إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الاهتمام الإسرائيلي بترجمة الأدب العربي: الدوافع والاهتمامات

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الاهتمام الإسرائيلي بترجمة الأدب العربي: الدوافع والاهتمامات

    [align=justify][align=center]الاهتمام الإسرائيلي بترجمة الأدب العربي: الدوافع والاهتمامات
    كرم سعيد[/align]
    --------------------------------------------------------------------------------



    المؤكد أن الإبداع الفكري والثقافي والفني لأي مجتمع من المجتمعات يمثل أحد أهم ملامح الهوية فى هذا المجتمع فشخصية المجتمعات تتكون عبر مراحل التاريخ بما مر بها من أحداث وبما تصدره من ردود أفعال تجاهها من خلال ما يبدعه عقلها الجمعي من إبداعات فى ميادين الحياة والأنشطة الإنسانية المختلفة. وإذا سلمنا أن الصراع العربي الإسرائيلي هو من نوع الصراعات الاجتماعية المعقدة فإنه هذا يفرض علينا الاهتمام بالصراع الثقافي والفني كأحد أهم ملامح الصراع. واستجابة لضغوط الواقع والحاجة الإسرائيلية إلى معرفة تفصيلية عن الشؤون العربية خاصة النفسية والثقافية والاجتماعية أولى الإسرائيليون قضايا الفكر والتراث العربي اهتماما يفوق ما كان جاريا أيام الانتداب البريطاني. خاصة أن إسرائيل ضمنت فى صراعها مع العرب التفوق العسكري والاقتصادي والعلمي. فالاهتمام الإسرائيلي بالفكر العربي ليس بمنأى عن الصراع الشامل مع العرب.
    محاولات قديمة مستمرة :
    أ ثيرت خلال الفترة الماضية قضية تلقي بعض الكتاب المصريين والعرب عروضا لترجمة أعمالهم إلى اللغة العبرية عبر دور نشر إسرائيلية وهو ما أثار أزمة بين المثقفين العرب حيث يعتبرها البعض شكلا من أشكال التطبيع.
    ومن هؤلاء الكتاب الذين تلقوا عروضا (صنع الله إبراهيم - يوسف القعيد - إبراهيم عبد المجيد - بهاء طاهر - ورثة الكاتب الراحل عبد الحكيم قاسم وغيرهم)وكل هؤلاء رفضوا.
    وحقيقة الأمر أن حركة الترجمة إلى العبرية واكبت ظهور الحركة الصهيونية فى نهاية القرن التاسع عشر حيث ظهرت مجلة هشيلواح وأفردت صفحات كثيرة لألف ليلة وليلة ومجلة هحداش التي تتضمن مقالات ودراسات مستشرقين وباحثين من الجامعة العبرية وغيرها. كما تضمنت محاولات بحثية كتبها طلاب حول موضوعات تتعلق بالشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا وخصوصا المنطقة العربية. وفى منتصف الثلاثينيات من القرن العشرين بدأ التنفيذ الفعلي لترجمة الأعمال العربية الكبرى مثل (أعداد سجل ضخم للشعر العربي القديم) عام 1935. فى عام 1947 تم نشر قاموس عبري/ عربي كبير أعد بإشراف الأستاذين د. أيلون وب. شنعار (من الجامعة العبرية) وصدرت طبعة منقحة له فيما بعد. وما يزال هذا القاموس مرجعا للطلاب الدارسين بأقسام اللغة العربية والدراسات الشرقية بالجامعات والمعاهد الإسرائيلية. وحركة ترجمة الأعمال العربية من نثر وشعر إلى اللغة العبرية حركة نشطة ومستمرة ولا يوجد أديب عربي له شأن لم تترجم العديد من أعماله إلى العبرية وبخاصة المصريين. وهناك أيضا دراسات وأطروحات علمية عن أدباء عرب يحاول أصحابها من الإسرائيليين الادعاء بأنهم يتعاملون معها بصورة موضوعية.
    والأمر لم يتوقف عند الترجمة فقط بل تهتم الأكاديميات والمؤسسات البحثية الإسرائيلية بدراسة المجتمع العربي وهناك من حصل على رسائل جامعية فى موضوعات أدبية وفكرية وغيرها وتم الاستفادة منهم فى تنسيق الأنشطة فى الأراضي المحتلة.
    ترجمة الفك-ر العرب-ي.. لماذا?
    لقد كانت ترجمة الفكر العربي بمختلف أجناسه وعصوره أحد المجالات المهمة والوسائل الحيوية التي يمكن أن تساعد فى التعر ف على المجتمعات العربية, وهو ما يؤكده د. إبراهيم البحراوي فى كتابه الأدب الصهيوني بين حربي يونيو 67 وأكتوبر 73 بقوله: إن الأدب يمثل واحدا من أهم وأوثق السجلات المعرفية التي يمكن الاستناد إليها فى استقاء المعلومات عن التكوينات التحتية فى مجتمع من المجتمعات والتي يصعب فى أحيان كثيرة رصدها عبر سائر المصادر المعرفية المباشرة من كتابات سياسية واجتماعية وفلسفية.
    ويفسر السيد ياسين اهتمام المؤسسات البحثية الإسرائيلية بترجمة الأدب العربي بمختلف عصوره بأنه أي أدب يرصد العمليات الاجتماعية التي تصاحب التغير الاجتماعي وتلقى الأضواء عليها وعلى مساراتها المتعددة, وبصورة أكثر بروزا ووضوحا وحيوية من كثير من البحوث العلمية. من هنا الاهتمام بترجمة وتحليل مضمون الأعمال الأدبية حتى يضعوا أيديهم على مفاتيح التغير الاجتماعي فى المجتمع وآثاره.
    أيضا من بين العوامل البارزة التي أملت الاهتمام الإسرائيلي بقضايا الفكر العربي والدراسات الخاصة بالأوضاع الصراعية مع العرب, يمكن الوقوف عند الاعتبارات التالية:

