إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

المجتمع المدني/ جون إهرنبرغ

تقليص
هذا الموضوع مغلق.
X
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • #16
    رد: المجتمع المدني/ جون إهرنبرغ

    نظام الحاجات

    بدت الثورة الفرنسية وكأنها أتمت حركة الإصلاح الديني بجعل الفرد سيد نفسه وحياته سواء أكان ذلك في شؤون العالم الدنيوي أم الروحي. ودلت على أن النشاط العقلاني الحر يمكن أن يعبر بالملموس عن الحرية الباطنية. ورأى جيل كامل من المفكرين، من بينهم كانط، أن الثورة الفرنسية قد وسمت ظهور الكائنات البشرية باعتبارها (ذوات) تتحكم بتطورها الخُلقي. وبدا الناس، للمرة الأولى، قادرين على أن يكونوا أحراراً ينظمون العالم طبقا لمتطلبات العقل.

    (1)

    يدخل المؤلف، (جون إهرنبرغ)، في مرحلة جديدة، من تتبع تطور مفهوم المجتمع المدني وأداءه، فيستعرض تحت هذا العنوان الحراك الفكري الأوروبي الذي رافق التغيرات الاقتصادية والسياسية والاستعمارية، ليؤشر على محاولة حسم للمفاهيم التي مهدت لتلك المرحلة والكيفية التي تعامل معها الفلاسفة في تفسير الدوافع لما حدث وسيحدث، ويتناول تحت هذا العنوان، جهود (هيجل)، ومساهماته العظيمة، التي استطاع فيها أن يبين طريقته في الربط بين الماضي الفلسفي القديم (منذ أرسطو) الى المرحلة التي كان يعيشها ويناقش فيها بقوة آراء المفكرين والفلاسفة. مما جعله موضعاً لتبني أفكاره من قبل كل التيارات الفكرية المتصارعة.

    ويعتمد المؤلف على كتاب (فنومينولوجيا الروح) لهيجل، والذي صدر في عام 1806، وبالمناسبة لقد صدرت ترجمة لهذا الكتاب المهم باللغة العربية عام 2006 عن المنظمة العربية للترجمة.

    (2)

    لم يقف هيجل عند موضوعات مختلفة وكأنها مسلمات لا نقاش فيها، فقد اعتبر أن إنزال الأخلاق الى مستوى التشريع الداخلي، يجعلها مفتقرة الى أي مرجع ملموس في عالم العلاقات الاجتماعية الحقيقي. كما توقف هيجل عند مصطلح (كُلِّي) فقال: لا يمكن للكلي أن يوجد باعتباره تجريداً قائماً بذاته، ومستقلاً عن الجزيئات التي تركبه.

    ويقول هيجل بصدد الحرية: (الإنسان لا يُولد حراً. إنما نحن نصير أحراراً هكذا إلا من خلال وعينا بتاريخنا، بوصفنا كائنات اجتماعية).

    فتح تصوُر هيجل للحرية البابَ واسعاً أمام النظريات الحديثة كلها التي تدرس المجتمع المدني بمعزلٍ عن الدولة. فكان أول من طوّر مفهوم الحداثة بإحكام بوصفها ميادين متميزة، ووضع بذلك نهاية للاتجاهات النظرية المبكرة السائدة. وأن ميادين الحياة الاجتماعية الثلاثة ـ العائلة، والمجتمع المدني، والدولة ـ هي بُنى مختلفة للتطور الأخلاقي.

    (3)

    تشكل العائلة [عند هيجل] الحياة الأخلاقية في طورها الطبيعي، وتميل العائلة الى كبت الخلافات بين أعضائها لأنها مبنية على حب الجميع، وإيثارهم، والحرص عليهم. وفي حالة نشوب صراع، فإن حاجات الآخرين، وحاجات الجميع، يجب أن تفوق حاجات الفرد. ويتوجب على كل فرد أن يكون مستعداً للتضحية من أجل أي عضو آخر؛ فما من عائلة يُكتب لها البقاء طويلاً إذا كان أعضاؤها مسوقين بالمصلحة الشخصية.

    والمبدأ الخُلقي العائلي (يكمن في الشعور والوعي والإرادة، غير المقصورة على شخصية فرد ومصلحته، بل تشمل المصالح المشتركة لأعضاء العائلة عموما).

    لكن الحياة الأخلاقية ليست دائمة وتنحل ما إن ينضج الأطفال ويميزون أنفسهم عن آبائهم ويخرجون الى العالم ليكسبوا ملكيتهم ويكونوا عوائل جديدة.

    (4)

    إن المجتمع المدني هو (نفي) للحظة الأخلاقية الجوهرية للعائلة. وإذا كانت العائلة تتشكل عبر نكران الذات والوحدة، فإن المجتمع المدني هو الحياة الأخلاقية متجسدة في حال من التنافس والخصوصية. ويتصرف أفراد المجتمع المدني طبقا لمصالحهم الذاتية التي يرونها، ويعنون بتوفير حاجاتهم الفردية، وينساقون على الدوام وراء معاملة الآخرين باعتبارهم وسائل لتحقيق غاياتهم.

    وحيث توحد العائلة أعضاءها على أساس ما يشتركون فيه، يقسم المجتمع المدني أعضاءه على أساس اختلافاتهم. ويضطر الأفراد الى التصرف بأنانية وذرائعية أحدهم مع الآخر، ولكنهم لا يستطيعون توفير حاجاتهم، ولا تحسين مصالحهم المتبادلة، ولا بناء مجموعة من العلاقات الاجتماعية المتينة.

