إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الجغرافيا السياسية والإستراتيجية الجغرافية

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الجغرافيا السياسية والإستراتيجية الجغرافية

    مركز المعطيات والدراسات الإستراتيجية
    Data & Strategic Studies Center (D.A.S.C)
    أبحاث خاصة بالمركز:
    أبحاث في قضايا المنطقة
    الدكتــور
    عمــاد فـوزي شُعيبـي
    الدكتور محمد أحمد النابلسي
    رئيس معهد الدراسات المستقبلية

    التداعيات الجيوسياسية التي انعكست بسبب الحرب على العراق وتمركز ساحة عمليات الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في منطقة الشرق الأوسط، لها تأثيرات تذهب إلى أعمق مما يمكن رصده خلال المرحلة الحالية.
    المسألة تنعقد باختصار في أن تلازم مصطلحي الجغرافيا السياسية (الجيوبوليتيكا) والجغرافيا الاستراتيجية(الجيوستراتيجيا) هو الذي يعيّن الاستقرار السياسي عموماً واستمرارية أداء اللعبة السياسية عالمياً وإقليمياً وفق قواعد السياسة الناظمة.
    المقصود هنا بدقة هو أن الجغرافيا السياسية يجب أن تتزامن وتتساوق مع الجغرافيا الاستراتيجية، وهو ما يبدو اليوم غير متوافر على الإطلاق في معادلة السياسة في المنطقة.
    فالأمريكيون باتوا جزءاً من الجغرافيا السياسية(أصبحوا جيراناً لست دول) دون أن تكون هذه الجيرة أكثر من إخلال بالجغرافيا الاستراتيجية. ذلك أن الأرض لست أرضهم والموارد ليست مواردهم، وكل ما هنالك أنهم يديرون الأرض والموارد ويريدون أن يكونوا جزءاً من الجغرافيا الاستراتيجية بالتدخل في شؤون الدول الحالية ورسم سياساتها ووسائلها عبر ما يسمى"بالشرق الأوسط الجديد".
    المشكلة تتمثل بأن كل وافد على الجغرافيا الاستراتيجية صحيح أنه يستطيع أن يدير الأرض والموارد مهما كانت الصعوبات لكن البشر والتاريخ(نعني الثقل الإيديولوجي وثقل المعطيات والموروث التاريخي للبشر) أمر لا يمكن إدارته وهو جزء من الجغرافيا الاستراتيجية بل وهو الجزء الأكثر أهمية في تلك المعادلة كما يقول الأميرال سيليريه وماكس سور عندما يصيغان معادلة أن الجغرافيا البشرية تغدو أكثر وأكثر كجغرافية الإنسان بمعنى التمييز بين العوامل الثابتة والعوامل المتغيرة. ويترافق مع ذلك كما يقول الأميرال بيير سيليير أهمية(المدى) الذي يسكنه البشر، أي المكان.
    فإذا كان ثقل تاريخ البشر(بما فيه التاريخ الإيديولوجي للبشر) يفرض نفسه بشدة في المعادلة الجيواستراتيجية فإن ثقل المكان يفرض نفسه بنفس الشدة في تلك المعادلة، ذلك أن تغيير الدول ليس ممكناً أو قابلاً لأن يكون مثمراً لصالح دولة واحدة على حساب الدول الأخرى لهذا السبب بالذات كما يؤكد سيليير.
    ولكي نترجم هذا إلى معادلة الواقع الحالي نقول:
    إن الولايات المتحدة تستطيع أن تكون جزءاً من الجغرافيا السياسية عبر النفوذ أو الأنظمة الحليفة أو الموالية لكنها لا تستطيع أن تكون جزءاً من الجغرافيا الاستراتيجية لأنها تفتقد إلى الامتداد مع الأرض والاحتكاك مع البشر والتاريخ، وهذا ما يفسّر جزءاً من السؤال الذي يطرحونه:"لماذا يكرهوننا"؟ (وهو نفسه السؤال الذي نطرحه نحن أيضاً) والجواب كامن في عدم قدرة الطرفين على التمازج جغرافياً وبشرياً وتاريخياً.
    الأوروبيون يستطيعون ذلك، بخلاف الأمريكيين، لأنهم يعرفون تاريخ المنطقة جيداً وكانوا جزءاً منه ودرسوه(عبر مستشرقيهم) وتواصلوا مع أرضها وبحرها والجوار الجيواستراتيجي قائم كما لا تستطيعه أمريكا مهما توهمت أنها تفعل.
    فالاحتكاك مع البشر والأرض أمريكاً يحدث لأول مرة اليوم في العراق. وهو احتكاك مقطوع عن السياق، لا يوجد فيه مؤشر لما يمكن أن يتحول إلى تراكم جدّي؛ ذلك أن الأمريكيين اعتادوا على التجارب التي تبدو(كانبثاقات) تأتي فجأة وتنسحب فجأة الأمر الذي لا يراكم تجارب عن الشعوب، تماماً كما فعلوا في فيتنام وكوسوفو والصومال وحتى إيران... إذ أن الاستراتيجية السياسية والعسكرية قد بُنيت لديهم على أساس أنهم جزيرة معزولة مكتفية بذاتها تستطيع أن تمدّ يدها انتقائياً واختيارياً على المستوى العسكري، ولا داعي لفهم الناس والأرض والتاريخ إذ ان العقدة المركزية تجعلهم- كما يريدون تعميم نموذجهم السياسي على المنطقة بما فيها دستورهم(كما يقول المحافظون الجدد)- لا يلتفتون إلا إلى ضرورة أن يفهمهم الآخرون لا أن تكون العلاقة متبادلة للفهم.
    القدوم الأمريكي خرّب كل المعادلات(الجيواستراتيجية). فجأة أصبح على (الجيوسياسة) أن يحتوي الجيواستراتيجية بما لا يمكن إلا أن يكون كمن يسير على رأسه أو كمن يريد أن يحمل الوليد أمه ي أحشائه أو أن تكون علاقة التضمّن مقلوبة، بحيث يكون الصغير يحتوي الكبير أو الجزء يحتوي الكل.
    منطق غير مقبول، ولا تستطيع سياسة القوة أن تفرضه أو أن تجعله واقعاً قابلاً للحياة طويلاً. هو أقرب إلى منطق(سرير بروكست)؛ قاطع الطريق الذي كان يأتي بضحاياه ويمدّهم على السرير؛ فإذا كانت أطوالهم أطول من السرير كان عليهم أن يواجهوا قص أقدامهم لتطابق(المرجع:السرير)، وإذا كانت أقصر كان عليهم أن يواجهوا عملية شدّ الأقدام. ونحن هنا لا نطرح أمنيات أم نسجل الوقائع التي تعرف في علم السياسة.
    عندما أتى الأمريكيون إلى المنطقة أحدثوا اختلالاً في المعادلة الجيواستراتيجية، أرادوا أن يحلوا ثقلهم ككبار في المنطقة وإلغاء كل(الكبار) الإقليميين. كانت النتيجة أنهم يمارسون جيوسياسة في صيغة جيواستراتيجيا.
    لا يمكن إلغاء الكبار إقليمياً لأن الجغرافيا والبشر لا يمكن إلغاؤهم. وغياب الكبار يفسح في المجال أمام الصغار كي يأخذوا مكانهم وهو أمر يستدعي وقفة عاجلة وخاصة.