    1- وقوع الكيان الإسرائيلي وسط تجمع إقليمي عربى, وما يتصل بهذا من تباينات فى الهوية وتعارضات عميقة فى بنيتي الكيان والمنطقة العربية.
    2- التعرف على مكامن القوة الضعف فى الطرف العربي, لإدماج هذا الجانب فى أسس الاستراتيجية الإسرائيلية العليا إزاء العرب, وفى كيفية إدارة الصراع.
    3- إلحاح الاعتبارات الميدانية (المواجهات الجارية - الحرب النفسية - العمليات العسكرية . . إلخ) وهي اعتبارات تص ب فى مجرى الحاجة الإسرائيلية إلى توفير مادة مناسبة للتوجه إلى العرب أو التعامل معهم.
    4- الحيثيات المتعلقة بالوضع السكاني فى فلسطين المحتلة سواء فى موضوع العمل على استيعاب اليهود المهاجرين من الدول العربية أو فى موضوع رسم السياسات الخاصة بالعرب فلسطينيين داخل البلاد.
    5- التداخلات التراثية والتاريخية بين الحضارة العربية والنتاجات الثقافية ليهود الدول العربية فى النسيج الثقافي العربي والإسلامي العام.
    6- توفير المعطيات النظرية للمسائل التي ستواجه إسرائيل فى المستقبل.
    التنكر الإسرائيلي لأي من الاعتبارات المذكورة لا يقوى على الصمود أمام وجودها فعلا فى المراكز البحثية المعنية وفى دوائر اتخاذ القرار الإسرائيلية. وهذا ما يخلص إليه أي باحث في رصده للاهتمام الإسرائيلي بالفكر العربي والشؤون العربية.