    إن العائلة في الأصل هي الوحدة الذاتية التي تعيل الفرد في جانبه الجزئي بأن تقدم إليه الوسائل أو المهارة الضرورية التي تؤهله لكسب رزقه من موارد المجتمع، أو العيش في حال الكفاف إن كان يشكو من عوق دائم. ولكن المجتمع المدني ينتزع الفرد من صلاته العائلية، ويبعد أعضاء العائلة أحدهم عن الآخر، ويعترف بهم بصفتهم أشخاصاً قائمين في ذواتهم. وهكذا يصير الفرد ابناً للمجتمع المدني الذي يُحَمّله أعباءً كثيرة ويقدم إليه حقوقاً [كتاب هيجل المذكور صفحة148].

    (...يفرخ المجتمع المدني اللامساواة على الدوام، واكتشاف هيجل أن البؤس هو المشكلة الكبيرة التي يطرحها المجتمع المدني ولكن لا يستطيع حلها، هو اكتشاف استبق انعطافه نحو الدولة). [الكتاب 123]

    عندما ينحط المستوى الحياتي للسواد الأعظم من الناس الى ما دون مستوى الكفاف، وعندما ينعدم بالتالي الإحساس بالحق والباطل، وينعدم الإحساس بالاستقامة واحترام الذات الذي يجعل الإنسان يصر على إعالة نفسه بعمله وجهده الخاصين، فإن النتيجة هي خلق حشد من المعوزين. وهذا سيجلب معه، في الوقت نفسه، في الطرف الآخر من السلم الاجتماعي، شروطاً تسهل بشكل كبير من تركيز الثروة غير المتكافئة في يد القلة. [ص 150].

    (5)

    إن نظام الحاجات هو حال من الاعتماد المتبادل، لأن عمل الفرد لم يعد يضمن له توفير حاجاته. وفي النهاية يغدو المجتمع المدني ميداناً مغترباً، وغير حر، وغير عادل، فالسلطة المغرّبة عن الفرد، الذي لا سلطان له عليها، هي التي تحدد ما إذا كانت حاجاته سوف تُلَبَى أم لا.

    والمجتمع المدني الذي يتحول بفعل ديناميته الى نفي للحرية، ينتج جمهرة بالغة الخطورة من الفقراء المسيسين والمغربين؛ (( تتكون الحشود الفقيرة عندما يرتبط البؤس بموقف فكري، وسخط داخلي ضد الأغنياء، وضد المجتمع، وضد الحكومة الخ)).

    ((عندما تأخذ الجماهير بالانحطاط الى مستوى البؤس، فإن عبء المحافظة على مستواهم الحياتي الطبيعي يُلقى مباشرة على عاتق الطبقات الأغنى، أو أنهم يتلقون وسائل العيش من مصادر الثروة العامة (الأديرة، المستشفيات، المؤسسات الخيرية الخ).

    إن عجز المجتمع المدني عن التغلب نهائياً على اللامساواة الطبيعية للهمجية يؤدي الى تضاؤل إمكاناته الأخلاقية. وإن ارتكاز المجتمع المدني على الخصوصية والأنانية يقوض الإمكانات الرسمية للحرية. وما دامت فوضى المصالح متفشية بشكل عام، فإن الثروة المفرطة ستقترن بالبؤس المفرط. ولسوف يتكللان في ما يسميه هيجل (البربرية).

    (6)

    والدولة، كما يراها هيجل، هي الميدان الأخلاقي للكلية والتكامل الذي يختتم الضرورة المتحكمة بالمجتمع المدني وحق الخصوصية السائد فيه. إن الدولة العادلة هي التحقق النهائي للروح في التاريخ لأنها قائمة على الحرية وليس القسر. فالدولة مقولة أخلاقية لأنها توفق بين تناحرات المجتمع المدني، وتغطي المشاغل الكلية للبشر بالمعنى الأوسع لهذا المصطلح.

    وإن الدولة هي استكمال للحظة العائلة ولحظة المجتمع المدني، من حيث هما لحظتان أخلاقيتان، وهي تستكمل ذلك لأنها تقف بمعزل عن الاثنتين. إن منطق الدولة يختلف عن منطق المجتمع المدني، وإذا ما أعلن عن الغاية المحددة للدولة هي تأمين الملكية والحرية الشخصية وحمايتهما، تصبح مصلحة الأفراد بحد ذاتها هي الغاية النهائية لترابطهم.

    فما دامت الدولة هي العقل الموضوعي، فإن الفرد نفسه، بوصفه أحد أعضائها، يتمتع بالوجود الموضوعي، والفردية الأصيلة، والحياة الأخلاقية.

    قد تصل مصالح المنتجين والمستهلكين المختلفة حد التصادم؛ وعلى الرغم من أن التوازن العادل بينها قد يحدث آلياً، يظل توافقها بحاجة الى سيطرة تقف فوق كل منها، وتدار بشكل واعٍ، وهو دور الدولة.

    في العائلة يختفي العقل وراء الشعور والعاطفة؛ وفي المجتمع المدني يظهر العقل باعتباره أداة للمصلحة الفردية الذاتية. ولكن في الدولة فقط يصبح العقل واعيا بذاته ويفيد في التحرر الإنساني

    تعليق


    • #17
      رد: المجتمع المدني/ جون إهرنبرغ

      سياسة الثورة الاجتماعية


      كان لنظرية هيجل عن المجتمع المدني الدور الأكبر في صياغة البيان الشيوعي في العام 1848. فقد وجد به ماركس كما وجد به الجمهوريون واليساريون والاشتراكيون ثغرات كثيرة؛ وقد كان لعجز الثورة الفرنسية في تحقيق المساواة والعدالة، مع التطورات الصناعية الكبرى، الأثر في إطلاق العنان لجهود الفلاسفة والمفكرين في محاكمة نظريات هيجل، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن الكل كان متفقاً معه على نظام الحاجات.