    · طريقا التغيير في الأنظمة والأوضاع الإقليمية والدولية
    تطرح الجغرافيا السياسية الجديدة والمختلة في المنطقة قضية التغيير والاصلاح ، حيث تبلغ الوقائع السياسية في العالم أو في منطقة ما أو في دولة ما وضعاً تصبح فيها شبكة العلاقات الساكنة فيها أقرب إلى التعفّن أو الاجترار السياسي إلى الحد الذي يستوجب التغيير لتحريك المستنقع الساكن، أو بسبب من عدم قدرة المنظومة على أن تستمر بتلك العلاقات التي تصبح عقبة واقعية وايبستمولوجية معاً تمنع التقدّم.
    فإما أن يأتي التغيير إرادة أو أن يأتي عنوة، إما أن يُختار أو تحدث وقائع انفجارية(ثورية) تحدثه قسراً ويكون وقودها، أعني الأخيرة، الناس والحجارة، كما جهنم!.
    فرنسا قبيل الثورة الفرنسية كانت أمام استحقاق التغيير الذي أتى ثورياً ونقل معه مناخ التغيير القسري إلى الآخرين فالتهبت أوروبا بعد أن صدّرت فرنسا مناخها عبر نابليون بونابرت، وهذا كان طريقاً للتغيير بالدراما والتراجيديا استمر حتى الحربين العالميتين بمحصلة تجاوزت500 مليون ضحية خلال قرنين.
    طريق آخر للتغيير هو التغيير البطيء بدون دراما وتراجيديا مثلته الدول الاسكندينافية التي تغيّرت بطرق سلمية(على الأغلب) وكانت حالتها الأمثل في السويد على سبيل المثال.
    جاء التغيير بطيئاً ولم تدفع الشعوب ثمن التغييرات الثورية، لكنها بالتأكيد كانت تضيق ذرعاً بالمسار البطيء، وهي الآن تجني ثمن ذلك رفاهية، وغياباً عن الواجهة الدولية!.
    ثمن خطير أن تدفع الملايين من الشعوب ثمنه موتاً وفاجعة و تدميراً للبنى التحتية ، فتصبح المدن ممسوحة كما حدث لباريس ولندن وبرلين ولينينغراد... وذلك من أجل التغيير الثوري ومن أجل أن تكون تلك العواصم في واجهة العالم في وقت لم يعفِ فيه غياب السويد عن تلك الواجهة إلا مزيداً من الرفاهية والتقدم البطيء وصولاً إلى حالة هي أقرب للعبث الإنساني من حيث الترف.


