إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

قصص من عالم الجواسيس

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • قصص من عالم الجواسيس

    عالم الجاسوسية .. عالم غريب اساسه المال والجنس

    والشذوذ.. المخدرات والخمور .. كيف يخون الانسان وطنه

    من أجل حفنة من المال أو لهثا وراء حسناء جميلة .. يمني

    نفسه بقضاء ليلة حمراء بين احضانها


    قصص قرأتها ورغبت بنقلها

    هنا ستكون أولى القصص من عالم الجواسيس ارجو المتابعة

    (الجاسوس نبيل نحاس وقصته مع الموت الجميل)
    sigpic

    اللهم إني آمنت بقضائك وقدرك فارزقني ما تمناه قلبي

    رحمك الله يا امي
    (شوكة الحياة تجرحك لكنها لن تقتلك)

  • #2
    رد: قصص من عالم الجواسيس


    من أشهر جواسيس الموساد العرب

    أشرس جواسيس إسرائيل في مصر، ظل يمارس تجسسه وخيانته في الظل لمدة "13 عاماً" متتالية، بعيداً عن أعين جهاز المخابرات المصرية، وعند سقوطه. . أصيبت المخابرات الإسرائيلية بلطمة شديدة أفقدتها توازنها. فقد تزامن سقوطه مع سقوط جواسيس آخرين اكتشف أمرهم، وفقدت الموساد بذلك مصدراً حيوياً من مصادرها في مصر، الذين أمدوها بمعلومات غاية في الأهمية طوال هذه السنوات بلا تعب أو كلل.
    فقد كانت الجاسوسية عند نبيل النحاس قد وصلت الى درجة الصقل والاحتراف، بعدما تعدت مراحلها الابتدائية الأولى، وتحولت مهنة التجسس عنده الى أستاذية في التخفي والتمويه والبحث عن مصادر المعلومات. ووصلت درجة الثقة في معلوماته عند جهاز الموساد لمدى شاسع من الجدية والتأكيد.
    جونايدا روتي
    حوت التحقيقات التي أجريت مع العديد من الخونة بمعرفة المخابرات العربية . . سواء في مصر أو في سوريا أو العراق أسراراً مذهلة عن كيفية انتقاء الجواسيس . . فمراكز المخابرات الاسرائيلية بكافة فروعها – شأنها كشأن كافة أجهزة المخابرات الأخرى – تتخذ من النظرية القائلة بأن لدى كل إنسان نقطة ضعف.. ولكل إنسان ثمن . .نقطة انطلاق للتنقيب عن ضعاف النفوس واصطيادهم .. وتخضع عملية الإيقاع بهم والسيطرة عليهم لخطوات معقدة وشائكة.
    من هذا المنطلق .. أجاد رجال الموساد استخدام هذه النظرية باتساع . . دون اعتبارات للشرف أو للفضيلة . . وأخذوا يطرقون كل السبل لتجنيد عملاء لها في كل مكان. فمن كان يبحث عن المال وجد ضالته لديهم.. ومن كان يسعى وراء نزواته وشهوته قذفوا اليه بأجمل نسائهم. . ومن ضاقت به الحياة في بلده أمنوا له عملاً وهمياً يقوده في النهاية الى مصيدة الجاسوسية، دون أن يدري.
    فالملاحظ. . أن "العميل" في الغالب لا يعرف أنه أصبح "عميلاً" في بداية تجنيده. . بل يكتشف ذلك بنفسه بعد انغماسه في التجسس .. وتكون شباك الجاسوسية قد كبلته وأطبقت عليه . . ولم تعد لديه أية وسيلة للفكاك.
    حينئذ .. كالآلة الصماء يضطر الى العمل دون إدراك للعواقب. .
    والمثير في الأمر . . أن هناك بعض الجواسيس الذين سقطوا في قبضة المخابرات العربية كانوا يجهلون أنهم عملاء لإسرائيل. . وتبين لهم ذلك فقط عندما ووجهوا بالحقائق والأدلة التي تدينهم وتؤكد تورطهم. . ومن خلال اعترافات بعضهم – فتحي رزق، محمد أحمد حسن، جان ليون توماس، فؤاد محرم، سمير باسيلي. . الخ – نجد حقائق مثيرة عن كيفية اصطيادهم وتجنيدهم . . حيث يستخدم صائدوا الجواسيس كل أسلحة التأثير النفسي والمغريات المختلفة لإذابة تركيزهم واحتوائهم. . فلكل صيد "طعم" خاص به يلقى اليه . . ومن خلال قصص الجواسيس التي بين أيدينا نجد أن بينها تشابهاً كبيراً. . ولا تكاد تختلف إحداها عن الأخرى إلا من ناحية تنوع الأسماء والأماكن والمواقف. ذلك أن صائدي الجواسيس في المخابرات الاسرائيلية لهم ميزة عجيبة وصفة واحدة .. وهي أن لكل منهم أنف كلب الصيد الذي يدرك مكان الفريسة بالشم ويحدد مكانها بدقة . . الى جانب رادار حساس في أذنيه. . يضاف الى ذلك "الكرم" الذي يصل لدرجة البذخ أحياناً. . واتقان شديد للغة العربية وعادات شعوبها.
    هذه الصفات مجتمعة تؤمن للصياد أن يكتشف مكامن الضعف في الفريسة .. التي تكون على وشك الإفلاس . . أو قد تكون مصابة بانحراف جنسي . . أو تحلم بعلاقات حميمة مع ملكات الفتنة والأنوثة.
    هذا ما حدث بالضبط مع الجاسوس "نبيل النحاس" الذي عبد الشهوة فأغرقته وأرقته.. وبسببها كان اصطياده سهلاً .. بسيطاً. . وما أسهل تصيد عشاق الجنس وعبدة اللذة.
    تمتد جذور أسرته الى "حاصبيا" في محافظة لبنان الجنوبية وتقع على نهر الحاصباني وبعد سنوات طويلة انتقلت الأسرة الى "كفر شيما" بمنطقة الشويفات جنوبي بيروت ومن هناك الى مصر وأقام والده بالسويس، وتزوج من فتاة مصرية أنجبت له "نبيل" عام 1936.
    كان الطفل يحمل ملامح والده الشامي الأشقر وعذوبة أمه المصرية. . وتميز منذ الصغر بذكاء شديد يفوق أقرانه .. فتنبأ له الجميع بمستقبل مضمون ونجاح أكيد. .
    وتلاحقت السنون سراعاً ونجح نبيل النحاس في الثانوية العامة والتحق بجامعة القاهرة طالباً بكلية التجارة. . وبخطوات واثقة شق طريقه نحو الحياة العملية بعد تخرجه متفوقاً. . تراوده طموحات لا حدود لها. .
    ولم يطل به الانتظار طويلاً . . إذ سرعان ما عمل سكرتيراً في منظمة الشعوب الأفرو آسيوية التي كان يرأسها الأديب يوسف السباعي . . وكان عمله كتابة محاضر الجلسات والمؤتمرات على الآلة الكاتبة.
    ومن خلال وظيفته وموقعه.. توسعت علاقاته وتشبعت .. وتبلورت شخصيته الجديدة التي نضجت مع ملاحة ورجولة تلفت انتباه الحسان .. وتجعل منه مأملاً لهن . . فأحطنه بدلالهن ليقطف منهن من يشاء ..
    وبمرور الشهور استشعر نبيل النحاس ضآلة راتبه الذي تعدى المائة جنيه .. في ذات الوقت الذي كان فيه راتب زميله في مكان آخر لا يتعدى الخمسة عشر جنيهاً في ذلك الوقت عام 1959. . فعمله المرموق كان يتطلب مظهراً حسناً وملابس أنيقة تتناسب ومكانته .. الى جانب حاجته للإنفاق على معيشته وعلى علاقاته النسائية وملذاته.. خاصة .. وقد ارتبط بعلاقة حميمة بفتاة أفريقية من كوناكري في غينيا . . فانجرف معها الى محيطات المتعة يجدف بلا كلل. كان اسمها "جونايدا روتي" .. خيزرانية القوام أبنوسية اللون رائعة الخلقة .. تعمل مراسلة صحفية لعدة صحف أفريقية وعالمية.
    استطاعت جونايدا أن تمتلك عقله وتنسيه أية امرأة سواها. . فأغدق عليها بالهدايا حتى تعثرت أحواله المالية .. فوجد الحل لديها لإنقاذه من تعثره عندما عرضت عليه أن يطلب إجازة من عمله بالمنظمة .. والانضمام الى إحدى وكالات الأنباء العالمية كمراسل مقابل راتب كبير مغر..
    وكانت أولى المهام التي أوكلت إليه السفر الى منطقة الصحراء المغربية "ريودي أورو" ومن "فيلاشيز نيروس" و "العيون" يستطيع أن ينقل أخبار الصراع السري الدائر بين المملكة المغربية وموريتانيا . . صراع النفوذ على المنطقة المحصورة بينهما.
    كانت سعادته بالمهمة الجديدة عظيمة .. حيث ستتاح له فرصة اللحاق بالساحرة الأفريقية – جونايدا – التي سبقته الى كوناكري. . وطار النحاس الى الدار البيضاء تحفه أحلام المغامرة والثقة في الغد.
    الطريق المختصر
    هناك – في الدار البيضاء – كانت بانتظاره مفاجأة بدلت مجرى حياته كلها .. إذ تعرف إليه في بهو الفندق رجل مغربي .. يهودي .. عرف منه وجهته .. فعرض عليه مساعدته لدخول ريودي أورو عن طريق أعوان له في "سيدي أفني" أقصى جنوب المغرب .. وكيفية اجتياز "وادي درعة" للوصول الى الحدود.
    سر نبيل النحاس للصدفة الجميلة التي ما توقعها.. واحتفاء بالمراسل الصحفي الوسيم .. أعد له المضيف وليمة غداء بمنزله في "أزمور" الساحرة. . التي تقع على نهر "أم الربيع" وتشرف على ساحل المحيط الأطلنطي.
    وفي منزل تحيطه الحدائق والزهور في بانوراما طبيعية رائعة .. كانت تنتظره المفاجأة .. إنها "مليكة" اليهودية المغربية التي تستحوذ على جمال فتان لم تره عين من قبل . .
    كانت في الواحدة والعشرين من عمرها .. إذا خطت . . تحركت الفتنة وترجرجت تحت ثيابها . . وإذا تأودت . . أغرقت الدنيا بهاء وحسناً. . وإذا تحدثت .. تموجت الأنغام سكرى على شفتيها. . وأربكت حدود العقل وأركانه.
    أذهل جمالها المراسل الصحفي الجديد فنسي مهمته في الجنوب .. وذابت جونايدا الى القاع أمام سحر مليكة .. فقد أفقدته "حسناء أزمور" الوعي والرشاد .. وطيرت عقله الى سفوح المتعة. . فأقبل يلعق عناقيد الفتنة بين يديها . . ويتعبد منتشياً في محرابها مسلوب القرار .. فعندما يخوص الجسد بحار النشوة .. يغوس متلذذاً بالغرق لا يرجو خلاصاً من الموت الجميل.
    الأيام تمر وفتانا نسي مهمته.. وقبع كطفل غرير بين أحضان مليكة التي أحكمت شباكها حوله وسيطرت على مجامع حواسه .. وحولته الى خادم يلبي طائعاً رغباتها.. وينقاد لرأيها ..دون أن يشك ولو للحظة في كونها يهودية تسعى لاصطياده في خطة محبوكة ماهرة أعدتها جونايدا سلفاً في القاهرة.
    وبعدما فرغت جيوبه . . أفاق على موقفه السيء بلا نقود في بلاد الغربة .. وتمنى لو انه كان يملك الملايين ليظل الى جانب مليكة لا يفارقها أبداً. .
    ولما قرأت فتاته أفكاره .. طمأنته . . وعرضت عليه السفر معها الى باريس حيث الحرية والعمل والثراء .. وبلا وعي وافقها .. ورافقها الى عاصمة النور والجمال ومأوى الجواسيس .. وهناك لم يفق أو ينتبه الى حقيقة وجوده بين فكي كماشة ستؤلمه عضاتها حتماً ذات يوم. . ولما أيقنت أنه سقط في براثنها بلا قوة تؤازره وتدفعه لمقاومتها. . نبهته – بالتلميح – الى ضرورة إدراك حقيقة لا بد أن يعيها .. وهي أنها يهودية تدين بالولاء لإسرائيل حتى وإن كانت مغربية المولد .. ولغتها عربية فرنسية. .
    وعندما استقرأ المراسل الصحفي مستقبله معها . . كانت الصورة أمامه مهتزة .. إذ خلقت منه أصابع مليكة الناعمة طفلاً لا يعي .. وأبلهاً لا يقرر .. وأعمى لا يرى تحت قدميه.
    أقام معها في شقة رائعة .. وكانت تنفق عليه بتوفير فرصة عمل له من خلال أصدقائها في باريس. . واستدعت من أعماقه كل جوانب ضعفه وجنونه . . واستدرجته للحديث في السياسة فأفاض بغزارة ..
    وأسر إليها بما لديه من معلومات عن المنظمة الأفرو آسيوية . . وعن أشخاص بعينهم يمثلون رموزاً هامة في المجتمع الدولي .. وحدثها عن علاقاته بكبار المسؤولين في مصر .. وكانت كل تلك الأحاديث مسجلة بالصوت والصورة .. الى جانب تسجيلات أخرى أثناء استعراضه لفحولته عارياً بين أحضان عميلة الموساد.
    كان "باسكينر" ضابط الموساد يراقب كل شيء . . ويدرس شخصية نبيل النحاس باستفاضة . . ولما حانت الفرصة المناسبة .. عرفته مليكة بفتاها .. وقدمته اليه على أنه رجل أعمال إسرائيلي يدير شركة كبرى للشحن الجوي تمتد فروعها في كل القارات .. وكان رد الفعل عند المراسل الصحفي يكاد يكون طبيعياً. . فهو يسعى الى المال أينما وجد .. وسواء تحصل عليه من يهودي أو هندوسي فلا فرق .. المهم هو الكم.
    استخلص الضابط الامحنك حقيقة مؤداها أن الشاب المصري يريد المال ومليكة معاً. . فتولى أمره . . وتعهده ليصنع منه جاسوساً ملماً بفنون الجاسوسية.. وكانت المناقشات بينهما تبدو طبيعية لا غبار عليها .. ثم تطرق باسكينر شيئاً فشيئاً الى هويته. . وموقف العرب من إسرائيل. . واتجاهات الدبلوماسية العربية إزاء الوجود الإسرائيلي في المنطقة. .
    في أحاديثه أيضاً تطرق الى عمليات الموساد الخارقة في البلاد العربية .. وكيف أنها تدفع بسخاء الى عملائها . . وتحرص على حمايتهم إذا انكشف أحدهم .. ونوّه – من بعيد – عن التسجيلات الصوتية والأفلام التي بحوزتهم . . والأسرار التي تحويها هذه الشرائط، وأنها قد تهلك أصحابها إذا ما وقعت في أيدي المخابرات العربية.
    لم يكن نبيل النحاس غبياً بالدرجة التي تجعله يجهل ما يرمي إليه باسكينر . . أو يتجاهله .. إذ استوعب نواياه ومقصده . . وكان تعليقه الوحيد أنه شخصياً يتعاطف مع إسرائيل .. وأن تعاطفه هذا عن قناعة تبلورت من خلال قراءاته في تاريخ اليهود.
    بذلك . . اختصر نبيل النحاس الطريق الطويل أمام باسكينر .. وخطا أولى خطواته الفعلية على درب الخيانة .. والخسة. .
    أبقى باسكينر مليكة الى جوار الجاسوس الجديد. . فوجودها مهم للغاية في تلك المرحلة الأولى من الإعداد والتدريب .. ذلك لأن خضوعه كان مرهوناً بوجودها .. الى جانب آلاف الدولارات التي ملأت جيوبه فأسكرته . . وأنسته عروبته. . فقد كانت تمنحه النعيم ليلاً بينما يدربه باسكينر وزملاؤه نهاراً. .
    كانت أولى دروس الخيانة هي كيفية استدراج ذوي المراكز الحساسة للحديث في أمور يصعب تناولها . . وتتعلق بأسرار الدولة .. واستغلال حفلات الخمر والجنس في الوصول الى أسرار غاية في الأهمية .. الى جانب ضرورة تزويد الموساد بنسخة طبق الأصل من محاضر مؤتمرات المنظمة الأفرو آسيوية التي سيعود لعلمه بها من جديد.
    علموه أيضاً كيفية قراءة التقارير والأوراق بالمقلوب على مكاتب المسؤولين الكبار عند زياراته لهم . . واختزان الصور والرسوم والمعلومات التي يطلع عليها بذاكرته .. ثم يقوم بتسجيلها كتابة بعد ذلك . . وكيفية مراقبة المواقع العسكرية على الطريق ما بين القاهرة والسويس وكتابة تقارير وافية عن مشاهداته وإن كانت تافهة .. ويقوم بإرسالها – بواسطة الحبر السري – الى أحد العناوين في باريس – مقر الموساد المختص بجواسيس الشرق الأوسط – الذي يقوم بتجميع الأخبار والتقارير التي تفد إليه من قبرص وأثينا وبروكسل وروما فيرسلها بدوره الى تل أبيب.
    أهلاً بك في وطنك
    ابتدأ النشاط التجسسي الفعلي لنبيل النحاس في منتصف عام 1960 .. فقد عاد الى عمله بالمنظمة .. وكانت وظيفته ساتر طبيعي يختفي خلفه .. ولا يثير أية شبهات من حوله..
    واستطاع من خلال علاقاته الهامة استخلاص معلومات لا يتوقف سيلها. . كانت تصل الى المخابرات الاسرائيلية أولاً بأول .. وبالتالي .. يتحصل على مقابل مادي ضخم يتسلمه في القاهرة بطرق ملتوية عديدة..
    وبعد عامين تقريباً. . استدعى الى باريس في مهمة عاجلة .. حيث كان بانتظاره باسكينر .. الذي عهد به الى ضابط إسرائيلي آخر استطاع تدريبه على كيفية ترويج الإشاعات .. والتأثير سلبياً على الرأي العام من خلال تجمعات الأوساط المختلفة في مصر، ولقنع الكثير من أساليب الحرب النفسية والتأثير السيكولوجي، اعتماداً على لياقته ومقدرته الفذة على الإقناع، الى جانب ترسيخ فكرة الخوف من الإسرائيليين لدى المحيطين به، واستبيان آرائهم تجاه العدو وقدرات الجيوش العربية على مواجهته.
    وبعد مرور عدة سنوات – كان نبيل النحاس من أنشط جواسيس إسرائيل في مصر. لقد نسي مليكة، ولم يعد يعرف لها وجهاً بعدما أدت مهمتها خير قيام. بينما انشغل هو بجمع أموال الموساد التي هيأت له فرص التعرف بالكثيرات غيرها، فالأموال طائلة والوثائق الهامة تقيم، والنساء على كل الألوان.
    وفي مرحلة أخرى من مراحل صناعة الجواسيس المحترفين – أعد له برنامج تدريبي أكثر خطورة في بيروت، إذ تم إخضاعه لدورة تدريبية بواسطة خبير متفجرات عميل للموساد، فتعلم كيفية صنع المتفجرات، وتفخيخ الرسائل والطرود والتخفي والتمويه والهرب والتنكر.
    لقد أرادوا أن يخلقوا منه جاسوساً فاعلاً وخبيراً في الأعمال الإرهابية والتدمير في مصر. وكان الخائن أشد قابلية للتشكل والتمحور وتنفيذ مخططات العدو ولو بقتل الأبرياء، وبعدما فرت من أعماقه دلائل العروبة، وسرت بشرايينه دماء تحوي كرات الخيانة بكل الصور.
    لذلك .. تعاون بإخلاص مع الموساد في تهديد الخبراء الألمان، الذين يعملون في المصانع الحربية المصرية لإنتاج الصواريخ والأسلحة المتطورة .. بتوجيه الرسائل المتفجرة الى بعضهم، بالاشتراك ضمناً مع "يوهان وولفجانج لوتز" عميل الموساد الشهير في القاهرة الذي ألقى القبض عليه في فبراير 1965 ولم يجر إعدامه.
    وبرغم عدم اكتشاف أمره – إلا أن نبيل النحاس لم يتوقف بعد سقوط لوتز، واحتل مرتبة الصدارة لدى المخابرات الاسرائيلية في المنطقة. وقام بدور حيوي في نقل أسرار عسكرية وحيوية الى إسرائيل قبل نكسة يونيو 1967 . . ساعدت العدو على اجتياح الأراضي المصرية واحتلال سيناء. واعتبر نبيل النحاس نجاح إسرائيل في هزيمة العرب نتاج تعاونه معهم وإمدادهم بوثائق خطيرة وتقارير تشكل الصورة الواقعية للعسكرية المصرية .
    وفي عام 1968 أفرجت مصر عن "لوتز" في صقفة مع إسرائيل للإفراج عن عدد كبير من أسرى الحرب لديها. وأحس نبيل بالزهو، فالصفقة منحته قدراً هائلاً من الثقة في مخابرات اسرائيل التي لا تترك جواسيسها وعملاءها نهباً للقلق، إذ تسعى لمبادلتهم وبأي ثمن حماية للجواسيس الآخرين الذين يعملون في الخفاء، ويتملكهم الرعب عند سقوط أحدهم في قبضة المخابرات العربية.
    لقد اطمأن أخيراً على مستقبله في حالة سقوطه، فسوف تتم مبادلته هو الآخر ليعيش بقية حياته في إحدى الفيلات الرائعة بإسرائيل، ينعم بالأمن وبالأموال الكثيرة.
    هذا الهاجس الذي عاشه، جعل منه خائناً خطيراً لا يتورع عن بيع أي شيء ذي أهمية لإسرائيل. . وكانت زيارته الى تل أبيب حلماً يراوده، وأملاً ينشده. لقد أراد أن يرى إسرائيل من الداخل ويتجول بين مدنها ويتخير لنفسه بيتاً نماسباً قد يسكنه ذات يوم. وأعدوا له برنامجاً مشحوناً ينتظره قبل زيارته لإسرائيل بعدة أسابيع، وأثناء تواجده في أثينا. . كانت خطة سفره قد اكتملت.