      (1)

      لم يكن نقد ماركس لهيجل في نظرته فيما يخص المجتمع المدني فحسب، بل كان نقده لمفهوم هيجل عن الدولة ودورها، كما كان نقده منصباً على فكرة المجتمع المدني نفسه. فقد أنكر ماركس المجتمع المدني الذي تحدث عنه هيجل، فقال: إنه مجتمع مدني برجوازي. وقد جاء هذا المجتمع بتشكيلاته من خلال تطور مناهضة البرجوازية للأرستقراطية، فلهذا السبب لا يستحق اسم المجتمع المدني.

      كما أنه انتقد فكرة هيجل عن الدولة باعتبارها دولة تحقق العدالة والمساواة، فلو حققت الدولة العدالة والمساواة فلا حاجة للدولة عندها، لأنه لن يكون لها دور، طالما أن العدالة والمساواة هما السائدتان. لكن كون هناك لا مساواة ولا عدل، فإن الدولة تستحق ضرورتها التي اقترحها هيجل!

      أما أن الدولة هي التي تشكل المجتمع المدني، حسب رؤية هيجل، فهو قول مغلوط، لأن المجتمع المدني هو الذي يشكل الدولة.

      (2)

      لم يكتفِ ماركس بنقد هيجل في موضوع الدولة والمجتمع المدني، بل انتقده كما انتقد تلاميذه وأتباعه ولاحق أفكارهم عن تلك المقولات وعن رؤيتهم عن معنى الحرية. فدعوة هيجل وتلاميذه عن عزل الدين عن الدولة وترك الحرية للأفراد أن يزاولوا ما يرون من معتقدات دينية، هي دعوة تحمل تناقضها داخلها (حسب رأي ماركس).

      أحد تلاميذ هيجل ويدعى (برونو باور) امتدح الثورة الفرنسية بعزلها الدين عن الدولة وإعطاء الحريات الدينية للطوائف (اليهود مثلاً) حيث قال: إن التحرر من كل دين يمكن أن يحمي الديمقراطية من الرجعية الإقطاعية. تهكم ماركس من هذا الرأي وقال: (إن باور رأى الأشجار ونسي الغابة، فإبعاد الدين عن السياسة لن يمحو اللامساواة الاقتصادية والسياسية. كما أن تحرر الدولة من الدين لا يعني تحرر الإنسان من الدين) [ماركس وإنجلز: في المسألة اليهودية].

      في رأي ماركس، لم تمس الثورة الفرنسية المجتمع المدني البرجوازي، وادعائها بتحقيق الحرية لم يتأسس على ارتباط الإنسان بالإنسان، إنما على فصل الإنسان عن الإنسان. إنه حق (الانفصال)، حق الفرد المتقهقر الى ذاته.

      (3)

      وسم ماركس الثورة الفرنسية، بأنها ثورة جزئية، تلك الثورة التي تترك دعامات البيت قائمة في مكانها. أما الثورة الشاملة، فهي تلك الثورة التي تطال كل مناحي الحياة، يتحرر الإنسان الحقيقي فيها من خلال ما أسماه (الانعتاق الإنساني).

      ما هي واسطة هذا الانعتاق؟ إن التحولات المبكرة في أوروبا جرت بقيادة ذلك الجزء من السكان الذي جعله موقعه المتقدم يزعم أنه يجسد العلاقات الاجتماعية للمجتمع. ولاحظ ماركس بهذا الصدد: (أنه ما من طبقة في المجتمع المدني يمكن أن تقوم بهذا الدور، من دون أن تثير في نفسها وفي الجماهير لحظة من الحماسة، لحظة تتآخى فيها وتندمج مع المجتمع بعامة، فيتصورها الناس أنها هي كل المجتمع المدني، ويعدونها ويعترفون بها بوصفها ممثله العام، لحظة تكون فيها مطالب وحقوق هذه الطبقة هي بالفعل حقوق المجتمع نفسه ومطالبه؛ لحظة تصبح فيها فعلاً رأس المجتمع وقلبه ولا يمكن لطبقة معينة أن تعلن هيمنتها إلا باسم حقوق المجتمع عامة).

      عن أي طبقة يتحدث ماركس هنا؟ إنه يتحدث عن طبقة (البروليتاريا) عديمة الملكية، والتي لم تشملها جهود التطوير في القوانين والنظريات التي قام بها البرجوازيون لصالح البرجوازية نفسها.

      (4)

      في النظريات البرجوازية، لا تبرز أسماء البرجوازيين فيها، بل يبرز إنتاجهم من السلع، والنظريات تنظم علاقة السوق لتبادل تلك السلع. حسناً، إن (البروليتاريا) لديها أكبر السلع وأعظمها وأكثرها أهمية، إنها العمل، فالعامل يبيع جهده في سوق السلع كسلعة، وكون جهده يدخل كمادة خام في كل السلع، فتستحق الطبقة العاملة أن تكون هي من يقرر شكل العلاقات العامة، وتستحق أن تكون هي من يمثل المجتمع.

