إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

مأساة ياسمين سامي العتباني...تراجيديا تفوق الخيال

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • مأساة ياسمين سامي العتباني...تراجيديا تفوق الخيال

    ياسمين سامي العتباني
    خيال يماثل الواقع
    الحلقة الأولى

    جلست ياسمين صامتة لا تنبس ببنت شفة وقد تحلق حولها ثلة من الشباب المشرئب لرّى صداه ونزواته من غدير جمالها وأنوثتها الدافق يمطرونها بالنظر الشهوان ويغثونها بفُحش اللسان وبذاءُ المنطق،تلك الجموع التى تترى إليها كل صباح ممنية نفسها بأن يحالفها التوفيق لنيل بغيتها التى سعت من أجل تحقيقها شهور خلت فتقر العيون وتهدأ الجوانح،ترى متى تدرِك هذه الحسناء التى أستحوذت على الألباب وملكت القلوب شفقة فترتفع حجب أسماعها وينكشف غطاء قلبها فتُنفِح جُلاسها بوجهها المتهلل وتُكرم عوادها بجزيل الصلات التى يصغر بجانبها صادق الحمد وعاطر الثناء،متى يفتر البشر على الشفاه وتجرى التهانى على الألسنة لهتك عزة قعساء أوصدت الأبواب أمام نواطير الشباب ولم ترحم حمم شهوته التى تلهب جسده المسعور، تلك الحمم التى لا تسمعها آذان أو ترصدها أجهزة...حتى متى تسدل هذه المهفهفة الدعجاء الستور فى وجوه الراغبين؟، حتى متى تبقى صامدة أمام عرك الشدائد وبريق المال؟
    لقد ألفت ياسمين سامي العتباني بائعة الشاى البارعة الشكل اللطيفة التكوين المطالب الفجة والأصوات الناشزة التى تبتغى أمر كؤود المطلب،وعر المرتقى لأنها من قبيلة النساء اللائى لا يدركنه عار أوتلحقهن خزاية.
    كانت ياسمين نموذج فى التصون والعفاف وليست مثل بعض رصيفاتها من بائعات الشاى،لقد احترفت تلك المهنة التى تعد فى الغالب غطاء لأقدم حرفة عرفها التاريخ ...حرفة البغاء بعد أن ضاقت بها السبل وانتهت الآمال بموت والدها الماركسى القسيم الوسيم الذى لم يترك لها حرضاً ولا برضاً هى واخوتها الصغار سوى وضاءة الحسن وجمال المُحيا،لقد كان والدها الذى ينحدر من عائلة سنيّة الحسب عريضة الجاه قبل أن تصيبها شآبيب من الدواهى المواحق يعمل فى الهيئة العامة لسكك حديد السودان وتدرج فى السلك الوظيفى حتى اعتلى سقف الوظائف فى تلك المؤسسة العريقة التى أذلتها الطائفية وامتهنت كرامتها الإنقاذ التى جادت عليه بأحالته للصالح العام،فتلقى والدها الأمر بأريحية وسلّم عُهدتهُ فى وداعة وأقبل على الحُميّا يهشٌ لكأسها ويرتضع أفاويقه وقد استكان للعبرة وأخلد للشجون حتى أمسى مُتخلّعاً فى الشراب يقضى جُلّ وقته مُناغياً للكؤوس مُفاغماً للأكواب...صار سامي جذوة الفكر المضطرم، قيثارة المرح و إله الدعابة في الزمن الجميل شاحب الوجه، كئيب المحيا، فلقد فدحته صروف الدهر التي تمحق من كل شيء بشاشته وجردته من وظيفته التي يقتات منها هو وعائلته التي تهالكت على جمع شتاتها فيما بعد ابنته ياسمين دون أدنى مسوغ لذلك سوى أنه كان في شرخ شبابه، ومعية نشاطه يشايع أهل اليسار، عبّاد اللذة، ورواد المنكر، وخصوم الإسلاميين الألداء.
