرار الصليبي 1441. خامساً: معالم على طريق المواجهة بعد هذا العرض السريع لحقيقة الحملة الصليبية المعاصرة نطرح السؤال التالي: ما العمل؟ نعم ما العمل؟ لأن الوضع لا يحتاج إلى الاستغراق في الرصد السلبي للحدث، نحن الآن أمام حالة طوارئ حقيقية، تتطلب تفاعلا عمليا يتسم بكامل الجدية والمسؤولية، فالمسلمون يواجهون حرب إبادة على امتداد بقاع العالم، وهويتنا الإسلامية تخضع لضربات صليبية تستهدف الإجهاز على كل مفردات المنظومة القيميّة للأمة. ما العمل؟ لأننا مطالبون بواجبات شرعية تعتبر هي التجسيد العملي لمفهوم التدين.. نحن مطالبون بالدفاع عن الديار والقيم الإسلامية التي يستهدفها الغرب النصراني في حملته المعاصرة، نحن مطالبون بالرد على العدوان الصليبي على أمتنا في فلسطين وفي العراق وفي أفغانستان، نحن مطالبون بنصرة المجاهدين لأن هذه النصرة هي دليل الولاء الإيماني الذي يجمعنا بهم.. باختصار نحن مطالبون بالمواجهة، فهي أخص الواجبات الشرعية للمرحلة الراهنة. لكن حتى لا تكون هذه المواجهة مجرد تحرك عاطفي تطغى عليه الارتجالية في التخطيط والتنفيذ.. حتى لا يقع هذا يجب أن نجتهد في ضبطها وفق مشروع متكامل يستجمع كل ما هو متاح من شروط الفعالية والتأثير، والتي أرى أهمية أن تكون تحت ثلاثة معالم أساسية. 1 – التعاون بين فصائل الحركة الإسلامية لم تكن الحملات الصليبية الماضية تفرق بين هذا مسلم مجاهد وهذا مسلم قاعد، بل لم تكن ترحم لا العلماء ولا حتى الزهاد المنعزلين، الكل بالنسبة للصليبين سواء إلاّ ما اقتضاه الاستثناء الضيق، ومعنى هذا الاستثناء هو التنازل عن المبادئ الإسلامية، والذي غالبا ما يصل إلى حد الارتداد عن الدين، قال تعالى: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا}[البقرة:217] . والحملة الصليبية المعاصرة مثلها مثل أخواتها السابقات، لا ولن تفرق بين هذا خط الدعوة والتربية وهذا خط الدعوة والجهاد، كلاهما بالنسبة إليها شيء واحد، وأقل "التهم" الثابتة في حق الأول أنه هو المسؤول عن بقاء وامتداد التدين في المجتمعات الإسلامية، وهذه – في نظر الصليبيين – مشاركة عملية في تهيئ الأجواء المناسبة لترعرع "الإرهاب"!! كما أن الحملة الصليبية المعاصرة لن تفرق بين هذا آرائي "معتدل" وهذا سلفي "متشدد"، كلاهما بالنسبة إليها شيء واحد، أو على حد تعبير "التايمز" البريطانية: "لا يوجد فرق بين معتدلين ومتشدّدين، فكلّهم مسلمون" . وبالتالي كلهم مستهدفون، ومن غُضّ عنه الطرفُ في هذا الشوط فلينتظر دوره في الشوط الثاني، فإنما تأجل الاهتمام به لأجل التفرغ لخط الدفاع الأول (الجماعات المجاهدة). يجب أن يكون الجميع واعيا بأن الحملة المعاصرة تهدف إلى الإجهاز على كل ما هو إسلامي.. فهي تهدف إلى تجفيف منابع التدين، وإلى سحق هوية الأمة، وإلى المزيد من الإفساد الاجتماعي، بل إلى إعادة الاستعمار المباشر للعالم الإسلامي. فهي حرب شاملة، لم تسلم منها لا مدارس العلوم الشرعية، ولا حتى الجمعيات الخيرية، فضلا عن غيرها. ولذلك فإن الحركة الإسلامية بمختلف تعبيراتها الفكرية والحركية تعد معنية بهذه الحرب، بل إنها القضية المعاصرة التي يجب أن توضع على رأس اهتماماتها، فالوضع القائم شكل لجميع الفصائل تحديات كبيرة وعلى مستويات متعددة، مما يدعو كافة الجماعات الإسلامية إلى وقفة صادقة لتشخيص جدي للواقع الذي تحياه وللخط الذي تتحرك من خلاله، ولتنظر في مدى مناسبة هذا الواقع وهذا الخط للمعطيات القائمة ولطبيعة الأهداف التي تتطلع إليها الأمة. لأن أكبر مظاهر القصور الذي يمكن أن يصيب الحركة الإسلامية هو انصرافها عن واجبات المرحلة، وانشغالها عنها بقضايا جزئية أو هامشية لا هي تمثل جوهر الصراع القائم ولا حتى تصب في أحد قنواته. وهذا ما يقودنا – باعتبار معطيات المرحلة – إلى ضرورة التعاون بين فصائل الحركة الإسلامية على مواجهة الحملة الصليبية المعاصرة، لأنه لا يمكن تحقيق الفعالية المطلوبة إلاّ به، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}[المائدة:2]، وإذا كان البعض لازال "متورعا" في جهاد الأنظمة الطاغوتية، فإن جهاد الكافر الأصلي الصليبي لا يختلف فيه اثنان ولا تتناطح حوله عنزتان، بل حتى أعراف القانون الدولي تسمح بمجاهدته لأنه في موقع الاعتداء ونحن في موقع الدفاع، إذن فلتكن هذه هي نقطة الالتقاء التي يتعاون فيها الجميع. ولست هنا بصدد التنظير الحركي لصيغة هذا التعاون، ولا للمجالات التي يمكن أن يقع فيها، ولا لطبيعة الأدوار التي يمكن أن يقوم بها كل فريق، ولا للإجراءات الاحتياطية المطلوبة في مثل هذا النوع من التفاعل.. لست بصدد هذا، فذاك موضوع آخر، أرى أن يترك لقيادة العمل الإسلامي في كل بلد، فهي أعلم بمعطياتها الذاتية والموضوعية. المهم عندي هنا هو أن نطرح موضوع التعاون حول نقطة الالتقاء هذه (دفع الصائل الصليبي) طرحا جديا، بحيث يصير حاضرا بقوة في البرامج الحركية للجميع، لأن هذا هو الواجب الشرعي في الوضع الراهن، وأنا شخصيا أعتبره المحك العملي لاختبار مدى التفعيل الصادق لشعار "نتعاون فيما اتفقنا عليه" . وإذا كنا لا نستطيع – في الوقت الراهن – أن نصل بهذا التعاون إلى مستوى الوحدة التنظيمية، فعلى الأقل الاجتهاد في تفعيل دور التنسيق، فقد ملّت القواعد المخلصة والجماهير العريضة من هذا التفكك الذي أصاب الجسم الإسلامي، وأصبح السؤال الصحيح الآن هو: ما هو حكم الله في حقنا، هل هو القعود مع القاعدين أم الجهاد مع المجاهدين؟ هذا هو سؤال المرحلة، بعيدا عن البكاء على الأطلال فإنه لا يغير الواقع، وبعيدا عن أدبيات التنويم المغناطيسي فإنه أسلوب قديم، فقد تغير الوضع بعد 11 سبتمبر، وأصبحت المواجهة كأنها مفروضة على الجميع. 2 - التكامل والتركيز في المشروع الجهادي المشروع الجهادي – ولله الحمد – قائم، والجماعات المجاهدة موجودة على امتداد العالم الإسلامي. ومن فضل الله على أكثرها أنها تتميز بوحدة منهجية ساعدت على تشكيل قاعدة فكرية ينطلق منها الجميع، فرغم تباعد الديار وصعوبة التواصل فإن خط الطائفة المنصورة (خط الدعوة والجهاد) يعيش حالة من الانسجام والتقارب جعلت البعض يسمي جميع جماعات الحركة السنية المجاهدة "قاعدة". ولكن حتى نستفيد أكثر من هذه الوحدة الفكرية في مشروعنا الجهادي نحتاج إلى تعميق التقارب في الرؤية الحركية، ليصبح العمل "نور على نور". وأرى لهذا الهدف ضرورة أمرين اثنين: أ – التكامل: وأعني بالتكامل في المشروع الجهادي توزيع الأدوار بين الجماعة العالمية (قاعدة الجهاد) والجماعات "القطرية"، فلكل واحدة دورها الذي لا غنى للآخر عنه. "القاعدة" تجعل اهتمامها الأول هو العدو الخارجي، فتتصدى للعدو الصليبي الذي يستهدف الأمة في هويتها ومقدراتها، ويساعد على توطيد الحكم الطاغوتي للأنظمة العميلة في بلاد الإسلام. أما الجماعات "القُطرية" (طالبان مثلا) فتجعل اهتمامها الأول هو العدو الداخلي، لأن مشروع إقامة الدولة الإسلامية يحتاج إلى حسابات تفصيلية تراعى فيها المعطيات الجزئية لكل قطر على حدة، إضافة إلى أنه لابد في التصدي للعدو الصليبي من ملاحظة التعاون القائم بينه وبين الأنظمة العميلة له في بلاد المسلمين. ب – التركيز: وأعني بالتركيز عدم تشتيت الجهود في جبهات متعددة في آن واحد، وهو ما يتطلب التحفظ الكبير في فتح معارك جديدة. بحيث يكون الاهتمام الأول منصبا على إنجاح المشاريع القائمة، دون أن يعني ذلك نوعا من الانحسار في الدائرة المغلقة، فالأمور مترابطة، وقيادات العمل الإسلامي مخولة بتقدير الموقف!! 3 – تفعيـل دور الأمـة الإسلامية لأن الأمة هي خزان العناصر المجاهدة، وقد كانت دائما قادرة على تزويد الطليعة باحتياجاتها في ساحة الجهاد، وعلى سبيل المثال يبرز اليوم الشعب الفلسطيني – ما شاء الله – كنموذج حي على تفاعل الأمة مع المشروع الجهادي، وهي الصورة التي نحتاج إلى أن تصبح سمة عامة لباقي الشعوب الإسلامية، بحيث تنفض عنها غبار اللامبالاة لتستشعر أنها المعنية بما هو قائم، وأن الجماعات المجاهدة ما هي إلاّ طليعة تقدمت الصف، ومن تم فإنه لا مجال للاتكالية، خاصة في ظل الوضع الراهن، والذي – حسب التكييف الفقهي – يجعل المشاركة في الجهاد فرض عين على جميع المسلمين. باختصار, إن التعاطف السلبي لا يرد الصائل الصليبي، وإنه لمن العار على أمة "حضارة الحق" والتي يبلغ عددها 1500.000000 مسلم أن تسمح للعدو بالجرأة على بيضتها، فضلا عن أن تظل مكتوفة الأيدي أمام العدوان. إن كنت ذا حق فخـذه بقـوة الحق يأخـذه الضعيـف فيزهق لغـةُ السيوف تحل كـلَّ قضية فدع الكـلام لجاهـل يتشدق والحمد لله وهو ولي التوفيق• التاريخ يعيد نفسه أبو عبيد القرشي قبل أكثر من سنة أعلن بوش الأبله الحرب الصليبية .. نزل هذا الإعلان كالصاعقة على من اغتر بالغرب من بني جلدتنا. فإلى عهد قريب كان هؤلاء يتشدقون بألفاظ ظنوا سذاجة أن العدو صادق حين روجها في صفوفهم.. "حقوق الإنسان.. ديمقراطية.. ثقافة الحوار.." كلمات رنانة طنانة.. كلمات ابتدعها أبناء الحضارة الغربية لتطبيقها بين بعضهم البعض.. لا في إطار آخر.. خاصة إن كان في دائرة الإسلام. حين سقط القناع وظهر الخداع.. خرجت ألفاظ أخرى للاستهلاك.. ألفاظ محلها الماضي السحيق.. "حرب صليبية.. رسول إرهابي.. تجفيف منابع الإسلام.. التكيف أو الاندثار.."