    ففي غفلة عن الأنظار اختفى نبيل فجأة من فندق "بوزايدون". . وفي المطار كان ثمة رجل أشقر تغطي وجهه نظارة سوداء، ويرتدي معطفاً ترتفع ياقته لتخفي بقية وجهه، يحمل جواز سفر إسرائيلياً باسم "شاؤول ياريف" ولا يتحدث مع أحد. خطواته الواثقة قادته الى السيارة التي أقلته حتى طائرة العال الإسرائيلية الرابضة على الممر، وعن قرب كان يتبعه رجل آخر لا يبدو أنه يعرفه.. إنه باسكينر ضابط الموساد الذي خلق منه جاسوساً محترفاً، وفي مطار بن جوريون كانت تنتظره سيارة ليموزين سوداء ذات ستائر، سرعان ما دلف اليها .. فأقلته الى مكان لا يعرفه سوى قلة من ضباط الموساد الذين استقبلوه بحفاوة بالغة.

    وفي مكتب "زيفي زامير" رئيس الموساد الجديد كان اللقاء أكثر حرارة، إذ ترك زامير مكتبه وجلس قبالته يتأمل وجهه العربي الصديق، وعرض عليه خدمات الموساد فاختار الخائن أولاً أن يلتقي بالسيدة جولدا مائير، فصحبه الى هناك حيث اصطف أكثر من خمسة وعشرين جنرالاً إسرائيلياً لتحيته، واحتضنه أحدهم قائلاً له "أهلاً بك في وطنك إسرائيل" وصافحته جولدا مائير بحرارة، وأمرت بتلبية كل مطالبه ولو كانت مستحيلة. وقالت لزامير: "شكراً على هديتك الرائعة التي جلبتها لإسرائيل" وعلق الخائن قائلاً:
    لم أكن أحلم قبل اليوم بأكثر مما أنا فيه الآن. أشعر أنني بين أهلي، ويكفيني هذا الشعور سيدتي.

    وأمرت له رئيسة الوزراء بمكافأة خاصة وقدرها خمسة وعشرين ألف دولار من مكتبها، بخلاف ما سيحصل عليه من أموال الموساد. .
    وفي الفيلا التي نزل بها كانت مفاجأة مدهشة .. إنها مليكة .. أجمل النساء اللاتي أسكرنه ، والعميلة المحترفة التي أوقعت به صيداً سهلاً في شرك الجاسوسية لصالح الموساد. فجددت معه ذكرى الأيام الخوالي .. وأغدقت عليه من نبع أنوثتها شلالات من المتعة تمنحها له هذه المرة ليس بقصد تجنيده كما حدث في المغرب، بل لتكافئه على إخلاصه لإسرائيل.

    لم تكن هناك فروق بين إحساس المتعة في الحالتين. فمليكة أنثى مدربة تعرف كيف تغرقه في بحورها. . وكلما أرادت إنتشاله جذبها مرات ومرات. فما أحلى الغرق في بحور فاتنة مثيرة، وما ألذه من موت جميل !!
    ستة عشرة يوماً بين ربوع إسرائيل زائراً عزيزاً، عاد بعدها نبيل النحاس الى أثينا بآلاف الدولارات التي كوفئ بها من إسرائيل.. والتي زادته شراهة في الخيانة، وعبقرية في جلب المعلومات. .

    فالمنطقة العربية تغلي كبركان على وشك الفوران والثورة .. والشعب العربي هديره مطالباً بالثأر يصم الأذان، وحالة ترقب في إسرائيل وانتظار لصحوة المارد العربي . . الذي سقط يتلوى يبغي الوقوف والصمود.
    بكاء الذليل


    كانت المهمة بالنسبة لنبيل أشد صعوبة برغم سنوات الخيانة والخبرة، وبرغم احتضان مصر له لم يحفظ لها الجميل بعدما تعهدته طفلاً، ونشأته صبياً، وعلمته شاباً، ونخرت الخيانة عظامه كالسوس يسعى لا علاج له سوى الهلاك والفناء. فبارد على الفور في استكشاف النوايا تجاه إسرائيل، ونشط في جمع أدق المعلومات عن تسليح الجيش، والمعدات الحديثة التي تصل سراً من الاتحاد السوفياتي ودول الكتلة الشرقية، وانغمس في ملذاته بصحبة فتيات الليل، يجلب لهن بعض المناصب والعارفين بالأمور العسكرية.
    ومن خلال حفلات المجون كانت المعلومات تتناثر هنا وهناك، فيلتقطها بعقل واع يقظ ويدونها، ويبعث بها في الحال الى مكتب الموساد في جنيف.

    وعندما تلقى رسالة مشفرة من رؤسائه تطلب منه معلومات مركزة عن حركة ميناء الاسكندرية، لم يتأخر في تنفيذ الأمر، وأسرع الى الاسكندرية للقاء صديق له يعمل في شركة تمارس نشاطات بحرية، وأغدق عليه بالهدايا الثمينة . . فانتبه صديقه لذلك وتساءل مع نفسه "لماذا"؟ وادعى جهله بأمور تجري بالميناء الحيوي .. فوجد إلحاحاً من الخائن يطلب منه تزويده بما يخفى عنه .. بحجة عمله كمراسل لوكالة أنباء دولية.
    لم يكن نبيل يدرك مطلقاً أن صديقه قد انتابته الشكوك .. فبادر على الفور بإبلاغ المخابرات المصرية ووضع العميل تحت المراقبة الشديدة.

    وبعد نصر أكتوبر 1973 صدم الخائن لهزيمة إسرائيل. وفي روما عنفه ضابط الموساد واتهمه بالإهمال الجسيم الذي أدى لهزيمتهم الساحقة أمام العرب. وأقسم له الخائن أنه لن يقصر، ولكن الضابط كان ثائراً ولم يستطع أن يخفي انفعاله وغضبه.
    تخوف نبيل من فكرة الاستغناء عن خدماته للموساد.. لذلك عاد الى مصر في الرابع عشر من نوفمبر 1973 حانقاً، وبداخله تصميم قوي على "تعويض" هزيمة إسرائيل، وتملكه بالفعل اعتقاد بأنه أهمل في عمله ولم يكن دقيقاً في نقل نوايا المصريين.. وبنشاط مجنون أخذ يبحث عن مصادر لمعلومات وإجابات يحمل أسئلتها. وفي غمرة جنون البحث .. كانت المخابرات المصرية تلاصقه كظله وتريد ضبطه متلبساً بالتجسس.
    وفي 24 نوفمبر 1973 – بعد عشرة أيام من عودته من روما – اقتحمت المخابرات المصرية شقته في القاهرة، وضبطت أدوات التجسس كاملة، فلم يستطع الإنكار وإنهار باكياً أمام المحققين. . وأدلى باعترافات تفصيلية ملأت مئات الصفحات، وهو لا يصدق أنه سقط بعد 13 عاماً كاملة في مهنة التجسس التي أجادها واحترفها. وقدم الى المحكمة العسكرية وظل لآخر لحظة ينتظر المفاجأة .. مفاجأة مبادلته والعودة الى "وطنه إسرائيل".
    لكن خاب ظنه وقتل أمله . . فالجيش المصري كان هو الغالب المنتصر في أكتوبر 1973 .. والأسرى كانوا هذه المرة جنوداً إسرائيليين، وليس هناك أمل لمبادلته على الإطلاق.
    لقد كانت إسرائيل في محنة ما بعدها محنة. ولا وقت هناك للتفكير في إنقاذ خائن باع وطنه رخيصاً، بحفنة من الدولارات، وبآهات غانية تتلوى بين أحضانه. .
    وكمثل جواسيس خونة آخرين اكتشف أمرهم. . أنكرت إسرائيل معرفتها به، وتجاهلته ليموت ذليلاً لا ينفعه بكاء الندم .. أو تقيه أموال الموساد من حبل المشنقة.. !!