    يحاول الإسرائيليون اختزال دوافع هذا الاهتمام فيسوقون تبريرا لأسباب دعائية فمثلا يعبر أوريال هايد (أحد أساتذة الدراسات الشرقية فى الجامعة العبرية بالقدس) فى دراسة له (1691) عن دافعين للاهتمام الإسرائيلي بالفكر والشؤون العربية هما: المتطلبات المستقبلية واستيعاب اليهود الشرقيين. يقول هايد حول الدافع الأول مهما يكن توجهنا الأدبي وعلاقاتنا السياسية مع جيراننا فإنه ليس هناك من ينكر أن مستقبلنا القومي مرتبط بمستقبل الشرق الأوسط وإلى حد ما بمستقبل دول آسيا وأفريقيا الأكثر بعدا وهذه الحقيقة ينبغي أن تضفي على اهتمامنا بالشرق الأوسط أهمية خاصة وحيوية ووعيا يزيد عما لدى الباحثين الغربيين). وبالنسبة للدافع الثاني يذكر هايد أن استيعاب العدد الكبير من المهاجرين من دول الشرق إلى فلسطين يتطلب فهما واسعا للظروف السائدة فى بلدانهم الأصلية, ودراسة تقاليدهم الخاصة, وفى الوقت نفسه مساعدة هامة للمعرفة العلمية وللفهم المتبادل بين الطوائف.
    غير أن الفهم العربي للاهتمام الإسرائيلي بالآداب والفنون العربية يظل متمحورا حول تطل ع الإسرائيليون إلى جعل أبحاثهم فى الفكر العربي بمثابة مصدر لإحدى القوى التي يتطلعون لامتلاكها: لتوظيفها من ناحية على صعيد تحقيق الانسجام الداخلي فى الكيان الصهيوني وإذابة التناق ضات الاثنية والفوارق بين شرائح المستوطنين اليهود, ولتوظفها من ناحية ثانية فى النطاق الخاص بكيفية التعامل مع المنطقة العربية وكيفية إدارة الصراع وتخطيط شئون المستقبل وذلك بمعزل عن الدعوات المزيفة التي تتحدث عن الرغبة فى الاندماج فى المنطقة وفى إقامة سلام مع العرب.
    رؤي-ة غير علمي-ة :
    يفترض المثقفون العرب أن دراسة وترجمة الباحثين الإسرائيليين للفكر العربي بمختلف عصوره لا تنطلق من رؤية علمية صرفه, وإنما من رؤية تستهدف التعر ف على المجتمعات العربية التي تتعامل معها على أنها مجتمعات معادية ويدللون على ذلك بالإشارة إلى مضمون التناول البحثي الإسرائيلي للشؤون العربية عموما منذ نشأة إسرائيل عام 1948, حيث دعا ديفيد بن جوريون إلى التطوع للمهام الأمنية والاجتماعية والصناعية, والتي لا تقل أهمية عن المهام الأمنية. ويحلل البروفسور ناتان روتنشترانج (فى الجامعة العبرية) ذلك بقوله: لقد أقمنا دولتنا فى فترة سياسية كانت كلها فترة أحلام وفى فترة كهذه كان لا بد من إيجاد نوع من التحالف بين عامل البحث العلمي وعامل تحقيق الأمن بمفهومه الشامل.
    من جانب آخر, فإن الإسرائيليون لاحظوا أن العرب كانوا يوجهون عنايتهم إلى معرفة العدو بدقة, ومن ثم كان منهم من طالبوا بأن تفعل إسرائيل المثل.. وينقل د. أورى ميلشتاين (الكاتب والمؤلف المتخصص فى العلوم السياسية) عن يهو شفاط هركابي قوله: إن المستوى الثقافي للبحوث العربية حول الصراع العربي الإسرائيلي يتفوق على ما لدينا إلى حد كبير. إنني أرى نشراتهم - يتابع هركابي - وكتاباتهم والمجهود الذي يبذلونه من أجل فهم هذا الموضوع بطريقتهم هم طبعا وأعتقد أننا دون مستواهم كثيرا .