، ألفاظ ظن السذج أن "عصر الأنوار" قد دفنها إلى الأبد.. فإذا بها تبعث من جديد.. بُعِثَت قولا.. وإلا فالعمل بمقتضاها لم يتوقف قط.. واستهداف الإسلام والمسلمين جاري منذ القدم. كانت الصدمة مهولة.. كيف كان هؤلاء مخطئين في الغرب لهذه الدرجة.. كيف استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.. كيف استهزأوا بأهل القبلة ممن كان يحذر من حقيقة الغرب.. ألم ينعتوهم بالسذاجة والضحالة السياسية.. ألم يتهموهم بالسطحية والفكر المؤامراتي.. ألم يصفوا تحليلهم بفقه السجون.. فمن المحق اليوم ومن المخطئ؟ إن الحملات الصليبية لم تنقطع منذ مئات السنين كما قد يتبادر للأذهان، ولم تنطلق لتوها من جديد مع إعلان بوش الأبله كما قد يظن البعض. الحملة الجديدة استمرار للهجوم الأوروبي الشامل على أراضي المسلمين الذي يسمى زورا وبهتانا "الاستعمار"، وهو الاسم الذي استعمل بذكاء من طرف الغزاة الصليبيين لاستغفال المسلمين، متنصلين بذلك من أي شَبَه بالحملات الصليبية السيئة الذكر، ومبررين استخدام اسم "الاستعمار" بأن هجومهم استهدف شعوبا أخرى من غير المسلمين في إفريقيا وآسيا. مع العلم أن الحملات الصليبية الأولى كذلك استهدفت شعوبا أخرى نصرانية (البيزنطيين والأرمن ونصارى العرب) ووثنية، لكن هدفها الأساسي كان هو تدمير بلاد الإسلام. لقد كان "الاستعمار" حملة صليبية شرسة قامت بها القوات الروسية والفرنسية والانجليزية والاسبانية والبرتغالية والايطالية والهولندية ضد بلاد المسلمين من كل حدب وصوب، لدرجة أنه لم ينج بلد إسلامي من الغزو إلا استثناءات قليلة. ولا أدل على صليبية "الاستعمار" من صراحة الجنرال غورو حين وصل إلى قبر صلاح الدين سنة 1918 - أيام الاحتلال الفرنسي لسوريا - وقال قولته المشهورة: "ها نحن عدنا يا صلاح الدين. والآن انتهت الحرب الصليبية." ولولا تخفيف الله على المسلمين بأن اشتعلت الحرب العالمية الأولى والثانية بين هذه القوى حول الغنائم، ثم استعار المقاومة في بعض الأقطار المسلمة، لكانت البلاد الإسلامية إلى اليوم ترزح تحت حكم الصليب بشكل مباشر. لقد حققت الحملة الصليبية/الاستعمار أهدافها كاملة، فقد قضت على الرابط الذي يوحد بين المسلمين وهو رابط الخلافة الإسلامية، وشتتت البلدان المسلمة شر مذر، ونَحَّت الشريعة الإسلامية من ميادين الحياة، وساهمت في تنشئة أجيال جديدة لا علاقة لها بالقرآن رسما أو حكما.. بعد هذا كله حسب الأعداء أن أمر الإسلام انتهى وولى دون رجعة.. لكن هيهات.. فما أن مر بعض الوقت حتى سعى العلماء والمصلحون لإعادة الأمة إلى مسارها بصبر وتضحيات لا مثيل لها. ورغم الطغيان الذي اقترفه عملاء الصليب ضد هؤلاء الأخيار، إلا أن الله سبحانه وتعالى بارك في جهودهم، فعادت الروح إلى هذه الأمة، وأصبح الرجوع إلى الله سمة بارزة، وصار الاحتكام إلى الشريعة الغراء مطلبا شعبيا مجمعا عليه. وكان آخر الفصول المقلقة للصليبيين بروز حركات الجهاد، وهو الأمر الذي دل دون مواربة أن الأمة في طريقها لاستعادة عافيتها كاملة، وأن النظام الذي دأب الصليب على إقامته لقرون عديدة، مهدد بالسقوط كقصر من الورق في سنين معدودة.. هنا جاءت صرخة بوش الأبله: إنها الحرب الصليبية من جديد.. وأمريكا هذه المرة هي التي ستقوم بالدور المنوط بعد فشل المناورات الخداعية الأوروبية.. إنه تبادل للأدوار وانتقال للقيادة حدث مرارا وتكرارا في الحملات الصليبية الأخرى.. ولا جديد إطلاقا في الأمر. والمذهل أن أحدنا لو أخذ كتابا موجزا وجامعا حول تاريخ الحملات الصليبية لما رأى فرقا في الجملة بين ما حصل في السابق وما يحصل اليوم. وما دامت الدراسات الاستراتيجية تتعلق أساسا بالعلاقة بين الزمان والمكان، فلا بأس أن يتطرق هذا المقال إلى ما حدث في الماضي ومقارنته بما يجري في الحاضر ثم استخلاص خطوط عريضة للعمل. 1 - مقارنة بين أسباب الحملات الصليبية في الماضي والحاضر الأسباب الدينية إذا كانت الذريعة لانطلاق الحملة الصليبية الأولى (1095 م) هي التشدد الذي مارسه الحكام السلاجقة على المسيحيين الزائرين لبيت المقدس، فإن السبب الحقيقي كان هو إحساس الكنيسة بخطورة الموقف نتيجة انتشار الثقافة الإسلامية بعد اتساع نطاق الفتوحات.. قد يقول قائل: أين نحن وأين الفتوحات اليوم!!! وما وجه التشابه بين الأمس واليوم؟ الحقيقة أن اليوم ورغم الضعف الشديد الذي يعانيه المسلمون على كافة الأصعدة، إلا أن عظم هذا الدين وقوة الحق التي يحملها تجعله يشع، مما يدفع بالملايين للإقبال عليه. إن الدين الإسلامي اليوم هو أسرع الأديان انتشارا في العالم بل وفي أمريكا نفسها ، إضافة إلى أن بلدانه الأصلية تعيش انفجارا سكانيا كبيرا وصحوة إسلامية معتبرة، مما جعل صناع القرار في دول الغرب والكيان الصهيوني يرون في هذا الأمر خطرا أكيدا. ونجد صدى هذه الهواجس في كتاب "موت الغرب" لبوكانان الذي استشرف سيادة الإسلام على العالم بحلـول 2050 استنـادا – فقط - على المعطيات الديموغرافية دون غيرها. قد يعترض البعض على هذا الكلام بإبراز طبيعة الغرب غير المتدينة. لكن هذا الاعتراض يتهافت حين يتم الاطلاع على أحوال الغزاة الصليبيين في الحملات الأولى: ألم يكن رواد الحملة الصليبية الأولى من جحافل الرعاع وقطاع الطرق واللصوص، الذين ارتكبوا في سيرهم نحو المشرق كل الموبقات من سلب ونهب وقتل واعتداء على الأعراض، بل واغتصاب بعض الراهبات، إلى حد عرفت به هذه الحملة في التاريخ بحملة الرعاع؟ ألم تكن الحرب الصليبية الرابعة التي تمت الدعوة لها سنة 594 هـ/1199 م سوى أداة لأطماع سياسية للبابا وأطماع اقتصادية لإمارة البندقية؟ ألم تستهدف تلك الحملة إلا المسيحيين من هنغاريا والقسطنطينية لأسباب غير دينية في الأساس؟ هذه الأمثلة وغيرها تبين أن الحملات الصليبية كان يقوم بها في الغالب أناس غير متدينين وهو نفس الحال تماما اليوم. بل إن سيطرة اليمين الديني على مقاليد الحكم في أمريكا تبين أن الحملة الصليبية الحالية مرشحة لكي تضاهي أكثر الحملات تطرفا. فبوش الأبله وضع محاربة الإسلام ومكافحة السُنَّة النبوية على سلم أولوياته، وجعل القضاء على الدعوة الإسلامية والعمل الخيري والتعليم الشرعي أسمى أمنياته، وهو بهذا يتفوق في السفاهة على سلفه الغابر، الذين لم يطمعوا أكثر من السيطرة على بيت المقدس وطرق التجارة المربحة. الأسباب الاستراتيجية لقد غيرت الفتوحات الإسلامية الأولى كل المعطيات الاستراتيجية للغرب، فقد فتح المسلمون الأراضي الممتدة بين شمال الهند إلى جنوب فرنسا، مما أقام طوقا خانقا على أوروبا المسيحية طيلة قرنين من الزمان. خلال هذه المدة جنحت فيها موازين القوى لصالح المسلمين بشكل غير مسبوق، خاصة وأنهم تمتعوا بتفوق اقتصادي هائل وازدهار كبير على المستوى الثقافي. لكن بعد عام 750 م بدأت مظاهر الضعف والتفكك والانقسام السياسي تظهر جلية على الخلافة العباسية، فمالت كفة التوازن لصالح الأوروبيين الذين ظهرت قوتهم في البحر المتوسط وفي إسبانيا. حينها حقق الأوروبيون سلسلة من النجاحات والانتصارات البحرية في طليطلة وصقلية، بينما شن البيزنطيون عدة غارات ناجحة على شمال سوريا في أواخر القرن العاشر، وسيطروا على بعض المدن لفترة وجيزة. يمكن القول إن الحملات الصليبية الأولى كانت تهدف إلى استرجاع مكاسب الماضي والانتقام من الفتوحات الإسلامية الكاسحة. لكننا اليوم نجد أن الدول "الإسلامية" كلها تعيش في تبعية مطلقة للغرب، فما السبب في إطلاق حملة صليبية أخرى؟ يظهر أن السبب هذه المرة هو الحفاظ على القوة وليس اكتسابها من الأول كما كان الأمر سابقا. ففي سنة 1980 أعلن الرئيس الأمريكي كارتر في رسالته السنوية إلى الكونغرس مجموعة من المبادئ التي ستمكن الولايات المتحدة من التحرك السريع في مواجهة الاتحاد السوفيتي. والأفكار التي طرحها كارتر، والتي كان لـبريجنسكي اليد الطولى في إعدادها، هي التي تمت تسميتها فيما بعد بـ "مبدأ كارتر". ركزت هذه الرسالة على مناطق الشرق الأوسط والخليج العربي وجنوب آسيا، ودعت لإعادة الهيبة والنفوذ الأمريكيين فيها بعد الغزو السوفييتي لأفغانستان، والدفاع عن المصالح الأمريكية والرأسمالية في تلك البقعة من العالم، التي تعد من أكثر المناطق أهمية بالنسبة لسياسة الدول الكبرى بما تمثله من نفط ومال وموقع استراتيجي، ولا يمكن لمن يطمع في حكم العالم بتاتا الاستغناء عنها. ويلخص مضيق هرمز الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج، ففي سنة 1980 كانت تمر عبر هذا المضيق ناقلة نفط واحدة كل ثماني دقائق. وكان مجموع ما تحمله الناقلات يقدر بـ 19 مليون برميل من النفط يوميا أي 40 % من تجارة النفط العالمية، ومنها 12 % من النفط الذي تستهلكه الولايات المتحدة الأمريكية. أما اليوم فقد تضاعفت هذه الأرقام، وتضاعفت معها أهمية المنطقة في نظر الساسة الأمريكيين. وزاد الطين بلة فشل سياسة أمريكا في بناء احتياطات نفطية ضخمة. فقد أصبحت الاحتياطات الأمريكية التي تبلغ 22 مليار برميل لا تساوي إلا 2 % فقط من الاحتياطات العالمية المؤكدة، والأدهى أنها تتناقص باطراد رغم امتلاك أمريكا لأحدث الأساليب والمعدات التكنولوجية وتوفرها على أعلى القدرات الاستثمارية. وهذا