    ولكن هل كان لأحد أن يختار؟!
    السؤال يتضمن شقين:
    شق يبدو أنه لا يريد –فعلاً وبصدق- أن يمارس الحكمة بأثر رجعي، أي يريد أن يتمثل التاريخ(أي يهضمه باعتبار أنه خارج حدود السيطرة الذاتية ولا يجوز معه أن يمارس أحدنا الموقف النقدي دون مراعاة الظروف التي هي عملياً لها سياقها).
    وشقّ آخر(قد يبدو إيديولوجياً) يقول بأن الوقائع لا تستشير أحداً لأن التاريخ والجغرافيا عندما يتكلمان ويفرضان الأحداث لا يسألان أحداً... وهي صورة إيديولوجية ظاهراً وهي امتثالية في العمق، لكنها تتحدث بما يمت للنظرية الوظيفية بصلة لا تجعلها إيديولوجية؛ لأن تسمية الوقائع باعتبارها تعمل(هكذا) لا يعني قبولها بالضرورة، لكنه ُيدرج الرأي الذاتي في سياق الموضوع الذي يفرض بتشكيلته البنيوية- الوظيفية نفسه فلا يغدو ذلك الرأي أكثر من تكلم للغةٍ أخرى غير لغة الواقع والتاريخ والجغرافيا... كما السياسة.
    وكي لا يبدو كلامنا طلاسمَ لمن لا بعرف النظرية الوظيفية ولا يفهم أن السياسة في الممارسة التطبيقية هي أقرب ما يمكن لتلك النظرية، نقول إن الوقائع في فرنسا التي كانت موضع غزو وغزو مضاد منذ القرن الرابع الميلادي – على أقل تقدير- وتماسها التنازعي مع بريطانيا بحراً وبراً واستعماراً... لم تكن لتستشير أحداً وكان الانفجار هو الشيء الحتمي... فالحتمي ما قد حصل.
    الحتمي باللغة الإنكليزية أكثر دلالة على الأمر. تأتي المفردة منdetermination وفعلهdetermine أي التعيّن. والتعيّن عند سبينوزا نفي:(ما هو ليس) أي؛ ما حدث هو ليس ما حدث. وكي لا نعقد الأمور نقول ببساطة إن ما حدث ما كان له إلا أن يحدث، ولو كان له غير هذا لحدث غيره، وطالما أنه لم يحدث فهو حتمي.
    والأمر بالأمر يُذكر بالنسبة لدولنا العربية، فمن ليس مُدرجاً في الجغرافيا والتاريخ الصراعيين يستطيع أن يختار طريق(السويد) أما من لاصق إسرائيل وكان في قلب الصراع فلم يكن له إلا طريق نابليون: أعني طريق الصراع، وهو ما يستدعي تغييرات دراماتيكية لا يختارها أصحابها.
    هل هذا ضرب من الإيديولوجيا... ربما؟!.
    رائز(ربما) تلك يأتي من أن النموذجين المصري والأردني قد خالفا القاعدة فهما في تماس مع متغيرات الصراع، ومع ذلك دخل الأول وخرج بعد21 عاماً والثاني بقي خارج الصراع العقلي وقد يرى البعض أنهما يتخذان طريق (السويد في معمعة) الصراع أي أنهما يديران ظهرهما للتاريخ وللجغرافيا... وهذا ما نسمعه -فعلاً -من الكثيرين من الذين يتهمون الرؤى الاستراتيجية التي تأخذ بالاعتبار دور التاريخ والجغرافيا بالإيديولوجيا بمعنى النظريات التي تطبيقها يلوي الواقع.
    الجواب على ذلك يكمن في المسار الفلسطيني تفاوضياً، الذي اختار قادته قاعدة:( فاوض ثم خذ ثم فاوض) وطريق القبول بآلية لا تستخدم الصراع(طبعاً هذا بين الانتفاضتين) العسكري أو الخيار العسكري الصراعي، فماذا كانت النتيجة: بضع أمتار من اللاسيادة، والوجود تحت الأسر، والعودة إلى نقطة الصفر... لأن الطرف الآخر لا يريد السلام ولا تقاسم الإرادات والقبول بالحد الأدنى.
    والمسألة تنعقد في معادلة بسيطة: إذا كان الطرف الثاني إيديولوجياً وصراعياً ولا يريد التعايش ، فهل تستطيع أن تخرج من معادلة الصراع دون الحصول على الحقوق...
    وتتمة المعادلة تكمن في أن مصر حصلت حقوقها القطرية والأردن قبل المساومة والتأجير لسنوات، لكن الفلسطينيين لم يحصلّوا الحد الأدنى و الصراع مفروض عليهم.
    والجواب أيضاً يكمن في التجربة اللبنانية: فالصراع المفروض انعكس على شكل استجابة لطبيعة الجغرافيا والتاريخ والسياسة وكانت نتيجة الحصول على الممكن(الأعلى) من الحقوق.
    عموماً نستطيع القول أن التغيير الذي أرادته مصر أخرجها من لعب دورها الذي يقتضيه وزنها القاري وموقعها المحوري، والأردن ليس له وزن فاعل في المعادلة الإقليمية(وهو لا يستطيع أصلاً غير ذلك وهذا كلام الجغرافيا والتاريخ والوزن البشري والفاعلية السياسية أيضاً). وهذا توصيف للعلاقة بين الاختيارات وبين الضرورات.
    أما ما يتعلق بالتغيير في العالم، فيريده المحافظون الجدد ثورياً على طريقة الثورة المستمرة التروتسكية(ثورة الديمقراطية وتعميق النموذج الأمريكي بغض النظر عن الهويات الأخرى) وهو باختصار(إيديولوجيا) تريد أن تسلك طريق نابليون على العالم بأسره دون اعتبارات التاريخ والجغرافيا... فقد تنجح في ذلك المكان لكنها بالتأكيد- لن تنجح في كل الأماكن.
    المسألة نفسها تنطبق على تغيير الأوضاع الداخلية في الأنظمة والدول: صحيح أن طريق(السويد: التدريج) هو للأمن لكن طريق(نابليون الثوري) قد يكون الأكثر ضرورية إذا ما كان الزمان لا يسمح، فسيف الزمان وحماقة الآخرين تستلزم أحياناً المغامرة رغم أن الطريق المحسوب هو الأكثر أمناً.. كلاهما يوصل لكن الأول يوصل بشقاء الوقت والناس والثاني يوصل بشقاء المأساة على الناس... ومرة أخرى(ووظيفياً أيضاً) التاريخ والجغرافيا... والسياق لا يستشيران أحداً.
    · قضية الوجود الأمريكي في المنطقة
    القواعد الأمريكية في العالم
    تطرح الجغرافيا السياسية الأمريكية في العالم مسائل تتصل بالقواعد الأمريكية في العالم والوطن العربي أيضاً، وسنتعتمد هنا على البحث الذي قدمه برادلي تايلر الاستاذ في جامعة مينسوتا والمستشار في أهم مركز للدراسات (راند ) في مركز بيغن - السادات حول المصالح الأمريكية والذي يُعتبر من أهم الأبحاث التي تستحق الوقوف عندها لدراسة الأسباب الأخرى التي جعلت الولايات المتحدة تطيح بالنظام العراقي.. وهذه الأسباب ليس من الصعب إدراكها وقد وضعتها الإدارة الأمريكية في الاعتبار بالتأكيد، ولكنها لا ترغب التصريح عنها علانية بسب تأثيرها على الشعب الأمريكي وبلدان محددة مثل المملكة العربية السعودية وإيران والمجتمع الدولي بشكل عام.
    السبب الأول من هذه الأسباب التي لم يتم الإعلان عنها صراحة هو أن سلطة الاحتلال الأمريكية سوف تقيم قواعد عسكرية واستخباراتية على أرض العراق وعندما يتم إنشاء هذه القواعد فإن إقامة حكومة موالية لأمريكا يعتبر أمراً ضرورياً للمحافظة على هذه المنشآت وتقديم التسهيلات اللازمة.
    إن الولايات المتحدة حالياً تستخدم أربع قواعد هي: مطار بغداد الدولي، الطليل جنوب العراق قرب الناصرية، مهبط الطائرات H-1 في المنطقة الغربية، ومطار باشور في المنطقة الكردية.
    وتسمح هذه القواعد للطائرات الأمريكية وطائرات الهيلوكوبتر بدعم جهودها في فرض الاستقرار والأعمال الأخرى بالإضافة إلى التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل ومحاربة المناصرين لصدام حسين الذين مازالوا أحياء وعصابات الشيعة. كما أن هذه القواعد تقدم الدعم الإداري للقوات الأرضية مثل قاعدة "باغرام" في أفغانستان أو معسكر "بوند ستيل" في كوسوفو وتمكّن هذه القوات من إيجاد المأوى المناسب والحماية اللازمة.
    إجمالاً.. سوف تقدم هذه القواعد للولايات المتحدة تواجداً دائماً في أعماق المنطقة التي تستطيع من خلالها إظهار سلطتها وجعل بلادها متماسكة والإبقاء على حدود فترة ما بعد غزو العراق كما كانت في مرحلة ما قبل الحرب.
    ولن تسمح أمريكا للتقسيمات الخاصة بالأكراد و السنة والشيعة بأن تصبح دولاً مستقلة وسيتم إقصاء القوات البعيدة عن المركز بطريقة النبذ وقد طمأن هذا الحكومة التركية إلى أقصى حد حيث أنها تخشى نشوء إقليم كردستاني، ويتوفر بذلك قواعد آمنة لعمليات المنظمات الكردية الإرهابية (حزب العمل الكردي ومجلس الحرية والديمقراطية في كردستان) والذين يساندونهم. وستبقى مناطق العراق الثلاثة سوية" وقد تكون بذلك عائلة غير سعيدة ولكنها على الأقل ستبلي بلاء حسناً.