    المصدر النت
    sigpic

    اللهم إني آمنت بقضائك وقدرك فارزقني ما تمناه قلبي

    رحمك الله يا امي
    (شوكة الحياة تجرحك لكنها لن تقتلك)

    تعليق


    • #3
      رد: قصص من عالم الجواسيس

      المال أحيانا يقتل فينا الضمير ..
      لأننا لا وازع لدينا..
      ميسون ..
      شكرا لقلمك ..
      دمت بود
      " الثورة هي حرب الحرية على أعدائها ..!! "

      تعليق


      • #4
        المتوجة على عرش الجاسوسية (ملكة الجاسوسية) هبة سليم


        هبة سليم ملكة الجاسوسية المتوجة

        منذ أن كتب الأستاذ صالح مرسي قصة "عبلة كامل" في فيلم "الصعود الى الهاوية" وصورة هذه الخائنة مرتسمة بخيالنا. . وحفظنا تفاصيل تجنيدها وخيانتها حتى سقطت في قبضة المخابرات المصرية هي وخطيبها.
        والجديد هنا في قصة عبلة كامل. . أو "هبة سليم" الحقيقية. . معلومات جديدة تماماً أعلن عنها مؤخراً .. وكانت خافية حتى بضع سنوات خلت . . كشفت النقاب عن شريكها الضابط العسكري المقدم فاروق الفقي.
        إنها قصة مثيرة وعجيبة. . قصة أول جاسوسة عربية استُغلت أديولوجياً. . وعملت لصالح الموساد ليس لأجل المال أو الجاه أو أي شيء سوى الوهم. . الوهم فقط. .
        فكانت بذلك اول حالة شاذة لم تماثلها حالة أخرى من قبل . . أو بعد. . !!
        حقائق ثابتة
        لم تدخر المخابرات الاسرائيلية وسيلة عند تجنيدها للجواسيس إلا وجربتها. وأيضاً – لم تعتمد على فئة معينة من الخونة . . بل جندت كل من صادفها منهم واستسهل بيع الوطن بثمن بخس وبأموال .. حرام، وأشهر هؤلاء على الإطلاق – هبة عبد الرحمن سليم عامر – وخطيبها المقدم فاروق عبدالحميد الفقي.
        إنها إحدى أشرس المعارك بين المخابرات الحربية المصرية والمخابرات الإسرائيلية. معركة أديرت بذكاء شديد وبسرية مطلقة، انتصرت فيها المخابرات المصرية في النهاية. وأفقدت العدو توازنه، وبرهنت على يقظة هؤلاء الأبطال الذين يحاربون في الخفاء من اجل الحفاظ على أمن الوطن وسلامته.
        لقد بكت جولدا مائير حزناً على مصير هبة التي وصفتها بأنها "قدمت لإسرائيل أكثر مما قدم زعماء إسرائيل" وعندما جاء هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي ليرجو السادات تخفيف الحكم عليها. . كانت هبة تقبع في زنزانة انفرادية لا تعلم أن نهايتها قد حانت بزيارة الوزير الامريكي.
        لقد تنبه السادات فجأة الى أنها قد تصبح عقبة كبيرة في طريق السلام، فأمر بإعدامها فوراً، ليسدل الستار على قصة الجاسوسة التي باعت مصر ليس من أجل المال أو الجنس أو العقيدة. . إنما لأج الوهم الذي سيطر على عقلها وصور لها بأن إسرائيل دولة عظمى لن يقهرها العرب. وجيشها من المستحيل زحزحته عن شبر واحد من سيناء، وذلك لأن العرب أمة متكاسلة أدمنت الذل والفشل، فتفرقت صفوفهم ووهنت قوتهم . .الى الأبد.
        آمنت هبة بكل هذه الخرافات، ولم يستطع والدها – وكيل الوزارة بالتربية والتعليم – أن يمحو أوهامها أو يصحح لها خطأ هذه المفاهيم.
        ولأنها تعيش في حي المهندسين الراقي وتحمل كارنيه عضوية في نادي "الجزيرة" – أشهر نوادي القاهرة – فقد اندمجت في وسط شبابي لا تثقل عقله سوى أحاديث الموضة والمغامرات، وبرغم هزيمة 1967 الفادحة والمؤلمة للجميع. . إلا أن هبة انخرطت في "جروب" من شلة أولاد الذوات تسعى خلف أخبار الهيبز، وملابس الكاوبوي وأغاني ألفيس بريسلي.
        وعندما حصلت على الثانوية العامة ألحت على والدها للسفر الى باريس لإكمال تعليمها الجامعي، فالغالبية العظمى من شباب النادي أبناء الهاي لايف، لا يدخلون الجامعات المصرية ويفضلون جامعات أوروبا المتحضرة .
        وأمام ضغوط الفتاة الجميلة وحبات لؤلؤ مترقرقة سقطت على خديها، وافق الأب وهو يلعن هذا الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه ولا بد من مسايرة عاداته وتقاليده.
        وفي باريس لم تنبهر الفتاة كثيراً، فالحرية المطلقة التي اعتادتها في مصر كانت مقدمة ممتازة للحياة والتحرر في عاصمة النور.
        ولأنها درست الفرنسية منذ طفولتها فقد كان من السهل عليها أيضاً أن تتأقلم بسرعة مع هذا الخليط العجيب من البشر. ففي الجامعة كانت تختلف كل الصور عما ترسب بمخيلتها. . إنها الحرية بمعناها الحقيقي، الحرية في القول والتعبير . . وفي اختيار المواد الدراسية. . بل وفي مواعيد الامتحان أيضاً، فضلاً عن حرية العلاقة بين الجنسين التي عادة لا تقتصر على الحياة الجامعية فحسب. . بل تمتد خارجها في شمولية ممتزجة باندفاع الشباب والاحتفاء بالحياة.
        جمعتها مدرجات الجامعة بفتاة يهودية من أصول بولندية دعتها ذات يوم لسهرة بمنزلها، وهناك التقت بلفيف من الشباب اليهود الذي تعجب لكونها مصرية جريئة لا تلتفت الى الخلف، وتنطلق في شراهة تمتص رحيق الحرية. . ولا تهتم بحالة الحرب التي تخيم على بلدها، وتهيمن على الحياة بها.
        لقد أعلنت صراحة في شقة البولندية أنها تكره الحرب، وتتمنى لو أن السلام عم المنطقة. وفي زيارة أخرى أطلعتها زميلتها على فيلم يصور الحياة الاجتماعية في إسرائيل، وأسلوب الحياة في "الكيبوتز" وأخذت تصف لها كيف أنهم ليسوا وحوشاً آدمية كما يصورهم الإعلام العربي، بل هم أناس على درجة عالية من التحضر والديموقراطية.
        وعلى مدار لقاءات طويلة مع الشباب اليهودي والامتزاج بهم بدعوى الحرية التي تشمل الفكر والسلوك. . استطاعت هبة أن تستخلص عدة نتائج تشكلت لديها كحقائق ثابتة لا تقبل السخرية. أهم هذه النتائج أن إسرائيل قوية جداً وأقوى من كل العرب. وأن أمريكا لن تسمح بهزيمة إسرائيل في يوم من الأيام بالسلاح الشرقي.. ففي ذلك هزيمة لها.
        آمنت هبة أيضاً بأن العرب يتكلمون أكثر مما يعملون. وقادتها هذه النتائج الى حقد دفين على العرب الذين لا يريدون استغلال فرصة وجود إسرائيل بينهم ليتعلموا كيفية اختزال الشعارات الى فعل حقيقي. وأول ما يبدأون به نبذ نظم الحكم التي تقوم على ديموقراطية كاذبة وعبادة للحاكم.
        وثقت هبة أيضاً في أحاديث ضابط الموساد الذي التقت به في شقة صديقتها. . وأوهمها باستحالة أن ينتصر العرب على إسرائيل وهم على خلاف دائم وتمزق خطير، في حين تلقى إسرائيل الدعم اللازم في جميع المجالات من أوروبا وأمريكا.
        هكذا تجمعت لديها رؤية أيديولوجية باهتة، تشكلت بمقتضاها اعتقاداتها الخاطئة، التي قذفت بها الى الهاوية.
        الشك المجنون
        كانت هذه الأفكار والمعتقدات التي اقتنعت بها الفتاة سبباً رئيسياً لتجنيدها للعمل لصالح الموساد .. دون إغراءات مادية أو عاطفية أثرت فيها، مع ثقة أكيدة في قدرة إسرائيل على حماية "أصدقائها" وإنقاذهم من أي خطر يتعرضون له في أي مكان في العالم.
        هكذا عاشت الفتاة أحلام الوهم والبطولة، وأرادت أن تقدم خدماتها لإسرائيل طواعية ولكن.. كيف؟ الحياة في أوروبا أنستها هواء الوطن. .وأغاني عبد الحليم حافظ الوطنية. .وبرج القاهرة الذي بناه عبد الناصر من أموال المخابرات الأمريكية التي سخرتها لاغتياله.
        فقط تذكرت فجأة المقدم فاروق الفقي الذي كان يطاردها في نادي الجزيرة، ولا يكف عن تحين الفرصة للانفراد بها. .وإظهار إعجابه الشديد ورغبته الملحة في الارتباط بها. لقد ملت كثيراً مطارداته لها من قبل في النادي وخارج النادي، وكادت يوماً ما أن تنفجر فيه غيظاً في التليفون. . وذلك عندما تلاحقت أنفاسه اضطراباً وهو يرجوها أن تحس به. مئات المرات قال لها: "أعبدك .. أحبك .. أهواك يا صغيرتي". ولكنها كانت قاسية عنيفة في صده.
        تذكرت هبة هذا الضابط الولهان، وتذكرت وظيفته الهامة في مكان حساس في القوات المسلحة المصرية، وعندما أخبرت ضابط الموساد عنه. .كاد أن يطير بها فرحاً، ورسم لها خطة اصطياده.
        وفي أول أجازة لها بمصر. . كانت مهمتها الأساسية تنحصر في تجنيده.. وبأي ثمن، وكان الثمن خطبتها له. وفرح الضابط العاشق بعروسه الرائعة التي فاز بها أخيراً، وبدأت تدريجياً تسأله عن بعض المعلومات والأسرار الحربية. . وبالذات مواقع الصواريخ الجديدة التي وصلت من روسيا. . فكان يتباهى أمامها بأهميته ويتكلم في أدق الأسرار العسكرية،ويجيء بها بالخرائط زيادة في شرح التفاصيل.
        أرسلت هبة سليم على الفور بعدة خطابات الى باريس بما لديها من معلومات ولما تبينت إسرائيل خطورة وصحة ما تبلغه هذه الفتاة لهم.. اهتموا بها اهتماماً فوق الوصف. وبدأوا في توجيهها الى الأهم في تسليح ومواقع القوات المسلحة. . وبالذات قواعد الصواريخ والخطط المستقبلية لإقامتها، والمواقع التبادلية المقترحة.
        وسافرت هبة الى باريس مرة ثانية تحمل بحقيبتها عدة صفحات. . دونت بها معلومات غاية في السرية والأهمية للدرجة التي حيرت المخابرات الاسرائيلية. فماذا سيقدمون مكافأة للفتاة الصديقة؟
        سؤال كانت إجابته عشرة آلاف فرنك فرنسي حملها ضابط الموساد الى الفتاة .. مع وعد بمبالغ أكبر وهدايا ثمينة وحياة رغدة في باريس. رفضت هبة النقود بشدة وقبلت فقط السفر الى القاهرة على نفقة الموساد بعد ثلاثة أشهر من إقامتها بباريس. كانت الوعود الراقة تنتظرها في حالة ما إذا جندت خطيبها ليمدهم بالأسرار العسكرية التي تمكنهم من اكتشاف نوايا المصريين تجاههم.
        لم يكن المقدم فاروق الفقي بحاجة الى التفكير في التراجع، إذ أن الحبيبة الرائعة هبة كانت تعشش بقلبه وتستحوذ على عقله.. ولم يعد يملك عقلاً ليفكر، بل يملك طاعة عمياء سخرها لخدمة إرادة حبيبته. وعندما أخذها في سيارته الفيات 124 الى صحراء الهرم.. كان خجولاً لفرط جرأتها معه، وأدعت بين ذراعيه أنها لم تصادف رجلاً قبله أبداً. وأبدت رغبتها في قضاء يوم كامل معه في شقته. ولم يصدق أذنيه. فهو قد ألح عليها كثيراً من قبل لكنها كانت ترفض بشدة. الآن تعرض عليه ذلك بحجة سفرها، وفي شقته بالدقي تركت لعابه يسيل، وجعلته يلهث ضعفاً وتذللاً..
        ولما ضمها الى صدره في نهم ورغبة واقتربت شفتاه منها.. صدته في تمنع كاذب. . فاندفع اليها بشوق أكثر، ولملم جرأته كلها وأطبق على شفتيها يروي ظمأ ملهوفاً تلسعه موجات من صهد أنوثتها. فأذاقته قبلة طويلة غمست بلذائذ من النشوة، وحمم من الرغبات، فطار عقله وبدا كطفل نشبث بأمه في لحظة الجوع، لكنها.. هيهات أن تمنحه كل ما يريد. فقد حجبت عنه رعشة الوطر وأحكمت قيدها حول رقبته فمشى يتبعها أينما سارت. . وسقط ضابط الجيش المصري في بئر الشهوة ووقّع وثيقة خيانته عارياً على صدرها، ليصير في النهاية عميلاً للموساد تمكن من تسريب وثائق وخرائط عسكرية.. موضحاً عليها منصات الصواريخ "سام 6" المضادة للطائرات. . التي كانت القوات المسلحة تسعى ليلى نهار لنصبها لحماية مصر من غارات العمق الاسرائيلية.
        لقد تلاحظ للقيادة العامة للقوات المسلحة ولجهازي المخابرات العامة والحربية، أن مواقع الصواريخ الجديد تدمر أولاً بأول بواسطة الطيران الإسرائيلي. حتى قبل أن يجف الأسمنت المسلح بها، وحودث خسائر جسيمة في الأرواح، وتعطيل في تقدم العمل وإنجاز الخطة التي وضعت لإقامة حائط الصواريخ المضادة للطائرات.
        تزامنت الأحداث مع وصول معلومات لرجال المخابرات المصرية. . بوجود عميل "عسكري" قام بتسريب معلومات سرية جداً الى إسرائيل. وبدأ شك مجنون في كل شخص ذي أهمية في القوات المسلحة، وفي مثل هذه الحالات لا يستثنى أحد بالمرة بدءاً من وزير الدفاع.
        يقول السفير عيسى سراج الدين سفير مصر في كوبنهاجي، ووكيل وزارة الخارجية بعد ذلك:
        "اتسعت دائرة الرقابة التليفزيونية والبريدية لتشمل دولاً كثيرة أخرى، مع رفع نسبة المراجعة والرقابة الى مائة في المائة من الخطابات وغيرها، كل ذلك لمحاولة كشف الكليفية التي تصل بها هذه المعلومات الى الخارج. كما بدأت رقابة قوية وصارمة على حياة وتصرفات كل من تتداول أيديهم هذه المعلومات من القادة، وكانت رقابة لصيقة وكاملة. وقد تبينت طهارتهم ونقاءهم.
        ثم أدخل موظفو مكاتبهم في دائرة الرقابة. . ومساعدوهم ومديرو مكاتبهم .. وكل من يحيط بهم مهما صغرت أو كبرت رتبته".
        وفي تلك الأثناء كانت هبة سليم تعيش حياتها بالطول وبالعرض في باريس. وعرفت الخمر والتدخين وعاشت الحياة الاوروبية بكل تفاصيلها. وكانت تشعر في قرارة نفسها بأنها خلقت لتعيش في أوروبا، وتكره مجرد مرور خاطرة سريعة تذكرها بمصريتها.