كذلك عامل معتبر في تحرك أمريكا السريع للسيطرة على منابع النفط عوض أن تستمر في الاعتماد على الاحتياطات الذاتية. إن الحملة الصليبية الحالية ما هي إلا امتداد لما كان يُعَدُّ للمنطقة منذ أواسط السبعينات. ويؤكد هذا الترابط أن بريجينسكي هو ذاته مُنَظِّر استيلاء أمريكا على آسيا الوسطى منذ بداية التسعينات، ونظرياته نالت اهتماما بالغا منذ أن برز الخطـر الاستراتيجي لمجاهدي القاعدة وإمارة طـالبان على التحالف الصليبي- الصهيوني، وزاد من رواج طرحه ما ادعاه بريجينسكي من أن وجود أمريكا في قلب اليابسة الأوراسية، على حدود الصين وروسيا وإيران، وعلى تُخُوم منطقة الخليج العربي، يمكنها من السيطرة على كل القوى المنافسة الحالية والمستقبلية. كما دعا أمريكا، التي استثمرت في حقول النفط والغاز لبحر قزوين وآسيا الوسطى حوالي 50 مليار دولار، أن تتخذ هذه الاستثمارات كمسمار جحا للاستيلاء على ما تختزنه تلك المنطقة من نفط يقـدر ب200 مليار برميل من النفط، وغاز طبيغي يبلغ حوالي 600 تريليوم متر مكعب. وغزو العراق هو تكملة لهذه الخطة الشاملة للاستحواذ الكامل والشامل على الخيرات الإسلامية، والتي ينوي طاغوت العصر عن طريقها ضرب آمال الأمة في النهوض بالضربة القاضية. فالعراق هو ثاني أكبر بلد نفطي في العالم، وتبلغ احتياطاته المؤكدة 115 مليار برميل أي نحو 11 % من الاحتياطات العالمية. وللتذكير فقط فإن البنك الدولي كان يصنف العراق في السبعينيات ضمن الدول ذات الدخل الفردي المتوسط العلوي، مع إمكانية التحول للشريحة المرتفعة، مما كان يؤهل العراق في ذلك الوقت لدخول نادي الكبار، والخروج عما تسطره الدول الصليبية للمنطقة من ذل وتبعية، لولا اتباع قادته لسياسات خرقاء - بإيعاز من أعـداء الأمة – أكلت الأخضر واليابس. وبضرب العراق يتم إلغاء دوره نهائيا في الإزعاج (المتوقع) لمصالح أمريكا والكيان الصهيوني، ليتم إغلاق الجبهة الشرقية (النظرية) المقلقة للصهاينة بعد أن تم تكبيل الجبهة الغربية (الواقعية) في مصر بعملية كامب ديفيد، وبهذا يقفلون ما كان يسمى بـ(الصراع العربي الإسرائيلي). لقد كانت التحركات العراقية هي ذاتها الذريعة التي اتخذتها أمريكا لتنسج نسيجا عنكبوتيا حول المنطقة. فقد تدرجت منذ الثمانينات بنيل "تسهيلات" عسكرية من دول المنطقة، ثم سرعت وتيرة وكثافة حضورها إثر حرب الخليج الثانية (1991) فحصلت على قواعد دائمة، لينتج عن هذا النسيج إقامة ما يزيد عن 63 موقعا عسكريا في 11 دولة "إسلامية" ( الخليج، دول "الطوق"، القرن الإفريقي، تسهيلات واسعة النطاق في شمال إفريقيا، حضور مكثف في وسط وجنوب آسيا حول وداخل أفغانستان)، وهو ما يعني أن مجال القيادة المركزية الأمريكية لما تسميه الشرق الأدنى يشمل 25 دولة تقع على المساحة الممتدة بين باكستان شرقا والمغرب غربا. وهذا التواجد الضخم يقصد منه إدخال المنطقة في مرحلة الخضوع الكامل للإرادة الأمريكية-الصهيونية، بعد كسر إرادة التحدي لدى الشعوب، وهو ما يعطي رسالة لشعوب المنطقة بأنها أصبحت تعيش عصر ما بعد الدكتاتورية وما بعد الديمقراطية.. عصر الحكومة العالمية الأمريكية الصهيونية . الأسباب السياسية إذا كانت الحملات الصليبية الماضية قد جاءت لرد الاعتبار لسلطة الكنيسة، فإن الأسباب السياسية المعاصرة هي كذلك تصب في نفس المنحى، لكن ربما بفارق صغير هو أن التهديد ليس لسلطة الكنيسة (التي لم تعد تحكم بشكل مباشر)، وإنما لنظام أقامته الدول الغربية بمباركة الصليب، وهو النظام الذي يهدف للإبقاء على عالم إسلامي ذليل وتابع يشرف عليه كيان يهودي يكون بمثابة الخنجر في خاصرته. كما أن أمريكا - والغرب عموما - تسعى منذ مدة لتغيير العالم من حيث اقتصاده وفكره وعلاقاته الاجتماعية، وفقا لمنظور الغرب وتجربته الخاصة، بشكل يصب في مصلحتها دون غيرها من الامم والشعوب. وقد أشكل على أمريكا أن المجتمعات الإسلامية لا تتعامل مع الإسلام كدين فقط، ولكن كوسيلة للتفكير وعلاقات تواصل وفلسفة حياة، ومن ثم تبين لأمريكا أنه يستحيل استيعاب المنطقة الإسلامية في دوامة العولمة دون القضاء على الإسلام نهائيا. إن وضع الكيان الصهيوني اليوم وهو يواجه أسوأ أزمة يمر بها منذ إنشاءه سنة 1948، وتصاعد نجم الحركات الإسلامية في كل الأقطار وما يتبع ذلك من تعزيز للهوية، وانتشار روح الجهاد هي العوامل السياسية وراء إطلاق ناقوس الخطر والإعلان عن حملة صليبية أخرى. وبما أن الوضع في الماضي لم يكن لصالح الصليب إلا في ظل أنظمة عربية وإسلامية هزيلة، فإن نفس الموقف هو السائد اليوم. ومقارنة سريعة تؤكد ذلك: فما الفرق بين أمير طرابلس وهو يتودد ويتوسل بين يدي رايموند الصليبي سنة 1099 م لعله يتركه يحكم مدينته، وبين ياسر عرفات وهو يقبل يدي مادلين ألبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية سنة 2000 لعلها تتركه يحكم مخفره.. ما الفرق بين تسليم افتخار الدولة بيت المقدس للصليبيين سنة 1099 م، وتسليم الملك حسين القدس للصهاينة سنة 1967.. ما الفرق بين أمير شيزر وأمير طرابلس وهما يعرضان ولاءهما وخدماتهما لأسيادهم الصليبيين سنة 1099 م، وبين أمراء الأردن والسعودية والكويت وقطر والبحرين الخ. وهم يسبحون برغبات الصليبيين الأمريكيين طيلة العقود الأخيرة.. ما الفرق بين الملك شاوار وهو يستنجد بالصليبيين لإنقاذ حكمه سنة 1164 م من المجاهد نور الدين زنكي، وبين حكام العرب وهم يستغيثون بالكفار ضد الشيخ أسامة.. لا فرق بتاتا.. إن هذه الملكيات والإمارات والسلطنات والجمهوريات العربية اليوم تُجَسِّد واقع ملوك الطوائف المر.. الواقع الذي أضر بالإسلام دوما ولم ينفعه، وشكل في الماضي كما في الحاضر عقبة كؤودا أمام كل محاولات تحرير الأرض والإنسان. أما عن تسبب الحكم العسكري في أزمات الأمة فحدت ولا حرج، فبغداد عاصمة الخلافة الإسلامية إبان الحملة الصليبية الأولى كانت تعيش على إيقاع الانقلابات العسكرية المتتالية، إلى درجة أن 8 انقلابات حدثت فيها فقط خلال الـ3 سنوات التي سبقت سقوط بيت المقدس في يد الصليبيين سنة 1099 م، مما كان له بالغ الأثر على الاستقرار السياسي وأضعف قدرات الأمة.. حدث نفس الأمر طيلة نصف القرن الأخير، فقد توالت الانقلابات في جل الأقطار العربية مما أنهك طاقة الأمة بشكل صارخ. ومعلوم أن نصف الدول العربية ترزخ تحت وطأة حكم عسكري ظالم لا يعرف سوى القمع والتنكيل كأسلوب في الحكم ، مقابل الخنوع والاستكانة أمام العدو الخارجي. كما ان الملكيات ليست معفاة من التهمة، فهي كذلك تدخل تحت خانة الحكم العسكري ما دامت تحكم شعوبها أساسا بالحديد والنار. وقد ترتب على هذا القمع الشامل نتيجة حتمية: بغض الشعوب للحكام. فالتحالف الصليبي- الصهيوني يدفع ملوك الطوائف المعاصرين إلى التضييق على الشعوب تحت حجج مختلفة، فتنتفض الشعوب كلما طفح الكيل، فتتدخل القوى الخارجية لصالح الأنظمة بعد ابتزازها ونيل أقصى التنازلات منها، لتستمر هذه الحلقة المفرغة إلى حين يستنفذ التحالف الصليبي-الصهيوني أغراضه كاملة. وأمثلة الماضي تؤكد تشابها كاملا في استعمال هذا الأسلوب، فسقوط القدس في يد الصليبيين سنة 1099 م كان ضمنيا بسبب تمرد الأهالي ضد الحكم العسكري السلجوقي سنة 1076 م، فما كان من هذا الأخير إلا أن رد بقمع شديد تجاههم مما أدى إلى إفراغ مدينة القدس من الآلاف من سكانها، وتركها منذئذ كاللقمة السائغة بعدما لم يعد من يدافع عنها... كذلك القمع العسكري المعاصر لأهالي العراق والشام ومصر وشمال إفريقيا – خزانات المقاومة الإسلامية عبر العصور - هو سبب أساسي في الهوان الحالي للشأن العربي، بعدما تعرت الأنظمة عن أدنى شرعية سياسية، دون حتى أن تنال رضا أمريكا التي تعتبر أن مهمتها انتهت الآن. الأسباب الاقتصادية فيما يخص الأسباب الاقتصادية نجد أن هناك اختلافا ملحوظا بين الأمس واليوم، فعند الحملة الصليبية الأولى كانت الدول الإسلامية منارات حضارية، وعلى سبيل المثال كانت بغداد - عاصمة الخلافة - تعد المدينة الأكثر تطورا في العالم، إذ كانت تزخر بالمستشفيات المجانية والحمامات العمومية وأنظمة البريد والصرف الصحي، بل وكانت تتوفر على أبناك ذات فروع في شتى البلدان ومنها الصين.. بينما كانت الدول الصليبية تعيش في بحر من الظلمات، ولذلك سعت إلى تغيير وضعها البئيس بتحويل طرق التجارة لصالحها بأي شكل من الأشكال، فكان أن حققت ذلك عن طريق الحملات الصليبية. إنما اليوم نجد العكس.. فالدول الصليبية تعيش في رخاء لا مثيل له، في حين أن الدول "الإسلامية" تعيش حالا يرثى له، اللهم إلا في استثناءات قليلة تزداد قلة مع مرور السنين. فهل هناك أسباب اقتصادية للحملة الصليبية الحالية؟ إن الأمة الإسلامية تعيش وضعا استثنائيا لا مثيل له: فهي الأغنى والأفقر في ذات الوقت.. هي الأغنى بما أنعم الله عليها من ثروات.. والأفقر بسبب تبعية حكامها للتحالف الصليبي- الصهيوني، وتفريطهم في خيراتها بثمن بخس أحيانا، وبلا مقابل في أكثر الأحيان. لقد استمر هذا الوضع المثالي للأعداء برهة من الزمان، لكن الصحوة الإسلامية الجارفة، واشتعال روح الجهاد باتت تهدد هاته المكتسبات. وبما أن الأنظمة الدمى باتت على كف عفريت، واحتمال سقوطها أضحى كبيرا للغاية، فإن الصليبين يخشون أن تسقط معها امتيازاتهم الضخمة فيرتفع ثمن النفط، فيتبع ذلك غلاء شديد للأسعار وأزمات اقتصادية، وهو ما لا يريدون أن يحدث (آثار حظر النفط بعد حرب أكتوبر 1973 لبثت أحقابا في الذاكرة الغربية)، مما يدفعهم للتحرك والسيطرة المباشرة على مناطق المسلمين. ليس هذا وحسب، فإن الاقتصاد الأمريكي يواجه اليوم أعظم أزمة اقتصادية منذ أزمة 1929، ولا أدل على ذلك من انهيار البورصة الأمريكية طيلة سنة 2002، وما نتج عنه من فقدان أزيد من 5 تريليون دولار، إضافة إلى تسببه في أزمة عالقة للقطاع السكني قد يترتب عليها مثل تلك الخسائر الضخمة وزيادة. وهذا يعني أن الاقتصاد الأمريكي يكمن على حافة الهاوية إذا لم يتم تداركه بإجراءات إنعاش راديكالية، وزاد الطين بلة فشل الخطة الاقتصادية لإدارة بوش الأبله (إقالة وزير الخزينة الأمريكي خير دليل)، فكان أن ظهر الحل السحري بالسعي لاحتلال منابع النفط وإبرام صفقات ضخمة جديدة للسلاح وإعادة الإعمار. 2 - خطوط عريضة لصد العدوان الصليبي عنصر المفاجأة خلال الحملات الصليبية الأولى كان هجوم العدو مباغتا للمسلمين، الذين فوجئوا دوما بهجوم الغزاة وكذلك بعددهم وعتادهم، ولذلك كان العدو يستفيد من هذا العنصر أيما استفادة فيحرز المكاسب تلو المكاسب. لكن الشأن مختلف اليوم، فجل المعلومات المتعلقة بالحملة الصليبية معروفة مسبقا، ولا مجال لعنصر المفاجأة إطلاقا. في المقابل نجد أن المجاهدين هم الذين يحتكرون عنصر المفاجأة، ويحددون توقيت ومكان العمليات، فأحرزوا بذلك سبقا لا يقدر بثمن. كما أن الإعلان الوقح عن الحملة الصليبية والأهداف التي يتوخون من وراءها كذلك صب في مصلحة المجاهدين، وذلك لأن صناع الرأي الإسلامي على اختلاف مشاربهم باتوا مدركين لحقائق الأمور، ولم يعد هناك ما يصرف عن اتباع خطوات عملية للدفاع عن الأمة، عوض الدخول كما كان يأمل الأعداء في متاهات جانبية. التعبئة العامة إن تعبئة المسلمين عامة وفي كل الأقطار من أولى الأولويات لمواجهة الخطر الداهم، وهو الأمر الذي لا يجب أن يقتصر على المجاهدين وحدهم، وإنما ينبغي أن يتعداه لكافة القوى والفعاليات الاسلامية لأن مصير الأمة الإسلامية هو الذي يرجح في الكفة هذه المرة، وليس مجرد قضية ثانوية إذا اهتم بها البعض حصلت الكفاية. ودور العلماء والدعاة المخلصين عظيم في هذا الشأن، ولعل التاريخ يثبت لنا هذه الأهمية: لقد جوبهت الحملات الصليبية الأولى بلا مبالاة مطلقة من طرف الحكام في صورة مطابقة لما يحدث اليوم، لكن أحد العلماء الربانيين وهو أبو الفضل بن الخشاب عالم مدينة حلب وقاضيها، كان له الفضل في بث روح الجهاد ضد الصليبيين، وتحريض المؤمنين على القتال في سبيل الله، وعدم ترك هذه الفريضة في يد الجيوش النظامية التي ابتعدت عن الطريق القويم، ولم يعد يهمها سوى مصالح قادتها المادية. لم يكن الأمر سهلا آنذاك فقد أخذ الفساد في النخب الحاكمة مأخذه، لدرجة أن حاكم حلب رضوان رضخ لأمر القائد الصليبي Tancred، وهَمَّ بإقامة صليب فوق مئذنة المسجد الجامع بحلب . فما كان من ابن الخشاب إلا أن قاد انتفاضة كسرت الصليب، بل وذهب أبعد من ذلك حين قرر زيارة بغداد سنة 1111 م ليحث القيادات هناك على الجهاد. وبعد أن حاول لقاء الخليفة دون جدوى، ذهب إلى أكبر مساجد بغداد ومنع الخطيب من الصعود لخطبة الجمعة وأخذ الكلمة مكانه، فحرض الحاضرين على الجهاد وذكرهم بواجبهم تجاه الأمة. لم يثمر هذا العمل سوى تطمينات رسمية لا تسمن ولا تغني من جوع، فأعاد ابن الخشاب الكَرَّةَ ثانية في الجمعة الموالية لكن في مسجد الخليفة هذه المرة، فنتج عن هذه الخطوة بداية تغيير في الخط السياسي السلبي الذي ساد الأوساط في بغداد خلال تلك الفترة.. لكن ذلك لم يكن كافيا نظرا للتعقيد الذي وصلت إليه الأمور.. مع ذلك لم يُقل ابن الخشاب ولم يستقل، بل سخر حياته في البحث عن سبل صد العدوان الصليبي، فكان يخرج مع سرايا المجاهدين ويشهد بعض انتصاراتهم، فما لبث أن اغتالته أيادي عملاء الصليبيين بعدما اشتد خطر مشروعه الجهادي. ليست مثل هذه المواقف حكرا على الماضي، فذكرى الشيخ عبد الله عزام لا زالت قوية في الأذهان، كيف لا وهو الذي قام بمثل ما قام به ابن الخشاب وزيادة، وله الفضل بعد الله في إذكاء جذوة الجهاد في زماننا من جديد. إنها النفسية التي ينبغي أن تسود علماء الإسلام ودعاته.. نفسية لا تعرف العجز والكسل ولا الذل والاستكانة. قد تختلف الأوضاع اليوم بأنه لا خير في أي نظام قائم، ولا مجال أصلا للانكار على الحكام يوم الجمعة لأنهم باختصار لا يصلون. لكن تعبئة المسلمين وحثهم على الجهاد والنصرة بالغالي والنفيس، ودعم المجهود الحربي الجهادي بشكل سري ومنظم من المتطلبات العاجلة للمرحلة.. في انتظار أوقات أفضل على المستوى الرسمي. إيجاد الخزانات الاستراتيجية من بين أسباب اندحار المسلمين في الحملات الصليبية الأولى أن الجند كانوا حديثي عهد بإسلام. فقد كان السلاطين يجلبون المقاتلين من قبائل التركمان ليحدثوا نظاما عسكريا احترافيا حتى لا يكون للأهالي دور في الجيش أو رأي في شأن الملك. لكن مع مرور الوقت حدث عكس ما كان يصبوا إليه الحكام إذ انقلب هؤلاء الجند التركمان عليهم واستقلوا بالحكم لأنفسهم. فكان لهذا الأمر الوقع السيئ على قضايا الأمة لأن هؤلاء الحكام الجدد وجيوشهم لم يكونوا يحملون الهم الإسلامي قط، بل كان المال هو أكبر همهم. لكن حصل تحول جذري حين فقد الملك نور الدين زنكي أجزاء من مملكته لصالح أخيه، ففقد معها جزءا كبيرا من جيشه. وبما أنه لم تكن له القدرة المالية الكافية لجلب الجنود التركمان، فقد استعان عوضا عنهم بعنصر آخر: الأكراد. كان الأكراد - خلافا للتركمان - قد أسلموا قديما، فكانوا يشعرون بما تشعر به الأمة ويتألمون مما تتألم منه، إضافة إلى أنهم كانوا أولو قوة وبأس في القتال. فحصل بدخولهم الميدان انقلاب في الموازين القائمة، تَوَّجَهُ صلاح الدين الأيوبي (الكردي) باستعداة القدس من أيدي الصليبيين. لعل العبرة التي يمكن استنباطها من هذا التحول التاريخي هو ضرورة اهتمام الحركات المجاهدة بإيجاد وتهييء مثل هذه الخزانات الاستراتيجية، التي يكون أصحابها من أقوام ذوي إيمان أصيل وتاريخ عتيد في القتال وفنونه. فإن في ذلك سببا عظيما في استمرار الجهاد والنكاية في العدو. مواجهة الحرب بالوكالة إن الصليبيين توصلوا إلى أعلى درجات التمكن والسيطرة خلال الحملات الصليبية الأولى والثانية والثالثة، وتمكنوا من نسج تحالفات مع حكام المنطقة، وتفعيل الخلافات البينية للمسلمين لصالحهم، لدرجة لم يكن معها من الممكن المقاومة بفعالية. لكن هذه المناورات سقطت حين انتشرت الدعوة الإسلامية في صفوف الأمة وتم بناء عناصر القوة، فتمكن المسلمون من دحر الغزاة. واليوم يمكن القول إن درجات الوعي الشرعي والسياسي بلغت حدا مقبولا، عرفت إثره الشعوب حقيقة الموقف الحالي، كما أن المجاهدين عرفوا كيف يستديرون على الأنظمة الخائنة ويؤججون الجهاد مباشرة على التحالف الصليبي الصهيوني. فالأمة لم تقعد مسلوبة الإرادة لتنتظر أحد هؤلاء الحكام الملاعين ليعلن الجهاد (وهو ما لن يحدث أبدا)، بل قامت طلائعها المجاهدة بالواجب منذ أكثر من عقدين وإلى حدود الساعة بكفاءة عالية. ومع ذلك فإن التصدي للتحالف الصليبي الصهيوني يتطلب على المدى المتوسط والبعيد تسخير كل قدرات الأمة - التي ارتهنها الحكام لصالح نزواتهم ولمصلحة الأعداء - مما يعني ضرورة السعي لتغيير بعض هذه الأنظمة، التي تتوفر على مقومات استراتيجية تحسن - إذا ما حصل عليها المجاهدون - الوضع الاستراتيجي للمسلمين. ويمكن القول أن هذا بالذات كان هو نهج أبطال الإسلام في حروبهم ضد الصليبيين، فالاستراتيجية التي تبناها زنكي و ابنه نور الدين ثم صلاح الدين الأيوبي بدأت بالقضاء على فساد الوضع العقدي والسياسي في البلاد الإسلامية المحيطة بمستعمرات الصليبيين، قبل حسم المعركة معهم. الدفاع الاستراتيجي إن أكبر خطإ ارتكبه المسلمون في الحملة الصليبية الأولى كان هو عدم التصدي المستميت لجحافل الغزاة خلال المعارك الأولى سنة 1097 م، فمثلا نجد أن قلج أرسلان - قائد أول جيش مسلم يواجه الصليبيين في الأناضول – قد تفاجأ بطريقة حرب الصليبيين المغايرة تماما لما كان يمارسه الأتراك، فتركهم يمرون إلى الأراضي الأخرى، ظنا منه أنهم سيلقون حتفهم على أيادي جيوش مسلمة أخرى. لكن هذا التسويف والتلكؤ ألهب حماس الصليبيين وزادهم شهية لتحقيق ما يصبون إليه. يختلف الوضع اليوم بأن المجاهدين والحمد لله صدوا هجوم أمريكا على أفغانستان بكفاءة، بل وانتقلوا إلى الهجوم المضاد مما أربك حسابات الصليبيين ودفعهم لتغيير بعض برامجهم. ويا ليت نفس الأمر يحدث خلال غزو العراق، وذلك أن منع أمريكا من تحقيق مآربها هناك سيكون ذا أثر بليغ على المخططات الموضوعة وعلى القائمين عليها، وسيفتح آفاقا واسعة أمام المجاهدين. ملء الفراغ السياسي إن الاندفاع الصليبي الصهيوني المسعور نحو احتلال قلب العالم الإسلامي قد يخلف زلازل سياسية في بعض أقطاره، مما قد يسفر عن سقوط أنظمتها المتهالكة. في هذا الإطار لا بد للفعاليات الإسلامية من السعي بكل قوة لملء هذا الفراغ السياسي، وأن تكون على استعاد للتحول من قوى شعبية كما هي الآن إلى قوى سياسية، فإن هذا من شأنه أن يقوي الموقف الإسلامي. والمقارنة مع الماضي تؤكد حصول ذات الشيء، فقد ظهرت قوى سياسية إسلامية ناشئة ملأت الفراغ السياسي، ولعل ظهور دولة المرابطين في الجناح الغربي للأمة الإسلامية من أمثلة هذا الإفراز، الذي كانت له نتائج سريعة على الميدان، خاصة على مسرح الحرب في الأندلس مما قوى الموقف الإسلامي هناك. تعاضد الجهود من المعلوم أن حالة التشرذم التي كان يعيشها المسلمون هي أهم سبب وراء انتصار الصليبيين في الماضي. فمنطق المدينة/الدولة الذي كان سائدا دق إسفينا عميقا في محاولات جمع الكلمة، لأن المصلحة الوحيدة المعتبرة هي مصلحة حكام تلك المدن/الدول. وإذا كان موقف الأنظمة الحاكمة اليوم هو نسخة مطابقة لأصل ما حدث في الماضي، فإن المطلوب من الحركات والفعاليات الإسلامية ألا تسقط في هذا المطب فتحكم على نفسها وأمتها بالإعدام، وذلك لأن الوعي بوحدة الموقف والمصير من أهم متطلبات المرحلة، وبدونه لن تذوق هذه الأمة طعم النصر. 