      إن التحرر في رأي ماركس، هو إلغاء المجتمع المدني، بل وإلغاء الطبقات، وهي دعوة شاملة لتدمير النظام العالمي الذي كان قائماً لذاك الوقت.

      كان الاقتصادي السياسي الكلاسيكي يرى الإنتاج، والاستهلاك، والتوزيع، والتبادل بوصفها عمليات منفصلة، ولكن ماركس كان مقتنعاً بأن أي نظام اجتماعي لا يمكن أن يُفهم إلا بوصفه (نمط إنتاج). ذلك أن الفوضى التي تخلقها السوق تُظهر أن المجتمع المدني يشكل بفعل أنواع من العمليات الاقتصادية غير المترابطة. أما ماركس فكان يرى ببصيرته أن العلاقات الاجتماعية كلها كانت تؤلف لحظات إنتاج مهما بدت مستقلة.

      (5)

      يقول ماركس: إن كل طبقة تهدف الى الهيمنة، حتى عندما تكون هيمنتها، كما في حال البروليتاريا، مفضية الى إلغاء الشكل القديم للمجتمع بتمامه ولكل الهيمنة بشكل عام. أقول (القول لماركس) إن هذه الطبقة يجب أولاً أن تنتزع السلطة السياسية لتمثل مصلحتها بوصفها المصلحة العامة.

      إن الخطوة الأولى في ثورة الطبقة العاملة هي رفع البروليتاريا الى موقع الطبقة السائدة لتحقيق الانتصار في معركة الديمقراطية. سوف تستخدم الطبقة العاملة سيادتها السياسية لتنزع تدريجيا كل رأسمال البرجوازية، ولمركزة وسائل الإنتاج كلها بيد الدولة، أي بيد البروليتاريا المنظمة باعتبارها طبقة سائدة.

      عندما تتلاشى التمايزات الطبقية في مجرى التطور، ويوضع الإنتاج بأسره بأيدي اتحاد واسع من الأمة كلها، تفقد السلطة العامة طبيعتها السياسية.

      وبدلاً من المجتمع البرجوازي القديم، بطبقاته وتناحراته، سيكون لدينا اتحاد يكون فيه أي تطور حر للفرد شرطاً للتطور الحر للمجموع.


      تعليق:

      أكثر ماركس في كتاباته، استخدام كلمة (عندما) وذلك لصعوبة تحقيق مثل تلك الخطوات أو تنفيذ ذلك الجهد النظري وتحويله لإجراءات. وقد ثبت ذلك في المشاهد المتلاحقة منذ محاولة الثورة البلشفية تبني تلك الأطروحات. فقد أصبح الإتحاد السوفييتي من أكثر الدول صرامة وتنظيماً، في حين كان في النظريات (لا للدولة ولا للقومية ولا للدين)، أما في موضوع القومية: فرأينا كيف تحالفت القوميات غير الروسية مع هتلر وتعاونت ضد الدولة السوفييتية، وفي الدين: لم تستطع 73 سنة من حكم الشيوعيين أن تمحو من الذاكرة الدين الإسلامي من نفوس سكان الجمهوريات الخارجة من الاتحاد السوفييتي أو الجمهوريات ضمن روسيا الاتحادية (الشيشان، الأنجوش، داغستان، تتارستان، بشكيريا الخ). أو حتى عودة الأرثوذكس لتغيير أسماء مدن (لينينغراد: سان بطرس بورغ) (ستالينغراد: فولغا) الخ.

      تعليق


      • #18
        رد: المجتمع المدني/ جون إهرنبرغ

        المجتمع المدني والجماعة

        (1)

        أقام جان جاك روسو نظريته الأخلاقية عن المجتمع المدني ماداً جذورها في مفهوم الجماعة (Community)، في محاولة لتكييف الفضيلة الرومانية والنزعة الجمهورية المكيافيللية مع متطلبات انتشار الأسواق، وترسخ سلطة الأرستقراطيين والملوك. كانت نظرته للعالم بكليتها تستمد حيويتها من قضية بسيطة، ولكن معقدة، مفادها: (الإنسان خَيِّر بطبيعته، والسبب في تحوله شريراً إنما هي مؤسساته).

        ربط روسو حال الفطرة بأفراد منعزلين لا أخلاقيين، وكانت لامبالاتهم بعضهم ببعض تعني أنهم لا يضرون ولا ينفعون. فالناس في حال الفطرة عاشوا لأنفسهم، ورغبوا في ما هو ضروري لحفظ ذواتهم الفردية. وإن افتقارهم الى الصلات الاجتماعية أدى بطريقة عجيبة، الى إنقاذهم.

        (كان الإنسان البدائي يمشي مطوّفا في الغابات، بلا صناعة، ولا كلام، ولا مسكن، بلا حرب ولا صلات، وبلا حاجة لأقران، وبلا رغبة أيضاً في إلحاق الأذى بهم، وربما لا يدرك أبداً فردانية أي آخر، خاضعاً لانفعالاته واكتفائه الذاتي، ولتوافق مشاعره وذكائه مع حال الفطرة التي هو فيها، لم يكن يشعر بغير حاجاته الحقيقية، ولم يرَ إلا ما اعتقد بأن له مصلحة في رؤيته، ولم يحقق ذكاؤه تقدماً أكثر من خيلائه. وإذا حقق اكتشافاً ما مصادفةً، فإنه لم يكن قادراً على إيصاله، لأنه لا يميز حتى أطفاله. فمهاراته تموت بموته. لم يكن ثمة تربية ولا تقدم؛ والأجيال تتكاثر بلا نفع؛ وكل واحد يبدأ دوماً من النقطة نفسها...)*1

