إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

ذات صيف

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ذات صيف

    ذات صيف
    كنت أسرع و ضجيج محرك السيارة ينبئ بأنه على وشك الانفجار ... كانت أمه تستحثّني على الإسراع أكثر ... كان قلبه قذ أخذ في التثاقل و امتقع لونه ولم يعد يرد على توسلاتها بحركات عينيه التي كانت تطمئنها .
    كنت طفلا يترصد العصافير على ماجل الحارة حيث نصبت أنشوطة ... يترقب وصول العصافير العطشى لم يكن يدور في خلدي أنها عصافير مهاجرة من أوروبا فرّت من البرد و أنها تعشق الحرارة التي تستبدّ بها و تسوقها إلى أنشوطتي عطشي فتلقى مني القنصَ .
    ضغطت على دواسة البنزين أكثر و أنا أسأل الأم الباكية المنتحبة و هي تمسح وجه الصبي و تاول فتح عينيه . سألتها "هل مازالت به بقية من حرارة ؟"كان سؤالا غبيا
    لم تجبني ...
    كنت اليافع الذي ثنى سرواله عن ساق و ترك الأخرى ...اليافع الذي يسد عطشه و جوعه أن يمسك بالعصفور ويودعه القفص ... اليافع الذي لم يكن يوما يتمنى أن يرزق أبناء بل لم يكن قد فكر في ذلك البتة . كان الفتى اليافع يدوس على الشوك فيصيب قدمه فيجلس الى ظل ينتزع ما اذى قدمه ثم ينطلق كأن شئا لم يقع.
    كنت أضغط بقدمي على دواسة البنزين متمنيا أن يعترضنا المستشفى وفد غادر وسط المدينة...ستكون حركة نبيلة لو فعل . حركة المرور خانقة و تزداد حدتها في الصيف حين يعود المهاجرون و يتوافد السياح الجزائريون ...
    تصورت المستشفى يلملم بعضه و يزحف بمن فيه من أطباء و ممرضين و يواصل زحفه حتى يوافينا خارج المدينة ... لكن قدمي بدأت تؤلمني...
    خيّل لي يومها أنّ العصفورة المسكينة كانت تتوسّل إليّ لأطلق سراحها فزادني ذلك تمسّكا بها.بدا لي أنّها كانت تنظر إليّ نظرات أحسّها تقع عليّ ولا شيء يؤكّد لي ذلك غير ذلك الإحساس المبهم ... لم اكن استطيع النّظر في عينيها كنت مشغولا بالزينة ,بالريش الناعم ,بزحمة الخيال حول حلّها وترحالها وبما سيكون من تغريدها في مستقبل الأيام حينما تستقرّ في القفص ...باختصار أحببتها لذلك لم أكن قادرا على النّظر في عينيها
    كنت أسير بسرعة جنونيّة جعلت الآخرين من مستعملي الطريق يتهجّمون علي غاضبين وكنت أسمع أطرافا من السّباب .كنت أريد أن أقول لها :"دعيه يموت في سلام فقد ماتت قبله أشياء جميلة وأهمّ منه بكثير ...أشياء فاجأتنا بأوراقها الذّابلة فاجتثثناها من اصولها دون رحمة "لكني لم أجرؤ على قول ذلك لانّي ربّما كنت مشغولا بمسابقة الزّمان لإنقاذ الصّبيّ وفكّرت في ما يمكنني قوله لأخفّف من روعها غير أنّ الأشياء كانت تطلّ من ثقب الزّمان الصّغير وتنكصّ على أعقابها عائدة إلى الكهف المظلم ...بعض الكلمات كانت تولد على شفتي ميّتة ..حينما أهم بها ترتجف ارتجافتها الأخيرة وتموت كما ماتت أشياؤنا الهامة في السابق ...يا لها رفة...
    وضعت عصفورتي في قفص ومكثت أتسلى بقفزاتها الغبية أياما وقد ذهب في ظنّي حينها أن الأيام كفيلة بأن تجعلها تغرّد للمحبس وكنت أمنى النفس بقبولها الواقع الجديد وأنّعا ستنسى الايام الخوالي التي كانت تهاجر فيها من أوروبا الشرقية .أغدقت عليها من المكسّرات ألوانا ...كنت أجشّم نفسي مشقة سرقتها من بيت الجيران دون أن يتفطّن إلى ذلك أحد وكنت أقف أمامها بسروالي المهلهل وقد شمرت عن ساق وتركت الأخرى,أقف أما مها حافيا ,أقف امامها بشعر أشعث مغبرّ وأنا أمنى النفس ان تتذوّق وسامتي وتعجب بفحولتي وتغرّد لي ومن أجلي تملأ الحيّ زقزقة ...
    حينما اقتربنا من المدينة ولاح لي المستشفى ذو الطّوابق من بعيد وقد ضرب في الأفق الرّماديّ المضمّخ برطوبة البحر رجتني أن أسرع أكثر وجعلت تتوسّل إليّ دون أن تذكر اسمي وتبيّن لي أنّها لم تكن تنظر إليّ ولكني أحسست بخدر يدبّ في مفاصلي ومكرت ...جعلت أرفع رجلي عن دواسة البنزين بلطف ليعود للسيارة رشدها وأناتها واستعضت عن الدّوس بسبّ السيارات وسواقها من أولائك الذين يسيرون أمامي ويعطّلون حركة المرور وانتشيت كثيرا وغمرتني سعادة كبرى حينما اشتدّ توسّلها ...لم يعد أمر الصبي يهمني كثيرا ...كلما أتمناه هو أن يفرّ المستشفى ويختفي مراوغا ليزيد توسّلها أكثر وأكثر ..
    تلك العصفورة الصّغيرة الجميلة كانت لغز ذلك الصّيف .لغزي الذي أحببت .:عافت المكسرات والماء والتغريد وجعلت حركتها تهدأ وتهدأ إلى ان بركت في ركن من القفص وصوّبت نحوي عينين يملؤهما العقوق والحقد .بدت لي أنثى تريد ان تقاسمني الحكمة والوقار .وبدون مقدّمات مددت إليها يدي وأخرجتها من وقارها وحدّقت فيها مليا أريد هزيمتها لكنّها صمدت أكثر من المتوقّع ولم يكن لي قبل بسهامها الصماء ... كانت قاب قوسين أو أدنى من الموت ...ساءني أن أراها تموت كما تشتهي ,,أفزعني أن أراها تمضي إلى العالم الآخر وتتركني ...أمسكت برأسها الصّغير وأغمضت عينيّ ولويت رقبتها ...لقد ماتت
    كانت سيارتي تسير ببطء وسط الزّحام وكنت وحيدا وحيدا وحزينا كذلك اليوم الحزين وكنت استعذب أغنية أسمعها تأتي من غابر الدهر والزّمان :"البارح البارح كان في عمري عشرين "
    توفيق بن حنيش 15جوان 2011