3 - الخاتمة التاريخ يعيد نفسه.. حكمة طالما تم ترديدها.. ربما دون استيعابها حق الاستيعاب. .لكن من يقرأ كتاب الله.. ويقرأ: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله..} يعلم أن سنن الماضي تعود وتتكرر لا محالة.. وها قد عادت.. إن الحملة الصليبية اليوم تكرار لما حدث في أيام خلت، وستحدث فيها بإذن الله سنة التدافع تماما كما حدث في الماضي.. وربما تكون الوتيرة أسرع.. فالأمة الإسلامية تعيش وعيا إسلاميا قل نظيره في القرنين الأخيرين.. وها هي قد ألقت بفلذات أكبادها يواجهون جحافل الكفر شرقا وغربا.. وآخرين مستعدين للحاق بهم على أحر من الجمر. إنها مسألة وقت.. ووقت فقط.. قبل أن يدرك بوش الأبله جسامة الخطإ الذي اقترفه.. فقد أخرج البعبع الإسلامي من قمقمه.. وحان وقت الحساب. المراجع: • ابن كثير، البداية والنهاية – تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي- دار هجر- القاهرة 1998. • ابن الأثير، الكامل في التاريخ – دار صادر - بيروت 1966. • د. زهير شكر، السياسة الأمريكية في الخليج العربي، الدراسات السياسية الاستراتيجية 1980. • د. محمد فراج أبو النور، "صدام الحضارات.. واستراتيجية الهيمنة الأمريكية،" جريدة البيان، العدد 599. • عبد العزيز كامل، "حرب الخليج الثالثة..وتداعياتها الخطيرة،" جريدة الشعب، 27/12/2002 • د. حسن الباش، "حرب صليبية جديدة.. هـل هي زلـة لسان أم استراتيجية المنطق الغربي؟ "مجلة الإسلام عدد 81. • Terry Jones and Alan Ereira, Crusades, Penguin Books 1996. • Patrick J. Buchanan, The Death of the West, St Martin Press 2002. • Dean Baker, “Dangerous Minds? The Track Record of Economic and Financial Analysts,” Center For Economic and Policy Research, 2/12/2002 • Stephen Zunes, “U.S. Policy toward Political Islam,” Foreign Policy in Focus, Vol.6 Number 24 June 2001. الحروب الصليبية بين الماضي والحاضر أبو أيمن الهلالي تعتبر الحركة الصليبية من الظواهر التاريخية الكبرى التي لم تتوقف إلى يومنا هذا، بحيث عرفت تجديدا في الخطط وابتكارا في الأساليب، وتنوعا في وسائل محاربة المسلمين. كما لم يسجل في تاريخ البشرية جمعاء، وفي كافة مراحله حملة مثلها سوى الحركة الصهيونية، لأنها لم تقتصر على المسلمين فقط، بل نالت حتى من المسيحيين الذين كانوا يعيشون في سلام وأمان في الشرق الإسلامي، ويكفي المجازر التي وقعت في بغداد وسوريا وفلسطين والأندلس...مثالا حيا وصارخا على هذه الحقيقة/الحركة الصليبية، والتي دفعت ببعض العقلاء من الأوروبيين إلى الاعتراف بدموية ووحشية أجدادهم. لكن رغم كل ما قامت به لإرغام الناس عامة والمسلمين خاصة على التنصر، فإنها فشلت بامتياز في القضاء على الإسلام، بل كانت لها آثار إيجابية تمثلت في تحريك مشاعر المسلمين، وتوعيتهم بحقيقة العدو، ودفعهم إلى خوض معركتهم المقدسة التي تسعى لإقبار هويتهم واجتثاث وجودهم والاستيلاء على خيراتهم وأراضيهم، وصدق ربنا إذ يقول في منزل تحكيمه: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (الأنفال: 30)، وقوله سبحانه وتعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (البقرة:216). أمام جهل البعض بدينه وتاريخه وواقعه، وعمالة الآخر-ولا سيما القيادات الفكرية والسياسية-، تم اختزال جوهر الصراع في المسألة الاقتصادية، والمصالح السياسية والأمنية، والرأي العام والديمقراطية وحقوق الإنسان...، بحيث تصدرت هذه القضايا/الاقتصاد... برامج الأحزاب العلمانية وبعض الإسلاميين، واعتبرت من أولوياتها، مع الإغفال التام للأساس العقدي والفكري الذي يحكمها، حتى شهـد شـاهد من أهلها/بوش- الذي يمثل رأس الصليبية العالمية-، وصرح أمام العالمين بأنه سيشن حربا صليبية على المسلمين بسبب صدمة غزوتي نيويورك وواشنطن، التي أخرجت مكنونه النفسي، وكشفت عن بنية وعيه وحقيقة نيته وعقيدته الصليبية، والتي تزامنت مع بداية الألفية المسيحية الثالثة. هذا الوعي الذي عبر عنه بوش يرجع بالأساس إلى الوعي الغربي الصليبي المشترك، الوريث الشرعي لتراث يهودي مسيحي، الذي يجعل من الزمن مراحل تنتهي كل ألف سنة، ويستأنف دورته الجديدة مع الألفية الجديدة. ويعتبر سلوك قائد الحملة الصليبية الاستعمارية البريطانية أوائل القرن الماضي في بلاد الشام، وتحريضه أن يطأ قدمه قبر قاهر الصليبيين صلاح الدين الأيوبي، مصرحا بانتهاء الحروب الصليبية ولاسيما بعد إسقاط الخلافة العثمانية، وإحكام السيطرة على بلاد المسلمين نموذجا لهذه العقيدة، وأيضا ما يقوم به كتاب أمريكا ومفكروها ومؤسساتها في هذه الألفية من عمل تطهيري جديد، يهدف إلى تدمير كل ما هو إسلامي. إن العدو الصليبي حاول زعزعة ثقة الأمة بما تملك من مقدرات تاريخية وحضارية وثقافية وفكرية، وطاقات بشرية كمية (عددية) وكيفية (أدمغة)، وموقع جغرافي استراتيجي متميز، لكن كيف نستثمر هذه المعطيات في رحلة انبعاث حضاري جديد؟ وكيف نؤهل الأمة لتكون في مستوى التحديات/الصراع؟ وكيف نستفيد من تاريخنا/ذاكرتنا الذي يختزن في طياته الكثير من التجارب والحقائق؟ وكيف نجعله عنصر إلهام لنا في المواجهة والنهوض والتحرير؟ وكيف نتصدى لحرب اللغة والمفاهيم التي تجري في الخطاب قبل الواقع؟ أي كيف نحدد معاني المفاهيم ونفهم الحقائق ونتحرر من التحكم الثقافي الذي يستخدمه إعلام العدو، الذي يحول المجاهد إلى إرهابي والشهيد إلى انتحاري والعدو إلى صديق والظالم إلى مظلوم...؟ وكيف يتحرك العدو؟ وكيف انتصر أجدادنا؟ ولماذا انهزمنا؟ وما السبيل إلى التحرير؟ هذه الأسئلة وغيرها هو ما سنحاول الإجابة عنه من خلال المحاور التالية: أولا - جذور الصراع: إن جذور صراعنا مع العدو الصليبي ترجع بالأساس إلى العلاقة التاريخية بين الإسلام والنصرانية، أي إلى موقف النصارى من الإسلام ونبي الرحمة محمد رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام، وهذا ما كشفه ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم في قوله: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ}(البقرة:120)، وقوله سبحانه وتعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(البقرة:109)، وقوله تعالى: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}(البقرة:217). وهذا ما جعل النصارى ينقسمون في عهد رسولنا العظيم عليه أفضل الصلاة والسلام إلى فريقين بخصوص موقفهم من الإسلام: أ - أهل الذمة: الذين فضلوا مصالحة الرسول وعدم قتاله، ودفع الجزية، أي الخضوع لشريعتنا السمحة، مثل نصارى نجران... لذا، فمثل هؤلاء ليس لدينا أي إشكال معهم في عصرنا الحالي الذي لا توجد فيه خلافة إسلامية، وهو ما نعبر عنه في خطابنا بالعقلاء المسالمين التواقين للحرية والعدل، الرافضين للظلم مثلنا، الذين يجب أن نبرهم ونقسط إليهم مصداقا لقوله تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة: 8) ويدخل في هذا الإطار التصريحات الأخيرة للأب عطا الله حنا (الناطق الرسمي بلسان الكنيسة الأرثوذكسية في القدس)، حيث دعا إلى تشكيل لجنة إسلامية مسيحية تعمل على إفشال الحرب على العراق، والعمل على تحرير فلسطين من البحر إلى النهر إثر استقباله وفدا رسميا شعبيا في مدينة حيفا في فلسطين المحتلة عام 1948، كما أشاد بالعمليات الاستشهادية التي تطال عمق الكيان الصهيوني مؤكدا أن: "هؤلاء الاستشهاديين الفدائيين هم أبطال هذه الأمة، ونحن نفتخر بهم ونرفض قطعيا المحاولات المشبوهة في التشكيك بما يقومون به، ودعا المسيحيين العرب والفلسطينيين إلى الانخراط في المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني بكافة أشكالها وأساليبها، ذلكم لأنهم جزء من هذا الشعب الفلسطيني وهذه الأمة . ب - المحاربون: الذين قاتلوا الرسول ، أي لم يخضعوا لأحكام الإسلام، مثل نصارى مؤتة وتبوك... لذا، فالحملات الصليبية التاريخية والجديدة بزعامة بوش تعتبر امتدادا طبيعيا لحركة النصارى المحاربين، وإن اختلفت الأسماء والعناوين والأساليب، لأنها تلتقي على ثابت عقدي وسياسي واحد هو محاربة الإسلام وأهله، وهذا هو الأساس الجوهري الذي يجب أن تفهم من خلاله مجموعة من القرارات والمواقف السياسية والاقتصادية