    كان سامي العتباني أشرق الماركسيين بيانا، وأملحهم نادرة، وأنصعهم ديباجة، وأوسعهم ثقافة في جامعة الخرطوم في ثمانيات القرن المنصرم، قد راجت فكرة تصفيته أو إزاحته عن أركان النقاش وسط الكوادر المتشددة من الإسلاميين بعد أن أعيتهم مجاراته، وأذهلتهم حججه الدامغة ليس عن كنه الدين، ولكن لتزلف الإسلاميين للطاغية وخيانة شيخهم الأجّلْ للعهود، ذلك الشيخ اللوذعي الذي يعد لكل حالة لبوسها قد شعر بأن ليل مايو البغيض قد هرم وشمطت ذوائبه، فآثر أن يصانع المستبد الذي جار على رعيته وحاف، حتى يؤسس لحزبه الذي يبارز الكُماة، ويناضل الرُّماة، ويتعمق على الاجتثاث، ووجد فيه الباغي الذي أطلق على شعبه عقال الظلم، وبثق على مواطنيه سيول التعدي وفي عصبته ملاذاً يحتمي به من براكين الغضب التي تحتدم تحت قدميه. كانت جامعة الخرطوم ذلك الصرح الشامخ الذي يضع له الحكام القادة، والبهاليل السادة، ألف اعتبار تمور موراً بتصريحات العتباني التي يلقيها في حواشيها المترعة بالعيون والجواسيس، فالعتباني الرجل الذي أنعمّ الله عليه بلسان مُفهوّه وأدب بليغ ظلّ يتهاون بالآلام التي يتفنن جلاوزة النظام المايوي بإيقاعها على جسده النحيل وبقى يندب مجد مايو المغلوب، ويرثي عرض الماركسيين المسلوب، ويبغض الرئيس الفاشي المعصوب، الذي تنكر لعترته ومحض وداده الذين أوصلوه لسدة الحكم، وقام بجز هاماتهم في مذبحة القصر بعد أن تاه عن الطريقة المثلى، وفارق العروة الوثقى، وأحاديث العتباني التي يهضب بها في سلاسة ويسر كانت تحتوي على جملة من الحقائق التي يصوغها بلفظ جزل وأسلوب رشيق، الأمر الذي يجعلها تسيطر على القلوب، وتهيمن على الضمائر، فتنضوي المهج تحت لواء من صاغها، وتستن بسنته.
    كادت جموع الإسلاميين أن تركن لخطة التصفية التي وضعها المتزمت حيدر فضل الملبدة آفاق فكره بالغيوم منذ أن دلف إلي ظهر البسيطة، وامتلأت رئتاه العكرة بأعاصيرها، واستعاضت عنها بخطة وضعها صاحب الفكر المتزن صهيب خضر الصديق الفتى الذي ركنت إليه الإنقاذ فيما بعد وأودعته طموحاتها، كان صهيب صاحب الأفانين المموسقة من النثر الناصع الأسلوب، والشعر الذي يتدفق طبعا وسلاسة تجمعه علاقة ود شفيف بالعتباني رغم التباين في الايدلوجيات، والتفاوت في المذاهب والأفكار، فلقد راع صهيب أن يذعن إخوته المتقيدون بشرع الله لاقتراح صاحب الفكر المنخوب حيدر فضل فيدك على صديقه التراب ويمسى في عداد الأموات.
    حسناء تخلط بالجمال دلالها الذي لا تتكلفه، تدعى لبنى هجو، تزيل عن البصر غشوات الباطل لدماثة خلقها، ولعفتها التي صانتها عن الدنس فلا يقع عليها للريبة ظِلّ، لبنى التي ظلّ بعض ضحاياها يقسم غير حانث بأنه على استعداد بأن يتبلغ بخشن الطعام وآسن الماء العمر بأسره نظير أن يطالع وجهها الجميل، وطرفها الكحيل، وخدها الأسيل، خطفة في كل يوم، فاتنة كلية الآداب، وغادتها الممتلئة الترائب، الريا الروادف، الخريدة التي يطل من عينيها الساحرتين بريق الذكاء، وحدة الفطنة، تلك العينين التي لا يجرؤ على مجابهتما إلا من يدخر في نفسه شجاعة وصبراً واحتسابا، كفلت للكثير ممن كظهم المال والغنى لحية انسدلت على الصدور، وشعر تكاثف على الرؤوس، وضلوع أرمضها الأسى وأصلاها الحزن.
