إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

منطق القوة ولغة الوعيد قرَبا البلدان المغاربية من قطر

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • منطق القوة ولغة الوعيد قرَبا البلدان المغاربية من قطر

    منطق القوة ولغة الوعيد قرَبا البلدان المغاربية من قطر

    رشيد خشانة

    Jun 10, 2017
    لم تخضع البلدان المغاربية (الجزائر وتونس والمغرب وليبيا وموريتانيا) لرياح الضغوط العاتية التي مورست عليها في الأيام الأخيرة، بعيدا عن الأضواء الإعلامية. ولم تُقدم على أي رد فعل إزاء الأزمة المُندلعة بين قطر وجارتيها السعودية والإمارات، من النوع الذي قد تُضطر للتراجع عنه لاحقا، مع تغيُر الطقس السياسي. على العكس من ذلك، سعت إلى التهدئة وحضت على وساطة عربية، حرصا على ألا يخرج الملف من أيدي العرب، لكنه خرج.
    أكيدٌ أن مردَ هذا الموقف هو، ببساطة، أننا بإزاء كيانات تُمثل دولا ذات جذور راسخة في التاريخ. لذا اتخذت أربع دول مغاربية، من دون تنسيق مسبق، (فالعلاقات بين العواصم المغاربية معطلة منذ 1994) موقفا متماثلا تقريبا من لعبة العصا والجزرة، التي أعطت أكلها مع الدولة الخامسة: موريتانيا، وهي التي استجابت حكومتُها فورا للدرجة القصوى من التحريض (قطع العلاقات) فوجدت الشارع ينزاح عنها ويتظاهر احتجاجا على خطوتها تلك. وبذلك كانت النغمة النشاز في الصف المغاربي. وفي ليبيا، البلد الوحيد في العالم الذي تحكمه ثلاث حكومات، أبرزت حكومة عبد الله الثني (مقرُها في البيضاء)، والخاضعة لنفوذ المُشير خليفة حفتر، انضباطها للقرار المصري السعودي الإماراتي، فأعلن وزير خارجيتها عن قطع العلاقات مع قطر، وهي قطيعة افتراضية لأن العلاقات غير موجودة أصلا. أما الحكومة الشرعية المُعترف بها دوليا، برئاسة فايز السراج (مقرُها في العاصمة طرابلس)، فتحفظت عن اتخاذ أي موقف من الأزمة الخليجية.
    والملاحظ أن المواقف من هذه الأزمة كانت متقاربة، مثلما أسلفنا، في أربعة بلدان مغاربية يشارك إسلاميون مقربون من قطر في مؤسسات الدولة فيها، وفي ثلاثة منها يحملون حقائب وزارية (تونس والمغرب وليبيا).