        لقد نزفت عروبتها نزفاً من شرايين حياتها، وتهللت بشراً عندما عرض عليها ضابط الموساد زيارة إسرائيل، فلم تكن لتصدق أبداً أنها مهمة الى هذه الدرجة، ووصفت هي بنفسها تلك الرحلة قائلة: "طائرتان حربيتان رافقتا طائرتي كحارس شرف وتحية لي. وهذه إجراءات تكريمية لا تقدم أبداً إلا لرؤساء وملوك الدول الزائرين، حيث تقوم الطائرات المقاتلة بمرافقة طائرة الضيف حتى مطار الوصول.
        وفي مطار تل أبيب كان ينتظرني عدد من الضباط اصطفوا بجوار سيارة ليموزين سوداء تقف أسفل جناح الطائرة، وعندما أدوا التحية العسكرية لي تملكني شعور قوي بالزهو. واستقبلني بمكتبه مائير عاميت رئيس جهاز الموساد ، وأقام لي حفل استقبال ضخماً ضم نخبة من كبار ضباط الموساد على رأسهم مايك هراري الأسطورة (2)، وعندما عرضوا تلبية كل "أوامري". . طلبت مقابلة جولدا مائير رئيسة الوزراء التي هزمت العرب ومرغت كرامتهم، ووجدت على مدخل مكتبها صفاً من عشرة جنرالات إسرائيليين أدوا لي التحية العسكرية. . وقابلتني مسز مائير ببشاشة ورقة وقدمتني اليهم قائلة: "إن هذه الآنسة قدمت لإسرائيل خدمات أكثر مما قدمتم لها جميعاً مجتمعين".
        وبعد عدة أيام عدت الى باريس. . وكنت لا أصدق أن هذه الجنة "إسرائيل" يتربص بها العرب ليدمروها!!
        سفر بلا عودة
        وفي القاهرة . . كان البحث لا يزال جارياً على أوسع نطاق، والشكوك تحوم حول الجميع، الى أن اكتشف أحد مراقبي الخطابات الأذكياء "من المخابرات المصرية" خطاباً عادياً مرسلاً الى فتاة مصرية في باريس سطوره تفيض بالعواطف من حبيبها. لكن الذي لفت انتباه المراقب الذكي عبارة كتبها مرسل الخطاب تقولن أنه قام بتركيب إيريال الراديو الذي عنده، ذلك أن عصر إيريال الراديو قد انتهى. إذن .. فالإيريال يخص جهازاً لاسلكياً للإرسال والاستقبال.
        وانقلبت الدنيا في جهازي المخابرات الحربية والمخابرات العامة وعند ضباط البوليس الحربي، وتشكلت عدة لجان من أمهر رجال المخابرات، ومع كل لجنة وكيل نيابة ليصدر الأمر القانوني بفتح أي مسكن وتفتيشه. وكانت الأعصاب مشدودة حتى أعلى المستويات في انتظار نتائج اللجان، حتى عثروا على جهاز الإيريال فوق إحدى العمارات.. واتصل الضباط في الحال باللواء فؤاد نصار مدير المخابرات الحربية وأبلغوه باسم صاحب الشقة. . فقام بإبلاغ الفريق أول أحمد اسماعيل وزير الدفاع "قبل أن يصبح مشيراً" الذي قام بدوره بإبلاغ الرئيس السادات.
        حيث تبين أن الشقة تخص المقدم فاروق الفقي، وكان يعمل وقتها مديراً لمكتب أحد القيادات الهامة في الجيش، وكان بحكم موقعه مطلعاً على أدق الأسرار العسكرية، فضلاً عن دوره الحيوي في منظمة سيناء
        وكان الضابط الجاسوس أثناء ذلك في مهمة عسكرية بعيداً عن القاهرة.
        وعندما اجتمع اللواء فؤاد نصار بقائدالضابط الخائن. . "قيل بعد ذلك أنه ضابط كبير له دور معروف في حرب أكتوبر واشتهر بخلافه مع الرئيس السادات حول الثغرة". . رفض القائد أن يتصور حدوث خيانة بين أحد ضباط مكتبه. خاصة وأن المقدم فاروق يعمل معه منذ تسع سنوات، بل وقرر أن يستقيل من منصبه إذا ما ظهر أن رئيس مكتبه جاسوس للموساد.
        وعندما دخل الخائن الى مكتبه.. كان اللواء حسن عبد الغني نائب مدير المخابرات الحربية ينتظره جالساً خلف مكتبه بوجه صارم وعينين قاسيتين فارتجف رعباً وقد جحظت عيناه وقال في الحال "هو أنت عرفتوا؟؟".
        وعندما ألقى القبض عليه استقال قائده على الفور، ولزم بيته حزيناً على خيانة فاروق والمعلومات الثمينة التي قدمها للعدو.
        وفي التحقيق اعترف الضابط الخائن تفصيلياً بأن خطيبته جندته بعد قضاء ليلة حمراء معها .. وأنه رغم إطلاعه على أسرار عسكرية كثيرة إلا أنه لم يكن يعلم أنها ستفيد العدو.
        وعند تفتيش شقته أمكن العثور على جهاز اللاسلكي المتطور الذي يبث من خلاله رسائله، وكذا جهاز الراديو ونوتة الشفرة، والحبر السري الذي كان بزجاجة دواء للسعال. ضبطت أيضاً عدة صفحات تشكل مسودة بمعلومات هامة جداً معدة للبث، ووجدت خرائط عسكرية بالغة السرية لأحشاء الجيش المصري وشرايينه، تضم مواقع القواعد الجوية والممرات والرادارات والصواريخ ومرابص الدفاعات الهامة.
        وفي سرية تامة . . قدم سريعاً للمحاكمة العسكرية التي أدانته بالإعدام رمياً بالرصاص.. واستولى عليه ندم شديد عندما أخبروه بأنه تسبب في مقتل العديد من العسكريين من زملائه من جراء الغارات الاسرائيلية. وأخذوه في جولة ليرى بعينه نتائج تجسسه. فأبدى استعداده مرات عديدة لأن يقوم بأي عمل يأمرونه به.
        ووجدوا – بعد دراسة الأمر بعناية – أن يستفيدوا من المركز الكبير والثقة الكاملة التي يضعها الاسرائيليون في هذا الثنائي. وذلك بأن يستمر في نشاطه كالمعتاد خاصة والفتاة لم تعلم بعد بأمر القبض عليه والحكم بإعدامه.
        وفي خطة بارعة من مخابراتنا الحربية، أخذوه الى فيلا محاطة بحراسة مشددة، وبداخلها نخبة من أذكى وألمع رجال المخابرات المصرية تتولى "إدارة" الجاسوس وتوجيهه، وإرسال الرسائل بواسطة جهاز اللاسلكي الذي أحضرته له الفتاة ودربته عليه. وكانت المعلومات التي ترسل هي بالطبع من صنع المخابرات الحربية، وتم توظيفها بدقة متناهية في تحقيق المخطط للخداع، حيث كانت حرب أكتوبر قد اقتربت، وهذه هي إحدى العمليات الرئيسية للخداع التي ستترتب عليها أمور استراتيجية مهمة بعد ذلك.
        لقد كان من الضروري الإبقاء على هبة في باريس والتعامل معها بواسطة الضابط العاشق، واستمر الاتصال معها بعد القبض عليه لمدة شهرين، ولما استشعرت القيادة العامة أن الأمر أخذ كفايته.. وأن القيادة الإسرائيلية قد وثقت بخطة الخداع المصرية وابتلعت الطعم، تقرر استدراج الفتاة الى القاهرة بهدوء.. لكي لا تهرب الى إسرائيل إذا ما اكتشف أمر خطيبها المعتقل.
        وفي اجتماع موسع.. وضعت خطة القبض على هبة. . وعهد الى اللواء حسن عبد الغني ومعه ضابط آخر بالتوجه الى ليبيا لمقابلة والدها في طرابلس حيث كان يشغل وظيفة كبيرة هناك. وعرفاه على شخصيتهما وشرحا له أن ابنته هبة التي تدرس في باريس تورطت في عملية اختطاف طائرة مع منظمة فلسطينية، وأن الشرطة الفرنسية على وشك القبض عليها . . وما يهم هو ضرورة هروبها من فرنسا لعدم توريطها، ولمنع الزج باسم مصر في مثل هذه العمليات الارهابية. وطلبا منه أن يساعدهما بأن يطلبها للحضور لرؤيته حيث أنه مصاب بذبحة صدرية.
        أرسل الوالد برقية عاجلة لابنته. . فجاء ردها سريعاً ببرقية تطلب منه أن يغادر طرابلس الى باريس. . حيث إنها حجزت له في أكبر المستشفيات هناك وأنها ستنتظره بسيارة إسعاف في المطار. . وأن جميع الترتيبات للمحافظة على صحته قد تم اتخاذها.
        ولكي لا تترك المخابرات المصرية ثغرة واحدة قد تكشف الخطة بأكملها. . فقد تم إبلاغ السلطات الليبية بالقصة الحقيقية، فتعاونت بإخلاص مع الضابطين من أجل اعتقال الجاسوسة المصرية. وتم حجز غرفة في مستشفى طرابلس وإفهام الأطباء المسؤولين مهمتهم وما سيقومون به بالضبط.
        وبعدما أرسل والدها رداً بعدم استطاعته السفر الى باريس لصعوبة حالته. . صح ما توقعه الضابطان، إذ حضر شخصان من باريس للتأكد من صحة البرقية وخطورة المرض، وسارت الخطة كما هو مرسوم لها، وذهب الاسرائيليان الى المستشفى وتأكدا من الخبر، فاتصلا في الحال بالفتاة التي ركبت الطائرة الليبية في اليوم التالي الى طرابلس. وعلى سلم الطائرة عندما نزلت هبة عدة درجات كان الضابطان المصريان في انتظارها، وصحباها الى حيث تقف الطائرة المصرية على بعد عدة أمتار من الطائرة الليبية. . فسألتهما:
        إحنا رايحين فين؟
        فرد أحدهما:
        المقدم فاروق عايز يشوفك.
        فقالت:
        هو فين؟.
        فقال لها:
        في القاهرة.
        صمتت برهة ثم سألت:
        أمال إنتم مين؟
        فقال اللواء حسن عبد الغني:
        إحنا المخابرات المصرية.
        وعندما أوشكت أن تسقط على الأرض.. أمسكا بها وحملاها حملاً الى الطائرة التي أقلعت في الحال، بعد أن تأخرت ساعة عن موعد إقلاعها في انتظار الطائرة القادمة من باريس بالهدية الغالية.
        لقد تعاونت شرطة المطار الليببي في تأمين انتقال الفتاة لعدة أمتار حيث تقف الطائرة المصرية. .وذلك تحسباً من وجود مراقب أو أكثر صاحب الفتاة في رحلتها بالطائرة من باريس.. قد يقدم على قتل الفتاة قبل أن تكشف أسرار علاقتها بالموساد.
        وبلا شك. . فاعتقال الفتاة بهذا الأسلوب الماهر جعلها تتساءل عن القيمة الحقيقية للوهم الذي عاشته مع الإسرائيليين. فقد تأكدت أنهم غير قادرين على حمايتها أو إنقاذها من حبل المشنقة. وهذا ما جعلها تعترف بكل شيء بسهولة بالتفصيل. . منذ أن بدأ التحقيق معها في الطائرة بعد إقلاعها مباشرة. وبعد أيام قليلة من اعتقالها تبين لها وللجميع عجز الإسرائيليين عن حماية إسرائيل نفسها وعدم قدرتهم على إنقاذها.
        فقد جاءت حرب أكتوبر وتدمير خط بارليف بمثابة الصدمة التي أذهلت أمريكا قبل إسرائيل. فالخداع المصري كان على أعلى مستوى من الدقة والذكاء. وكانت الضربة صائبة غذ أربكت العدو أشلته. . لولا المدد العسكري الأمريكي.. والأسلحة المتطورة.. والصواريخ السرية. . والمعونات. . وإرسال الطيارين والفنيين الأمريكان كمتطوعين .
        لقد خسرت إسرائيل في ذلك الوقت من المعركة حوالي مائتي طائرة حربية. ولم تكن تلك الخسارة تهم القيادة الاسرائيلية بقدر ما خسرته من طيارين ذوي كفاءة عالية قتلوا في طائراتهم، أو انهارت أعصاب بعضهم ولم يعودوا صالحين للقتال. ولقد سبب سقوط الطائرات الاسرائيلية بالعشرات حالة من الرعب بعد عدة أيام من بدء المعركة. . الى أن وصلت المعونات الامريكية لإسرائيل في شكل طيارين وفنيين ووسائل إعاقة وتشويش حديثة.
        لا أحد يعرف
        تبخرت أوهام الجاسوسة هبة سليم. . وأيقنت أنها كانت ضحية الوهم الذي سيطر على فكرها وسرى بشرايينها لمدة طويلة للدرجة التي ظنت أنها تعيش الواقع من خلاله. . لكن.. ها هي الحقائق تتضح بلا رتوش أو أكاذيب.
        لقد حكم عليها بالإعدام شنقاً بعد محاكمة منصفة اعترفت صراحة أمامها بجريمتها.. وأبدت ندماً كبيراً على خيانتها. وتقدمت بالتماس لرئيس الجمهورية لتخفيف العقوبة ولكن التماسها رفض.
        وكانت تعيش أحلك أيامها بالسجن تنتظر تنفيذ الحكم. . عندما وصل هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي – اليهودي الديانة – لمقابلة الرئيس السادات في أسوان في أول زيارة لهالى مصر بعد حرب أكتوبر.. وحملته جولدا مائير رسالة الى السادات ترجوه تخفيف الحكم على الفتاة. ومن المؤكد أن كيسنجر كان على استعداد لوضع ثقله كله وثقل دولته خلف هذا الطلب. وتنبه الرئيس السادات الذي يعلم بتفاصيل التحقيقات مع الفتاة وصدور الحكم بإعدامها.. الى أنها ستصبح مشكلة كبيرة في طريق السلام. فنظر الى كيسنجر قائلاً: "تخفيف حكم؟ .. ولكنها أعدمت.. !!".
        دهش كيسنجر وسأل الرئيس: "متى.. ؟"
        ودون أن ينظر لمدير المخابرات الحربية قال السادات كلمة واحدة: "النهاردة".
        وفعلاً .. تم تنفيذ حكم الإعدام شنقاً في هبة سليم في اليوم نفسه في أحد سجون القاهرة.
        أما الضابط العاشق – المقدم فاروق عبد الحميد الفقي – فقد استقال قائده من منصبه لأنه اعتبر نفسه مسؤولاً عنه بالكامل.
        وعندما طلبت منه القيادة العامة سحب استقالته، رفض بشدة وأمام إصرار القيادة على ضرورة سحب استقالته.. خاصة والحرب وشيكة. .اشترط القائد للموافقة على ذلك أن يقوم هو بتنفيذ حكم الإعدام في الضابط الخائن. ولما كان هذا الشرط لا يتفق والتقاليد العسكرية. .وما يتبع في مثل هذه الأحوال. . فقد رفع طلبه الى وزير الدفاع "الحربية" الذي عرض الأمر على الرئيس السادات "القائد الأعلى للقوات المسلحة" فوافق فوراً ودون تردد.
        وعندما جاء وقت تنفيذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص في الضابط الخائن. . لا أحد يعرف ماذا كان شعور قائده وهو يتقدم ببطء. . يسترجع في شريط سريع تسع سنوات مرت عليهما في مكتب واحد. . تسع سنوات كان بعضها في سواد الليل. . وبعضها تتلألأ خلاله ومضات الأمل قادمة من بعيد. . الأمل في الانتصار على اليهود الخنازير القتلة السفاحين.. وبينما كان يخطط لحرب أكتوبر كان بمكتبه هذا الخائن الذي باع الوطن والأمن وقتل بخيانته أبرياء..
        لا أحد يعرف ماذا قال القائد له. . وماذا كان رد الضابط عليه. . لا أحد يعرف.
        هل طلب منه أن ينطق بالشهادتين، وأن يطلب المغفرة من الله؟. . . لا أحد يعرف.
        لكن المؤكد أنه أخرج مسدسه من جرابه. . وصوبه على رأس الضابط وأطلق طلقتني عليه كما تقضي التعليمات العسكرية في حالة إعدام
        sigpic