  • #2
    رد: ذات صيف

    توفيق
    سعدت بمصافحة أولى روائعك
    مرحبا بك بيننا
    لي عودة للنص
    محبتي

    تعليق


    • #3
      رد: ذات صيف

      سرد ممتع جداً ..

      مرحباً بك وبقلمك توفيق

      تعليق


      • #4
        رد: ذات صيف

        المشاركة الأصلية بواسطة el mostafa doukary مشاهدة المشاركة
        توفيق
        سعدت بمصافحة أولى روائعك
        مرحبا بك بيننا
        لي عودة للنص
        محبتي
        تحياتي اخي
        كم أسعدني مرورك وستسعدني اكثر عودتك التي سأظلّ أنتظرها بفارغ الصّبر
        شكرا جزيلا

        تعليق


        • #5
          رد: ذات صيف

          المشاركة الأصلية بواسطة ماسه الموصلي مشاهدة المشاركة
          سرد ممتع جداً ..

          مرحباً بك وبقلمك توفيق
          تقبّلي تحياتي وشكري وأنا كلي أمل في أن أحظى بإعجابكم

          تعليق


          • #6
            رد: ذات صيف

            الاستاذ توفيق
            حللت اهلا ووطئت سهلا
            لاعدمنا حرفك البهي
            رحيق

            تعليق


            • #7
              رد: ذات صيف

              أخي توفيق أهلا وسهلا بك َ سيدي الفاضل
              أحبك ِ ؟ ويغلق ُ فمي فمي
              وتنسابين كما قصيدة حبرها دمي
              ويسألني السؤال ُ أتحبُّها
              أحبُّك ِ ويغلقُ بعدها فمي

              صفحتي
              إعترافات ْ على وجه ِ القمر ْ

              https://www.facebook.com/pages/%D8%A...7375547?ref=hl

              تعليق


              • #8
                رد: ذات صيف

                الأح رائد ...شكرا على لفتتك الكريمة

                تعليق


                • #9
                  رد: ذات صيف

                  المشاركة الأصلية بواسطة رحيق مشاهدة المشاركة
                  الاستاذ توفيق
                  حللت اهلا ووطئت سهلا
                  لاعدمنا حرفك البهي
                  رحيق
                  تقبّلي شكري واحترامي

                  تعليق


                  • #10
                    رد: ذات صيف

                    سلمت على هذه التحفة الفنية المعتقة بالجمال
                    يا قارئ وصديق حرفي ...
                    متصفحي مثل المناخ يتغير بحسب الطقس،
                    وحروفي مثل أمواج البحر حين تصيبهاأمطارالغضب لا تهدأ وتعلن غضبها.. وحين تظللها غيمة حب..
                    تنطلق لتصدح بالغناء،

                    هكذا أنا... ما بين دورة آل م وقمر آل ن ورقصة آل ى .. ولدت للحرف عاشقة
                    في ثورتي عشق لوطني ، في هدوئي عشق لحرفي،
                    وفي جنوني عشق للحب

                    وما بين كل ذلك... ستراني دائماً...
                    مرآة مجلوة لكل شيء تراه وقد لا تراه

                    مـ نــ ى
                    **



                    حبيبتي لم يعد لي غيرك أم فلا تحرميني من حنانك حتى يضمني ترابك



                    هنا بين الحروف اسكن فشكراً لكل من زارني
                    http://monaaya7.blogspot.com/


                    تعليق

                    يعمل...
                    X