    ضبط النفس
    أما في الجزائر (حيث رفض الإسلاميون الانضمام إلى الحكومة) فصدر موقف رسمي دعا جميع الأطراف المعنية إلى «اعتماد الحوار لتسوية الأزمة» و«الالتزام بمبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام سيادتها الوطنية في جميع الظروف»، مُعتبرا «أن الحكمة وضبط النفس سيسودان في النهاية»، من دون إيضاح العناصر التي استند عليها الموقف الجزائري لتبرير هذا التفاؤل.
    وبالرغم من تأزم العلاقات بين الحكومة الجزائرية وقناة «الجزيرة» القطرية منذ سنوات بعيدة، فإن التنسيق السياسي الثنائي في أرفع المستويات لم يتأثر بارتدادات تلك العلاقة المتوترة. وتعتبر الجزائر من البلدان العربية القليلة التي تقول كلمتها في وجه المسؤولين السعوديين، وتجلى ذلك مرارا خصوصا في منظمة «أوبك» بسبب تباعد الموقفين من قضايا جوهرية، كالالتزام بحصص الإنتاج وتحديد الأسعار.
    ومع الحرص الذي تُبديه الجزائر دوما على أن تكون علاقاتها سالكة مع الرياض، فهي حريصة أيضا على المحافظة على علاقاتها مع طهران. وتنفرد الجزائر بين البلدان العربية بعلاقات خاصة مع إيران، فهي التي توسطت في سنة 1981 لحل مشكلة الرهائن الأمريكيين في السفارة الأمريكية في طهران، بعد احتجاز استمر 444 يوما. وهي التي توسطت أيضا بين إيران والعراق لوقف الحرب المشتعلة بينهما، وهي الوساطة التي دفع وزير خارجيتها الراحل محمد الصديق بن يحيى حياته ثمنا لها، لدى تفجير طائرته بين العراق وإيران. لذا فإن قلة حماسة الجزائر اليوم لتأييد الخطوات التي أقدمت عليها السعودية والإمارات ومصر، لا تُعزى إلى رفض أسلوب القطيعة فحسب، وإنما إلى أبعد من ذلك، أي إلى جوهر الخلاف المُتعلق بالموقف من إيران. والثابت أن الجزائر لا يمكن أن تكون مع ضرب حصار اقتصادي حول بلد عربي، أيا كانت المُبررات. وهذا ما يُفسر الموقف الرسمي، الذي أعلنته وزارة الخارجية الجزائرية، في أعقاب اتصالات هاتفية أجراها وزير الخارجية عبد القادر مساهل مع نظيره القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني ونظرائه في عدة دول أخرى، ودعت فيه إلى «اعتماد الحوار والتحلي بمبادئ حسن الجوار لتسوية الأزمة التي نشبت بين دول الخليج العربي». ومع أن ثوابت السياسة الجزائرية لم تتغير في هذه الأزمة، كما في مثيلاتها، فإن موقف الحياد دقيق، لأنه قد يُغضب بعض العواصم الخليجية إضافة إلى مصر، التي تعتبره دعما لقطر. وسبق للجزائر أن عرفت أزمات مع مصر وقطر والسعودية، لكنها لم تقطع شعرة معاوية مع أي بلد عربي. وفي حال قطر استفادت الجزائر من استثمارات قطرية كبيرة الحجم في قطاعات متنوعة من الاتصالات إلى تصنيع الفولاذ، بالإضافة إلى تعاونها المكثف مع الدوحة في المسائل المتعلقة بسوق الغاز العالمية.
    وعلى الطرف الآخر من المشهد المغاربي تقف الرباط موقفا يكاد لا يختلف عن «غريمتها» الجزائر، أساسه المحافظة على مسافة واحدة من العواصم المتنابذة. وبالرغم من الاستثمارات السعودية والإماراتية الكبيرة في المملكة، والعلاقات الخاصة بين الأسرة العلوية والأسرتين الحاكمتين في السعودية والإمارات، نأى الملك محمد السادس بحكومته عن تفاعلات الخصومة الخليجية الخليجية، خاصة أن الذي يقود هذه الحكومة هو أحد زعماء «حزب العدالة والتنمية» المُقرب من قطر. ويعزو خبراء مغاربة غياب الملك محمد السادس عن القمة العربية الإسلامية الأمريكية الأخيرة في الرياض إلى «رغبة المغرب بالنأي بنفسه عن النزاعات العربية والابتعاد عن الاصطفافات» كما يقول الباحث المعروف الدكتور ادريس الكنبوري.
    لابد هنا من التذكير أن الملك محمد السادس شدد في الخطاب الذي ألقاه في القمة المغربية ـ الخليجية في نيسان/أبريل من العام الماضي، على استقلالية الدبلوماسية المغربية، وحرية أي بلد عربي في أن يختار علاقاته الخارجية وفقا لمصالحه، وعلى رفض الإملاءات الخارجية. واستطاعت الرباط والدوحة في السنوات الأخيرة تجاوز مضاعفات أزمة سممت العلاقات الثنائية في العام 2010، وأدت إلى إقفال مكتب قناة «الجزيرة» في الرباط على مدى أربع سنوات. غير أن العلاقات أبصرت انعطافا إيجابيا مع تولي الأمين العام لـ»حزب العدالة والتنمية» عبد الاله بن كيران رئاسة الحكومة المغربية بين 2011 ونيسان/أبريل الماضي. لم يختلف الموقف التونسي جوهريا عن الموقفين الجزائري والمغربي، فعلى الرغم من الضغوط التي تردد أن السعودية والإمارات مارستاها على تونس من وراء الستار، أتى الموقف الرسمي داعيا «الأشقاء الخليجيين لتجاوز خلافاتهم عبر الحوار والتفاهم والعمل على إيجاد حلول لجميع المشاكل العالقة، من أجل المحافظة على مناعة دول الخليج وأمنها بصفة خاصة، والأمن القومي العربي بصفة عامة». وللسعودية والإمارات قصة جفاء طويلة مع تونس منذ انتصار الانتفاضة الشعبية في العام 2011 التي قادت الرئيس السابق بن علي إلى المنفى الاختياري في السعودية. فمنذ ذلك التاريخ علق الإماراتيون والسعوديون استثماراتهم في تونس، لا بل حجبت الإمارات حتى التأشيرات عن التونسيين المسافرين إليها.
    وتماهت «حركة النهضة» التونسية، المعروفة بعلاقاتها القوية مع قطر (والمشاركة في الحكومة)، مع الموقف الرسمي، إذ دعت في أعقاب اجتماع لقيادتها «جميع الأطراف إلى تعظيم المصالح المشتركة بينها وحل الخلافات بالحوار والطرق الدبلوماسية». كما حضت الدول الخليجية على «تفادي التصعيد وتغليب لغة الحوار وتفعيل دور الهيئات المشتركة والخطوط الدبلوماسية، ومنها تشجيع الوساطة الكويتية لتطويق الخلافات وحلها من أجل عودة العلاقات».