    كانت حصافة لبنى وذكائها لا يرقى إليهما شك، فهي من قبيلة النساء اللائي يستغنون عن التصريح بالإشارة ، ولكن استعصى عليها فهم ما يرمي إليه شيخها صهيب، الشاب الطرير الذي لا يجري معه أحد في عنان، والذي كان السواد الأعظم من "رائدات النهضة" تختلق الأسباب، وتتصيد الفرص للفوز بحديث مقتضب معه، أما من حازت على شرف ابتسامته المشرقة التي لا تبلى ديباجتها أو يخبو بريقها فقد نالت ما يجعلها تتبختر زهواً، وتميس ابتهالاً، لأنها اعتلت أسوار المجد بحديثها مع من يدفع عنها غبار الخمول، ويأطرها دوماً لنيل المعالي، ويذكرها بأسماء، ونسيبة، وصفية، وغيرهن من الصحابيات الطاهرات الجليلات في خطبه التي ينصب فيها رايات الدين التي لا تنتكس، وينتهج فيها نهج الحق الذي لا يلتبس، خطبه التي يتبع فيها سنن الراشدين، ويتحلى فيها بخصال الصالحين، والتي يلقيها وهو خافض الطرف، تعلو شقائق خده حمرة الخجل، خطبه التي يأمرهم فيها بأن يلزمن غرس الصحابيات رضوان الله عليهم، يتمسكن بشمائلهم، ويتخلقن بفضائلهم.
    كانت الفتاة التي يتبسّم في وجهها صهيب تغالي في ذكر ذلك الحدث العظيم حتى توغر صدر رصيفاتها، ، إذ أنّ الشيخ صهيب المؤمن الذي لا يتنكب عن جادة الحق صاحب ابتسامة عصية لا تترقرق على محياه وتشع في ثغره إلا لمن أخبرته بأن صدرها قد وعى كتاب الله حفظا، فلا تذهل عنها آيه، أو تضطرب عليها سورة، أو لمن أحيت رفيقتها وجعلتها تبصر بنور الإيمان وأزهرت فيها مصباحه الذي حجبته ظلمة المعصية، وفتن الشهوات، والنحل الفاسدة التي تروم أن تجعل في كل ناحية حانة، وفي كل بقعة ماخورا.
    لم تجشم لبنى نفسها عناء تعليل اختيار صهيب لها دون سائر أخواتها من "رائدات النهضة" فصهيب لم يفضلها عليهم لفكرها المشرق، وبيانها الجميل، بل لجمالها وحسنها الذي يسحر العيون، ويخلب الأفئدة، لقد ندبها صهيب لهذه المهمة لأنه يدرك جلياً بأن العتباني حتماً لا محالة سوف يسقط في براثن فتنتها الطاغية التي لم تحد من جموحها مكابح الحجاب، ويصير بعدها طوع بنانها، ورهن اشارتها، وحذرها صهيب من أن تنجرف عن جادة السبيل، أو تخلع عن ربقتها ثوب الوقار، وأمرها أن ترد بلا تردد أو تواني أي دعوة يوجهها لها صاحب الخلق العميم، والوجه الوسيم، العتباني إذا تجاوزت هذه الدعوة أسوار الجامعة، وأخبرها بأنها مناط الثقة، ومعقد الرجاء، بأن تقوض أركان اليسار الذي سلقهم بألسنة حداد، وشنع بهم في ردهات الجامعة، ذلك الحزب المنخوب لم يعلو قدره، وترتفع مكانته إلا لتلك الكلمات التي يصدع بها غير آبهاً بأحد الماركسي الفصيح اللسان، البارع البيان، العتباني الفتى الذي يرفع لسانه أقواماً ويخفض آخرين.
    كانت الخطة التي وضعها صهيب لا يحتاج تنفيذها لجهد، فهي تقتضي بأن لا تجهد لبنى نفسها في تعهد الأماكن التي يتردد عليها العتباني الذي كان أشد ما يروقها فيه طبعه المرح، وثغره المرح، ولسانه المداعب، وأن تسأله حينما يتشاجن بهما الحديث عن التيجاني يوسف بشير الشاعر السوداني الذي طوته الغبراء وهو في ميعة الشباب وحدته، وأن تصف شعره بالالتواء والغموض، وأن ديوانه غارقاً في لجج المبهمات، حينها سوف ينبري العتباني الذي يعشق التيجاني عشقاً ملأ عليه شغاف قلبه مدافعاً عن شاعره المجيد، ومفنداً مزاعم لبنى التي رشقت معبده بالحجارة والحصى، ويبدأ يسترسل في شعر التيجاني وشخصه زاعماً بأن شعر التيجاني قد تنزه عن شوائب اللبس، وخلا من أكدار الشبهات، وأن اشراقة يوسف بشير التي تلقب الناس في أعطافها، ونالوا من ألطافها، نصوص صحيحة الثبوت، صريحة الدلالة، تبرهن على علو كعب هذا الشاعر الذي ساءت ظنون الناس فيه، ورموه بفرية الإلحاد، وتوالت وتيرة النقاش بين الماركسي الوسيم وبين لبنى فاتنة الإخوان وتشعب حتى تطرق لكل حقبة، وشمل كل ضرب من ضروب المعرفة،