    ثانياً- سوف تكون هذه القواعد مفيدة –ودائما حسب برادلي- في مجابهة إيران.
    ثالثاً- إن حكومة موالية لأمريكا في العراق سوف تشكل بديلاً كموقع لقواعدها ومصدر آمن للنفط
    في عراق ما بعد صدام حسين أصبحت الأهداف الأمريكية هي: فرض الاستقرار في البلاد، قمع الضغوط العرقية والدينية المنبوذة، وخلق حكومة موالية لأمريكا في بغداد..
    إن قواعد امريكا متوافرة في المنطقة. و لكن حسب الرؤية الاستراتيجية الامريكية ينبغي أن تكون العراق الصخرة التي تستعرض عليها أمريكا قوتها.. ولكن إذا نظرنا إلى كامل المنطقة فسوف نجد تواجداً كبيراً جداً للأمريكيين في منطقة الخليج وحدها.
    فقد تم بناء قاعدة العُديد الحديثة في أواخر عام 2001 لدعم العمليات التي تجري في أفغانستان والخليج. ومن المتوقع أن تحظى القواعد الأمريكية الموجودة في وسط آسيا بأهمية أكبر بالنسبة للولايات المتحدة مثل قواعد "باغرام، قندهار، خوست، لورا، مزار شريف، وبولي قندهار في أفغانستان.. والقواعد الأخرى الموجودة في جورجيا "فازياني"، "فرجستان"، "ماناس"، وطاجكستان وأوزباكستان "قريش-خاندباد".. وأخيراً قاعدة "دييغو غارسيا" التي يسيطر عليها الإنكليز في المحيط الهادي وتعتبرها الولايات المتحدة قاعدة هامة جداً في الصراع لتقديم المساعدات الإدارية.
    وبالإضافة للقواعد الموجودة في جنوب غرب آسيا فإن أوروبا الحديثة تقدم للولايات المتحدة فرصاً هامة مثل قواعد "بويدز وكرزيسني" الجوية في بولندا، وقاعدة "ميهايل كوغالينسينو"، ومنطقة التدريب في "باباداج"، ومرفأ البحر الأسود "كونستانزا" في رومانيا، وفي بلغاريا "بيزمير غراف إغناتيفو"، ومطار "سارافوفو" العسكري، ومناطق التدريب في "نوفو سيلو"، ومرفأي "أجيا وبورغاس". ويمكن وضع قوات في "ليتوانيا" أيضاً. ولهذه القواعد مزايا عديدة هامة:
    أولاً- قربها من مواقع تهديد الأمن المباشر في منطقة الشرق الأوسط.. فهي تقع في منتصف المسافة ما بين برلين وبغداد.
    ثانياً- عدم وجود حاجة لطلب موافقة على العبور في المجال الجوي من بلدان مثل النمسا أو فرنسا التي قد تمنع عبور القوات الأمريكية أو أن تضع قيوداً غير ضرورية على العبور في أراضيها.
    ثالثاً- أن العمليات في هذه القواعد أقل كلفة، والعقبات البيئية أقل تقييداً والتوسع أكثر إمكانية على خلاف القواعد الحالية الموجودة في ألمانيا أو بلجيكا.
    أما القواعد الموجودة في أوروبا الحديثة فستكون ذات أهمية خاصة إذا تحققت رؤية "ورقة النيلوفر" من القواعد العسكرية التي يتبناها "رامسفيلد" وقائد المقاتلين الأوروبيين الجنرال "جيمس جونز" ومن منطلق هذا التصور يوجد القليل من القواعد قيد التشغيل ذات الموقع الاستراتيجي الهام مثل قاعدة "رامستين" الجوية في ألمانيا وهي مزودة بعدد قليل من الكادر العامل. القواعد التي ستعمل مستقبلاً فهي موضع نقاش مع أفراد كادرها الذين تم تكليفهم بالقيام بواجبات مؤقتة. وهؤلاء الأفراد المكلفين بهذه الواجبات لا يتحملون أية أعباء ترتبط بالعائلة أو ما يلزم لدعم حياتها ولا يوجد في هذه القواعد سوى العدد اللازم من الأفراد. بالإضافة للقواعد الرئيسة العاملة والقواعد التي ستعمل مستقبلاً، يوجد في مواقع للعمليات مستقبلاً ومن المحتمل أن يكون مركزها في أفريقيا بشكل أساسي وسيتم استخدامها حصراً من قبل القوات الدورانية الخاصة بمهمات محددة وعن إكمال المهمات فإن الوحدات سوف تغادر وتبقى قوات وكيلة وبهذا يكون الأثر الأمريكي في حدوده الدنيا في المكان.
    من حسن حظ أمريكا كما يرى استراتيجيوها أن قواعدها متوافرة في المنطقة. وينبغي أن تكون العراق الصخرة التي تستعرض عليها أمريكا قوتها.. ولكن إذا نظرنا إلى كامل المنطقة فسوف نجد تواجداً كبيراً جداً للأمريكيين في منطقة الخليج لوحدها. وقد كان واضحاً أن الكويت استضافت العدد الأكبر من القوات الأمريكية في حرب العراق 2003.. وبتكاليف باهظة جداً يقوم الكويتيون ببناء معسكر "أريفجان" وهو يبعد حوالي 40 ميلاً جنوب مدينة الكويت كي يكون بديلاً لمعسكر الدوحة مع عام 2005 ومن المتوقع أن يكون هذا المعسكر القاعدة الأمريكية الرئيسة في الكويت وقد لعب دوراً هاماً في المساعدات الإدارية في عملية تحرير العراق مع أنه كان ما يزال قيد الإنشاء. وحالما ينتهي سوف يستضيف مركز قيادي متقدم وسوف يتسع لإقامة آلاف الجنود. أما في قطر فتتوضع القوات الأمريكية في معسكر السيليه وقاعدة العُديد الجوية ويعتبر معسكر السيليه هاماً لأنه كان مقر القيادة التي تشرف على إدارة المعارك في عملية تحرير العراق.
    وتعتبر قاعدة العُديد هامة أيضاً بسبب قلة القيود التي يفرضها القطريون على استخدامها ولأنها مركز قيادة العمليات الجوية المشتركة، وإدارة القوات الجوية في المنطقة التي كانت سابقاً في قاعدة الأمير سلطان الجوية خارج مدينة الرياض.
    تم بناء قاعدة العُديد الحديثة في أواخر عام 2001 لدعم العمليات التي تجري في أفغانستان والخليج. توجد إدارة الأسطول الأمريكي الخامس في مدينة المنامة في البحرين وقد كانت قاعدة الشيخ عيسى الجوية هامة في الحربين على العراق.. وتستضيف الإمارات العربية المتحدة قاعدة الظفرة الجوية... كما سمحت عُمان للولايات المتحدة بانطلاق قاذفات القنابل B-IB، وطائرات الشحن C-130 والباخرات الحربية AC-130 من قواعدها الجوية في كل من "مسيرة، سيب، ثمرايت". ومن المتوقع أن تحظى القواعد الأمريكية الموجودة في وسط آسيا بأهمية أكبر بالنسبة للولايات المتحدة مثل قواعد "باغرام، قندهار، خوست، لورا، مزار شريف، وبولي قندهار في أفغانستان.. والقواعد الأخرى الموجودة في جورجيا "فازياني"، "فرجستان"، "ماناس"، وطاجكستان وأوزباكستان "قريش-خاندباد".. وأخيراً قاعدة "دييغو غارسيا" التي يسيطر عليها الإنكليز في المحيط الهادي وتعتبرها الولايات المتحدة قاعدة هامة جداً في الصراع لتقديم المساعدات الإدارية.
    وبالإضافة للقواعد الموجودة في جنوب غرب آسيا فإن أوروبا الحديثة تقدم للولايات المتحدة فرصاً هامة مثل قواعد "بويدز وكرزيسني" الجوية في بولندا، وقاعدة "ميهايل كوغالينسينو"، ومنطقة التدريب في "باباداج"، ومرفأ البحر الأسود "كونستانزا" في رومانيا، وفي بلغاريا "بيزمير غراف إغناتيفو"، ومطار "سارافوفو" العسكري، ومناطق التدريب في "نوفو سيلو"، ومرفأي "أجيا وبورغاس". ويمكن وضع قوات في "ليتوانيا" أيضاً. ولهذه القواعد مزايا عديدة هامة:
    أولاً- قربها من مواقع تهديد الأمن المباشر في منطقة الشرق الأوسط.. فهي تقع في منتصف المسافة ما بين برلين وبغداد.
    ثانياً- عدم وجود حاجة لطلب موافقة على العبور في المجال الجوي من بلدان مثل النمسا أو فرنسا التي قد تمنع عبور القوات الأمريكية أو أن تضع قيوداً غير ضرورية على العبور في أراضيها.
    ثالثاً- أن العمليات في هذه القواعد أقل كلفة، والعقبات البيئية أقل تقييداً والتوسع أكثر إمكانية على خلاف القواعد الحالية الموجودة في ألمانيا أو بلجيكا.
    في هذا المناخ نستطيع أن نقول ان الجغرافيا الاستراتيجية ستبقى مختلة إلى ان تحل محل الجغرافيا السياسية
    هذا الوضع الجيوسياسي يطرح أسئلة هامة للغاية في إطار تناول الاستراتيجية الأمريكية في العالم ، تستدعي توقفاً جدّياً.