        اللهم إني آمنت بقضائك وقدرك فارزقني ما تمناه قلبي

        رحمك الله يا امي
        (شوكة الحياة تجرحك لكنها لن تقتلك)

        تعليق


        • #5
          رد: قصص من عالم الجواسيس

          الأخت ميسون المصيبه أن الإنسان عندنا يشترى بسهوله..........مخيفه.....مودتي
          [frame="9 80"]
          هكذا أنا


          http://www.yacoub-y.com/
          [/frame]

          تعليق


          • #6
            رد: قصص من عالم الجواسيس

            المشاركة الأصلية بواسطة يعقوب احمد يعقوب مشاهدة المشاركة
            الأخت ميسون المصيبه أن الإنسان عندنا يشترى بسهوله..........مخيفه.....مودتي
            يشترى بالقليل ويبيع الوطن لأجل حفنة ويكافأ ببعيار ناري



            شكرا لبهاء حضورك ،، مودتي وتقديري
            sigpic

            اللهم إني آمنت بقضائك وقدرك فارزقني ما تمناه قلبي

            رحمك الله يا امي
            (شوكة الحياة تجرحك لكنها لن تقتلك)

            تعليق


            • #7
              رد: قصص من عالم الجواسيس

              شكراً ميسون .. تابعي

              خالص تقديري

              تعليق


              • #8
                رد: قصص من عالم الجواسيس

                شكرا لكم وكل عام وانتم بخير مادة جيدة ذات مضمون شيق
                من اجل ادارة مهنية احترافية تخصصية علمية تكنولوجية تعمل للناس مبادرة شفافة تنفذ مشروع السيد الرئيس التطويري وتدير اقتصاد الوطن بكفاءة عالية

                تعليق


                • #9
                  رافت الهجان

                  رأفت الهجان (رفعت الجمال)


                  لم يتوقع احد تلك العاصفة التى هبت داخل اسرائيل بحثا وسعيا لمعرفة حقيقة الشخصية التى اعلنت المخابرات العامة المصرية عام 1988 بانها قد عاشت داخل اسرائيل لسنوات طوال امدت خلالها جهاز المخابرات المصرى بمعلومات مهمة كما انها شكلت وجندت داخل المجتمع الاسرائيلى نفسه اكبر شبكه تجسس شهدتها منطقة الشرق الاوسط.
                  وكان اسم (رأفت الهجان) هو الاسم المعلن البديل للمواطن المصرى المسلم (رفعت على سليمان الجمال) ابن دمياط والذى ارتحل الى اسرائيل بتكليف من المخابرات المصرية عام 1954 حاملا روحه على كفة.
                  وحقق الجمال نجاحات باهرة وبه استطاعت المخابرات المصرية ان تثبت عمليا كذب اسطورة التالق التى تدعيها اسرائيل لجهاز مخابراتها.
                  وفور اعلان القاهرة لهذة العملية المذهلة طالبت الصحفية الاسرائيلية "سمادر بيرى" - فى موضوع نشرته بجريدة يدعوت احرونوت الاسرائيلية - آيسر هريتيل مدير المخابرات الاسرائيلية فى هذا الوقت ان ينفى ما اعلنته المخابرات المصرية واكدت لمدير المخابرات الاسرائيلية ان هذة المعلومات التى اعلنتها القاهرة تثبت تفوق المخابرات العربية المصرية فى اشهر عملية تجسس داخل اسرائيل ولمدة تقرب من العشرين عاما.
                  واستهدفت الصحفية من نشر هذا الموضوع عرض الحقيقة كاملة ، حقيقة ذلك الرجل الذى عاش بينهم وزود بلاده بمعلومات خطيرة منها موعد حرب يونيو 1967 وكان له دور فعال للغاية فى الاعداد لحرب اكتوبر 1973 بعد ان زود مصر بادق التفاصيل عن خط برليف ، كما انه كون امبراطورية سياحية داخل اسرائيل ولم يكشف احد امره .
                  وجاء الرد الرسمى من جانب المخابرات الاسرائيلية : ان هذة المعلومات التى اعلنت عنها المخابرات المصرية ما هى الا نسج خيال وروايه بالغة التعقيد .. وان على المصريين ان يفخروا بنجاحهم!

                  وبينما يلهث الكل وراء اى معلومة للتأكد من الحقيقة عن هذا المجهول المقيد فى السجلات الاسرائيلية باسم "جاك بيتون" بصفته اسرائيلى ويهودى ، نشرت صحيفة "الجيروزاليم بوست" الاسرائيلية موضوعا موسعا بعد ان وصلت الى الدكتور "ايميرى فريد" شريك الجمال فى شركتة السياحية "سي تورز" وبعد ان عرضوا علية صورة الجمال التى نشرتها القاهرة شعر بالذهول واكد انها لشريكة "جاك بيتون" الذى شاركه لمدة سبع سنوات وانه كان بجواره مع جمع كبير من صفوة المجتمع الاسرائيلى عندما رشح لعضوية الكنيست الاسرائيلى ممثلا لحزب "مباى" الاسرائيلى "حزب عمال الارض" ولكنه لم يرغب فى ذلك.

                  وفور ان فجرت صحيفة "الجيروزاليم بوست" حقيقة الجاسوس المصرى وانه شخصية حقيقية وليست من نسج خيال المصريين كما ادعى مدير الموساد حصلت الصحيفة ايضا على بيانات رسمية من السجلات الاسرائيلية مفادها ان "جاك بيتون" يهودى مصرى من مواليد المنصورة عام 1919 وصل الى اسرائيل عام 1955 وغادرها للمرة الاخيرة عام 1973 .
                  واضافت الصحيفة بعد التحرى ان "جاك بيتون" او "رفعت الجمال" رجل الاعمال الاسرائيلى استطاع ان ينشئ علاقات صداقه مع عديد من القيادات فى اسرائيل منها "جولدا مائير" رئيسة الوزراء ، و"موشى ديان" وزير الدفاع .

                  وخلصت الصحيفة الى حقيقة ليس بها ادنى شك :
                  "جاك بيتون" ما هو الا رجل مصرى مسلم دفعت به المخابرات المصرية الى اسرائيل واسمه الحقيقى "رفعت على سليمان الجمال" من ابناء مدينة دمياط بمصر.
                  وفور هذة المعلومات الدقيقة التقطت الصحف العالمية اطراف الخيط فقالت صحيفة "الاوبزرفر" البريطانية الواسعة الانتشار : ان "الجمال" عبقرية مصرية استطاع ان يحقق اهداف بلاده .. ونجح فى ان يعود الى وطنه سالما ويموت طبيعيا على فراشه.

                  رفعت الجمال
                  ولد رفعت الجمال فى الأول من يوليو 1927 بمدينة طنطا وكان الأبن الأصغر للحاج على سليمان الجمال تاجر الفحم وكان له اخوين اشقاء هما لبيب ونزيهه اضافة الى اخ غير شقيق هو سامى، وكان والده يحمل لقب (أفندي) اما والدته فكانت من أسرة عريقة وكانت تتحدث الإنجليزية والفرنسية.

                  لم ينعم "رفعت" بوالده طويلا اذ توفى والده وهو بعد فى التاسعة من عمره عام 1936 وكانت شقيقته نزيهه فى الحادية عشر ولبيب فى الثالثة عشر، اما سامي فكان فى الثالثة والعشرين، ولم يكن لهم اى مصدر للرزق فاتفق الاعمام والعمات على حل كان منطقيا فى هذة الظروف وهو ان يلتحق الصبيين (رفعت ولبيب) بورشة للنجارة حيث كانت مدينة دمياط منذ القدم وحتى الان مشهورة بصناعة الاخشاب الا ان الشقيق الاكبر سامى رفض الفكرة من اساسها واقترح ان ينتقل الاولاد الثلاثة وامهم معه الى القاهرة ليتعلموا فى مدارسها ويكفل لهم راتبه المتواضع حياه كريمة، وكان سامي مدرسا للغة الإنجليزية وكان مسئولا عن تعليم أخوة الملكة فريدة اللغة الإنجليزية.

                  وفى القاهرة التحقت نزيهة بمدرسة ثانوية للبنات والتحق لبيب بمدرسة تجارية متوسطة، اما رفعت فالتحق بمدرسة ابتدائية وبعد اتمامه لها التحق ايضا بمدرسة تجارية وكان وقتها يتقن التحدث باللغتين الانجليزية والفرنسية ، وبرغم محاولات سامى ان يخلق من رفعت رجلا منضبطا ومستقيما الا ان رفعت كان على النقيض من اخية سامى فقد كان يهوى اللهو والمسرح والسينما بل انه استطاع ان يقنع الممثل الكبير بشارة وكيم بموهبته ومثل معه بالفعل في ثلاثة افلام.

                  وفي عام 1943 تزوجت نزيهة من الملازم اول احمد شفيق في حين سافرت امه الى دكرنس للإقامة مع أخوها ليجد رفعت نفسه محروما فجأة من امه وأخته التى كان يحبها كثيرا، ووجد نفسه فجأة مطالبا بتحمل أعباء نفسه ومن ثم وعلى سبيل الإحتجاج رسب عمدا فى امتحان العام الدراسي الثالث بمدرسته التجارية وفي هذا الوقت تزوج شقيقه سامي من ابنه محرم فهيم نقيب المحامين فى ذلك الوقت، في حين انشغل لبيب بعمله، ولما كان هناك ملاحق للراسبين فى الامتحان النهائي ومع ثورة الجميع على رفعت ومطالبته بالنجاح في الملاحق الا انه كان مصرا .. ورسب للمرة الثانية.

                  وفي العام التالي نجح رفعت فى الامتحان ولم يعد امامه الا عام واحد على التخرج وبالفعل تخرج في عام 1946 فى الوقت الذى كان فيه قد انضم الى عالم السينما.
                  الا انه احس ان الوقت قد حان لكي ينتقل لمجال آخر، وربما كان يريد وقتها الهروب من (بيتي) تلك الراقصة التى تعرف عليها، فتقدم بطلب لشركة بترول اجنبية تعمل بالبحر الأحمر للعمل كمحاسب واختارته الشركة برغم العدد الكبير للمتقدمين ربما نظرا لإتقانه الإنجليزية والفرنسية، وانتقل بالفعل الى رأس غارب حيث بقى لمده خمسة عشر شهرا تعلم خلالها كل ما امكنه عن اعمال البترول واقام علاقات متعدده مع مهندسين اجانب، وفي هذه الأثناء توفيت والدته بدكرنس.

                  وفي عام 1947 قرر رئيسه نقله الى المركز الرئيسي بالقاهرة ولما كان لا يرغب في العودة الى القاهرة آنذاك إذ انه لن يستطيع ان يكون قريبا من أخته نزيهة وأبناءها وفي الوقت نفسه لا يستطيع رؤيتها مع سوء علاقته بزوجها فقد رفض الترقية.
                  وانتقل الى الإسكندرية للعمل في شركة كيماويات كان رئيسها قد فاتحه أكثر من مرة للعمل لديه، وسر منه صاحب الشركة كثيرا نظرا لإجتهاده وكان يعامله كإبن له وهو الشئ الذى كان يفتقده رفعت كثيرا.

                  وفي عام 1949 طلب منه صاحب الشركة السفر الى القاهرة لأنه غير مطمئن للمدير هناك وطلب منه مراجعه اعماله.
                  وسافر رفعت الى القاهره وراجع اعمال مدير الفرع فلم يجد ما يثير الريبه وتسلم منه الخزانه وراجع ما فيها دون ان يدري انه يمتلك مفتاحا ثانيا لها، وفي اليوم التالي اكتشف ضياع الف جنيه من الخزانه واصبح هو من الناحية الرسمية المسئول عن ضياع المبلغ، واتصل مدير الفرع برئيس الشركة بلإسكندرية وابلغه انه عثر على المبلغ في غرفته وهو ما لم يحدث، وعاد رفعت الى الإسكندرية وقال له رئيسه انه يصدقه لكنه لا يستطيع الإبقاء عليه فى وظيفته تجنبا لإجراء اى تحقيقات رسمية لكنه ايضا رتب له عمل آخر مع صديق له يدير شركة ملاحه بحرية .. ولم يكن امام رفعت خيار آخر.

                  رفعت الجمال
                  وبدأ رفعت العمل كمساعد لضابط الحسابات على سفينة الشحن "حورس"، وبعد أسبوعين من العمل غادر مصر لأول مرة في حياته على متن السفينة. وطافت "حورس" طويلا بين الموانئ؛ نابولي، جنوة، مارسيليا، برشلونة، جبل طارق، طنجة .. وفي النهاية رست السفينة في ميناء ليفربول الإنجليزي لعمل بعض الإصلاحات وكان مقررا أن تتجه بعد ذلك إلى بومباي الهندية.