    ونواصل

    الطيب عبدالرازق النقر عبدالكريم
    الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا
    غومباك-كوالالمبور
    ولكن ماذا
    أصنع يا والدى؟لقد استولت طغمة على سدة الحكم نشرت بنود النفاق والفاقة فى كل طريق،وطمرت ينابيع العز والفضيلة فى كل واد،طغمة لها قلوب أقسى من الصّوّان،وأفئدة أعتى من الجلمود،ثلة تقذف بالغيب وترجم بالظنون،جردتنى من وظيفتى وأحالت حياتى لحطام ويبدو أنها لن تشعر بسكينة الرضا إلا حينما
    ترانى أجوب أرصفة الشوارع ذابل الجفن خائر البدن أسال الناس الحافا.ليتك تصغى بسمعك يا والدى والذى أودعك الثرى لن تسمع إلا تذمراً من فساد الحكم وتضجراً من سوء الحال…ليتك ترى الفقر المدقع الذى جددت الإنقاذ حبله
    ونشرت فضله وأشاعته على الناس…ليتك تستنشق عرق القبليّة المنتن الذى أورق عوده وذكّت الإنقاذ من تضوعه بسياستها الخرقاء…ليتك تتذوق مرائر الظلم والإستبداد الذى رسخت قواعده واشتدت وطأته وأفنى جلّ الشعب بمضّه
    وحموضته…ليتك تلتمس جحافل البغض وسخائم الحقد بين أبناء القطر الواحد الذي يؤول عربهم وزنجهم إلى مجد أصيل وشرف أثيل وبيت رفيع الدعائم

  • #2
    رد: مأساة ياسمين سامي العتباني...تراجيديا تفوق الخيال

    بسم الله الرحمن الرحيم
    * سفير الروح إلى الأقاصي، الطيب عب دالرازق النقر:هرع الوجدان والعقل معا لاحتضان حضورك البهي بعد غيبة طالت.
    * قصة تقص صورا من حياة تتوق إلى كسر طوق الموجود لتحلق حرة في آفاق المنشود.

    تعليق


    • #3
      رد: مأساة ياسمين سامي العتباني...تراجيديا تفوق الخيال

      متابِعةٌ ,, فالقصُ هنا كما بد لي من الحلقة الأولى به من التشويق الكثير ..

      النقر ,, تحية

      تعليق


      • #4
        رد: مأساة ياسمين سامي العتباني...تراجيديا تفوق الخيال

        أعجبني في النص العرض الجيد والتحليل الموضوعي .

        تعليق


        • #5
          رد: مأساة ياسمين سامي العتباني...تراجيديا تفوق الخيال

          [align=center][tabletext="width:70%;"][cell="filter:;"][align=center]
          أستاذ الطيب الطيب

          نفتقد حرفك الجميل و نشتاقك

          تحياتي
          [/align]
          [/cell][/tabletext][/align]
          [ALIGN=CENTER][TABLETEXT="width:35%;border:5px double deeppink;"][CELL="filter:;"][ALIGN=center]في الحب شقاء ..
          وفي الشقاء لذة........
          وفي اللذة راحة........
          وفي الراحة نقطة بداية تصارع الموت
          [/ALIGN]
          [/CELL][/TABLETEXT][/ALIGN]