    وبعد هذه المقارنة بين مستويي الاهتمام العربي الإسرائيلي بقضية الصراع يفسر هركابي تقصير الإسرائيليين قائلا إن عدم الرغبة فى معالجة هذا الموضوع نجم فى رأيي عن مفاهيم ساذجة, هي أن الصراع اعتبر ظاهرة عابرة, ولا يجدر استثمار جهد فى موضوع سينتهي غدا , ويضيف لقد عرفت الاستخبارات الإسرائيلية الحقائق (!) عرفت الكثير, ولكن الجامعات تملصت وفى الاستخبارات لا يتولون الكتابة عن اتجاهات المسرح أو الأدب المصريين مثلا , ولهذه المواضيع بالذات أهمية كبيرة لأنها توضح المناخ النفسي في الدولة التي يتم بحثها.
    وفى ذات الشأن أيضا يقول الباحث الإسرائيلي د. ساسون سوميخ: إن مطالعة الفكر العربي الحديث ضرورة حياتية لكل مثقف إسرائيلي ولكل قارئ نبيه إذ أنه دون إطلاعه على التيارات الأدبية فإن معلوماته عن الإنسان العربي وعن عالمه ستكون مشوهة ومرتكزة على المعلومات الصحفية اليومية غير العميقة ويتعلم القارئ الإسرائيلي عن طريق متابعة الأعمال الأدبية العربية فى مجال الرواية والمسرح والشعر كثيرا من المفاهيم النفسية للإنسان فى القاهرة وفى دمشق وفى بيروت وبغداد وحتى فى الريف المصري واللبناني والسوري, ويتعرف بهذه الوسيلة على مشاكل ومتاعب الأديب العربي والإنسان العادي فى نفس الوقت.
    وإذا كان ما يقوله سوميخ يبدو وكأنه متساوقا مع الهدف النبيل الذي تبغيه إسرائيل من وراء اهتمامها بالمجتمعات العربية ثقافيا , إلا أن ردود فعل المجتمع الإسرائيلي على محاولات جعل دراسة المجتمعات العربية وإنتاجها الفكري والأدبي جزء من عملية تحقيق التقارب بين المجتمعات والتعرف على الآخر بهدف التواصل معه.. ردود الأفعال تلك ت ظه ر ظان الأمر على العكس من ذلك تماما .
    ولعل ما حدث قبل عامين عندما كان يوسى ساريد زعيم حزب ميريتس وزيرا للتعليم دليلا شاهد فقد سمح بتدريس الأعمال الأدبية الخاصة بالشاعر الفلسطيني محمود درويش فقامت الدنيا فى تل أبيب ولم تقع د.
    المعاهد التي تهتم بالدراسات العربية
    يتأكد اهتمام إسرائيل ورغبتها فى التعرف على المجتمعات العربية المعادية والمجاورة من خلال إنشاء المؤسسات والمراكز البحثية التي تهتم بترجمة ودراسة الفكر العربي وتلجأ المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة إلى تأمين الكثير من متطلبات العمل البحثي الإسرائيلي فى محاولة لدفع أبحاث الاستشراق إلى تحقيق الأغراض المحددة لها. وتعد أقسام اللغة العربية والأدب العربي من أهم أقسام كليات ومعاهد الدراسات الإنسانية فى إسرائيل والتي منها ما يلي:
    1- معهد الدراسات الشرقية :
    عندما أ نشئت مدرسة الدراسات الشرقية مع المعاهد الأولى فى الجامعة العبرية (1962) كانت الدراسات العربية أهم مادة فيها وخلال السنوات الأولى تحولت المدرسة إلى معهد يعلم اللغة العربية القديمة والحضارة الإسلامية وكذلك التاريخ القديم للبلدان الإسلامية والتاريخ العربي فى القرون الوسطى: وبعد إنشاء الدولة عام 1948 أ نشئ فى الجامعة العبرية فرع ي دعى الشرق الأوسط أ نيط به تعليم التاريخ المعاصر للبلاد العربية. واعتبارا من عام 1962 أ طل ق على هذا المعهد اسم معهد الدراسات الأفريقية - الآسيوية ولوحظ أن الدراسات العربية ظلت تتصدر اهتماماته وعنى المعهد بجمع المخطوطات القديمة وآلاف الصور والرسوم لمباني إسلامية.