                  ولما كان من المفترض أن تبقى السفينة لمدة ليست بالقصيرة في ليفربول فقد بدأ رفعت في أستكشاف المكان وتولت الأقدار أمر تعارفه بـ "جودي موريس" وهي فتاة انجليزية ذكرته كثيرا ببيتي التى كان يعرفها في مصر، غير أن جودي كانت تختلف كثيرا فقد كان والدها شخصية نقابية هامة في انجلترا.

                  ولما أصبحت "حورس" جاهزة للرحيل تمسكت جودي برفعت وطالبته بالبقاء معها لبعض الوقت لكنه لم يكن مستعدا لخسارة وظيفته أو البقاء في انجلترا بطريقة غير مشروعة، غير أن جودي أوضحت له أن كثيرا من البحارة يضطرون إلى إستئصال الزائدة الدودية وبذلك يتخلفون عن اللحاق بسفنهم وينتظرون إلى أن تعود مرة آخرى كما أن والدها يستطيع مساعدته في الحصول على تصريح إقامة ومن ثم أدعى رفعت الألم وأجرى عملية إستئصال الزائدة الدودية وهو لا يشكو حقيقة منها بأي ألم!

                  وعقب تماثله للشفاء التحق بالعمل لدى والد جودي في الميناء بعد أن رتب له الوالد تصريحا بالعمل.

                  وسارت الأمور طبيعية بعض الوقت إلى أن شعر رفعت أن الأمور تتطور في غير صالحه خاصة بعد أن تعلقت جودي به كثيرا وأعلنت صراحة رغبتها في الزواج منه، ولما كان قد أيقن أنها لا تصلح له كزوجه فقد أنتهز أول فرصة حينما عادت "حورس" إلى ليفربول ليودعها عائدا إلى حياة البحر.

                  وفي مارس 1950 عاد رفعت الجمال إلى مصر. عاد ليجد نفسه لم يتغير كثيرا فقد وجد نفسه كما رحل عنها؛ بلا أسرة أو عائلة. ولذلك لم يلبث أن رحل مرة آخرى على متن سفينة ترفع العلم الفرنسي. وبعد أربعة أيام من الإبحار وصلت السفينة إلى مارسيليا حيث واصل رفعت هوايته في إستكشاف الأماكن، ومن مارسيليا أنتقل إلى العاصمة الفرنسية باريس حيث واجه خطر الترحيل لأنه لم يكن يمتلك تأشيرة إقامة.

                  ومن باريس أستقل رفعت القطار إلى العاصمة الإنجليزية لندن زاعما أنه مضطر لاستشارة الطبيب الذى أجرى له استئصال الزائدة الدودية وحصل بموجب ذلك على تأشيرة دخول لمدة أسبوعين ولم يكن من الممكن بالنسبة إليه أن يكون في انجلترا دون أن يعرج على ليفربول لرؤية جودي التى بكت من الفرحة حينما رأته متصورة أنه عاد من أجلها.

                  وهناك ساعده قس مسيحي، كان قد طلب منه في زيارته الأولى لليفربول أن يعلمه ما يعرفه عن الإسلام، في الحصول على وظيفة جيدة في وكالة سفريات تدعى "سلتيك تورز".

                  وأظهر رفعت كفاءة كبيرة في عمله الجديد ونجح في إقناع رئيسه في محاولة الحصول على موافقة السفارة المصرية بلندن على أن تتولى "سلتيك تورز" تنظيم سفر الدبلوماسيين المصريين والحاصلين على منح دراسية من وإلى انجلترا وأقتنع رئيسه ونجح رفعت في مهمته وعاد إلى الوكالة بعقد مربح بلغت عمولته عنه 2000 جنيه استرليني وهو مبلغ رهيب بالنسبة لهذا الزمن.

                  وقبل أن تمر خمسة شهور على هذه الصفقة زادت أرباح وكالة السفريات وزادت مدخراته إلى 5000 جنيه استرليني وضعها في بنك أمريكان أكسبريس مقابل شيكات سياحية بنفس القيمة.

                  وفكر رفعت في تكرار تجربته مع السفارة المصرية في نيويورك وأقنع رئيسه بالفكرة وسافر بالفعل على الفور إلى نيويورك. لكنه لم يكن يعلم أنه لن يعود مرة آخرى...
                  sigpic

                  اللهم إني آمنت بقضائك وقدرك فارزقني ما تمناه قلبي

                  رحمك الله يا امي
                  (شوكة الحياة تجرحك لكنها لن تقتلك)

                  تعليق


                  • #10
                    رد: قصص من عالم الجواسيس

                    تجسست على متصفحك\شكرا ميسون
                    sigpic

                    عروس الأرض ما فضت بكارتها,,,.عذراء لها من الأبناء يسرُ,,,بذلوا الدماء من أجل عفتها,,,زرعوها في خلجات نفسي,,,

                    سقطت بقلبي بالعمق نابضةً ,,,,تتغير الاجساد ويزداد شوقي لكِ بأسُ,,,,إن مَر ركبُ ورأيت هواكِ إني لتابعهُ,,,
                    فالعبد لا يعصي السيرخلف أسياده
                    ...............................................

                    اتوق بشوقٍ لسمرآء واقفةُ,,,, تزين خصري بناتِ من سلالتِها ,,,,لها قبضةٌ ياحُسن ملمسها,,,,وعينٌ لا تخطء الهدفُ,,,,يحلو العناق وتنساب القُبل,,,,

                    قبل المعارك وبعدها إن حالف النصرُ

                    ...........................................

                    تعليق


                    • #11
                      رد: قصص من عالم الجواسيس

                      المشاركة الأصلية بواسطة علي السلواني مشاهدة المشاركة
                      تجسست على متصفحك\شكرا ميسون
                      لك ان تتجسس ما شئت فللقصص بقية
                      sigpic

                      اللهم إني آمنت بقضائك وقدرك فارزقني ما تمناه قلبي

                      رحمك الله يا امي
                      (شوكة الحياة تجرحك لكنها لن تقتلك)

                      تعليق


                      • #12
                        رد: قصص من عالم الجواسيس

                        زكي حبيب ـ الزاحف على الممر


                        كان إنساناً مريضاً. . لا علاج أبداً لمرضه. . فهو يعشق الشذوذ لدرجة الإدمان. . وبسبب ذلك ظل يسعى حول فرائسه في كل مكان . . الى أن أوقعه حظه السيئ في نفق مظلم .. أوصله الى النهاية . . !!

                        الانتصار الهزيل
                        سبق أن قلنا أن إسرائيل ترى في العراق العدو المبين، وهي بالطبع لن تقف موقف المتفرج السلبي أمام مصالحها، لذلك فلا عجب أن هي أعادت الكرة مرات ومرات في محاولات محمومة، لإجهاض "العقول" التي تقف ضد أطماعها ومصالحها وسياساتها في العراق.

                        لقد أفقدتها لطمة إعدام الضابط الاسرائيلي والعملاء الخمسة توازنها، إذ كان لا مفر من القيام بعمية ناجحة في بغداد تحفظ ماء وجهها. وتعيد الثقة لعملائها هناك، الذين تملكهم الرعب خوفاً من الإعدام كزملائهم السابقين. وكان انتصار الموساد في عملية واحدة، كفيل بأن يعيد ثقة هؤلاء المهتزة، في حتمية التعامل معهم. وما هو إلا شهور وجيزة، إلا ونصبت شباكها حول "زكي حبيب" التاجر اليهودي الشاذ.