        (2)

        قال روسو قوله الشهير (يولد الإنسان حُرَاً وهو مقيد بالأغلال في كل مكان). (إذ ليس كافياً توحيد الأفراد بالقسر وبالتهديد بالقوة الغالبة... يتشكل المجتمع المدني على يد أفراد هم أحرار بالطبيعة وأخلاقيون بالقوة)*2

        (سيكون هناك دوماً اختلاف كبير بين إخضاع حشود الناس وحكم مجتمع ما. وإذا استعبد فرد واحد بشراً متفرقين، مهما كثُر عددهم، فإني لا أرى غير سيِّدٍ وعبيد، ولا أرى بشراً وقائدهم. إنهم جَمْعٌ، إن شئت، وليس رابطة متحدة. ليس لهذا الجمع صالح عام، ولا هيئة سياسية. وليس ذلك الرجل، حتى لو استعبد نصف العالم، سوى فرد خاص. وليست مصلحته، المنفصلة عن مصالح الآخرين، غير مصلحة خاصة. ولو مات هذا الرجل، لغدت إمبراطوريته، منذ لحظة موته، وبلا روابط)

        أراد (روسو) تقديم إجابات عن بعض المفاهيم التي انتشرت في عصر التنوير، بشكل مختلف. فلم يرضَ بمصطلح (صاحب السيادة) عند (هوبز) ولم يرض بمفهوم (الحقوق الطبيعية) عند (لوك)، ولم يقبل بأحقية (طبقة النبلاء) عند (مونتسكيو).

        لقد لخص روسو موضوع الترابط الاجتماعي ب (التنازل الكلي لكل شريك، بكل ما له من حقوق الى الجماعة ككل). وعن الحرية يقول: (الشخصية الحرة لا يمكنها أن توجد إلا قرب الآخرين). فالحر يمنح نفسه طوعا (لا قسرا) للسلطة الأخلاقية.

        عندما يمنح كل فردٍ نفسه للجميع، فإنه لا يمنح نفسه لأحد؛ وما دام لا يوجد امتياز لفرد على آخر، لأن الفرد يعطي الحق ذاته على نفسه وعلى الآخر، فإنه يكتسب معادل كل ما يفقده.

        (3)

        يناقش روسو مفهوم (الإرادة العامة General Will)، مبتعداً عن مفهوم (المصلحة العامة) و لا (حكم الأغلبية) و لا (السلطة الملكية) وكلها دلالات عن الصالح العام، لكن الإرادة العامة هي توفر الصلة الأخلاقية بين الفرد والجماعة.

        ليس هدف العقد الاجتماعي لدى روسو أن يحافظ على الإنسان الطبيعي، بل كان يتوخى أن ينتزعه من حال الفطرة ليجعله بشراً كامل الإنسانية. ويستلزم (العقد الاجتماعي) وجود جماعة تنظمها الإرادة العامة؛ لأن صالح الكل يتيح لكل فرد أن يحقق أعمق أهدافه وأصدقها. والتوجه الشامل هو وحده الكفيل بتمكين الأفراد من تنظيم مصالحهم الخاصة المتقلبة. وإن الإرادة العامة تحمي الأفراد والجماعة من التدمير المحدود الذي ينجم عن النزعة الجزئية وسوء الظن، والتعصب، والتحامل، والإقصاء.

        يهجم روسو على المصلحة الشخصية، وعلى الاستثناءات في تطبيق القوانين. (ليس من المناسب لمن يسن القوانين أن يكون هو من ينفذها، وليس مناسباً لمجموعة من البشر أن يصرفوا انتباههم عن الاعتبارات العامة ويعنون بأشياء الجزئية).

        (4)

        يقول روسو (كلما تشكلت الدولة على نحو أفضل، طغت الشؤون العامة على الشؤون الخاصة في عقول المواطنين. وفي مدينة حسنة الإدارة، يسارع كل شخص بالذهاب الى الجمعيات العامة. أما في ظل حكومات فاسدة، فلا أحد يرغب في أن يخطو خطوة واحدة نحوها، إذ لا مصلحة له في ما يجري فيها... إن القوانين السليمة تؤدي الى سن قوانين أفضل، أما القوانين السقيمة فتولد القوانين الأسوأ. وحالما يقول المرء ما لي وشؤون الدولة؟ تكون الدولة قد ضاعت).

        في القول السابق، يرسم روسو العلاقة أو الخطوط بين الدولة ومنظمات المجتمع المدني. فعندما تعتبر الدولة (مؤسسة الحكم) أن منظمات المجتمع المدني هي منظمات تابعة لها، فإن النفاق والمداهنة ستكون هي السائدة، وسيعزف الأحرار عن ارتياد تلك المؤسسات.

        وعن شرذمة الأحزاب وكثرتها ومؤسسات المجتمع المدني وكثرتها، دون أن يوحدها (إرادة عامة)، ستصبح الإرادة العامة عند كل منها محصورة في حدود تلك الكيانات، وستصبح الإرادة العامة لعموم الوطن ذات معطى ثانوي وهامشي.

        كان روسو عدواً لتراتبية النظام القديم، وأعرافه وظلاميته، وكان ناقداً لتعويل زملائه، بصورة أحادية على العقل والمصلحة الفردية.