    2- الجمعية الشرقية :
    مع تزايد الاهتمام بالدراسات العربية بعد قيام دولة إسرائيل تم تأسيس الجمعية الشرقية وهى تعنى كما ذكر البروفيسور جبريل باير (أستاذ تاريخ الشعوب الإسلامية بالجامعة العبرية) بتنمية معرفة اللغة العربية. وأصدرت الجمعية منذ بداياتها مجلة فصلية باسم همزراح هحداش أي الشرق الجديد وعنت بالتطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للبلاد العربية ونشر مقالات فى الأدب والنقد الأدبي. إلى جانب مجلة همزراح هحداش والمجموعات السنوية أصدرت الجمعية الشرقية سلسلة دراسات بالعربية تناولت علم اللغة والتاريخ السياسي والثقافي والفن وغير ذلك من المواضيع المتعلقة بالمنطقة وحضارتها.
    3- مؤسسة أبحاث الشرق الأوسط :
    استحدثت رئاسة الجامعة العبرية هذه المؤسسة فى منتصف السبعينيات والتحق بها باحثون وأكاديميون من المعاهد والأقسام التابعة للجامعة. وبالإضافة إلى الكتب والنشرات والتقارير التى تصدرها المؤسسة. تقوم بإصدار ربعية القدس اعتبارا من خريف 1976. ويشرف على هذه الدورية طاقم أكاديمي مؤلف من: عمانوئيل سيفان (من قسم التاريخ فى الجامعة العبرية) وزئيف شترنهل رئيس قسم العلوم السياسية بالجامعة ذاتها والمدير السابق لمعهد أشكول) وهيئة مستشارين من أبرز أعضائها: زلمان أبراموف - شلومو رجوف - ميشيل كورتس - جوزيف نيز. وتعني ربعية القدس بترجمة مقالات ودراسات ينشرها مفكرون عرب فى الدوريات الصادرة فى الدول العربية منهم عبد الباسط عبد المعطى - شاكر مصطفى, حليم بركات, حسين فوزي, غسان سلامة, وغيرهم.
    4- جامعة تل أبيب :
    تضم جامعة تل أبيب عدة مؤسسات بحثية تعنى بالشئون العربية أبرزها معهد شيلواح للدراسات الشرق أوسطية والأفريقية ويضم 6 أقسام رئيسية يترأس كل منها باحث يحمل درجة الدكتوراه ويجيد كل من يعمل بالمعهد اللغة العربية.
    بعد هذا الاستعراض الم قتضب للمؤسسات البحثية الإسرائيلية التي ت عنى بدراسة وترجمة الفكر العربي نشير إلى أن هناك معاهد وجامعات أخرى تهتم بذات الموضوع ومنها جامعة بن جوريون وجامعة النقب وجامعة حيفا وجامعة بار أيلان وأيضا هناك المعهد الإسرائيلي للأبحاث الاجتماعية التطبيقية وغيرها.
    ويظل من الثابت أن تعدد المراكز والمؤسسات البحثية التي تعنى بقضايا الفكر العربي بمختلف تشع باته وارتباطاته إنما يعكس مقدار الأهمية التي توليها إسرائيل إلى معرفة المجتمعات العربية لإيجاد علاقات ارتباط بين الواقع وبين الصور الذهنية التي يسعون إلى ترسيخها كما يعكس هذا التعدد من ناحية أخرى رغبة إسرائيلية فى امتلاك المزيد من عناصر القوة الثقافية إلى جانب القوة العسكرية والاقتصادية فى الصراع الأدب العربي الحديث.