والأمنية... التي يتخذها الغرب الصليبي اتجاه قضايانا المصيرية (فلسطين، الشيشان، أفغانستان، العراق، الفلبين، كشمير...). وعليه فإن صراعنا مع الصليبية الجديدة صراع عقدي سياسي حضاري في جوهره، أي صراع وجود في بلادنا الإسلامية، حيث لا هدنة ولا تفاوض ولا حوار، أي المواجهة والقتال ودماء الشهداء هو سلوكنا السليم والصحيح اتجاههم، لتحرير بلادنا من دنسهم، وإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى مصداقا لقوله: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} (البقرة: 193). ثانيا - السياق التاريخي لنشوء فكرة "الحركة الصليبية": إن الأجواء الفكرية والنفسية التي كانت سائدة عند النصارى بخصوص نهاية العالم بعد الألفية الأولى من معاناة المسيح عليه السلام على الصليب، كانت المحرك الرئيسي لتحويل المشاعر المتعلقة بالعالم الآخر صوب بيت المقدس من أجل الخلاص، والأرضية الخصبة لنشوء الحركة الصليبية، حيث عرفت هذه المرحلة زيادة كبيرة في عدد الرحلات التي قام بها النصارى من غرب أوروبا إلى بيت المقدس. هذه المرحلة كانت مقدمة ضرورية للنصارى، وفرصة مناسبة للتفكير الجدي في السيطرة على الأرض التي شهدت قصة المسيح عليه السلام، بحيث بدأت الكنيسة في الدعاية ضد المسلمين، ونعتهم بالكفار المتوحشين ، وبالموازاة تعبئة النصارى للقيام بالحملة الصليبية لتخليص الأرض المقدسة، والتي توجت بالخطبة التاريخية التي ألقاها البابا أربان الثاني في 27/11/1095 في جنوب فرنسا (كليرمون)، والتي دعا فيها إلى القيام بحملة ضد المسلمين في فلسطين تحت راية الصليب. هذه الخطبة كانت نتيجة للمجمع الديني الذي عقده البابا مع جمع من الأساقفة أثناء مناقشتهم لأحوال الكنيسة، كما قامت على إثرها عدة مستوطنات صليبية في فلسطين وبلاد الشام ما بين 1096 و1291 م، لكن استعمال اصطلاح "الحملة الصليبية" لم يحدث سوى في بداية القرن 13 م، لأنها في البداية كانت توصف ب"الرحلة إلى الأرض المقدسة" أو "الحرب المقدسة"...، وبعدها صار توسيع الحملات الصليبية ضد المسلمين في فلسطين والأندلس وعلى شواطئ البلطيق...، كما استعملت البابوية فكرة "الحرب العادلة" في القتال ضد مسلمي الأندلس، أما المؤرخون المسلمون (ابن الأثير، ابن كثير...) فكانوا يسمونها ب "حروب الفرنجة" أو "الإفرنج". بعد نجاح الحملة الصليبية الأولى في إقامة مملكة بيت المقدس وعدة إمارات أخرى في البلاد العربية، أصبح همهم الأساس هو نشر قوات عسكرية ضخمة للدفاع عنها، ونشر المسيحية بين شعوب المنطقة. ولما استرجع الإمام صلاح الدين الأيوبي مدينة بيت المقدس سنة 1187 م/583 هـ، ركز الصليبيون جهدهم في الدفاع عن ما تبقى من كيانهم في فلسطين، بحيث حاولوا غزو مصر في الحملة الخامسة (1218 م)، وكذلك في الحملة السابعة (1249 م) التي قادها لويس التاسع. ولقد استمرت الحملات الصليبية قرنين من الزمان (489 – 610 هـ)، أي مند حملة البابـا إلى سقوط عكـا ونهاية - فيما بعد - الوجود الصليبي في فلسطين. بعد ذلك، حاول البابا "نيقولا الرابع" تعبئة النصارى وتذكيرهم بسقوط مماليك الصليب (عكا، بيت المقدس...) في الشرق الإسلامي، لكن دون جدوى نظرا لعدم قدرتهم/ الإرهاق، والخسائر الفادحة التي تكبدوها خلال قرنين. ثالثا - أوضاع المسلمين قبل الحروب الصليبية: يمكن تلخيصها في الخطوط العامة التالية: - الانقسام والتشرذم وهيمنة المصالح الشخصية الضيقة دفعت الحكام إلى تحويل كل مقدرات الأمة (البشرية والمادية) إلى عقار/حساب خاص. - تخاذل الحكام وأنانيتهم وضيق أفقهم الذي ضيع البلاد وأذل العباد. - ابتعاد العلماء الصادقين عن السياسة شجع الحكام على تدبير أمور الأمة وفق أهوائهم وغرائزهم، بعيدا عن همومها وقضاياها. -ضعف الدولة العباسية "السنية" دفع بالعبيديين/الفاطميين "الشيعة" إلى الانقضاض على شمال إفريقيا، وتكوين الدولة الفاطمية، وتقتيل علماء أهل السنة، والاستعانة باليهود والصليبيين ضد المسلمين، ومحاولة إبرام اتفاق/التحالف مع العدو الصليبي على اقتسام الأرض والنفوذ على حساب الأتراك "السنة"، لكن فشلوا بسبب رفض العدو ، بل وصلت بهم الوقاحة/الخيانة إلى حد أن الأسر الحاكمة في شمال بلاد الشام كانت تتفرج علىالتقتيل الذي يتعرض له المسلمون "الأتراك" معبرين عن الفرح بهزيمتهم، فضلا عن تركهم لسقوط أنطاكية ولم يتدخلوا لإنقاذها. - تعدد الكيانات السياسية الصغيرة وغياب الوحدة، بحيث كانت كل مدينة كبيرة في بلاد الشام مثلا تمثل إمارة مستقلة تحت حاكم. - عجز الحكام وضعفهم بسبب الحروب التي خاضوها فيما بينهم على مدى قرن كامل. - شيوع الشك والريبة وانعدام الثقة فيما بين الحكام. رابعا - العوامل الرئيسية التي ساهمت في تحرير القدس/ الأمة: ترجع هزيمة العدو الصليبي بعد توفيق الله سبحانه وتعالى إلى الأسباب التالية: - إحساس الرأي العام/الأمة بخطورة الهجوم الصليبي بسبب همجيته، والتدمير والتقتيل والتشريد والقهر والإذلال الذي تعرضوا له. - قيام العلماء بدورهم في التحريض والتعبئة، وتذكير الأمة بمكانة القدس الشريف "أولى القبلتين وثالث الحرمين" الدينية، وفضل الجهاد والشهادة، وتوعيتهم بحقيقة العدو وطبيعة أهدافه التوسعية. - بدأ المجاهدون التحرك الجاد من أجل توحيد الجهود ضد العدو الصليبي، أي كان شعار المرحلة "فلنترك خلافاتنا جانبا ولنتحد جميعا حول جهاد عدونا المشترك/الصليبي، فكان بديلا عمليا/المجاهدين للجيش الإسلامي، حيث لم ينهجوا سياسة التوسل اتجاه حكامهم. - ظهور عماد الدين زنكي كقائد عام للحركة الجهادية ضد الصليبيين، وخضوع الموصل سنة 521 هـ/1127 م، وأيضا البديل الصحيح لعجز الحكام وضعفهم، وفشلهم السياسي والعسكري، بسبب جديته وجهاده، لأن الرجل وضع كل إمكانياته في خدمة الهدف الإسلامي المرحلي المتمثل في جهاد الصليبيين. - بعده، برز الإمام صلاح الدين الأيوبي الذي واصل الطريق/ المسيرة الجهادية، وقام بمجموعة من الخطوات كانت أهمها إزالة دولة الفاطميين، وتوحيد السلطة والقرار في مصر. - بعد ذلك، بدأ بترتيب أوضاع المجاهدين الداخلية في كل من مصر والشام لمدة ست سنـوات (572 –577 هـ/ 1176–1281م)، وعدم توسيع دائرة الصراع مع الصليبيين، وبالموازاة تحقيق مجموعة من الانتصارات التي توجت بهزيمة العدو في حطين 582 هـ/1187 م. بعد حطين، بدأت المدن والقلاع الصليبية تستسلم، فاتجه الإمام صلاح الدين صوب القدس الشريف، وتم فتحها بعد حصار قصير. وعليه، فلقد أدرك العدو الصليبي - كما أدرك إمامنا صلاح الدين - أن مفتاح القدس يوجد في مصر، أي السيطرة عليها تعتبر مقدمة ضرورية لا يمكن تجاوزها. خامسا - أساليب وآليات الحركة الصليبية الجديدة: لم تتوقف الحركة الصليبية طيلة تاريخ المسلمين، أي منذ بعثة نبي الرحمة رسولنا العظيم عليه أفضل والصلاة، لكن أساليبها كانت متغيرة، تختلف من مرحلة إلى مرحلة حسب ميزان القوى وجدوائية الأسلوب في تحقيق هدفهم الثابت/تدمير المسلمين، مما دفعهم إلى التجديد الدائم في الأسلوب والابتكار في الآليات، وكذلك في الشعارات والعناوين والأهداف التضليلية. يمكن إجمال أساليبها وآلياتها في النقاط التالية: أ - الاستعمار العسكري: الذي يعتبر امتدادا للحركة الصليبية، وقد تم التمهيد له بأبحاث ودراسات ميدانية حول الخصائص البشرية والمادية للبلدان المستهدفة تحت عنوان "الاكتشافات الجغرافية"، ليتم في نهاية المطاف السيطرة على ثرواتها والتحكم في خياراتها عن طريق العملاء، أي بعبارة أخرى ضرب كل البنى العقدية والسياسية والعسكرية والاقتصادية، والتأسيس لبدائل تنسجم مع أهدافهم الاستعمارية. ولضمان استمرار تطويعهم لإرادة الأمة الإسلامية، ومنع أي خطر مستقبلي على مشروعهم الصليبي التوسعي، تم وضع مجموعة من الألغام السياسية -كاتفاقية "سايكس بيكو" مثلا- لعرقلة كل حركة تبحث عن الحرية والاستقلال الحقيقي وليس الشكلي كما هو حاصل في كل البلاد الإسلامية، وتسهيل تحكمها من خلال: - الدولة القطرية: كانت ضمن المشروع الصليبي الاستيطاني، حيث تم في عام 1792 تكوين حلف صليبي مقدس من الصرب والبوشناق والمجر وبلغاريا ونصارى ألبانيا لقتال العثمانيين وإزالة الخلافة، وتقطيع فيما بعد العالم الإسلامي إلى دوليات صغيرة ، أي أن "سايكس بيكو" كان مخططا له منذ زمن بعيد. و تتجلى خطورتها على المشروع الإسلامي التحرري في الأمور التالية: • أنها كيان غريب عن مرجعية الأمة ووجدانها، وذلك بتغييبها للذات الإسلامية كمركز ينظم كل أشكال الوعي بالوجود، حيث أصبحت من ملحقات العدو الصليبي. • أنها استهدفت هوية الأمة، وشرعية وجودها العقدي والسياسي والحضاري، لأن الهوية لا تصبح قضية عندما تكون منهجا في حياتنا اليومية، وإنما تطرح عندما تتعرض للتحقير والتهديد والإلغاء. • أنها تساهم في تجفيف ينابيع الأمة العقدية والسياسية والحضارية ومضامينها التحررية، حيث أصبح دور الإسلام هامشيا عبر اختزاله في أشكال طقوسية وفلكلورية فارغة. • أنها نقطة ضعف الشعوب الإسلامية التواقة إلى الحرية والاستقلال، لأنها أداة المستعمر الصليبي في تكبيل إرادة الشعوب عبر التجويع والقمع والتقتيل والاعتقال، وأيضا حماية وجوده ومصالحه. • أنها تساهم في إضعاف بنية الاجتماع السياسي من خلال تعدد المرجعيات العقدية والسياسية، وعامل انشطار المجتمع. • أنها العائق الكبير أمام توحد الأمة الإسلامية، وتعاون المسلمين وتضامنهم فيما بينهم. • أن همها الأساس هو الصراع على الحدود المصطنعة، والالتجاء في نهاية المطاف إلى العدو الصليبي لحل/عرقلة مشكلتها. - إقامة الملحقات الثقافية: التابعة للعدو كالمركز الثقافي البريطاني والفرنسي...