إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

سعيد يقطين: الإحماض الرقمي

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • سعيد يقطين: الإحماض الرقمي

    الإحماض الرقمي

    سعيد يقطين

    Jan 04, 2017
    ارتبط الجد بالهزل في الثقافة العربية. والتعب في التحصيل بالإحماض. وظهرت مصنفات كثيرة تركها أصحابها خالصة لما كانوا يدونونه متصلا بالهزل ليكون راحة من التعب، ليعود بعدها طالب العلم إلى الجد مرة أخرى بنشاط وحيوية.
    ومن أحسن من عبر عن العلاقة بين الجد والهزل في الكتابات العربية، ما سطره الجاحظ على لسان من طلب منه تصنيف كتاب عن البخلاء بقوله: «اذكر لي نوادر البخلاء واحتجاج الأشحاء؛ وما يجوز من ذلك في باب الهزل، وما يجوز منه في باب الجد، لأجعل الهزل مستراحا والراحة جماما، فإن للجد كدا يمنع من معاودته، ولا بد لمن التمس نفعه من مراجعته». من بين الصفات التي تلصق بالكلام في اللغة العربية: الحلاوة، والملوحة والحموضة. وفي اتصال الكلام بالطعام ومذاقاته، ندرك الصلة بينهما. وكما لا يمكن للطعام أن يكون على مذاق واحد، أمكن ذلك للكلام، فتكون لحلاوته طلاوة، ولملوحته لذاذة، ولحموضته طراوة.
    يقال: أحمض الطعامَ، جعله حامضا، وأحمض القومُ إذا أفاضوا فيما يؤنسهم من الحديث والكلام، لذلك كان الإحماض، بين الفينة والأخرى، من ضروريات الحياة للمشتغل بالعلم والثقافة، لكي يتمكن من الرجوع إلى عمله بهمة. وفي كل زمان يتم خلق الوسائل المناسبة للإحماض. ومع الوسائط المتفاعلة، صار بإمكاننا الحديث عن «الإحماض الرقمي» الذي يتحقق من خلال تبادل المستعملين للفضاء الشبكي التهاني بمناسبات الأعياد الدينية وغيرها، وأعياد الميلاد، وتبادل الدعاءات بالصحة على المريض، أو الترحم على الموتى. هذا إلى جانب تبادل الأدعية، والجمعات المباركة… فخلق بذلك فضاء للتواصل والتفاعل بين الناس. وفي هذا التبادل تستعمل الصور واللوحات الفنية التي تُتناقل لإدخال البهجة وتوزيع الفرحة.
    لكن الأمر لم يتوقف على المناسبات الخاصة، بل صار تداول الصور والفيديوهات ذات الطبيعة الهزلية والمثيرة للضحك، أو للسخرية من بعض الرجالات أو التصرفات، أو بعض الأحداث السياسية من الأنشطة التي يعكف عليها الناس باستمرار، حتى صار يبدو للمتتبع، وكأن هذا الفضاء لم يبق متسعا إلا للإحماض. صحيح لا يشكك المرء في تنوع هذا الفضاء وتعدد ما يتداول فيه من معلومات وأسرار، ومعارف وأفكار، لكن عندما نتأمل جيدا ما يوزع عبر الهواتف الذكية بين الشباب والنساء والرجال نجده بوجه عام يتصل بالإحماض أكثر من غيره من ضروب الجد، أو تبادل المعلومات، تحذيرا وتنبيها، أو توضيحا وتعليقا.
    لا يمكن للمرء إلا أن يُشد انتباهه إلى ما يجري في الساحات العمومية، ووسائل النقل، وحتى في المؤسسات المختلفة، حكومية وشعبية. فالهاتف صار جزءا من أعضاء الإنسان. ويبدو لك أن الكل «متصل» بالفضاء الشبكي. ترى المرء وحده يبتسم أو يضحك، لما يتوصل به، أو يكتشفه فيعمل على تعميمه عبر إشراك الآخرين معه في ما توصل إليه. في كل يوم تصلني من أصدقاء كثيرين صورا وفيديوهات قديمة أو حديثة، تؤرخ للحظة، أو تثير الضحك. ويتم توزيعها لمن نرى أن بإمكانهم مشاركتنا الضحك أو اختطاف بسمة عابرة. ولا يمكنني بناء على ما صار تقاليد نساهم فيها، بوعي أو بدونه، إلا أن أختار ما هو مناسب منها، لأوزعه بدوري على بعض المعارف أو الأصدقاء. وفي أحيان كثيرة، أكون منخرطا في العمل، فأجدني مضطرا لإغلاق صلتي بالفضاء الشبكي، حتى أعود إليه أملا في تحقيق إحماض يؤهلني لاستعادة نشاطي.
    عندما أتوصل بفيديو من أحد الأصدقاء، أتمنى أن يكون فيه أحيانا، عنوان كتاب جديد، أو صدور عدد مجلة، أو الإعلان عن نشاط ثقافي. لكني قلما أتوصل بهذا النوع من الرسائل. لقد صارت الآن المطابع نشيطة، رغم كل ما يقال عن الكتاب الورقي، وبسبب قلة حركتي داخل المدينة، ورغم اطلاعي على الصحف يوميا، أجدني أصادف، عندما أخرج من عزلتي، أحيانا، عناوين كتب مهمة مرّ عليها الحول والأعوام، ولم أتعرف عليها، وأندم على عدم تعرفي عليها وقراءتها في وقتها. وما أقوله عن الكتاب العربي، أقوله عن الكتاب الأجنبي، فلا أجد من يبعث لي بعنوان كتاب جديد يمكن أن يدفع إلى التفكير، أو يحفز على طرح السؤال. إذا كان الإحماض الرقمي بالصورة التي نمارسها، «مستساغا» بالنسبة للبعض إلى حد ما، فالإكثار منه بالنسبة للمثقف ليس سوى هروب من الواقع.
    في غياب التربية الرقمية، والوعي الرقمي الذي يدفعنا إلى تنظيم علاقتنا بالفضاء الشبكي وصلتنا به، صار الهزل هو القاعدة، والجد هو الاستثناء. وصار الإحماض بديلا عن العمل، إلى درجة أن البحث عن المضحك والمسلي بات عملا نقوم به، أحيانا بديلا عن أي عمل آخر. لا غرو في أن الإحماض ضروري، لكن تحول الضرورة إلى واقع بديل عن أي ممكن آخر، لا يمكن إلا أن يدفع في اتجاه التفكير في أهمية عقلنة صلتنا بالفضاء الشبكي.
    إننا نكتفي بالتلقي والتوزيع، ألا يمكن أن يتحول الإحماض إبداعا، ننتقل بواسطته إلى الإنتاج، لاسيما وأن البرمجيات التي يمكن استثمارها كثيرة؟ في هذه الحالة، سيصبح الإحماض لعبا جادا ومفيدا.

    ٭ كاتب مغربي
    القدس العربي http://www.alquds.co.uk/?p=654353




يعمل...
X