        تعليق


        • #19
          رد: المجتمع المدني/ جون إهرنبرغ

          أعراف المجتمع المدني

          من يستعرض ما تقدم من الكتاب لحد هذه الساعة، سيرى أن الأفكار والنظريات التي وُضعت حول المجتمع المدني، كانت تنضوي تحت مفهومين: مفهوم المساواة المطلقة، ومفهوم التسليم بالتراتبية.

          إذا كان جان جاك روسو هو أحد أركان النظريات التي تدعو الى المساواة المطلقة، فإن (إدموند بورك) كان من ألد أعداءها. و(إدموند بورك) هذا إيرلندي ولد في دبلن عام 1729 وتوفي في عام 1797، وهو رجل دولة ومؤلف وخطيب ومنظر سياسي وفيلسوف. خدم مدة طويلة في مجلس العموم البريطاني. ومعروف بدعمه للمستعمرات الأمريكية في كفاحها ضد الملك (جورج الثالث)، الذي أدى الى الثورة الأمريكية، كما أنه معروف بمعارضته للثورة الفرنسية، وقد كتب في ذلك خلاصة الموقف الأوروبي من الثورة في كتابه (تأملات في الثورة الفرنسية).

          (1)

          المساواة والمساواتية (المساواتية Leveling: هي إلغاء المراتب الاجتماعية، وامتيازاتها، و(المساواة Equality): هي التمتع بحقوق واحدة أمام القانون. وهما في نظر (إدموند بورك) لا يساعدان إلا على تدمير المجتمع المدني.

          لقد أرجع (بورك) عنف الثورة الفرنسية الى تمسكها بالحلم الأخلاقي غير الواقعي في المساواتية، لأنها في نظره تتعدى على القدرة الإبداعية والتجديدية للمجتمع المدني. إن أفضل النوايا في العالم لا يمكنها أن تكون نظاماً جديداً. وحالما جرف الطيشُ الفرنسيين وراء الحدود التاريخية والعرفية للإصلاح المعتدل، لم يبق أمامهم من خيار سوى الانسياق وراء الهجوم على الحضارة نفسها. وعلى العكس من ذلك فإن البريطانيين فهموا سلطة ((العرف)) والتاريخ، فاحترمت الثورة الإنجليزية المجيدة الأعراف، والممارسات، والمؤسسات التقليدية التي تنبع منها كل حرية.

          التاريخ والعرف يؤسسان توازناً دقيقاً بين عناصر أي دستور، ومن الحكمة ألا نعبث فيها. (إن ميثاق المجتمع والتزامه، الذي يطلق عليه عموماً اسم الدستور، يمنع مثل هذا الإقحام أو هذا الاستسلام. إن الأقسام المكونة لدولةٍ ما ملزمة بالتمسك بإيمانها المشترك بعضها ببعض، وبأولئك الذين يتحصلون على أي مصلحة جدية تجري بفضل التزاماتهم، بمقدار ما تلتزم الدولة كلها بإيمانها بالجماعات المنفصلة. وإلا فسرعان ما يصيب الوهن السلطة والكفاءة، ولا يعود ثمة قانون، بل إرادة القوة المتغلبة)*1

          (2)

          إن تشديد (بورك) على قوة العرف الموحدة يبين سبب عدم قلقه من الحزبية، أو حتى النزاع. فالسلم الاجتماعي يقتضي الحفاظ على مراكز السلطة الموجودة.

          في استعراضنا السابق لرؤى (مونتسكيو) وجدناه قد لام الفرنسيين لتخليهم عن المؤسسات الأرستقراطية التي كانت أداة لاحتواء الجماهير، وكابحاً للنظام الملكي. وكان لِزاماً عليهم أن يتعظوا بالأحداث الإنجليزية، وأن يقيموا البناء على الأسس التي تركها أسلافهم.

          كان ممكن لبعض التعديلات البسيطة (حسب مونتسكيو) على النظام الملكي أن تضمن الحريات العامة وفي نفس الوقت أن يبقى نفوذ النظام الملكي على الكل دون انحراف الأقسام المختلفة*2

          إن المجتمع المدني يتشكل على أساس علاقات تكاملية بين الفئات الاجتماعية التي يكون لانسجامها المتبادل جذور تاريخية عميقة، ولا خير يُرتجى من طموحٍ في غير محله. ولا يمكن إهمال التاريخ، أو إعادة كتابته باسم أي أيديولوجيا. فالاستقرار والنظام والتقاليد والأعراف والملكية الخاصة والدين كلها تشكل أسس أي مجتمع مدني مستقر. وهي ركائز دمرتها الثورة الفرنسية (برأي بورك).

          (3)

          في عام 1215 صدر ما يُسمى ب (الميثاق الأعظم) أو (الوثيقة العظمى للحريات)، وكانت مناسبة صدور تلك الوثيقة خلافات نشبت بين (جون) ملك إنجلترا والبابا (إنو سينت الثالث) والبارونات حول حدود سلطة الملك. وأقرت هذه الوثيقة أن إرادة الملك مقيدة بالقانون. فصارت فعلاً أعظم وثيقة في تاريخ الديمقراطية.

          وفي عام 1689 صدر في إنجلترا إعلان حقوق الإنسان، حصل بموجبه الشعب، المُمَثَل بالبرلمان على حريته وحقوقه، فضلاً عن بنود أخرى عديدة.