    الاهتمام بالأدب العربي الحديث وترجمته يحظى باهتمام أكبر ومتابعة أدق فى ضوء الصراع المشتعل بين إسرائيل والعالم العربي لأن الأعمال الأدبية تزخر بالثراء الذي يمكن الاستفادة منه فى الاستبصار بالمتغيرات المتعددة التي ينطوي عليها أي واقع اجتماعي ويكفى الإشارة هنا إلى الدراسة التي أعدها يهوشفاط هركابى م ستعينا فيها بدراسة القصة العربية الحديثة ليزعم أن ضعف الروابط الاجتماعية بين العرب وانعدام تماسكهم الاجتماعي هو السبب المباشر وراء هزيمة 5 يونيو 1967.
    وفى مجال الاهتمام بترجمة الأدب العربي الحديث قامت جامعة تل أبيب بأبحاث متفرقة فى ميادين الأدب العربي كما اهتمت الجامعة بالدراسات التفصيلية لقضايا الرواية والقصة والمسرح وأصدرت عددا من المؤلفات ضمن سلسلة بعنوان دراسات ونصوص أدبية أشرف على تحريرها ساسون سوميخ ومن هذه الدراسات دراسة مقارنة لسوميخ حول مبنى القصة والمسرحية فى أدب يوسف إدريس تمحورت حول معالجة قصة جمهورية فرحات وكان اختيار هذه القصة ليس فقط لاعتبارات أدبية وإنما لاعتبارات دعائية وسياسية أيضا , وللدواعي ذاتها اختار سوميخ عملا لنجيب محفوظ هو حكايات حارتنا ليكون موضع نقد وتحليل فى كتاب صدر عن جامعة تل أبيب بعنوان المضارعة فى أسلوب القصة العربية المعاصرة وكذلك يعتبر الباحث الإسرائيلي ديفيد تسيمح من المهتمين بشؤون اللغة العربية وآدابها فقد نال تسيمح درجة الدكتوراه فى لندن على أطروحة بحث أدبي تناول فيها بعض أعمال كبار الأدباء والمفكرين المصريين ومنهم طه حسين والعقاد ويكرس تسيمح اهتمامه أيضا فى أبحاث الشعر العربي وأوزانه وألوانه وتطور قوالبه. وعلى خط مواز للأعمال الدراسية والتحقيقات جرت ترجمة العديد من النصوص الشعرية النثرية للمفكرين العرب.