          تعليق


          • #6
            رد: مأساة ياسمين سامي العتباني...تراجيديا تفوق الخيال

            الطيب عبدالرازق النقر


            أهلا ً بقصة جميلة وسرد شيّق بعد طول غياب


            دمت بكل الودّ أيها الطيب




            تعليق


            • #7
              رد: مأساة ياسمين سامي العتباني...تراجيديا تفوق الخيال

              شاكر لكم يا احباب
              والله رغم اني لم التقي بكم بس بحس انكم دايما معي
              واتمنى ان تجدوا فيما ادونه من شطحات ما ينال استحسانكم
              مصاعب الحياة والعمل الشاق والدراسة هي ما ابعدني عنكم
              والذي رفع السماء بل عمد لو وجدت الوقت الكافي لردت على كل فرد منكم احبتي
              خالص ودي وامتناني وحبي لكم ولمعهدي الحبيب
              ولكن ماذا
              أصنع يا والدى؟لقد استولت طغمة على سدة الحكم نشرت بنود النفاق والفاقة فى كل طريق،وطمرت ينابيع العز والفضيلة فى كل واد،طغمة لها قلوب أقسى من الصّوّان،وأفئدة أعتى من الجلمود،ثلة تقذف بالغيب وترجم بالظنون،جردتنى من وظيفتى وأحالت حياتى لحطام ويبدو أنها لن تشعر بسكينة الرضا إلا حينما
              ترانى أجوب أرصفة الشوارع ذابل الجفن خائر البدن أسال الناس الحافا.ليتك تصغى بسمعك يا والدى والذى أودعك الثرى لن تسمع إلا تذمراً من فساد الحكم وتضجراً من سوء الحال…ليتك ترى الفقر المدقع الذى جددت الإنقاذ حبله
              ونشرت فضله وأشاعته على الناس…ليتك تستنشق عرق القبليّة المنتن الذى أورق عوده وذكّت الإنقاذ من تضوعه بسياستها الخرقاء…ليتك تتذوق مرائر الظلم والإستبداد الذى رسخت قواعده واشتدت وطأته وأفنى جلّ الشعب بمضّه
              وحموضته…ليتك تلتمس جحافل البغض وسخائم الحقد بين أبناء القطر الواحد الذي يؤول عربهم وزنجهم إلى مجد أصيل وشرف أثيل وبيت رفيع الدعائم