    الهجوم والعقاب
    وكان لافتا أن الأمين العام السابق للحركة حمادي الجبالي، الذي ترأس حكومة «الترويكا» في 2012، كتب في تدوينة على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي أن «الهجوم الذي يُشن اليوم على دولة قطر (هو) عقابٌ لها على دعمها المبدئي واللامشروط للشعوب في ثوراتها التحررية ودعم المقاومة الفلسطينية واستغاثة كل مظلوم عبر العالم… موقف يُشرّف الشعوب العربية ويُشرف دولة قطر قيادة وشعبا». ومثل هذه المواقف المُناصرة لقطر متوقعة من قيادات «النهضة»، بالنظر للدعم الكبير الذي ما فتئت تحظى به من الدوحة، وخاصة في المناسبات الانتخابية، ومن ضمنه المساعدات الممنوحة لمئات الجمعيات الخيرية المرتبطة بهذا الحزب. إجمالا، استطاع الثلاثي مصر والسعودية والإمارات، بتوخي منطق القوة، أن يصل إلى أهداف عكسية، فقد قرَب المسافة بين المواقف المغاربية، المتباعدة عادة في كل شيء تقريبا، لتتبلور رؤية جماعية في علاقة بالخلافات الخليجية، لم يشذَ عنها سوى موقف الحكومة الموريتانية. وربما شكل إصرار الثلاثي على مطالبة الدوحة بطرد قيادات «حماس» أحد العناصر التي تشكل من سداها الموقف المغاربي، والذي يمكن أن نصفه بالمُوحَد مع شيء من التجاوز.
    قُصارى القول إن من مفارقات عصرنا أن إجراءات المقاطعة التي قررتها السعودية والإمارات لم تُطبق في الماضي سوى على مصر الساداتية، بسبب خروجها عن الإجماع العربي، في أعقاب التوقيع على معاهدة الصُلح مع إسرائيل في العام 1979 وها هي اليوم تُطبق على من احتضن قيادة «حماس» منذ خروجها من سوريا قبل ست سنوات. والغريب أن من يُصرُ على إبعاد قيادات «حماس» (إلى أين؟ إلى إسرائيل؟) يحتضن بحرارة محمد دحلان، الذي يحظى بدعم مطلق من الدولة العبرية… أملا ربما بدحلنة العرب من المحيط إلى المحيط.

    http://www.alquds.co.uk/?p=734521#comment-965319


يعمل...
X