    ومن أهم الأعمال العربية الحديثة المترجمة للعبرية, قيام شموئيل موريه (المتخصص فى الشعر العربي الحديث) بترجمة ديوان أدوينس - على أحمد سعيد - بعنوان كتاب التحولات والهجرة فى إقليم الليل والنهار وديوان محمد ألماغوط حزن فى ضوء القمر. كما سارعت الأوساط الأدبية الإسرائيلية بترجمة أعمال بعض كبار الأدباء العرب فترجم لنجيب محفوظ حوالي 9 روايات أشهرها الثلاثية وأولاد حارتنا ولتوفيق الحكيم عودة الروح ولطه حسين الأيام والاستشراق ل-إدوار سعيد و أزمة العروبة والعرب منذ 1967 لفؤاد عجمي والخبز الحافي لمحمد شكري (مغربي) وعرس الزين وموسم الهجرة إلى الشمال للطيب الصالح (سوداني) ولعلى سالم رحلة إلى إسرائيل ولعبد الحكيم قاسم أيام الإنسان السبعة و شرف لصنع الله إبراهيم والعيب ليوسف إدريس وديواني شعر للشاعر الفلسطيني محمود درويش.
    هذا بالإضافة إلى الأدب غير الرسمي مثل مؤلفات نوال السعداوي للإلمام بالتيارات الفكرية الموجودة فى المجتمعات العربية.
    ومن ذلك يتضح أن للترجمات من الأدب المصري الحديث نصيب الأسد, نظرا للمكانة التي تحتلها مصر فى المنطقة العربية ودورها المحوري فى الصراع العربي الإسرائيلي وقد تزعم مشاريع ترجمة الأدب المصري للعبرية ساسون سوميخ المدير السابق للمركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة والحاصل على دكتوراه فى الأدب العربي وأدب نجيب محفوظ و يوسى أميتاى المدير السابق للمركز أيضا .
    الأدب القدي-م :
    لم يقتصر الاهتمام على ترجمة الأدب العربي الحديث بل امتد ليشمل الأدب العربي القديم ففي عام 1935 اضطلع معهد الدراسات الشرقية بإعداد سجل ضخم للشعر العربي القديم لاستخدامه كمرجع أساسي للطلبة اليهود فى بحوثهم حول اللغة العربية وتطورها ويصف البرفيسور جبرييل باير موضوع تبويب قاموس الشعر العربي القديم بأنه ذو أهمية كبير بالنسبة للدراسات العربية فى إسرائيل إذ أن هذا الشعر يمتلك غنى لفظيا هائلا .
    واعتبارا من منتصف الثلاثينيات كان المشروع الثاني الكبير - إلى جانب السجل الشعري هو إعادة طبع وتحقيق كتاب أنساب الأشراف للبلاذدى. وخلال العقود اللاحقة قامت الجامعة العبرية بترجمة كتاب ألف ليلة وليلة فى ثلاثين مجلدا خلال السنوات 1947-1970م, كما تمت ترجمة كتاب المنقذ من الضلال لأبى حامد الغزالى وكذلك صدرت ثلاث طبعات للقرآن الكريم مترجمة الأولى للمستشرق الألماني اليهودي زلمان ريكندروف فى عام 1897, والثانية للكاتب يوسف ريفلين فى عام 1935 باعتبار أن القرآن يمثل النص الأساسي والمحوري لفهم شخصية العربي. والأخيرة قام بترجمتها أهارون بن شيمش عام 1971. وليس هذا فحسب فقد تم ترجمة كتاب كليلة ودمنه لصاحبه عبد الله بن المقفع ناهيك عن ترجمة مختارات من المعلقات وقصائد من الشعر الجاهلي والأموي والأندلسي وقد صدرت هذه المختارات عام 1970 بعنوان أشعار العرب
    موضوعية قليلة :
    فى التناول الإسرائيلي لأعمال الفكر والتراث العربي سواء بالترجمة أو النقد والتحليل يتعين الاعتراف بأن ثمة عددا من الباحثين الإسرائيليين ينجز أعمالا فكرية وسياسية تتناول الإنتاج المعرفي العربي متخذة طابعا علميا فى النظرة إلى عرب وفى تناول أوضاع المنطقة وشئونها حيث يلجأ هؤلاء إلى تطبيق المنهج العلمي المستخدم فى العلوم الاجتماعية والإنسانية لدراسة القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية والفلسفية العربية دراسة متعمقة.
    ويصنف السيد يسن (الباحث المصري المشهور) نتاجات العلماء الإسرائيليين للشخصية العربية إلى :
    أ - دراسات علمية أكاديمية.
    ب - دراسات علمية دعائية.