              تعليق


              • #8
                رد: مأساة ياسمين سامي العتباني...تراجيديا تفوق الخيال

                ياسمين سامي العتباني
                تراجيديا تفوق الخيال
                وخيال يماثل الواقع
                الحلقة الثانية
                استقر في جنان لبنى التي توثقت علائق الود بينها وبين الرفاعي سامي العتباني ،أنه راسخ القدم في الأدب، عميق الغور في الفلسفة والتاريخ، قوي العارضة في اللغات وخاصة العربية التي لا يند له فيها لفظ أو يرتج عليه معنى، كانت لبنى كلما أوغلت في محادثته تبدت لها سعة علمه، ولطافة حسه، وقوة حفظه، الأمر الذي حفزها أكثر من أن تحرص على لقائه ومحادثته فلقد وجدت في محادثته تلقيحاً للعقل، وتشحيذاً للذهن، وترويحاً للنفس.
                ظلّت لبنى كلما هرعت لمخدعها لا تفكر إلا في ذلك الفتى المليح الريان الشباب، المديد القامة، القوي الأطراف، حفيد لقيط الجبّ الذي لم تقع عيناها قط على أكمل منه صورة، أو أندى منه لفظاً، الماركسي الذي يضج سحراً في عينيه، وألقاً في وجهه،وضئ الطلعة الضال الفكر، الفاسد العقيدة، الذي يتأنق في عباراته وهندامه دون غلو أو إسراف، الوجيه الذي يمطرها بوابل من عبارات الغزل التي لا تمجها نفس، أو ينفر منها ذوق، فيتدفق ماء الحياء زاخرا في وجهها الذي كان يُقسِمَ دائماً بأن الشمس تبزغ من بين ثنياه لتغرب في شقائق خدها الذي لم ولن تخلق ديباجته، أو يخبو بريقه، ذلك الخد الذي كان آخر عهده باللثم والتقبيل حينما كان يميس في صدر أيامه، وأول نشأته..
                بات الوجوم يستولى على صاحبة هذا الوجه والخد كلما لاحت لها صورة صهيب خضر الصديق شيخها الشاب الذي اصطفت جموع طلاب الاتجاه الإسلامي بجامعة الخرطوم خلفه، ومضت إثر خطاه، تُرى ماذا ينتظرها منه إذا علم بما انطوى عليه قلبها، وتغلغل في دخائل نفسها، ومدارج حسها...حتماً سوف تجدها نفسها لائذة بأذيال الصمت، مطرقة من قبح فعلتها الشنعاء التي سوف تصحبها إلي آخر رمق في حياتها، قطعاً سوف يشتد من جانب شيخها صهيب أصلب الإسلاميين عوداً وأحذقهم طبعاً، وأجودهم حزماً وعزماً، اللوم والتقريع، وقد يجزم حبلها من الجماعة، أو حتى يأنف من رؤيتها وهو الأمر الذي لا تحسب نفسها قادرة عليه، فصهيب عندها من القروم الخناذيذ الذين تعلقوا بأهداب الدين وأحكموا قبضتهم عليه دون غلو أو تفريط، لا والذي رفع السماء بلا عمد ..لن أفعل ما هو كفيل بتكدير صفو سيدي الذي تنم ملامحه وأفعاله على التقى والصلاح، الأمر الذي لا يسع كل من يلقاه إلا أن يحبه، وكل من صاحبه إلا أن يجله، حتى من هضبت أفواههم بقدحه، واحمرأت أحداقهم ببغضه، وباعدت النحل والأهواء ما بينهم وبينه من أسباب الوداد، ووثيق الصلات،أقروا بأنّ شيخ الإسلاميين الذي يأسر حتى أعدائه ببسماته الرقيقة، ونظراته الوديعة قد أوصله خلقه وإيمانه إلي ذروة من الكمال،...
                لا يا قلبي لن أجعلك تزعزع ما أقامته السنين والأيام، لن أجعلك تقوض ما بيني وبين ذلك الشيخ الذي يضمخني بعباراث الثناء والتقدير كلما رآني، والذي انتدبني دون سائر لداتي لهذه المهمة العصية، حتى أُلقِيَ في جوف ذلك الضال بذرة الرشاد علّها تنبت في لبه المكنون الذي باض فيه الشيطان وفرّخ، وأهدر بكلمات الله عسى أن ترتفع حجب أسماعه، وينكشف غطاء قلبه الذي لا يعرف غير الهيام في أودية الضلال.... وأصرف عن بصيرته الكليلة أغشية الغي لتحدق في مدارات الله الذي يسرف في إنكاره ويغالي في عدم وجوده...وأجعل من ذلك الكتاب الخاتم المشرق المعاني منهج حياة عنده، وكهف عبادة، ذلك الكتاب المحكم السبك، الذي يأخذ بعضه برقاب بعض، لم يتجاسر الرفاعي على قراءته ومطالعته منذ أن ناهز الحلم، وشارف حدّ الرجال،رغم إقراره بأن مفرداته جياشة الحركة، عذبة السياق، جميلة العرض، وأن أساليبه خلصت عن شوائب اللفظ، وتنزهت من أكدار الشبهات...سوف أدعوه لتدبر ذلك الكتاب حتى يجلي غوامضه، ويقرر قواعده، إن جاز أنّ للفرقان غوامض، وأنّ لسوره الشامخات المعجزات ما يحتاج لضرباً من التقرير...دعنى أجعل من الرفاعي الذي يقضي شطراً من الصيف وجزءاً من الخريف في الإتحاد السوفيتي كعبته التي لا يمل من الطواف بها والحج إليها، مؤمنا مجاهدا يدلف نحو الأعّنِه، ويهوى ضرب الأسِنة، ولن يتحقق لي ذلك إلا إذا وأدت ذلك الداء الذي استشرى في فؤادي حتى صار الشفاء منه ضرباً من المحال، لقد أوقعتني في صحراء الحيرة يا قلبي، كيف جاز لك أن تهوى من لا يُبارى في مجافاة الحق الذي قُدم له بصادع البرهان في عدة مساجلات ومناظرات، دارت رحاها في ردهات الجامعة، جادت بها ثغور رجال راسخين القدم في الدين، جعلت عُصْبتُه تمضي مهزومة هاربة لا تلوي لا فعل شيء، أما هو فقد كان يتذرع بالمتشابهات والدخيل الذي لا يصل لعروة الدين بصلة، أو يمُتَ لجوهره بسبب، المبهمات التي يتداعى دونها الفهم، وينّد عنها الفكر، ويغفل عنها الخاطر..