          يُذَكِر (بورك) الأوروبيين والفرنسيين بالذات، بالمسيرة التي كانت بين التاريخين، وتأصيل المسيرة الديمقراطية الإنجليزية التي راعت التاريخ والأعراف. ويقول: (لدينا تاج متوارث، وطبقة نبلاء متوارثة، ومجلس عموم وبَشرٌ يرثون الامتيازات، والحقوق الدستورية والحريات المتحدرة من شجرة ممتدة من الأجداد.

          ثم يخاطب الفرنسيين: (كان لديكم كل هذه المنافع في دولكم القديمة، ولكنكم شئتم التصرف كما لو أن لديكم كل شيء لتبدأوا من جديد. لقد بدأتم بداية كريهة، لأنكم احتقرتم كل شيء كان ينتمي إليكم.

          لقد هاجم المساواتية الفرنسية فيقول أنها تؤدي الى حماية الشعب، صحيح، وتجعله مطيعاً أيضا صحيح، ولكنها تجعله مكتفاً وغير سوي. فالمجتمع المدني تشكله اللامساواة.



          هوامش من تهميش المؤلف

          *1ـEdmund Burke, Reflections on the Revolution in France, Edited by Thomas H.D. Mahoney (New York: Macmillan 1955. صفحة 23.
          *2ـ نفس المصدر صفحة 40

          تعليق


          • #20
            رد: المجتمع المدني/ جون إهرنبرغ

            الدروس الأمريكية

            في عام 1835 أصدر الأرستقراطي الفرنسي (ألكسي دي توكفيل 1805ـ 1859) كتابه ( الديمقراطية في أمريكا). وهو الذي سافر الى أمريكا وهو في عمر 25 عاماً، لوضع دراسة عن السجون الأمريكية، ولكنه فوجئ بمادة مختلفة للدراسة، جعلته يضع مؤلفه (الديمقراطية في أمريكا) من مجلدين وهو من أهم الكتب التي صدرت عن هذا الموضوع في الحقبة نفسها، ليعود بإصدار مجلده الثاني في عام 1940.

            (1)

            كتب توكفيل (( من بين الأشياء الغريبة التي لفتت انتباهي، خلال إقامتي في الولايات المتحدة، لم يستوقفني شيءٌ بهذه القوة أكثر من المساواة العامة في الظروف القائمة بين الناس)).

            كان توكفيل يخاطب الأوروبيين وبالذات الفرنسيين، يدعوهم لدفن الماضي، وإدراك الفرص والمخاطر التي طرحتها المساواة الاقتصادية على السياسة والمجتمع المدني على حد سواء.

            كان ضعف الدولة (في أمريكا) أول شيء يستوقف توكفيل. فجاء تفسيره ليرسي أول التمييزات بين أمريكا ( المجتمع القوي، والدولة الضعيفة)، وأوروبا (الدولة القوية، والمجتمع الضعيف)، وهو التمييز الذي ترك تأثيراً فاعلاً في التنظير المعاصر. إن الافتقار الى التراث الإقطاعي الراسخ، وما صاحبه من غياب ( للنظام القديم)، وندرة المدن الكبيرة وما ترتب عليه من تزايد أهمية من تزايد أهمية المجالس المحلية، والغياب النسبي للبيروقراطية، وهو غياب مقرون بتقاليد اللامركزية، والعزلة الجغرافية، وغياب جيش كبير دائم، كل هذه العوامل، لا سيما عندما تُضَمُ الى المساواة الاجتماعية الواسعة، وثقافة الاعتماد على الذات، ومستوى منخفض من صراعات الطبقات، تُبين لماذا لم يكن لأمريكا تقاليد الدولة القوية التي ميزت التاريخ الأوروبي.

            (لا شيء يستوقف المسافر الأوروبي في الولايات المتحدة أكثر ما نسميه نحن بالحكومة، أو الإدارة. ثمة قوانين مدونة في أمريكا، ويرى المرء التنفيذ اليومي لها، ولكن على الرغم من تحرك كل شيء بانتظام، لا يمكن اكتشاف المحرك في أي مكان. واليد التي توجه الماكنة الاجتماعية غير مرئية)*1

            (2)

            يذكر مؤلف الكتاب الذي بين يدينا (جون إهرنبرغ)، الكيفية التي يستدعي فيها (توكفيل) نماذجه لإحداث التأثير في نفسية من يخاطبهم.

            فهو في حديثه عن نمط الإدارة والدور الشعبي في الولايات المتحدة يقول (كان تدخل الناس في الشؤون العامة، والتصويت الحر على الضرائب، ومسئولية ممثلي السلطة، والحرية الشخصية، والقضاء المستند الى هيئة المحلفين في حين أن الأشياء كانت تمارس بشكل منقوص في أوروبا وبالذات في إنجلترا الجديدة فالقوانين هي من وضع الدولة)*2

            في إنجلترا الجديدة، تشكلت دوائر البلديات (Township) تشكلاً تاما ومؤكداً منذ بواكير العام (1650). وكانت استقلالية البلدات النواة التي تلتقي حولها المصالح والأهواء والحقوق والواجبات وتتشبث به. فهي وفرت سَعَةً في نشاط الحياة السياسية الحقيقية بشقيها الديمقراطي والجمهوري. وكانت المستعمرات ما زالت تعترف بسيادة البلد الأم.

            عينت البلدات في إنجلترا الجديدة حكامها على اختلاف أنواعهم، وخمنت مقدار ما عندها، وفرضت على نفسها الضرائب. وفي أي بلدة من بلدات إنجلترا، لم يجرِ قانون التمثيل؛ بل كانت شؤون المجتمع تبحث في الساحات العامة كما في أثينا.