                        كان حبيب شاباً يافعاً ثرياً، تعدى السابعة والثلاثين من عمره يعمل تاجراً للملبوسات، اشتهر بميوله الشاذة مع الأطفال، وكثرة إنفاقه على هوايته بإغداق الهدايا على ضحاياه.
                        وحدث أن تمكن صبي يهودي من سرقة مبلغ كبير من خزانته انتقاماً لاغتصابه، فجن جنونه، وألهاه البحث عن الصبي عن تجارته، فتعرض لخسائر أخرى أغرقته في الديون وأوشك على الإفلاس. وساقت اليه الصدف صائد ماهر، يبحث عن ضعاف النفوس للإيقاع بهم في فخ الجاسوسية والخيانة.
                        ولأنه ضعيف بطبعه أمام نزواته، وخائن لا يعرف الأمان طريقاً إليه، كان من السهل اصطياده، فانخرط في الجاسوسية لصالح الموساد دون جهد يذكر، بعدما حصل على المال اللازم لتسديد ديونه، مستغلاً متجره بشارع الرشيد – أكبر شوارع بغداد – في إدارة عمله التجسسي، مستعيناً بعدد لا بأس به من العملاء اليهود الذين يسكبون المعلومات بين يديه كل يوم.
                        لقد كان مكلفاً بجمع أكبر قدر من المعلومات العسكرية عن الجيش العراقي، وإمداداته، وتشكيلاته، وقواعده. وكذا، معلومات عن الضباط الذين كانت تربطهم به بعض العلاقات. وانصب محور اهتمامه على القطاع الشمالي والغربي من العراق، حيث كانت قواعد الصواريخ والرادارات والدفاع الجوي.
                        وبعدما قطع شوطاً في عمله، جاءته أوامر قاطعة بالكف عن البحث في الأمور العسكرية، وتوجيه نشاطه لدفع حركة الهجرة اليهودية لإسرائيل.
                        ابتهج حبيب لذلك كثيراً. ففي النشاط الجديد تكمن غاية لذته. . كيف . . ؟ استغل حبيب رغبة أعداد كبيرة من فقراء اليهود في الهجرة، وأقام محطات "تجميع" سرية لهم بأماكن مختلفة خارج بغداد. وإذا ما وجد ضالته بين أطفال إحدى الأسر، انتهز الفرصة ومارس هوايته الشاذة تحت التهديد بإيقاف ترتيبات الهجرة، فيضطر الأباء الى غض الطرف عن أفعاله، في احتجاج صامت جرياً وراء الحلم الأكبر، حلم الوطن القومي والخير الموعود.
                        هكذا ظل العميل الاسرائيلي طوال عام 1951 يتصيد الفقراء ويأويهم، في انتظار الوقت المناسب، لتسريبهم عبر شط العرب الى إيران فإسرائيل، منتهزاً الفرصة بين آونة وأخرى للانفراد بالصغار، الى أن حدث ووقع في خطأ داهم، عندما اغتصب صبياً يهودياً عنوة اسمه "عقيد" يتيم الأبوين تملؤه الرغبة في الهجرة للحاق بخالته في حيفا. .
                        وما إن تخلص منه الصبي ذو الأربعة عشر عاماً، حتى أسرع من فوره الى الشرطة، واعترف بما حدث له من حبيب، ونشاطه السري في تهريب اليهود.
                        استشعر العميل الاسرائيلي الخطر، واستطاع الهرب في آخر لحظة والاختباء لدى أحد اعوانه بمنطقة نائية، وعلم فرع الموساد في "عبادان" بأمر الجاسوس الهلوع، فأُبلغ أن يظل بمخبئه الى أن يجدوا له وسيلة آمنة لإخراجه من العراق. . حتى لا تثار فضيحة أخرى تهدد خطة تهجير اليهود.
                        ولأن المخابرات البريطانية دأبت طوال عهدها على خدمة الصهيونية، فقد تطوعت بالمساعدة، وتحملت هي وحدها مسؤولية العملية كلها.
                        أمضى رئيس فرع المخابرات البريطانية في بغداد وقتاً طويلاً مع ضباطه للتشاور والبحث، وأسفر الأمر في النهاية عن وضع خطة دقيقة محكمة، يقوم فيها أعوان زكي حبيب بدور رئيسي لإنجاحها.
                        في ذلك الوقت كانت فرق كاملة من الشعبة الثانية (المخابرات)، تمشط بغداد وضواحيها بحثاً عن الجاسوس الهارب وأعوانه، الذين لا يعرف الصبي "عقيد" سوى أشكالهم فقط! لذا فقد كان ضيفاً مقيماً لدى الشعبة الثانية، يجوب الشوارع والأحياء مع رجالها في محاولة التعرف على أحد هؤلاء العملاء المجهولين.
                        هذا في الوقت الذي استقل فيه حبيب شاحنة بضائع، انطلقت به في سواد الليل وأنزلته بجوار سور مطار بغداد، فارتقاه في غمضة عين، وظل يزحف لمسافة طويلة على أرض المطار باتجاه طائرة بريطانية كانت تقف على ممر فرعي في طريقها الى لندن.
                        كان باب الشحن مفتوحاً، وثمة عمال يجيئون ويذهبون بعربات البضائع القطارية يفرغونها ببطن الطائرة، ومن خلال إحدى النوافذ بالطائرة، كانت هناك عيون ترقب الزاحف المتربص، الذي سنحت له الفرصة أخيراً، فقفز في سرعة مذهلة الى عنبر البضائع، واندس بين الأمتعة حابساً أنفاسه. بعدها، تحركت الطائرة وأسرعت جرياً على الممر ثم صعدت الى السماء. . !!
                        استقبل العميل الهارب بحفاوة في لندن من قبل رجال الموساد، الذين سفّروه رأساً الى تل أبيب، حيث استقبل هذه المرة بضجة إعلامية مثيرة، ومنح اسم "مردخاي بن بوارت" وألحق من فوره بالعمل في جهاز الموساد.
                        أما صورته فقد وضعت بداخل برواز زجاجي ضخم بمدخل مبنى المخابرات، يضم "الأبطال" الذين قدموا خدمات عظيمة لإسرائيل.
                        كانت الضجة الاعلامية في إسرائيل على أشدها، واحتلت قصة "بن بوارت" صدر الصفحات الأولى في الصحف والمجلات، إذ أحيطت عملية هرب الجاسوس بهالة مبهرة من الثقة والتفاخر، أوصلت بأحد ضباط الموساد الى التصريح عبر الإذاعة بأن يد إسرائيل الطولى تطوق أعوانها أينما كانوا، وأن لا شيء يصعب على مخابرات إسرائيل، في أي موقع من العالم.
                        وفي خضم النشوة المسكرة، أعلن فجأة في بغداد نبأ هو بمثابة اللطمة القوية التي أفقدت الموساد توازنها للمرة الثانية، وضيعت عليها نشوة الانتصار الهزيل الذي تحول الى انتكاسة، وفضيحة مدوية. .
                        يا جو . . لم ينج. . !!
                        كان الصبي "عقيد" يجوب شوارع بغداد برفقة رجال مكتب الشعبة الثانية، بحثاً عن أي من أعوان زكي حبيب، وتوقفت بهم السيارة بالقرب من مدخل شارع النهر الموازي لشارع الرشيد، وترجل الفريق ليلتحم بزحام الشارع التجاري المشهور.
                        لم يكن "عقيد" يهتم بالفرجة على السلع والبضائع، فمهمته صعبة ومحددة – التفرس في وجوه المارة – لعلى وعسى. وبشرفة أحد المكاتب التجارية بالشارع، جلس يتابع أفواج البشر التي تملأ المكان ضجيجاً وحركة.
                        وبينما هو كذلك، لمح ضالته المنشودة، فصرخ لمرافقيه الذين انطلقوا كطلقة مدفع، الى رجل كان يشق طريقه بصعوبة وسط الزحام. أمسكوا به فتعرف عليه الصبي عن قرب، واقتادوه مكبلاً الى مبنى الشعبة الثانية، حيث عثروا بمحفظته على جيب سري، به كمية من سم "الساكسيوتوكسين"، الذي يسبب الموت الفوري بسبب شل أجهزة التنفس والعصب والعضلات.
                        أنكر المعتقل في البداية معرفته بالصبي أو بزكي حبيب، وادعى بأنه ترك اليهودية وتنصر، لذلك، فهناك مؤامرات تحاك ضده في اليهود الذين يطاردونه وينغصون عليه حياته، وبرر سبب وجود السم معه بأنه يعاني مشاكل نفسية سيئة، كان سببها موت ابنته بالحمى التيفودية، وبوار تجارته، وتراكم الديون عليه مما دفعه للتفكير بالانتحار كثيراً؛ وعجر عن إيضاح كيفية حصوله على السم.
                        وبتضييق الخناق حوله تفجرت مفاجآت مذهلة، إذ انهارت أعصاب "سعيل يا جو" على حين بغتة، بعد تجويعه لأربعة أيام في حبس انفرادي، وطلب منهم راجياً ألا يعدموه، مقابل أن يدلي باعترافات تفصيلية عن النشاط الاستخباري الاسرائيلي في العراق. وبعدما وعدوه، اعترف بأنه عضو بإحدى شبكات التجسس، وأنه اشترك بالفعل في تهريب اليهود مع زكي حبيب، كما أدلى بسيل جارف من الأسماء والعناوين، والأسرار التي لم تخطر ببال.
                        وخلال ساعات معدودة منذ لحظة اعترافه، استطاعت المخابرات العراقية القبض على 34 يهودياً عراقياً، تضمهم عدة شبكات، يمتهنون التجارة والتدريس والطب والمحاسبة، ويعيشون حياتهم بشكل طبيعي في المجتمع.
                        وبعد اكتمال التحقيق معهم، أعلنت وسائل الإعلام الخبر الذي تلقته إسرائيل كالصاعقة، وأصيب رجال الموساد بخيبة أمل كبرى، إذ اكتشفوا وقوعهم في خطأ مخابراتي جسيم، عندما سمحوا لعملائهم بالعمل مع أكثر من شبكة جاسوسية في آن واحد، يقودها أفراد معروفون للجميع.
                        نقلت وكالات الأنباء العالمية وقائع المحاكمة العلنية في بغداد، وتكشفت أمام العالم أجمع نوايا إسرائيل تجاه العراق، وقوبل الأمر باستنكار شديد من الجمعيات الأهلية اليهودية في بغداد والبصرة، التي رأت أن تدخل إسرائيل فيه إفساد للمناخ المستقر لليهود في العراق.
                        وكانت الفاجعة الكبرى لإسرائيل، هروب جواسيسها الباقين في بغداد الى إيران، خشية سقوطهم في قبضة المخابرات، فيلقوا مصير من سبقوهم الى حبل المشنقة.
                        أما الصبي "عقيد"، فقد تحول الى بطل قومي، تسابقت الوزارات والهيئات والمؤسسات لتكريمه، وبعدما أدرك بنفسه حجم المؤامرات الصهيونية التي تحاك ضد اليهود العراقيين، وقف أمام جمع غفير من الصحفيين والمراسلين الأجانب، ليعلن على الملأ بأنه يهودي عراقي يحب وطنه، ولن يفكر يوماً بالهجر الى إسرائيل لأنها دولة إرهابية ، ووجه نداءاً لخالته هناك لتعود ثانية الى العراق.
                        لقد انهالت التبرعات عليه من كل صوب، وتحول فجأة الى ثري يمتلك المنزل الفاخر والأرصدة. وفي عام 1955 عندما بلغ الثامنة عشر من عمره، أشهر إسلامه وتحول الى "عبد الرحمن".
                        لكن . . هل انتهى أمر الموساد في العراق بعد سلسلة الفشل المتلاحقة التي أصابت عملياته؟
                        لا . . لم تنته بعد فصول الرواية الطويلة، ولم نقرأ معاً سوى فصل واحد قصير من فصولها ! !
                        ويشتعل الصراع
                        عانى جهاز الموساد من إحجام عملائه الباقين في العراق عن العمل. وكان العدد القليل المتبقي منهم لا يفي بالغرض المطلوب.
                        لذلك قام رئيس الموساد بزيارة سرية سريعة الى إيران، حيث التقى برئيس المخابرات "السافاك"، وطلب منه "تسهيل" دخول بعض ضباط الموساد لإيران، لتدريب كوادر جديدة من العراقيين.
                        كانت إيران في تلك الوقت، يدفعها حافز قوي في إزالة معالم العروبة عن "الخليج العربي"، الذي أطلقت عليه "الخليج الفارسي" فأرادت أن تنسبه اليها، متجاهلة نصف دستة من الدول العربية التي تطل عليه، ولها فيه أكثر ما لإيران.
                        ومدفوعاً . . كان الشاه يريد أن يتحول الخليج العربي الى "بحيرة" إيرانية، ليفرض سطوته على المياه والشواطئ، وسكان الدول وحكوماتها، ووجدها فرصة سانحة من خلال إسرائيل، التي سارع بالاعتراف بها عند قيامها، إذ وعدته إسرائيل بالقيام على خدمة مصالح إيران، للهيمنة على آبار النفط في الخليج، وتنظيم مرور الناقلات، وبمساندتها له ضد العراق بتأليب الأكراد العراقيين ضد السلطات، بل وشجعت الشاه على الاستحواذ والسيطرة على ميناء الفاو، وشط العرب، والمنفذ الوحيد للعراق على الخليج.
                        لكل هذه الاعتبارات منحت المخابرات الاسرائيلية صلاحيات كثيرة في إيران، وتحولت مدينتي "عبادان" و "المحمرة" الى مركزين لانطلاق الجواسيس الى العراق عبر شط العرب الى البصرة ثم لسائر المدن. وأقيمت لذلك مراكز متعددة لتدريب الجواسيس على أعمال النسف، والتخريب، وتسميم المياه، وتدمير المراكز الحساسة والمباني الهامة في بغداد، وإشعال الحرائق في المعابد اليهودية والمقاهي لترويع اليهود والمواطنين، وتزييف العملة، وترويج الإشاعات الكاذبة.
                        من ناحية أخرى، استعان جهاز السافاك بخبرة رجال المخابرات الاسرائيلية، في كيفية إجهاض المظاهرات، وأساليب القمع والتعذيب الوحشية لتطبيقها على معارضي نظام حكم الشاه. وكان هناك عدد ضخم من ضباط الموساد على أرض إيران، منهم ستة عشر ضابطاً يقيمون بصفة دائمة في الأراضي المحاذية للعراق، يشرفون على عمليات التجسس، ويوجهون شبكات الجواسيس داخل القطر الآمن.
                        وبرغم يقظة المخابرات العراقية، وجهاز مكافحة التجسس بها، إلا أن الموساد كلما سقطت لها شبكة جاسوسية، تقيم أخرى مكانها، معتمدة على الجالية اليهودية التي يصل عددها لسبعين ألف يهودي. وكان سلاحها دائماً وأبداً المال والجنس، مستغلة تعدد الطوائف المذهبية والديانات والتعصب.
                        ذلك أن الدين أو المذهب يسهل من خلاله التغلغل، إذا ما كان هناك عدم استقرار سياسي يقابله اضطراب بين أفراد العقائد المختلفة.
                        فالعراق هو القطر العربي الأول – قبل سوريا – الذي يعج باصحاب الملل والمذاهب المتعددة، الذين يمارسون طقوسهم في حرية لا يشوبها القلق، مهما ارتجت مقاعد السلطة.
                        ففي العراق جنباً الى جنب يعيش المسلمون من أهل السنة، والشيعة، والأكراد، والزيديون، والمسيحيون، واليهود، والصابئة، وعبدة الفرج، وعبدة النار. . الخ. تعدد عجيب في الديانات والمذاهب والنحل، هو بمثابة مناخ خصب لنمو بذور ضعاف النفوس، ومرتعاً سهلاً لهواة تصيد الجواسيس، الذين أجادوا اللعب على أوتار العقائد.
                        فإسرائيل تتعامل مع العراق – شأنها كشأن مصر – بحذر شديد، نظراً لما تملكه من ثروة بشرية واقتصادية كبيرة، وجيش منظم مدرب ومسلح.
                        لقد كان النمو الاقتصادي المضطرد، مع وجود الجيش المدرب في العراق، أمراً مفزعاً حقاً لإسرائيل. خاصة مع وجود سبعين ألف يهودي عراقي، لا زالوا يحتفظون بولائهم الشديد للوطن الأول، ولم تغرهم الدعايات الصهيونية الكاذبة عن واحة الديموقراطية في الوطن العربي التي هي إسرائيل.
                        لذلك . . لم تتوان الدولة اليهودية للحظة، عن الدفع بأعداد هائلة من الجواسيس داخل نسيج المجتمع، وتعويض الشبكات التي تسقط بأخرى أكثر تدريباً وحفرية وفناً. واستمر التقاتل بالأدمغة في حرب شرسة لا هوادة فيها بين جهازي المخابرات. فطالما هناك إغراءات، يتواجد الخونة، ويشتعل الصراع.
                        وفي بداية عام 1966، حدثت مفاجأة لم تتوقعها الموساد أبداً، ولم تحسب لها حساباً من قبل، إذ كانت الخسائر فادحة جداً، والدوي يجلجل صداه في جنبات الكرة الأرضية. . !!
                        sigpic

                        اللهم إني آمنت بقضائك وقدرك فارزقني ما تمناه قلبي

                        رحمك الله يا امي
                        (شوكة الحياة تجرحك لكنها لن تقتلك)

                        تعليق


                        • #13
                          رد: قصص من عالم الجواسيس

                          زكي حبيب ـ الزاحف على الممر


                          كان إنساناً مريضاً. . لا علاج أبداً لمرضه. . فهو يعشق الشذوذ لدرجة الإدمان. . وبسبب ذلك ظل يسعى حول فرائسه في كل مكان . . الى أن أوقعه حظه السيئ في نفق مظلم .. أوصله الى النهاية . . !!

                          الانتصار الهزيل
                          سبق أن قلنا أن إسرائيل ترى في العراق العدو المبين، وهي بالطبع لن تقف موقف المتفرج السلبي أمام مصالحها، لذلك فلا عجب أن هي أعادت الكرة مرات ومرات في محاولات محمومة، لإجهاض "العقول" التي تقف ضد أطماعها ومصالحها وسياساتها في العراق.

                          لقد أفقدتها لطمة إعدام الضابط الاسرائيلي والعملاء الخمسة توازنها، إذ كان لا مفر من القيام بعمية ناجحة في بغداد تحفظ ماء وجهها. وتعيد الثقة لعملائها هناك، الذين تملكهم الرعب خوفاً من الإعدام كزملائهم السابقين. وكان انتصار الموساد في عملية واحدة، كفيل بأن يعيد ثقة هؤلاء المهتزة، في حتمية التعامل معهم. وما هو إلا شهور وجيزة، إلا ونصبت شباكها حول "زكي حبيب" التاجر اليهودي الشاذ.