                هبّت ياسمين فزعة، وأنفاسها تعلو وتهبط، حتى كاد أنّ يتحطم صدرها من عِظمِ ما تحمل، لقد أقبل عليها مرة أخرى من يخفق قلبها بحبه، ولسانها بذكره، وسدد إلي وجهها الذي يحِملُ الأنفس عن الزهد في البحث والتقصي عن وجه آخر يضاهيه في الفتنة والجمال نظرة عابثة متهتكة حوتها رغم شموخها وعظمتها، أعقبها بأخرى آسرة صاخبة، ضجت لها حنايا فؤادها وجعلتها تتخلى عن الخوف الأزلي الذي يلازم كل من هو على شاكلتها في ذلك الموضع، وأقبل نحوها بخطى واثقة معتدة، اعتادت السير في مخادع الحسان، خطى تُبسِطُ في سيرها شرك الفتنة، وحَِزمُ الغواية التي تجعل كل حَصَانٌ ترمي بقيود الفضيلة من شاهِق، وتغرق في أوحال الرزيلة بشغف بالغ، ليمطر أذنيها بحديث منهمر يفوق الشعر طبعاً وسلاسة، حديث يُنبئ أن صاحبه قد اعتاد نسجه وحياكته، حديث يبدر من شاب عابث قد أوتي حظ عظيم من الخلاعة والمجون، ونال نصيباً وافراً من العهر والفجور، كلام معسول، نُصِبتَ كمائن الفتنة في مطاوي ألفاظه، ولكن أنىّ للضحية التي تلتمس الهوى وتتحسس الصبابة أن تدرك ذلك...
                أجهد لبنى التفكير، وأرهقتها الحيرة، في مقدم العتباني المتوالي الي مضجعها رغم أن متانة غرفتها أمرّ من رضوى، وصلابة أبوابها ونوافذها أقوى من سبائك الحديد، نعم لقد كانت لحظات أحلى من المنى قضتها دون أن تدنس شرف، أو تمتهن دين، أو تجلب على نفسها وأسرتها سبة باقية لا يمحو آثارها تعاقب الحدثان، كانت تعلم جلياً أنه أمرُ اقتضته الطبيعة فلا يد لها فيه، ولكن مهلاً كيف ندت منها هذه الكلمة الجامحة، بلى إن لها القدح المعلى في ذلك الأمر، فهي من مهدت للعتباني زيارتها كلما هاضها الكرى، وطغى على عينيها النعاس، فهي دائبة النزوع إليه، كثيرة التردد على أودية الخيال الجامح لجبلتها التي تلجمها عن الإبانة والإفصاح، لا يا لبنى ..ينبغي عليك أن تنتبهي للخطر الذي يحدق بك، وتعترفي في شفافية بأنك قد تركتي الباب مشرعاً على مصرعيه حتى يلج منه ذلك الذئب الخبيث، الذي يهش لنيل بغيته هشاشة السائل، ويحرص عليها حرص الصيرفي على أدواته، نعم أقري بأنك خلعتي على العتباني حلل التبجيل، ونسجتِ اسمه بماء الذهب حول جدران قلبك، فمن غيره غضضت الطرف عن مغازلته التي كانت تحلق بك في فوق ذرى الجبال، فنّدي أن همسه بعبارات ثكلى تفوق في عذوبتها شدو القيان، وهزج المزامير، لم تكن تروق لكِ وأنك سعيتِ لزجره....أقسمي بأن العتباني لم يبسط لك عما يجيش في دواخل نفسه بسطاً وافياً بل وتوسع في بيانه.
                حسناً، لا بد مما ليس منه بد، كان حرياً بك يا لبنى أن تعادي هذا الماجن عداوة مُرة المذاق، ولكنك وقعتي في حبائل عشقه، تعشقين من يعد من أعيان السفاهة، ورواد المنكر، سقطاته التي لم يراه أحد أبداً متدثراً بلفائفها، سوي قصص تتناثر هنا وهناك، تحكي عن سرب المومسات والعاهرات الذي لا يبارح قط منزله، و قوارير الخمور المعتقة التي تأتي إليه في طرود تحملها الأفلاك الضخمة عابرة المحيطات، أخبار يفوق عددها الإحصاء عن نزواته التي يطوي من أجل تحقيقها الصحاري والفلوات، أما غرامياته في أصائل الخرطوم وأماسيها جعلت منه نهباً لأساطين الشائعات وأبطال الأراجيف...
                هبطت لبنى السلالم التي تفصلها عن الدور الأرضي متبطأة في سيرها، وهي تهمس بالتحية همساً يشِفُ عن ذهنها الشارد لثلة من العاملات في قصر والدها المنيف بين الفينة والأخرى، ولكنها حثت من سيرها حينما أبصرت والديها يرمقانها في حنو واضح وأخوتها الذين تحلقوا حول سفرة الشاي، دعاها والدها السياسي النابه، ورجل الأعمال الذي تتكدس صرر الأموال وادعة في خزنه وبنوكه، للجلوس بجواره، ولكنها تمتمت بكلام مبهمٌ لم تعي هي حتى ألفاظه، وهي تشيح بوجهها عن والدتها التي كانت تحدجها بنظرة متفحصة تنفذ لأعماق نفسها التي تحرص أن لا يندّ منها فعل طائش أو تصرف عييّ يكشف مدى حيرتها وارتباكها مثل أنّ يسقط منها إبريق الشاي على الأرض، أو تدلق اللبن على والدها الذي اعتادت على الجلوس بجواره منذ أنّ كانت فتاة غضة لا تدرك شيئاً عن غلواء الشباب واغتلام الأنثى.