    جيوبوليتيك الشرق الأوسط الجديد
    الدكتور محمد احمد النابلسي(*)


    (*)رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية


    شكل إحتلال العراق حدثاً مفصلياً في تاريخ المنطقة. فالشرق الأوسط لم يعد بإمكانه إستعادة معادلة توازنه السابقة للحرب. فهذه المعادلة كانت تستند الى ملحقات معاهدة فرساي التي أعقبت الحرب العالمية الأولى. والتي أجرت قائمة من الجراحات الجغرافية الوحشية. ونقول وحشية لأن تقسيمات تلك المعاهدة تسببت في سلسلة طويلة من الحروب بدأت بالحرب العالمية الثانية ( جاءت محاولة إنتقام ألمانية على ظلم فرساي) ولم تنتهي حتى الآن. بل أن هذه التقسيمات تعد بجملة حروب أوروبية وشرق أوسطية جديدة.
    العراق بجغرافيته المعروفة قبل الإحتلال هو جزء من معادلة فرساي وهي نسفت بمجرد إعلان إحتلال العراق. فإعادة النظر في حدود أية دولة في المنطقة تعني إغراقها في فوضى جيو سياسية عارمة. وهذا ما حدث تحديداً بسبب إحتلال العراق. إلا أن مقارنة الشرق الأوسط بأوروبا الشيوعية إفتقدت للحنكة وللمعرفة الكافية بأنثروبولوجية المنطقة. بل ربما جاءت هذه المقارنة بناء على تصميم أميركي مبيت بتجاهل الانثروبولوجيا. فهذا العلم وإن ترعرع في أميركا إلا أنه أصبح يشكل عبئاً على السياسة الأميركية. فالانثروبولوجيا تمنع تذويب الجماعات وصهرها في بوتقة العالم الأميركي الشمولي. بهذا العلم إصطدم فوكوياما في تصوره لنهاية التاريخ. فوجد أن الرغبة بالإعتراف تحرك الحروب وتكمل التاريخ لتحول دون نهايته. من هنا كان تصور فوكوياما لعالم جديد قادم يمكن للهندسة الوراثية فيه أن تذوب كل الفروق الإنسانية وتقضي على التعددية فيه. وعندها فقط يمكن الحديث عن نهاية التاريخ.
    وهكذا فإننا نشك في كون الأخطاء الأميركية في منطقتنا ناجمة عن جهل بثقافتنا وثقافة هذه المنطقة. إذ يبدو أن هنالك تجاهل وليس جهلاً. والتجاهل لا يهدف فقط للإلتفاف على معطيات الواقع بل الى الخلاص من انثروبولوجية المنطقة وتطويعها لإعتناق ديانة السوق الأميركية. خاصة وأن المنطقة نفطية وهدايتها للديانة الأميركية الجديدة ضرورية.
    فهل يمكن تجاهل الانثروبولوجيا وإعتبار السقوط العراقي مقدمة لتهاوي دول الشرق الأوسط على النمط الشرق اوروبي؟. أم أن هنالك عوامل حضارية وإنسانية عصية على التجاهل تمنع مثل هذه المقارنة؟.
    حيث يمثل العراق ، وبغض النظر عن النظام القائم فيه منذ إستقلاله وحتى ما بعد الحرب، دولة مركزية في النسيج الحضاري للمنطقة. وهو نسيج جامع بين اللغة والدين المدعومين بالعتبات المقدسة في العراق. لذلك يمكن القول بخطأ إعتبار الزلزال العراقي زلزالاً تابعاً لزلزال أوروبا الشيوعية. ولتأكيد التباين بين الحالتين لا بد من تحديد التشخيص التفريقي بينهما. وعناصر هذا التشخيص الفوارق التالية:
    1. عجز الولايات المتحدة عن حشد تأييد كاف لثورة داخلية ما على النظام العراقي. كما حدث في دول اوروبا الشرقية. علماً بأن تاريخ العراق زاخر بالثورات وبأن النظام إرتكب خطيئة مراكمة عداواته الداخلية والإقليمية. لذلك فإن حرب العراق لم يكن لها مفعول الدومينو في احداث ثورات سياسية فعلية في المنطقة. لأنها إفتقدت للدينامية الكافية لإسقاط شرعية النظام.
    2. إضطرار الولايات المتحدة لإعلان العراق دولة محتلة عقب فشلها في تخليق قرضاي عراقي. وهذا الإعلان كان كافياً للقضاء على أي أمل بحدوث ثورات سياسية في المنطقة. لأن أي تحرك في هذا الإتجاه أصبح يعتبر دعوة لإحتلال أميركي جديد. الأمر الذي يحرم معارضات المنطقة من أي تعاطف شعبي بسبب شبح إحتلال العراق ومعاناته من هذا الإحتلال.
    3. تتأكد النقطة السابقة بظهور المقاومة العراقية للإحتلال ومن خلال مشاركة مقاتلين من مختلف البلدان العربية القريبة والبعيدة. مما يعكس إستحالة قبول هؤلاء باي نوع من الوجود الأميركي في بلدانهم. وضمناً إستعدادهم لقتال الأميركيين في تلك البلدان.
    4. ما لا يمكن تجاهله هو أن حرب العراق قد أحدثت إنقلاباً جيو - سياسياً في الشرق الاوسط. فقد تم إحتلال دولة عربية من قبل قوة خارجية وذلك للمرة الاولى منذ نيل دول المنطقة استقلالها. لكن دول المنطقة لم تتساقط كالدومينو الشرق اوروبي وهي واقعة واجبة الملاحظة أيضاً.
    5. إن إكمال الإنقلاب الجيوسياسي الأميركي الباديء في العراق يحتاج الى تدخل أميركي مباشر. وهذا التدخل غير متاح عسكرياً ومؤخر الى ما بعد الانتخابات الأميركية مخابراتياً. فالمخابرات الأميركية تحتاج الى صك غفران من فترة 11 سبتمير وما بعدها كي يمكنها التحرك بصورة فاعلة في المنطقة. عداك عن حاجات الإصلاح في الجهاز وتمويله.
    6. لم يكن لدول الجوار العراقي دور يذكر في الحرب على العراق. أو أن دورها أعيق بتهديدات اميركية موزعة بالتناوب على هذه الدول. وذلك بحيث يفسر الأميركيون أي تحرك من قبل هذه الدول على انه عائق امام التقدم السريع لخطط الحرب الاميركية.
    7. لقد إستتبع إحتلال العراق مشاركة مقاومين عرب لتحريره. وهذه المشاركة توضح فارقاً أساسياً بين منطقتنا وشرق وبما ان الوضع الجيو - سياسي وقواعد اللعبة قد تغيرت بشكل عام فإن على الابحاث الاكاديمية السياسية ان تغير هي ايضاً مقارباتها ومواضيعها. فماذا عن منهجية المقاربات الجديدة للأوضاع في المنطقة ؟.
    بداية فان الولايات المتحدة أعلنت أنها لن تغادر العراق في وقت قريب بغض النظر عن حجم المعارضة لوجودها العسكري فيه. فاذا ما إضطر الأميركيون للمغادرة لسبب أو لآخر (والأسباب كثيرة وغامضة بغموض تراث المنطقة) فإن علينا توقع هزات كبيرة في المنطقة.حيث سيسود مبدأ "الحماية الذاتية" بين دول المنطقة وجماعاتها بحيث ينخرط في هذه السياسة الحمائية كافة الأفرقاء. وهذه السياسة يمكنها تفجير مفاجآت غير متصورة في الرؤية الجيوسياسية الراهنة. وتبدأ المفاجآت بالاكراد مطالبين بدولة مستقلة جغرافياً عن الأرض العراقية وطامعة بأراض من الجوار العراقي. مع محاولة ايرانية لملء الفراغ الإستراتيجي الناجم عن الانسحاب الاميركي في مقابل تحرك تركي معاكس. ومحاولة اسرائيلية للتكيف مع الوضع المستجد بتقديم تنازلات في الأراضي المحتلة كي تتفرغ للتحرك في المنطقة عندما يستدعي الأمر ذلك لتنفيذ تعليمات اميركية محددة وقس عليه.
    أاما في حال نجاح الأميركيين بالبقاء في المنطقة فعلينا ان نتساءل عن العواقب القصيرة والمتوسطة الامد لهذا الوجود الاميركي. الذي يجعل من القوة العسكرية الاميركية الاقوى في المنطقة ليس جواً وحسب وانما على الارض ايضاً. وبالتالي تصبح حسابات الموازين العسكرية التقليدية في الشرق الاوسط (كالحسابات التفصيلية الصغيرة مثل تخيل الايرانيين في مواجهة المقاتلات السعودية, او السوريين في مواجهة الدبابات الاسرائيلية), مجرد حسابات تخطاها الزمن.أقله لجهة كونها عوامل مفسرة للعواقب السياسية. وقد يتحول إهتمام الأفرقاء الاقليميين بإتجاه الانخراط في اللعبة السياسية ، التي يقودها المايسترو الأميركي, اكثر بكثير من إهتمامهم في تدعيم ترسانتهم العسكرية. وذلك بحيث يتوقف سباق التسلح في المنطقة ليستبدل بسباق دبلوماسي من أجل الحصول على مكان ودور في اللعبة السياسية الاميركية في المنطقة. وهكذا فإنه ولفهم الحقائق الجيوسياسية وتحدياتها في الشرق الاوسط ، بعد الحرب على العراق , لا بد للابحاث الاكاديمية السياسية من ان تنظر في امور ثلاثة هي:
    1. السياسات القوية اقليمياً.
    2. المؤسسات الاقليمية.
    3. القوى الخارجية والانماط الاقليمية.
    في ما يلي سنحاول ان استعراض كل نقطة على حدة وتحديد ما يبدو منها إشكالياً بحيث لا يمكن التغاضي عنه.
    في ظل غيـابقــوة إقليمية:

    بالنظر إلى التقسيم الهيكلي للسلطة في النظام الاقليمي, فإن سيطرة أميركا على المنطقة ستؤدي في المستقبل المنظور الى منع ظهور أو بقاء اي طرف مهيمن اقليمياً او مناطقياً. فالدول القوية المحتملة ستفكر في الإنخراط في وضعية الوجود الاميركي بدلاً منأدائها دور شرطي واشنطن في المنطقة. اما الدول الاصغر والاضعف فهي سوف تستغل الفرصة للتعامل مع الولايات المتحدة مباشرة. وربما على قدم المساواة مع القوى الوسطى في المنطقة. ففي العقود الماضية, كانت الدول الاصغر تفكر ملياً في رغبات القوى الاقليمية واعتباراتها قبل اتخاذ اية خطوة مهمة في السياسة المحلية او الخارجية.
    مثال ذلك المقدمات التي تتمثل بخطوات مثل اعلان حاكم البحرين نفسه ملكاً, او اتخاذ سلطان عمان قراراً باقامة انتخابات عامة, او انشاء دبي منطقة "اعلام حرة" حيث يمكن للمستثمرين أياً كانوا ان يتمتعوا بالحرية الاعلامية..الخ. فكل هذه الخطوات ما كانت لتتحقق لو أُخذت في الاعتبار الحساسيات الاقليمية مجتمعة. إذ أن هذه الدول الصغيرة باتت تنظر الى رد فعل واشنطن وليس الى اي عاصمة اقليمية قبل الاقدام على اي خطوة. وهذا يبرر إهتمام القيادات الاقليمية بأن تراقب عن كثب تطورات السياسية الداخلية للدول المجاورة.
    والامر سيان بالنسبة الى مصر التي يبدو دورها يتضاءل اكثر فأكثر. فالقاهرة لن تضطلع بأي دور ريادي في امور الخليج الامنية مثلاً. وهي تفضل عوضاً عن ذلك ان تكون مفيدة في جوارها القريب. أن اي ان تكون وسيطاً بين الاسرائيليين والفلسطينيين او حتى بين الفصائل الفلسطينية المختلفة. كما يمكن لمصر أن تلعب دوراً رئيساً في المغرب العربي عبر ما يسمى بالشرق الأوسط العظيم. اما عن التأثير السوري في المنطقة ،وفي لبنان تحديداً، فهو تعرض لتحديات تشبه تحديات البحرين والإمارات وقطر للسعودية. مثال ذلك تنامي الدعوة للخروج السوري من لبنان. وتشجيع الولايات المتحدة لتلك الدعوة عبر قانون مراجعة سوريا (وليس محاسبتها) وعبر قائمة من السياسيين اللبنانيين المرتبطين بالسياسة الاميركية او المراهنين عليها. وهؤلاء يعتبرون أن السيطرة السورية على لبنان, مسألة وقت لا اكثر, وذلك بسبب الضغوط الاميركية والفرنسية من جهة, ولإعتبارهم أن الاسباب التي تضفي شرعية للوجود السوري في لبنان كالحرب الاهلية والمواجهة مع اسرائيل, لم تعد مقبولة محلياً ودولياً. لكن هؤلاء يهملون خلفية المشهد السياسي الأميركي. ومن مناظره رفض وزير الخارجية باول استقبال ميشال عون رغم الحاحه. وأيضاً إدلاء عون بشهادته في غرفة خلفية في الكونغرس بما ينتقص من اهمية شهادته. فالولايات المتحدة تريد مساومة سوريا على الورقة اللبنانية لكنها لاتريد اسقاط هذه الورقة التي قد تضطر اميركا للعبها في حال خروجها من المنطقة.
    واذا إستمر غياب عنصر الهيمنة الاقليمية والمحلية, سيتوجب على الباحث الاكاديمي السياسي ان يسأل عن نتائج التعاون الاقليمي في ظل التبعات السلبية التي يتركها السعي الى الهمينة على التعاون السياسي والاقتصادي في المنطقة. وهذا السعي ليس المسؤول الوحيد عن فشل محاولات عدة لمأسسة العلاقات العربية وتأطير التعاون الاقتصادي, لكنه من دون شك عنصر مهم جداً في هذا الفشل.
    توجّهـات مؤسساتيــة جديــدة

    في ظل السعي للهيمنة الإقليمية بدت جامعة الدول العربية غير معنّية بالاحداث الجارية, وعلى رغم ذلك, بقيت على قيد الحياة. ثم أتت الحرب على العراق ، والفترة اللاحقة للحرب , لتقلّصا أكثر فأكثر شرعية الجامعة والاهمية التي توليها لها الدول الاعضاء. حتى باتت إستمراريتها جزءاً من الفولكلور السياسي العربي. وكان من الطبيعي أن يعزز عجز الجامعة توقعات ظهور مؤسسات اقليمية جديدة. بحيث يتجلّى لنا جيداً انبعاث منظمات اقليمية جديدة أو منظمات فرعية ينحصر هدفها في المصلحة المشتركة العملانية بدلاً من القومية وتضع نصب عينيها أهدافاً تقتصر على المكان والفعالية والوقت بدلاً من "المهمة الابدية العقائدية " التي أصبحت جالبة للتهم وللسخرية الأميركية. لكنها كسبت مواقع جديدة تتعزز بتنامي العداء الاميركي للمنطقة وردود فعلها على هذا العداء.
    هذا ويمثل جيران العراق مثالاً على ذلك, فقد قام ممثلوهم الذين يضمون الدول العربية وغير العربية (ايران وتركيا) المحاذية للعراق, اضافة الى مصر, بالجلوس الى الطاولة مرات عدة ناشدين هدفاً محدوداً لكن محسوساً. وهو التباحث في مسألة تنسيق السياسات في ما يتعلق بالحرب الدائرة في العراق أولاً. ولاحقاً بنتائجها الاقليمية ووضع العراق الجديد في ظل الاحتلال الاميركي. وهنا يظهر سؤال واحد ينبغي عرضه على بساط البحث, وهو احتمال أن يتطوّر تجمع مماثل ليصبح نواة بنية فرعية أكثر استمرارية تابعة لمنظمة اقليمية للامن والتعاون على غرار لجنة الامن والتعاون في اوروبا/ ومنظمة الامن والتعاون الاوروبية مع احتمال مشاركة الفاعلين الدوليين الذين يشكلون رباعية الشرق الاوسط ( الولايات المتحدة, الاتحاد الاوروبي, روسيا, الامم المتحدة).
    كما أنه من المرجّح أن تطرأ تغيرات ايضاً تمسّ مجلس التعاون الخليجي, فاليمن والعراق يدقّان ابوابه, بل أهم من ذلك أنّه ينبغي اعادة النظر في هذه المنظمة التي هدفت اساساً الى تعزيز النظام الملكي الخليجي ضد التهديدات التي تشكلها ايران والعراق. والتي فقدت مبرر وجودها بعد احتلال العراق واحتواء ايران بتواجد اميركي على حدودها. كما أنّ تجمّعاً فرعياً توحّده المصالح المشتركة قد يتشكّل من تلك الدول العربية التي تتشارك مصالح رئيسة في الصراع العربي - الاسرائيلي وهذا مثال آخر. حالياً, تتشكّل نواتان لمثل هذا التجمع هما:
    أولاً: ما يسمّى باللجنة التابعة لجامعة الدول العربية (التي تتألف بشكل رئيسي من مصر والمغرب والسعودية وسورية) التي أبصرت النور لمتابعة تطبيق خطة السلام العربية التي تم اعتمادها في القمة العربية التي عقدت في بيروت عام 2002. والتي يمكن تطويرها للسعي من أجل تحديث هيكلية الجامعة وتطويرها.
    ثانياً: مجموعة الدول التي اختارتها الولايات المتحدة (مصر, الاردن, المغرب, السعودية, البحرين, السلطة الفلسطينية) وقد اجتمع ممثلوها بالرئيس الاميركي جورج بوش في قمة شرم الشيخ التي عقدت في حزيران (يوينو) 2003.
    هذا ولا يعتقد أن تفضيَ حداثة اطر العمل هذه الى شيء افضل مّما يوجد أصلاً. وفي الواقع, ينبغي أن يركّز البحث في توجيه السياسة الى الفرص والعوائق التي تقف امام هذه التجمعات وتحول دون تطوّرها الى عناصر راسخة لهيكليةأمنية اقليمية وأداة تسهم في الوقاية من الازمات وحلّها, والى صلة وصل بين القوى العالمية المحرّكة كما الى تطوير المؤسسات الاقليمية. وهنا يأتي تدخل القوى الخارجية لإبقاء كل مشاريع منظمات التعاون الإقليمي تحت السيطرة الخارجية والأميركية تحديداً.
    القوى الخارجيـــة والهندســـات الاقليميــــة