                          كان حبيب شاباً يافعاً ثرياً، تعدى السابعة والثلاثين من عمره يعمل تاجراً للملبوسات، اشتهر بميوله الشاذة مع الأطفال، وكثرة إنفاقه على هوايته بإغداق الهدايا على ضحاياه.
                          وحدث أن تمكن صبي يهودي من سرقة مبلغ كبير من خزانته انتقاماً لاغتصابه، فجن جنونه، وألهاه البحث عن الصبي عن تجارته، فتعرض لخسائر أخرى أغرقته في الديون وأوشك على الإفلاس. وساقت اليه الصدف صائد ماهر، يبحث عن ضعاف النفوس للإيقاع بهم في فخ الجاسوسية والخيانة.
                          ولأنه ضعيف بطبعه أمام نزواته، وخائن لا يعرف الأمان طريقاً إليه، كان من السهل اصطياده، فانخرط في الجاسوسية لصالح الموساد دون جهد يذكر، بعدما حصل على المال اللازم لتسديد ديونه، مستغلاً متجره بشارع الرشيد – أكبر شوارع بغداد – في إدارة عمله التجسسي، مستعيناً بعدد لا بأس به من العملاء اليهود الذين يسكبون المعلومات بين يديه كل يوم.
                          لقد كان مكلفاً بجمع أكبر قدر من المعلومات العسكرية عن الجيش العراقي، وإمداداته، وتشكيلاته، وقواعده. وكذا، معلومات عن الضباط الذين كانت تربطهم به بعض العلاقات. وانصب محور اهتمامه على القطاع الشمالي والغربي من العراق، حيث كانت قواعد الصواريخ والرادارات والدفاع الجوي.
                          وبعدما قطع شوطاً في عمله، جاءته أوامر قاطعة بالكف عن البحث في الأمور العسكرية، وتوجيه نشاطه لدفع حركة الهجرة اليهودية لإسرائيل.
                          ابتهج حبيب لذلك كثيراً. ففي النشاط الجديد تكمن غاية لذته. . كيف . . ؟ استغل حبيب رغبة أعداد كبيرة من فقراء اليهود في الهجرة، وأقام محطات "تجميع" سرية لهم بأماكن مختلفة خارج بغداد. وإذا ما وجد ضالته بين أطفال إحدى الأسر، انتهز الفرصة ومارس هوايته الشاذة تحت التهديد بإيقاف ترتيبات الهجرة، فيضطر الأباء الى غض الطرف عن أفعاله، في احتجاج صامت جرياً وراء الحلم الأكبر، حلم الوطن القومي والخير الموعود.
                          هكذا ظل العميل الاسرائيلي طوال عام 1951 يتصيد الفقراء ويأويهم، في انتظار الوقت المناسب، لتسريبهم عبر شط العرب الى إيران فإسرائيل، منتهزاً الفرصة بين آونة وأخرى للانفراد بالصغار، الى أن حدث ووقع في خطأ داهم، عندما اغتصب صبياً يهودياً عنوة اسمه "عقيد" يتيم الأبوين تملؤه الرغبة في الهجرة للحاق بخالته في حيفا. .
                          وما إن تخلص منه الصبي ذو الأربعة عشر عاماً، حتى أسرع من فوره الى الشرطة، واعترف بما حدث له من حبيب، ونشاطه السري في تهريب اليهود.
                          استشعر العميل الاسرائيلي الخطر، واستطاع الهرب في آخر لحظة والاختباء لدى أحد اعوانه بمنطقة نائية، وعلم فرع الموساد في "عبادان" بأمر الجاسوس الهلوع، فأُبلغ أن يظل بمخبئه الى أن يجدوا له وسيلة آمنة لإخراجه من العراق. . حتى لا تثار فضيحة أخرى تهدد خطة تهجير اليهود.
                          ولأن المخابرات البريطانية دأبت طوال عهدها على خدمة الصهيونية، فقد تطوعت بالمساعدة، وتحملت هي وحدها مسؤولية العملية كلها.
                          أمضى رئيس فرع المخابرات البريطانية في بغداد وقتاً طويلاً مع ضباطه للتشاور والبحث، وأسفر الأمر في النهاية عن وضع خطة دقيقة محكمة، يقوم فيها أعوان زكي حبيب بدور رئيسي لإنجاحها.
                          في ذلك الوقت كانت فرق كاملة من الشعبة الثانية (المخابرات)، تمشط بغداد وضواحيها بحثاً عن الجاسوس الهارب وأعوانه، الذين لا يعرف الصبي "عقيد" سوى أشكالهم فقط! لذا فقد كان ضيفاً مقيماً لدى الشعبة الثانية، يجوب الشوارع والأحياء مع رجالها في محاولة التعرف على أحد هؤلاء العملاء المجهولين.
                          هذا في الوقت الذي استقل فيه حبيب شاحنة بضائع، انطلقت به في سواد الليل وأنزلته بجوار سور مطار بغداد، فارتقاه في غمضة عين، وظل يزحف لمسافة طويلة على أرض المطار باتجاه طائرة بريطانية كانت تقف على ممر فرعي في طريقها الى لندن.
                          كان باب الشحن مفتوحاً، وثمة عمال يجيئون ويذهبون بعربات البضائع القطارية يفرغونها ببطن الطائرة، ومن خلال إحدى النوافذ بالطائرة، كانت هناك عيون ترقب الزاحف المتربص، الذي سنحت له الفرصة أخيراً، فقفز في سرعة مذهلة الى عنبر البضائع، واندس بين الأمتعة حابساً أنفاسه. بعدها، تحركت الطائرة وأسرعت جرياً على الممر ثم صعدت الى السماء. . !!
                          استقبل العميل الهارب بحفاوة في لندن من قبل رجال الموساد، الذين سفّروه رأساً الى تل أبيب، حيث استقبل هذه المرة بضجة إعلامية مثيرة، ومنح اسم "مردخاي بن بوارت" وألحق من فوره بالعمل في جهاز الموساد.
                          أما صورته فقد وضعت بداخل برواز زجاجي ضخم بمدخل مبنى المخابرات، يضم "الأبطال" الذين قدموا خدمات عظيمة لإسرائيل.
                          كانت الضجة الاعلامية في إسرائيل على أشدها، واحتلت قصة "بن بوارت" صدر الصفحات الأولى في الصحف والمجلات، إذ أحيطت عملية هرب الجاسوس بهالة مبهرة من الثقة والتفاخر، أوصلت بأحد ضباط الموساد الى التصريح عبر الإذاعة بأن يد إسرائيل الطولى تطوق أعوانها أينما كانوا، وأن لا شيء يصعب على مخابرات إسرائيل، في أي موقع من العالم.
                          وفي خضم النشوة المسكرة، أعلن فجأة في بغداد نبأ هو بمثابة اللطمة القوية التي أفقدت الموساد توازنها للمرة الثانية، وضيعت عليها نشوة الانتصار الهزيل الذي تحول الى انتكاسة، وفضيحة مدوية. .
                          يا جو . . لم ينج. . !!
                          كان الصبي "عقيد" يجوب شوارع بغداد برفقة رجال مكتب الشعبة الثانية، بحثاً عن أي من أعوان زكي حبيب، وتوقفت بهم السيارة بالقرب من مدخل شارع النهر الموازي لشارع الرشيد، وترجل الفريق ليلتحم بزحام الشارع التجاري المشهور.
                          لم يكن "عقيد" يهتم بالفرجة على السلع والبضائع، فمهمته صعبة ومحددة – التفرس في وجوه المارة – لعلى وعسى. وبشرفة أحد المكاتب التجارية بالشارع، جلس يتابع أفواج البشر التي تملأ المكان ضجيجاً وحركة.
                          وبينما هو كذلك، لمح ضالته المنشودة، فصرخ لمرافقيه الذين انطلقوا كطلقة مدفع، الى رجل كان يشق طريقه بصعوبة وسط الزحام. أمسكوا به فتعرف عليه الصبي عن قرب، واقتادوه مكبلاً الى مبنى الشعبة الثانية، حيث عثروا بمحفظته على جيب سري، به كمية من سم "الساكسيوتوكسين"، الذي يسبب الموت الفوري بسبب شل أجهزة التنفس والعصب والعضلات.
                          أنكر المعتقل في البداية معرفته بالصبي أو بزكي حبيب، وادعى بأنه ترك اليهودية وتنصر، لذلك، فهناك مؤامرات تحاك ضده في اليهود الذين يطاردونه وينغصون عليه حياته، وبرر سبب وجود السم معه بأنه يعاني مشاكل نفسية سيئة، كان سببها موت ابنته بالحمى التيفودية، وبوار تجارته، وتراكم الديون عليه مما دفعه للتفكير بالانتحار كثيراً؛ وعجر عن إيضاح كيفية حصوله على السم.
                          وبتضييق الخناق حوله تفجرت مفاجآت مذهلة، إذ انهارت أعصاب "سعيل يا جو" على حين بغتة، بعد تجويعه لأربعة أيام في حبس انفرادي، وطلب منهم راجياً ألا يعدموه، مقابل أن يدلي باعترافات تفصيلية عن النشاط الاستخباري الاسرائيلي في العراق. وبعدما وعدوه، اعترف بأنه عضو بإحدى شبكات التجسس، وأنه اشترك بالفعل في تهريب اليهود مع زكي حبيب، كما أدلى بسيل جارف من الأسماء والعناوين، والأسرار التي لم تخطر ببال.
                          وخلال ساعات معدودة منذ لحظة اعترافه، استطاعت المخابرات العراقية القبض على 34 يهودياً عراقياً، تضمهم عدة شبكات، يمتهنون التجارة والتدريس والطب والمحاسبة، ويعيشون حياتهم بشكل طبيعي في المجتمع.
                          وبعد اكتمال التحقيق معهم، أعلنت وسائل الإعلام الخبر الذي تلقته إسرائيل كالصاعقة، وأصيب رجال الموساد بخيبة أمل كبرى، إذ اكتشفوا وقوعهم في خطأ مخابراتي جسيم، عندما سمحوا لعملائهم بالعمل مع أكثر من شبكة جاسوسية في آن واحد، يقودها أفراد معروفون للجميع.
                          نقلت وكالات الأنباء العالمية وقائع المحاكمة العلنية في بغداد، وتكشفت أمام العالم أجمع نوايا إسرائيل تجاه العراق، وقوبل الأمر باستنكار شديد من الجمعيات الأهلية اليهودية في بغداد والبصرة، التي رأت أن تدخل إسرائيل فيه إفساد للمناخ المستقر لليهود في العراق.
                          وكانت الفاجعة الكبرى لإسرائيل، هروب جواسيسها الباقين في بغداد الى إيران، خشية سقوطهم في قبضة المخابرات، فيلقوا مصير من سبقوهم الى حبل المشنقة.
                          أما الصبي "عقيد"، فقد تحول الى بطل قومي، تسابقت الوزارات والهيئات والمؤسسات لتكريمه، وبعدما أدرك بنفسه حجم المؤامرات الصهيونية التي تحاك ضد اليهود العراقيين، وقف أمام جمع غفير من الصحفيين والمراسلين الأجانب، ليعلن على الملأ بأنه يهودي عراقي يحب وطنه، ولن يفكر يوماً بالهجر الى إسرائيل لأنها دولة إرهابية ، ووجه نداءاً لخالته هناك لتعود ثانية الى العراق.
                          لقد انهالت التبرعات عليه من كل صوب، وتحول فجأة الى ثري يمتلك المنزل الفاخر والأرصدة. وفي عام 1955 عندما بلغ الثامنة عشر من عمره، أشهر إسلامه وتحول الى "عبد الرحمن".
                          لكن . . هل انتهى أمر الموساد في العراق بعد سلسلة الفشل المتلاحقة التي أصابت عملياته؟
                          لا . . لم تنته بعد فصول الرواية الطويلة، ولم نقرأ معاً سوى فصل واحد قصير من فصولها ! !
                          ويشتعل الصراع
                          عانى جهاز الموساد من إحجام عملائه الباقين في العراق عن العمل. وكان العدد القليل المتبقي منهم لا يفي بالغرض المطلوب.
                          لذلك قام رئيس الموساد بزيارة سرية سريعة الى إيران، حيث التقى برئيس المخابرات "السافاك"، وطلب منه "تسهيل" دخول بعض ضباط الموساد لإيران، لتدريب كوادر جديدة من العراقيين.
                          كانت إيران في تلك الوقت، يدفعها حافز قوي في إزالة معالم العروبة عن "الخليج العربي"، الذي أطلقت عليه "الخليج الفارسي" فأرادت أن تنسبه اليها، متجاهلة نصف دستة من الدول العربية التي تطل عليه، ولها فيه أكثر ما لإيران.
                          ومدفوعاً . . كان الشاه يريد أن يتحول الخليج العربي الى "بحيرة" إيرانية، ليفرض سطوته على المياه والشواطئ، وسكان الدول وحكوماتها، ووجدها فرصة سانحة من خلال إسرائيل، التي سارع بالاعتراف بها عند قيامها، إذ وعدته إسرائيل بالقيام على خدمة مصالح إيران، للهيمنة على آبار النفط في الخليج، وتنظيم مرور الناقلات، وبمساندتها له ضد العراق بتأليب الأكراد العراقيين ضد السلطات، بل وشجعت الشاه على الاستحواذ والسيطرة على ميناء الفاو، وشط العرب، والمنفذ الوحيد للعراق على الخليج.
                          لكل هذه الاعتبارات منحت المخابرات الاسرائيلية صلاحيات كثيرة في إيران، وتحولت مدينتي "عبادان" و "المحمرة" الى مركزين لانطلاق الجواسيس الى العراق عبر شط العرب الى البصرة ثم لسائر المدن. وأقيمت لذلك مراكز متعددة لتدريب الجواسيس على أعمال النسف، والتخريب، وتسميم المياه، وتدمير المراكز الحساسة والمباني الهامة في بغداد، وإشعال الحرائق في المعابد اليهودية والمقاهي لترويع اليهود والمواطنين، وتزييف العملة، وترويج الإشاعات الكاذبة.
                          من ناحية أخرى، استعان جهاز السافاك بخبرة رجال المخابرات الاسرائيلية، في كيفية إجهاض المظاهرات، وأساليب القمع والتعذيب الوحشية لتطبيقها على معارضي نظام حكم الشاه. وكان هناك عدد ضخم من ضباط الموساد على أرض إيران، منهم ستة عشر ضابطاً يقيمون بصفة دائمة في الأراضي المحاذية للعراق، يشرفون على عمليات التجسس، ويوجهون شبكات الجواسيس داخل القطر الآمن.
                          وبرغم يقظة المخابرات العراقية، وجهاز مكافحة التجسس بها، إلا أن الموساد كلما سقطت لها شبكة جاسوسية، تقيم أخرى مكانها، معتمدة على الجالية اليهودية التي يصل عددها لسبعين ألف يهودي. وكان سلاحها دائماً وأبداً المال والجنس، مستغلة تعدد الطوائف المذهبية والديانات والتعصب.
                          ذلك أن الدين أو المذهب يسهل من خلاله التغلغل، إذا ما كان هناك عدم استقرار سياسي يقابله اضطراب بين أفراد العقائد المختلفة.
                          فالعراق هو القطر العربي الأول – قبل سوريا – الذي يعج باصحاب الملل والمذاهب المتعددة، الذين يمارسون طقوسهم في حرية لا يشوبها القلق، مهما ارتجت مقاعد السلطة.
                          ففي العراق جنباً الى جنب يعيش المسلمون من أهل السنة، والشيعة، والأكراد، والزيديون، والمسيحيون، واليهود، والصابئة، وعبدة الفرج، وعبدة النار. . الخ. تعدد عجيب في الديانات والمذاهب والنحل، هو بمثابة مناخ خصب لنمو بذور ضعاف النفوس، ومرتعاً سهلاً لهواة تصيد الجواسيس، الذين أجادوا اللعب على أوتار العقائد.
                          فإسرائيل تتعامل مع العراق – شأنها كشأن مصر – بحذر شديد، نظراً لما تملكه من ثروة بشرية واقتصادية كبيرة، وجيش منظم مدرب ومسلح.
                          لقد كان النمو الاقتصادي المضطرد، مع وجود الجيش المدرب في العراق، أمراً مفزعاً حقاً لإسرائيل. خاصة مع وجود سبعين ألف يهودي عراقي، لا زالوا يحتفظون بولائهم الشديد للوطن الأول، ولم تغرهم الدعايات الصهيونية الكاذبة عن واحة الديموقراطية في الوطن العربي التي هي إسرائيل.
                          لذلك . . لم تتوان الدولة اليهودية للحظة، عن الدفع بأعداد هائلة من الجواسيس داخل نسيج المجتمع، وتعويض الشبكات التي تسقط بأخرى أكثر تدريباً وحفرية وفناً. واستمر التقاتل بالأدمغة في حرب شرسة لا هوادة فيها بين جهازي المخابرات. فطالما هناك إغراءات، يتواجد الخونة، ويشتعل الصراع.
                          وفي بداية عام 1966، حدثت مفاجأة لم تتوقعها الموساد أبداً، ولم تحسب لها حساباً من قبل، إذ كانت الخسائر فادحة جداً، والدوي يجلجل صداه في جنبات الكرة الأرضية. . !!
                          sigpic

                          اللهم إني آمنت بقضائك وقدرك فارزقني ما تمناه قلبي

                          رحمك الله يا امي
                          (شوكة الحياة تجرحك لكنها لن تقتلك)

                          تعليق


                          • #14
                            رد: قصص من عالم الجواسيس

                            اخطر ما في الامر ان كثير من الناس اليوم مؤمن بان اميركا واسرائيل تملكان القدرة على فعل كل شي في العالم ولهذا يستسلم حتى قبل ان يفكر في ابسط اشكال المقاومة ..........
                            قصص شيقة
                            تحيتي

                            تعليق


                            • #15
                              رد: قصص من عالم الجواسيس

                              كشف الجاسيوسية يحتاج الى علم بحد ذاته وعليه اصبحت الجاسوسية علم يدرس
                              المشكلة ان كلمة جاسيوسية كلمة قبيحة الا ان العصر الذي نعيش وعصر افلام هوليود المشبعه بهذا الموضوع تعطي للانسان وتسهل عليه قبول الجاسوس بل ان يصبح جاسوس امر جميل
                              دمت بود وشكرا لهذه السلة من القصص
                              ،،،
                              مسرتي
                              القـــدس لنـــا

                              تعليق

                              يعمل...
                              X