                ونواصل
                الطيب عبدالرازق النقر عبدالكريم
                الجامعة الإسلامية العالمية بمـاليزيا
                ولكن ماذا
                أصنع يا والدى؟لقد استولت طغمة على سدة الحكم نشرت بنود النفاق والفاقة فى كل طريق،وطمرت ينابيع العز والفضيلة فى كل واد،طغمة لها قلوب أقسى من الصّوّان،وأفئدة أعتى من الجلمود،ثلة تقذف بالغيب وترجم بالظنون،جردتنى من وظيفتى وأحالت حياتى لحطام ويبدو أنها لن تشعر بسكينة الرضا إلا حينما
                ترانى أجوب أرصفة الشوارع ذابل الجفن خائر البدن أسال الناس الحافا.ليتك تصغى بسمعك يا والدى والذى أودعك الثرى لن تسمع إلا تذمراً من فساد الحكم وتضجراً من سوء الحال…ليتك ترى الفقر المدقع الذى جددت الإنقاذ حبله
                ونشرت فضله وأشاعته على الناس…ليتك تستنشق عرق القبليّة المنتن الذى أورق عوده وذكّت الإنقاذ من تضوعه بسياستها الخرقاء…ليتك تتذوق مرائر الظلم والإستبداد الذى رسخت قواعده واشتدت وطأته وأفنى جلّ الشعب بمضّه
                وحموضته…ليتك تلتمس جحافل البغض وسخائم الحقد بين أبناء القطر الواحد الذي يؤول عربهم وزنجهم إلى مجد أصيل وشرف أثيل وبيت رفيع الدعائم

                تعليق


                • #9
                  رد: مأساة ياسمين سامي العتباني...تراجيديا تفوق الخيال

                  الاخ العزيز تمنيت لو ان حرفك اشتملته دوحة الرواية
                  اعترف ان حرفك الجميل ابهرني كثيرا
                  كما اتمنى ان ننال بعضا من وقتك الثمين
                  كي نستمتع واياك بما جادت به المخيلة
                  تحياتي الخالصة لك ولحرفك الواعي

                  تعليق

                  يعمل...
                  X