    ويرى أن الأولى تهدف أساسا إلى الفهم الموضوعي للسمات الأساسية للشخصية القومية العربية وهى بالتالي لا تجنح إلى تشويه هذه الشخصية بأي صورة, ولعل المثل البارز على هذا النمط من الدراسات الإسرائيلية التي قد تكون قليلة فى ذاتها - هي أعمال البروفسيور حابريل ساير الأستاذ بالجامعة العبرية ومن أهم كتب باير التي تكشف عن طابعه الموضوعي فى الدراسة كتابه السكان والمجتمع فى الشرق العربي و دراسات اجتماعية فى التاريخ الحديث لمصر وهذه الدراسات تنفرد بالنظرة المعتدلة على أساس أنها تعترف بالظلم التاريخي الذي وقع عليهم. ويدعو أصحاب هذه الدراسات إلى التعايش السلمي بين العرب واليهود.
    أما الصورة الثانية الدعائية فتكمن خطورة الدراسات التي تعبر عنها فى أنها ليست مجرد كتابات دعائية يكتبها كتاب غير متخصصين ولكن من يكتبونها هم علماء اجتماع يتقنون استخدام لغة العلوم الاجتماعية ويتوجهون بكتابتهم إلى الباحثين الاجتماعيين فى البلاد الغربية والرأي العام الغربي المثقف بوجه عام. وكمثال على هذا النوع: الدراسة التي أعدها يهوشفاط هركابي عن الدور الحاسم للروابط الاجتماعية بين العرب فى حرب 1967.
    كيف نحمي الأعمال الفكرية العربية المترجمة للعبرية..?
    الأصل فى طلب الحماية هو تأمين الحق من التعدي فى كافة أشكاله. والدعوة لحماية الحقوق الفكرية العربية ضد مخاطر الترجمة العبرية المزيفة فى أكثرها تعكس فى هذا الإطار مدلولا يعنى أن هذه الحقوق أصبحت فى موقف يمثل درجة متقدمة من خطورة التعدي لابد من مواجهتها وسرعة الاتفاق حول طرق تحقيق الحماية والردع, ومن ذلك:
    · جمع التراجم والدراسات المنقولة من العربية إلى العبرية ودراستها دراسة علمية والرد على الكثير من المغالطات الواردة فيها خاصة أن النزعة الصهيونية تبدو واضحة عند تناول الأعمال الفكرية العربية والعناصر البشرية العربية.
    · الدفاع عن حقوق الكتاب العرب والمصريين عن طرق المنظمات العالمية كما يحدث مع المؤلفين والملحنين الذين يطالبون بحقوقهم من جمعية المؤلفين والملحنين بباريس كما أن الأدباء الإسرائيليين الذين ترجمت أعمالهم للعربية يفعلون ذلك ومنهم (ساميخ يزهار - عاموس كينان - عاموس عوز - يعل ديان - يسرائيل شاحاك - ديفيد جروسمان) وغيرهم.
    · خلق مؤسسات عربية لترجمة الأعمال العبرية واليهودية بالتعاون بين كل المثقفين العرب المتخصصين. إذ ليس من المعقول أن يعرف أصحاب اللغة العبرية كل صغيرة وكبيرة تتعلق بلغتنا العربية وما تشتمل عليه بينما تقتصر معرفتنا على المترجمات من لغات أخرى غير العبرية وفى القليل نجد مترجمات مباشرة عن العبرية. ومن ثم فإن الظروف الراهنة تفرض علينا حاجة خاصة وهى التعرف على أفكار وآداب وفنون وعلوم أصحاب اللغة العبرية ممن يجاوروننا ويختلفون عنا ومعنا وربما يكون مشروع المجلس الأعلى للثقافة الذي اضطلع منذ عام 1996 بتأسيس المشروع القومي للترجمة خطوة هامة إلا أنه لم يصل للمستوى المأمول فيما يتعلق بالترجمات العبرية التي وصل إصدار المشروع منها خمس إصدارات من جملة 250 عنوانا مترجما مقابل 137 عنوانا للإنجليزية.
    · ضرورة وجود أرشيف عام لجمع الفلكلور المصري والعربي خاصة أن إسرائيل تعتبر أن ما جمعته من فلكلور المنطقة فلكلور إسرائيلي ووزعته على المراكز البحثية كمرجع عالمي ودولي.
    · ضرورة إنتاج أفلام تسجيلية تتحدث عن الأصول التاريخية للشعوب العربية وأصول تراثهم الفكري والحضاري وترويجها فى العالم لإيضاح الحقائق ومنع التعدي عليها أو تشويهها.
    [/align]
    القـــدس لنـــا

  • #2
    رد: الاهتمام الإسرائيلي بترجمة الأدب العربي: الدوافع والاهتمامات

    نعرضها للضوء مع التقدير

    تعليق


    • #3
      رد: الاهتمام الإسرائيلي بترجمة الأدب العربي: الدوافع والاهتمامات

      دراسة قيمة وانا شخصيا بحاجة لها
      شكري وتقديري للعزيزين الرائد وابو صالح
      اللهم

      أنّــي أُحــبُّ لقــــــاءَك فأَحبَّ لقائي

      تعليق

      يعمل...
      X