، التي تنشر ثقافته، فهي بمثابة قاعدته الخلفية ومكتب للتنسيق بينه وبين العملاء والمرتزقة... - زرع الحركات الانفصالية: التابعة مباشرة للعدو الصليبي، والتي يتم دعمها بكل الأشكال لتكون ذريعته من أجل التدخل في البلد وتقسيمه، ويعتبر جنوب السودان مثالا حيا. - زرع الكيان الصهيوني: في قلب الأمة الإسلامية عبر وعد بلفور الذي جاء بعد المرحلة التمهيدية لاتفاقية "سايكس بيكو"، ليكون قاعدة للمشروع الصليبي التوسعي. إن الكيان الصهيوني اتبع نفس سياسة العدو الصليبي عند احتلاله لفلسطين حتى في اللقب الديني، حيث كان الصليبيون يسمون أنفسهم ب"فرسان المسيح" و"الشعب المقدس"، والصهاينة ب"شعب الله المختار"، أي امتداد طبيعي له وإن اختلفت الأسماء/صليبي أو صهيوني، فهو ارتكز في مشروعه على أساسين: - اغتصاب الأرض بالقوة. - القضاء على أصحابها، سواء بالتقتيل أو التهجير... ونفس السياسة مارسها العدو الصليبي في حملاته التاريخية ضد المسلمين، وتعتبر فلسطين والأندلس شاهدا حيا على جرائمه، وكذلك إبادة أمريكا لأصحاب الأرض الأصليين/الهنود الحمر، فضلا عن أن صاحب الفكرة هو نابليون، لأنه أول من دعى إلى قيام دولة صهيونية، وكان ذلك في أبريل 1799، والذي فشل بعد هزيمته في معارك عكا وأبي قير، وهذا يعني أن التعاون الصليبي- الصهيوني كان قبل ميلاد الحركة الصهيونية. - تحريك الأقليات الدينية والعرقية: واتخاذها كوسائل ناجعة للتدخل في شؤون الدولة، والضغط عليها من أجل الانصياع التام لمخططاته، بل أصبح المسلم مواطن من الدرجة الأخيرة، أي بعد النصارى والعلمانيين والعملاء والمرتزقة...، كما لا يتمتع بأية حقوق، والسؤال هو: ماذا ينتظر؟. ب - هيئة الأمم المتحدة: المؤسسة الدولية لحل النزاعات، لكن الملفت للانتباه هو سيطرة الصليبيين المطلقة عليها، بحيث نجدهم ممثلين بأربع مقاعد دائمة في المجلس (أمريكا، فرنسا، بريطانيا، روسيا) ما عدا الصين، كما يتمتعون بحق "الفيتو"، مع العلم أنه رغم العدد الضخم لسكان العالم الإسلامي الذي يفوق المليار فإنه غير ممثل. ج - الغزو الفكري المنظم: التجأ العدو الصليبي لهذا السلاح لاستدامة حالة الاستعمار، واستكمال المشروع الصليبي، لأنه أدرك من خلال تجربته التاريخية مع المسلمين، أنه لا يمكن القضاء عليهم بأسلوب المواجهة والقتال مادام كتاب الله بين أيديهم، لأنه يحرضهم على البراءة من الكفار وجهادهم، وسبب هزيمتهم عندما كان يحكم. وقد أخذ هذا الأسلوب أشكالا مختلفة من بينها: - التوطين لمعتقدات وأفكار الغرب الصليبي كمنظومة الديمقراطية والمجتمع المدني...، ليصبح المسلمون مجرد هوامش وذيول للمتن الغربي. - تشويه صورة الإسلام ورموزه بطريقة مباشرة وغير مباشرة. - زرع العملاء/العلمانيين التابعين للغرب الصليبي وحمايتهم، بل والضغط على الحكام من أجل تكريمهم. - التحريش بين المسلمين والتفريق بينهم على أساس "الإرهاب/الاستقامة" و"الاعتدال/الميوعة". د - الأعمال التنصيرية: القيام بالأعمال التبشيرية/التنصيرية في البلاد العربية والإسلامية مستغلة بذلك الفقر والجهل والمرض والحروب والكوارث لتحقيق عدة أهداف، من بينها: - تنصير ما يمكن تنصيره، وإن تعذر الأمر إخراجه على الأقل من دينه. - التجسس على العالم الإسلامي، وتقديم تقارير دورية للغرب الصليبي. - ربط المسيحية/الصليبية (لأن المسيح عليه السلام بريء من أعمالهم الإجرامية) بالرحمة والإنسانية، من خلال إرسال إغاثات رمزية ومساعدات تافهة، والتغطية في نفس الوقت على الإجرام الصليبي في كل من فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان والفليبين والبلقان...، ويبقى مقتل أكثر من نصف مليون طفل في العراق أكبر شاهد على ذلك؟ ونفس الأمر بالنسبة لكل من فلسطين والشيشان وأفغانستان... أما فيما يخص استراتيجيتها فتعتمد على مرحلتين: الأولى- الحصول على شرعية الوجود: تقوم بأعمال إغاثية وخيرية صرفة دون الإعلان عن نواياها الحقيقية، وبمؤسسات قليلة كي لا تطرح الشكوك، حتى تثبت أقدامها وتكتسب شرعية وجودها. الثانية - الزيادة في عدد المؤسسات التنصيرية وتجنيد/هيكلة المستهدفين: القيام علنيا بالأعمال التنصيرية من خلال الرفع من عدد المؤسسات التنصيرية العاملة، وتجنيد الفقراء واليتامى... ولقد طبقت هذه الإستراتيجية في عدة مناطق من بلادنا الإسلامية، وتعتبر "البوسنة والهرسك" - التي تمثل نقطة تماس مباشر بين العالمين الإسلامي والغربي- نموذجا واضحا، حيث استهدفت المؤسسات التنصيرية "يتامى البوسنة"، وعلى سبيل المثال تقوم مؤسستاDon Sindikata وikre بتنظيم رحلات لليتامى سنويا إلى إيطاليا وإسبانيا... في أواخر ديسمبر، حيث احتفالات رأس السنة الميلادية ومدتها 20يوما، والثانية ما بين يوليو وأغسطس ومدتها 40يوما، وتكون داخل عائلات نصرانية متدينة، فضلا عن الذهاب إلى الكنائس . وهذا ما أدركه المجاهدون الذين يحملون هموم أمتهم، ويسعون بجد لتحريرها عبر كل الوسائل الشرعية والممكنة، مما دفع بالمجاهد اليمني مؤخرا إلى اغتيال ثلاثة مبشرين أطباء، كانوا يستغلون جهل الناس وفقرهم من أجل تنصيرهم أو إخراجهم من دينهم، مما يعبر عن وعي عميق بخلفية المنصرين وطبيعة أهدافهم، وحقيقة الأعمال التنصيرية، عكس ما يروج بعض الجهلة أو العملاء من كون هؤلاء الأطباء كانوا يقومون بأعمال إنسانية في قرى نائية. هـ - العولـمة: التي تعني في جوهرها الترجمة الحقيقية لتوجه استراتيجي عام لسياسة العدو الصليبي/الأمريكي، لتدجين ما يمكن تدجينه، وضرب من يجب ضربه، لفتح الطريق وتأمينه للمشروع الصليبي، وتتخذ الأدوات السياسية والاقتصادية والأمنية... لتحقيق ذلك. سادسا - شواهد حية من الواقع: ونعني بها مجموعة من الأمثلة الدالة على حقيقة الحركة الصليبية الجديدة، وطبيعة أهدافها وسياستها، وموقفها الصريح من الإسلام، والتي منها: - إعلان بوش بعد الغزوة المباركة/11 سبتمبر بأنه سيقود حملة صليبية ضد المسلمين، تقوم بعمل شبيه بمحاكم التفتيش لاعتقال أو قتل أي شخص تحوم حوله الشبهة، وتنصير الباقين سواء بالارتداد إلى النصرانية أو تبني "الإسلام الأمريكي" على حد قول الشهيد الحي سيد قطب رحمه الله، وهذا ما يتم تطبيقه حاليا في البلاد العربية والإسلامية من طرف أولياء الصليبي بوش من حكام/عملاء والطفيليات العلمانية وبعض اللقطاء الصليبيين... وآخرون محسوبون على التيار الإسلامي... أما اعتذاره الغبي/نفاقه فيكذبه إجرامه المتجلي في إغلاق المساجد والمدارس الإسلامية، والخوف والرعب الذي يزرعه عند الأبرياء، والاعتقال والاغتيال الذي يتعرض له المسلمون في العالم، والسطو/سرقة على المؤسسات الاقتصادية... إن الحكومة الأمريكية الصليبية تهدف في نهاية المطاف إلى تدمير المسلمين، وشل قدرتهم ومحاصرتهم بالنشاط الكنسي. - احتضان ولاية كولورادو الأمريكية في أواخر السبعينات من القرن الماضي أكبر مؤتمر كنسي عالمي، الذي خرج بخطة علنية تستوجب تنصير العالم الإسلامي، والقضاء على الإسلام، وشكل في نفس الوقت دافعا جديدا وقويا، ساهم في الرفع من وتيرة النشاط التبشيري/الصليبي، حيث عرفت البعثات التنصيرية الأمريكية نموا ملحوظا في أنشطتها. - انفصال تيمور الشرقية عن الأرخبيل الأندونيسي، والذي كان نتيجة للضغط الغربي الصليبي على إندونيسيا، وأيضا التحريض المستمر للنصارى، فضلا عن المساعدة العسكرية والاقتصادية والسياسية التي عجلت بفصل هذا الجزء/تيمور الشرقية عن انتمائه العرقي والجغرافي، ونفس الأمر يطبق حاليا مع السودان، وأما حملتهم فلقد امتدت لتشمل البوسنة والهرسك والشيشان وكوسوفا وأفغانستان والفلبين... - قرار الكونجرس الصليبي بضم القدس، واعتبارها عاصمة آل صهيون، فضلا عن مساعدة اللقيط الصهيوني ضد إخواننا المسلمين في فلسطين الجريحة. - وصف القس جيمي سوجارت في شهر نوفمبر الماضي رسولنا العظيم عليه أفضل الصلاة والسلام ب"الضال"، وطالب بطرد جميع طلاب الجامعات المسلمين الأجانب من أمريكا، ورحم الله الشيخ الداعية الجليل "أحمد ديدات" الذي لا طالما كشفه وفضحه في عقر داره وأمام أتباعه، وكذلك وصف بات روبتسون المسلمين بأنهم أسوأ من النازيين، والرسول مجرد متطرف ذي عيون متوحشة تتحرك عبثا من الجنون. - وصف القس الأمريكي البارز جيري فالويل راعي الكنيسة المعمـدانية الجنوبية في أمريكا الرسـول بـ "الإرهابي"، الذي يعتبر "كلينتون" من أتباعه. - تهجم القس فرانكلين جراهام المستشار الروحي لبوش على الإسلام، ووصفه بالديانة القبيحة والسيئة. - فصل التلميذات المحجبات في فرنسا من الدراسة. - انحياز القوات الفرنسية إلى جانب النصارى في ساحل العاج إلى حد الاشتباك مع المعارضة في كوت ديفوار، لإيقاف تقدمها نحو المواقع الخاضعة للقوات الحكومية، لأن بعض حركات المعارضة يسيطر عليها المسلمون، كما تعرض بعضهم للمذابح على أيدي النصارى. - اضطرار 15 إسلاميا من البوسنة (متزوجين ولهم أبناء) مؤخرا