    على صعيد النقاش حول السياسة الدولية في اعقاب الحرب على العراق, بات هناك حديث واسع حول "اعادة صنع" و"اعادة تشكيل" و"اعادة تنظيم" الشرق الاوسط". هذه هي الحال على رغم مصاعب الولايات المتحدة وحلفائها في العراق. و هذا النقاش يشمل المطالبة بدمقرطة "الشرق الاوسط الكبير" وهو ضمن اجندتي دوائر المحافظين الجدد والليبراليين الاميركيين, ويراها الفريق الاول أميركية فيما يعتبرها الثاني أطلسية.
    على الاكاديميين ان يسألوا على الأقل, كيف يصل مثل هذا النمط الى المنطقة؟. اي ما هي الاشارات التي يتلقاها اللاعبون الاجتماعيون في المنطقة من خلال هذا النقاش؟ وما هي ردود الفعل التي ينتجها (النقاش) في المجتمعات الشرق اوسطية؟.
    وعلى رغم هذا يبدو ان هناك مفارقة مهمة بين الاصرار على هذا النقاش والحاجة الى "فرض النظام" في المنطقة, والنقص في الافكار حول الادوات المناسبة او الاساليب (المقاربات) الجديدة والعملية من اجل المضي قدماً في تنفيذ مثل هذه الاهداف.
    وتبدو المادة السهلة في استراتيجية الادارة الاميركية في الشرق الاوسط متمثلة ، لغاية الآن ، بمجموعة مبادرات خلبية هوامية كمثل ما يسمى بمبادرة الشراكة في الشرق الاوسط. التي أعلنها باول وخصص لها مبلغاً كوميدياً هو 29 مليون دولار. والتي تبدو وكأنها نسخة من مشروع برشلونة بقيادة الاتحاد الاوروبي او الشراكة الاوروبية - الشرق اوسطية, ولكن مع امتداد جغرافي اوسع وموارد مالية أقل. ولقد تكرست هذه السعة الجغرافية بإعلان بوش عن مشروع " الشرق الأوسط العظيم " الممتد من المغرب وحتى باكستان بعضوية إسرائيلية ناجزة.
    هذا ويشير الإستقراء التاريخي الى ان اللاعبين الاقليميين سيبقون جاهزين لتهميش مشاريع وتصاميم كبيرة يخطط لها لاعبون خارج المنطقة.
    ويعود السبب في ذلك الى ان اللاعبين الاقليميين, بغض النظر عن ميولهم في السياسة الخارجية او اعتمادهم على قوى خارجية, يمنحون مصالحهم اهمية اكبر من مسائل النظام العالمي الذي يتجاهل تقليدياً هذه المصالح. خاصة وأن اللاعبين الإقليميين مجهزون ايضاً لتحمّل خسائر اكبر من اللاعبين الخارجيين من اجل الدفاع عن مصالحهم المركزة اقليمياً.
    ووفقاً للمنطق ذاته, قد تعطي التطورات في مرحلة ما بعد الحرب في العراق دليلاً جديداً الى ما شدد عليه ليونارد بايندر في مقال نشر قبل 45 عاماً, وهو ان القوة المفروضة على منطقة من الخارج سـوف "تُحطم" من جانب ديناميكية النظام شبه الاقليمي.
    وفي عبارات اخرى, لا يُمكن تأكيد السيطرة في النظام العالمي عندما يتعلق الامر بمسألة النظام الاقليمي. وحتى القوة العسكرية المتفوقة, كما هي الحال في العراق, قد لا تترجم الى قوة في منطق ويبيري (ماكس ويبير), اي الى القدرة على حمل الارادة على التفوق حتى على المقاومة. ولقد درس الكثير من الباحثين ،بالنسبة الى الشرق الاوسط، الكيفية التي يهزم فيها لاعبون اقليميون تصاميم قوى خارجية داخل نظامهم الخاص.
    ولقد فسر باحثون اكاديميون مثل ل. كارل براون وغيره ،اثناء الحرب الباردة، هذه الظاهرة بالاعتماد على قدرة اللاعبين الاقليميين على ابعاد القوى الخارجية عبر زجها في صراعات مع بعضها بعضاً وسحبها نحو صراعات اقليمية مخالفة لمصالحها. وفيما الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة لن يمنحا اللاعبين الاقليميين فرصاً عدة لابعادهما. فهؤلاء سيحاولون على الارجح جر أي من هذين اللاعبين الى الاصطفاف الى جانبهم في صراعات اقليمية او محلية في مواجهة قوى اخرى (روسيا واليابان او قوى في العالم الثالث مثل الصين والهند). وقد تتوافر مثل هذه الفرص في اطار ما يسمى بالحرب العالمية على الارهاب. وبذلك يمكن للحرب على الإرهاب ان تتحول الى فخ غير محسوب للولايات المتحدة. التي إخترعت هذه الحرب بهدف التوظيف الاستراتيجي لتغطية طموحاتها الاستراتيجية وتوريتها خلف ستار الدفاع عن الأمت الأميركي وعن امن العالم ضد الإرهاب.
    وعدا عن درس الآلية التي ستُقاوم بموجبها او تُهمش, محلياً واقليمياً, التصاميم الدولية للشرق الاوسط, فإن على الابحاث السياسية الأميركية ان تركزعلى فرص ووسائل تدخلات بناءة لقوى العالم الثالث, سواء كان ذلك في الصراع العربي - الاسرائيلي أم في صراعات داخلية مثل تلك في السودان والجزائر, او على صعيد اقليمي في مسائل الحد من التسلح والانظمة الامنية. ولن يركز مثل هذا البحث في التعاون فقط, ولكن سيتم باسلوب متعاون ليشمل باحثين شرق اوسطيين واوروبيين واميركيين. وستشمل الاهلية المكتسبة باتباع هذا الاسلوب الجانب العلمي الى جانب السياسات. إلا أن تجربة تقارير التنمية البشرية لا تبشر بنجاح مثل هذا التعاون الأكاديمي المختلط ( يسميه الأميركيون عادة بدبلوماسية الأبواب الخلفية). فصحيح أن هذه التقارير أعطت النموذج للمشاريع الخارجية للمنطقة ( العظيم الأميركي والإصلاح الأوروبي ) إلا أنها لم تثبت فعاليتها. فالمقاومة العراقية مثالاً تتدعم بمقاومة عربية لتبين أن عوامل مياه الشرب والانترنت وحتى الحريات الاعلامية والشخصية ليست موضع أولوية لدى شعوب المنطقة. فهذه الشعوب تقدم كرامتها القومية وعوامل الإعتراف الهيغلي على كل نصائح تقارير التنمية البشرية. وهذا ينفي صلاحية هذه التقارير للاعتماد كنواة لإطلاق مشاريع مقبولة من شعوب المنطقة. وهي تثبت بأشكال عديدة رفضها إستبدال الإعتراف بسعادة مياه الشرب. خاصة وأنها تدرك أنها ليست فقيرة بل هي تعرضت على مدى عقود لسياسة إفقار منظمة. وبالتالي فإن الحل لا يكون بتبرعات أميركية وإنما باطلاق حرية استثمار ثروات المنطقة بدون تقنين الإفقار الأميركي. وهذه عوامل واجبة التركيز الإعلامي عليها. في مواجهة افستعراضات الإعلامية للتبرعات الأميركية الواردة الى المنطقة ببخل شديد تحت شعارات المؤسسات الأميركية للتنمية. وهي مجرد فروع مخابراتية.
    السيكولوجيــا السياسيـــة لثورة جيوسياسيـــة