            ليلاحظ القارئ الكريم، أن توكفيل شأنه شأن (مونتسيكيو) من المعجبين بصدارة إنجلترا في التجربة الديمقراطية، ولكنه زاد عليه في دمجها أو دمج ما يبشر به من أفكار مع التجربة الأمريكية.

            وعندما يعرج (توكفيل) على التجربة الفرنسية ـ رغم ثورتها ـ فإنه يصفها بالسلطة (الممركزة حول الثورة) والتي لن تلاءم الحياة في أمريكا ( مهما تكن السلطة المركزية متنورة وبارعة، فلا يمكنها بنفسها أن تستوعب كل تفصيلات حياة أمة عظيمة. فمثل هذه اليقظة تتجاوز قوى البشر. فقوة هذه السلطة تخذلها عندما يُراد تحريك المجتمع على نحو عميق، أو تسريع تقدمه، وإذا ما صار تعاون المواطنين الخصوصيين أمراً ضروريا لتعزيز تدابيرها يفتضح سر عجزها)*3

            وعلى الجانب الأمريكي فإن النقاط المناقضة للنزعة المركزية للدولة الفرنسية تتمثل في المؤسسات المحلية القوية المدعومة بثقافة (فردانية) ومحلية ضيقة تذود عن الحرية من خلال تقييد سلطة الدولة، وجعل الناس أقرب الى أداء مهمات القيادة في مواطنهم.

            إن الحكم الذاتي المحلي كان ملائما تماما للثقافة الأمريكية المتمثلة في الاعتماد على الذات؛ فكل شخص هو أفضل من يُقَيم ما يخصه، وهو أنسب شخص يوفر لنفسه ما يحتاجه. أما البلدة والمقاطعة فإنهما كفيلان بالعناية بمصالحهما الخاصة، والدولة تمارس الحكم، لكنها لا تنفذ القوانين.

            (3)

            (يشكل الأمريكيون، من كل الأعمار، والمراتب والميول، تجمعات طوعية. فهم لا يملكون فقط الشركات التجارية والصناعية، التي يساهم فيها الجميع، بل يشكلون أيضاً تجمعات من ألف نوع ونوع؛ دينية وأخلاقية، جادة وعابثة، جليلة أو مقيدة، صغيرة أو ضخمة. والأمريكيون يكونون التجمعات للاستمتاع، ولتأسيس المدار، وبناء النُزُل، وإقامة الكنائس، ونشر الكتب، وإرسال المبشرين الى جهات المعمورة، وبهذه الطريقة أسسوا المستشفيات والسجون والمدارس... إنهم يؤلفون جمعية طوعية، ترأس ما تدير بعكس فرنسا التي ترأس فيها الحكومة أي مشروع)*4

            يقول توكفيل ( أن المجتمع المدني سيخدم التحرر عن طريق التخفيف من وطأة تأثير أي مصلحة مفردة، وإضعاف الأغلبية، والاحتراس من تجاوزات الديمقراطية نفسها التي حفزت على ظهور هذه الأمور)*5

            وعندما يشير بطرف خفي لخطورة التسلط تحت أي مسمى فإن توكفيل يؤكد (لا أرى ثمة وقاية ضد الطغيان الأشد إثارة للسخط؛ وربما يمكن لفئة صغيرة أو فرد واحد، يطوق نفسه بحصانة لا يطولها القانون، أن يقمع شعباً كبيراً)*6

            (4)

            بعد هذا التغزل الطويل من توكفيل بالنموذج الأمريكي، فإنه يتساءل متخوفاً من مصير هذا النموذج فيقول: ( عندما تكون الظروف الاجتماعية متساوية، يميل كل إنسان للعيش بمعزل عن الآخرين، ويتمحور حول نفسه متناسياً البشر حوله)*7

            هو يريد توازناً دقيقاً ومدروساً، ولا يحقق هذا التوازن إلا مجتمع مدني حر وقوي ومؤمن بما يفعل، لأنه حسب رأيه (فالديمقراطية لا تجعل من كل إنسان متنكراً لأسلافه فحسب، بل هي تطمس أصله وتفصل معاصريه عنه. وترده فريسة لذاته ووحيداً. وتهدد في الأخير بحبسه في عزلة مشاعره القلبية الفردية)

            وهنا يتوجه بنصيحة لتواصل الفرد بالمجموع لتعزيز قيمته أمام الآخرين (قد يكسبك إنجازٌ رائع رضا الناس بضربة واحدة؛ ولكن لكي تحظى بحب واحترام السكان الذين يحيون حولك، سيتوجب عليك أن تثابر في تقديم الخدمات الصغيرة المتصلة، والأعمال الخيرية الخفية، وأن تتطبع على العطف الدائم، وأن تكون معروفاً بالنزاهة)

            وفي التحذير من تغول الدولة ( كلما حلت السلطة محل التجمعات الطوعية، فقد الأفراد فكرة الاتحاد معاً، وزادت حاجتهم الى مساعدة الدولة)


            هوامش من تهميش المؤلف
            *1ـ Alexis de Tocqueville, Democracy in America, 2 vols. (New York: Random House, 1990, vol1 صفحة 70.
            *2ـ صفحة 39 من المجلد الأول.
            *3ـ صفحة 90 من المجلد الأول.
            *4ـ صفحة 106 من المجلد الثاني.
            *5ـ صفحة 191 من المجلد الأول.
            *6ـ صفحة 195 من المجلد الأول.
            *7ـ صفحة 256 من المجلد الأول.

            تعليق

            يعمل...
            X