إلى اتخاذ قرار الرحيل عن قرية قريبة من مدينة بريتشكو بالشمال البوسني، بعد مضايقات تعرضوا لها من قبل القوات الدولية/الصليبية. - إن أمريكا وإيطاليا هما الدولتان الأكثر بخلا في العالم فيما يتعلق بتقديم المساعدات من أجل محاربة المجاعة والفقر، لأنه حسب المعطيات المسجلة سنة 2000 فإن النسبة المائوية في الناتج الخام الإيطالي المخصصة للدول في طور النمو والمؤسسات الدولية لا تتجاوز 0,13، وأسوأ من إيطاليا لا نجد في الرتبة الأخيرة سوى أمريكا، التي لا تتجاوز مساعدتها 0,10 في المائة. - بخصوص إفريقيا التي تعتبر منطقة استراتيجية وحيوية للمشروع الصليبي، حيث يعمل العدو الصليبي بكل ما يملك لتحوليها إلى ملحقة تابعة له، فتح بابا الفاتيكان حملته الصليبية في فبراير 1993 إثر زيارته الرسمية للسودان، التي تم التمهيد لها من خلال التهديد الأمريكي بإدراج السودان في قائمة الدول التي ترعى الإرهاب، بعد تقرير وزير الخارجية للشؤون الإفريقية "هيرمان كوهين". لكن رغم الاستقبال الحار والتكريم المبالغ فيه فضلا عن المديح الذي تعرض له البابا، فإنه صرح في خطابه بكل قوة ووضوح عن طبيعة مهمته، ودوره المحوري في المشروع الصليبي بقوله: "إن رياح التغيير تهب على إفريقيا وتتطلب احترام حقوق الإنسان، لقد كانت لي رغبة ملحة للمجيء إلى السودان، وبصفتي خليفة القديس بطرس الذي جعله المسيح رأسا على كنيسته، فمن اللازم علي أن أشجع وأثبت الإيمان في إخوتي وأخواتي أينما كانوا، ولا سيما عندما يقتضي الإيمان شجاعة كبيرة وقوة للصمود، وعندما يكون الشعب ضعيفا وفقيرا ولا حاميا له يجب أن أرفع صوتي لأتكلم باسمه". - ما يقع لإخواننا في "غوانتانامو" يعبر بشكل فاضح عن الوجه الإجرامي للعدو الصليبي، ويقدم لنا صورة واضحة عن طبيعة "المشروع الصليبي"، بل ويكفي وحده لتحريض المسلمين في كل أنحاء العالم، وتوحيدهم ضد العدو الصليبي، واتخاذ كافة الوسائل لتحريرهم، لأن ذلك من صميم التوحيد الذي نتشدق به، ويكفي مثال "أبو بكر مع بلال " حجة علينا، حيث قدم ثمنا باهظا مقابل تحريره، ومن يدري فاليوم هم وقد نكون نحن غدا، نسأل الله عز وجل أن يفك أسرهم بما شاء وكيفما شاء، وأن يدمر الأعداء وينصر المسلمين إنه سميع مجيب. سابعا - بداية الوعي والرهان الصليبي: لقد ساهمت الحرب الشرسة التي يشنها العدو الصليبي بزعامة أمريكا على الأمة الإسلامية في إيقاظ وعيها بحقيقة الحرب الدائرة، وأبعادها العقدية والسياسية والعسكرية والاقتصادية، أي أنها حرب حضارية تستهدف الأرض والإنسان، والقضاء على كل مسلم، ونهب خيرات البلاد الإسلامية، مما جعلها تستشعر جدية الخطر، ووحدة القضايا المصيرية وأيضا وجودها. هذا الإحساس بالخطر المشترك دفعها إلى البحث عن هويتها الإسلامية التي افتقدتها منذ زمن بعيد، وإحياء لمجموعة من المفردات الإسلامية الغائبة عن واقعنا (التوحيد، الولاء والبراء، الجهاد...)، وكذلك إزالة حاجز الخوف الوهمي (لأن الله هو الرزاق والضار والنافع...) الذي كان مسيطرا عليه، وخرافة الدولة العظمى التي أسقطها المجاهدون بغزوتي نيويورك وواشنطن، والإدراك الجيد لضرورة المرحلة وأولويات العمل. لكن يجب على العلماء والمفكرين والسياسيين أن يرابطوا على الجبهة العقدية والفكرية والنفسية، وأن يسعوا بكل ما في وسعهم لتحصين الأمة من خطرين راهن عليهما العدو الصليبي في الماضي القريب (الحرب الخليج الثانية، فلسطين...)، ويراهن عليهما الآن في حربه للمسلمين، وهما: - أنه يراهن على نسيان الأمة السريع/ذاكرتها الضعيفة، وقلة صبرها وتحملها للمعارك والأعمال التي تتطلب نفسا طويلا، أي عدم قدرتها على مواصلة المعركة على المدى المتوسط والبعيد، كما وقع لها في الحرب الصليبية على العراق، وأيضا ما يقع في فلسطين والشيشان وأفغانستان...، وذلك لأنها عاطفية تتحمس وتنطفئ بسرعة، وتفتقد للقناعة العقائدية والسياسية. - كما يراهن على المفاهيم العلمانية/المعتقدات الجديدة (حرية التدين، الحوار، التسامح، السلام...)، التي يتم توظيفها من أجل هدف استراتيجي يسمح له باختراق البلدان الإسلامية، وتدجين المسلمين، وتمزيق المجتمع، وتشتيت قوته، وتأمين مصالحه وتواجده... إن هذا السلاح طبق مع الخلافة العثمانية، بل كان أداة فاعلة في الضغط عليها من أجل الخضوع لمصالحه، ويطبق الآن في البلاد الإسلامية تحت عناوين مختلفة (الديمقراطية، حقوق الإنسان، حقوق الأقليات...)، والمؤسف أن بعض المسلمين انطلت عليهم الخدعة، واستسلموا لها حتى لا ينعتوا بالتطرف والإرهاب. ثامنا - مصر والقاعدة الخلفية لتحرير القدس/فلسطين: إن مصر كانت تاريخيا بمثابة القاعدة الخلفية بالنسبة للمسلمين وأيضا للصليبيين، ومؤشر قوي على ميزان القوى والاتجاه المستقبلي للصراع، مما جعل العدو الصليبي يستهدفها دائما في حملاته وأيضا المسلمين. وعليه، فإنها تعتبر منطقة استراتيجية ومركزية في نصرة/تحرير قضايا الأمة عموما وفلسطين بشكل خاص، أي كل من يسيطر عليها يكون قريبا من استكمال حلقات مشروعه. انطلاقا من هذه الحقيقة التاريخية، والوعي أيضا بموقعها الإقليمي والعالمي، قام العدو الصليبي/الأمريكي بتحييدها في البداية من معادلة الصراع عبر اتفاقية "كامب ديفيد" مع بنته المذللة/آل صهيون، والمساعدات/الرشاوى، ليتم في نهاية المطاف توظيفها لحساب الهيمنة الصليبية والصهيونية كما هو حاصل الآن. كما يدخل في هذا الإطار احتضانها مؤخرا لحماس والسلطة وباقي الفصائل، وإشرافها المباشر على الحوار من خلال مدير مخابراتها (عمر سليمان)، مما يطرح أكثر من استفهام حول مدى إدراك حماس لخطورة ما يدور حولها، إذ كيف يجتمع رجل سياسي من حماس مع رئيس المخابرات؟ إن النظام المصري والسلطة الفلسطينية منسجمان مع خطهما السياسي، أما حماس والجهاد فلا ندري ماذا وقع لهما. لذا، فإننا نحذر حماس والجهاد من عاقبة مثل تلك اللقاءات/الفخاخ المشبوهة، التي لن تخدم القضية الفلسطينية بأي من الأحوال، حيث لن تجدي الكلمات الرنانة والتصريحات العنترية التي نسمعها في الفضائيات. ولإحكام قبضته على مصر طرحت مسألة الأقباط كورقة سياسية ناجحة في الضغط والترويض والتطويع، والتي اتخذت شكلين: أ - أقباط المهجر: الذين يعبرون بشكل واضح عن طبيعة مواقفهم وحقيقة أهدافهم، وخلفية العدو من تحريك ملفهم، من خلال جريدة صوت الأقباط التي تقول:" إنه علينا أن نعمل بكل جهدنا وطاقتنا وأموالنا وذكائنا، وأن نطرد الشر ونقاوم كل سهامه الشريرة، وأن نستأصل الاستعمار الإسلامي من جذوره في مصر" ب - أقباط الداخل: الذين يمهدون عمليا وبشكل تدريجي للمشروع الصليبي، ويمكن ملامسة ذلك في الحقائق التالية: - تعيين قبطي "يوسف بطرس غالي" لأول مرة في وزارة الاقتصاد التي تعتبر من وزارات السيادة. - تدشين أول قناة فضائية قبطية تسمى "سيفن سات"، أي امتلاك لأدوات الإعلام. - تعديل مناهج التعليم عن طريق مركز ابن خلدون "التجسسي"، لتمكين المصري من معرفة تاريخ الأقباط المجهول، وهذا طبعا تحت عنوان: "نحو حساسية أكبر لهموم الأقباط". - رد الأوقاف القبطية وتفويض أمرها لهم. - أصبح القبطي مواطن رقم واحد في البلد الإسلامي مثل الصهيوني، يتمتع بامتيازات خاصة، حيث أصبحت الدولة العميلة تملك حساسية خاصة اتجاهه مخافة الغضب/الرشاوى الأمريكي. تاسعا - تحرير الجزيرة العربية مقدمة ضرورية لتحرير الأمة: إن الجزيرة العربية تعتبر بمثابة العاصمة الدينية والروحية والعلمية للمسلمين، ورمز وحدتهم أيضا، حيث شهدت ميلاد رسولنا العظيم عليه أفضل الصلاة والسلام، وإقامة الدولة الإسلامية تحت قيادته، والمكان الذي انطلق منه نور الإسلام ورحمته، وكذلك استقبالها لملايين الحجاج من كل بقاع الأرض في مؤتمرها السنوي/الحج، والعمرة في رمضان الكريم، فضلا عن تواجد خيرة العلماء، وامتلاكها لسلاح النفط... نظرا لمكانتها الدينية وموقعها الاستراتيجي في المشروع الإسلامي، فلقد أدرك العدو الصليبي من خلال التاريخ (الحروب الصليبية) والواقع (صراعه مع المجاهدين) ارتباط الإسلام /دينا والجزيرة العربية/مكانا والمسلمين/عالميا، مما جعله يستهدفها في مشروعه الصليبي الجديد كما صرح بذلك: "لن يتوقف جهودنا وسعينا في تنصير المسلمين حتى يرتفع الصليب في سماء مكة، ويقام قداس الأحد في المدينة". ولإحكام السيطرة عليها تم التركيز في عملهم الصليبي على اليمن (جنوب الجزيرة) باعتباره البوابة الرئيسية المطلة على المحيط الهندي، حيث اجتمعت فيه كل المصالح الدينية والسياسية والاقتصادية، والعمق الاجتماعي والاستراتيجي لها. إزاء هذا الهدف، اتبع العدو الصليبي الإستراتيجية التالية في اليمن: أ - التنصير: وذلك باستغلال ثالوث "الجهل والفقر والمرض"، والمؤسف أن بعض الجهات النافذة تساعده في ذلك. ب - الحرب: وذلك باغتيال المجاهدين، والمؤسف أن النظام الرسمي متحالف معهم، وكذلك الصمت المطبق لبعض الحركات السياسية... ج - الحوار: أو الخداع الاستراتيجي والسلاح التمويهي للحركة الصليبية، وذلك بعقد المؤتمرات والندوات تدعو إلى حوار الأديان والتقارب، والتنديد بالإرهاب/الإسلام، لكن المؤسف نجد المؤسسات الدينية الرسمية متعاونة معهم، بل وصلت بهم الوقاحة إلى تقديم الإسلام كقربان للعدو الصليبي، من خلال تطويع المسلمين وتدجينهم لفتح |