    وأخيراً, سيكون على البحث السياسي في شؤون المنطقة ان ينظر في الروابط بين التغيير الجيوسياسي والديناميكية الاجتماعية, وخصوصاً يجب درس وتمحيص التأثيرات النفسية والسياسية للحرب على العراق.
    وعلى صعيد عالمي, يمكن مقارنة سقوط النظام السابق في بغداد بانهيار جدار برلين وذلك فقط لجهة الفوضى الجيو سياسية المتخلفة عن الحدثين. لكن هذه المقارنة تسقط على الصعد الأخرى حيث توجد فوارق بنيوية بين الحالتين يمكن إيجازها باللغة المفهومة من الغرب بالعوامل التالية:
    1. بين الثـورة والإحتــلال: يكمن أحد الفوارق الرئيسية بين الحالتين في ان جدار برلين والانظمة الشيوعية في وسط اوروبا وشرقها اسقطها الناس في تلك البلاد عبر ما يمكن تسميتها بثورة شعبية مصطنعة أميركياً. في حين تخلص جيش اجنبي (قوات التحالف) من تماثيل صدام حسين ونظامه.
    2. التجانـس الانثـروبولوجي: لايمكن بحال إهمال تحرك المقاتلين العرب للموت دفاعاً عن العراق والمشاركة في المقاومة العراقية في للإحتلال الأميركي لأرضه. وهو تحرك لا رديف له في حالة اوروبا الشرقية لإختلاف الأعراق واللغات والثقافات بين دول اوروبا الشرقية.
    3. الإمتداد الثقــافي: وأول وجوهه العتبات المقدسة لدى المسلمين ،الشيعة خاصة، وإنتماء النظام السابق لايديولوجية يسارية قومية. إضافة للشراكة الثقافية والحضارية التاريخية بين العراق وجواره.
    4. عامل التفجـير العــراقي: تعود تقسيمات المنطقة الجغرافية الى معاهدة فرساي وملحقاتها. وتفجير التناقضات العراقية يستتبع تفجير التناقضات في دول الجوار. ولعل الموضوع الكردي أبرز هذه التناقضات. حيث وعد قيام الدولة الكردية يتردد من أيام بلفور عام 1917 لغاية بوش 2003 دون قابلية للتنفيذ. بسبب مساسه بمصالح دول المنطقة مجتمعة. وإهمال بوش لهذا العامل أفقده الصداقة المزمنة للجنرالات الأتراك الذين عارضوا الحرب العراقية ولا يزالون يعارضون عقابيلها.
    ولم يتضح الى الآن ماذا ستعني هذه الفروقات بالنسبة الى الثقافة السياسية والنفسية في العراق خصوصاً والدول العربية عموماً. ولكن, من الواضح ان تأثيره سيكون عميقاً وصاعق المفاجأة. حيث تخيل سقوط المهمة الأبدية العقائدية مع سقوط النظام هي فرضية أثبت النموذج العراقي خطأها. حيث لوحظ تنامي المقاومة العراقية وتصاعدها بعد اعتقال صدام وليس العكس. ويمكن القول بأن فئات عراقية عديدة تحفظت على المشاركة في المقاومة بوجود صدام وزال تحفظها بعده. وبذلك بدأ الاميركيون يدركون بأن الأنظمة العربية الراهنة هي أقل تشدداً بما لا يقاس من الأنظمة البديلة المحتملة. وهو إدراك يزداد وطأة مع الفشل في إيجاد قرضاي عراقي أو عربي عموماً.
    الصـقور في الـورطــة العراقـــية
    قال الرئيس نيكسون يوماً: " ... على أعدائنا أن يدركوا أننا نصبح حمقى حين تضرب مصالحنا وعندها سيرتعد العالم خوفاً منا... ". وإدعاء الحمق هذا لم يكن من اختراع نيكسون وان كان له أسبقية الإعلان عنه. فقد إدعى الحمق قبله كينيدي وتطرف في هذا الإدعاء.
    ومشكلة بوش وصقوره هي أنهم تجاوزوا حد إدعاء الحمق الى ممارسته بصورة فعلية. فهم ألغوا التاريخ عندما رفض الإنتهاء وباتوا لا يعيرونه أي إهتمام. وبذلك سقطت عندهم كل نظريات الإستقراء التاريخي والإستنارة بالتجارب والسوابق التاريخية. وهم يتجاهلون أن دستور اميركا وقوانينه تقوم على مبدأ السابقة. وهذا يعبر عن إمتداد أذى الحمق الى بنية النظام الأميركي نفسه. فالجمهور الأميركي يمكنه أن يخاف ويروع لكنه غير مستعد للتضحية برخائه ولتقديم الضحايا البشرية التي تتطلبها حماقات الصقور. كما أن هذا الجمهور يحسن التحرك المنتظم في داخل بلاده. مثال ذلك اضراب عمال الموانيء الاميركية في نوفمبر 2002 الذي كلف الخزينة ملياري دولار يومياً والأمثلة كثيرة وخارجة عن سيطرة وزارة بوش للأمن. وعليه فإن الجمهور الأميركي قد لا يبالي بإنتهاكات ادارته للقوانين الدولية لكنه لا يسمح لها بجنون داخلي. يكفي أن بوش وصل الى الحكم من خلال إنتخابات مشكوك بصدقيتها. ويكفي أنه خلق حالياً الأجواء الضامنة لفوزه بفترة جديدة مستغلاً كل الثغرات في النظام الأميركي الفاسد. أما أن يصل الأمر الى حدود العبث بمدخرات ورخاء المواطن الأميركي فإن الأمر لن يكون تحت السيطرة. وبقراءة متعجلة لتاريخ الإضطرابات الداخلية الأميركية نجد أنها ألحقت أضرارا مميتة بالنظام الأميركي تفوق كل ما ألحقته به كل القوى الخارجية بما فيها الإتحاد السوفياتي السابق.
    هكذا يمكننا مقاربة الحمق الأميركي الراهن الملامس للجنون. إذ تعتقد الإدارة بسيطرتها على الداخل من خلال تخويفه من عمليات إرهابية محتملة. أو ربما عبر الكشف عن عمليات نفذت فعلاً وأنكرتها الإدارة في حينه. وهذه السيطرة تبرر لمجانين الإدارة جنونهم ولا مبالاتهم بكل التهديدات الخارجية المحتملة. بما يجعلهم يؤكدون أن سوابق إسقاط اللاعبين الإقليميين لحلف بغداد مثلاً غير قابلة للتكرار. حيث الجنون والصدمة والترويع وشجاعة الرئيس بوش تحول دون تكرار هذا الفشل.
    الآن ليس المهم قياس مستوى حماقة الادارة وتحديها للمنطق التاريخي السليم. وليس من المهم أيضاً التاكيد على كارثية ممارسة الحمق هذه. فالمهم هو إدراك واقعة أننا نتعامل مع عالم مجانين. وأن مقاربة المجنون تستدعي سلوكاً خاصاً لإحتواء أذيته المحتملة. وهنا تجب مراجعة اسلوب الطب النفسي في التعامل مع المجنون المهتاج.


    WWW





    ********************

    من أقوال الاستاذ الكبير سيد قطب :-

    ( ان ‏كتابات المكافحين الأحرار لا تذهب كلها سدى , لأنها توقظ النائمين , وتثير الهامدين , وتؤلف ‏تيارا شعبيا يتجه الى وجهة معينة , وان لم تكن بعد متبلورة , ولا واضحة , ولكن شيئا ما كان ‏يتم تحت تأثير تلك الأقلام ) ,

    ( ولكن بشرط واحد: أن يموتوا هم لتعيش أفكارهم ، أن يطعموا ‏أفكارهم من لحومهم ودمائهم ، أن يقولوا ما يعتقدون انه حق ، ويقدموا دماءهم فداء لكلمة الحق ‏، إن أفكارنا وكلماتنا تظل جثثا هامدة ، حتى إذا متنا في سبيلها او غذيناها بالدماء ، انتفضت ‏حية ، وعاشت بين الإحياء )
يعمل...
X