إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

بيتزا..!!

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • بيتزا..!!

    [align=center]بيتــــــــــــــزا..!![/align]
    [align=right]لم تمنعه الحمى من القفز من فراشه لدى سماعه النبأ ؛ حاول الوقوف على قدميه سقط محدثا دويا . جاءت زوجته ومع صبيه ( حنفي ) عاوناه على الجلوس على فراشه ؛ سألته بلهفة :
    ــ الشر بره وبعيد . مالك يا حاج ؟
    ــ اليافطة يا حاجة . يافطة المحل .
    ــ مالها يا حاج ؟
    ــ ابنك الباشمهندس خلعها . خلعها يا حاجة .
    ــ وأنت إيه عرفك ؟ ما أنت نايم في سريرك في أمان الله . آه لازم صبيك بوز الإخص ده حاكم أنا عارفاه جلاب مصايب .
    ــ سيبك من حنفي دلوقت ؛ أنا لازم أروح أشوف الحكاية إيه .
    ــ تخرج إزاي وأنت في الحاله دي ؟ لا يمكن أبدا .
    ــ أنا أما أقول ها أخرج يبقى ها أخرج , وأنت عارفه كويس .
    ــ طيب يا حاج اللي تشوفه . بس سايقة عليك النبي تستنى شويه أجيب لك حاجة سخنه تشربها .
    على الفراش جلس يحتسي الحلبة بعد أن ارتدى جلبابه ، ودس قدميه في حذائه .. رشف رشفة ونظر إلى الجدار أمامه ؛ اصطدمت عيناه بصورة قديمة باهتة فهز رأسه بأسى.
    أربعون عاما أو تزيد ، كان فتيا وقتها ، لا ينسى ذلك اليوم أبدا ، فبعد مشاورات ومشاحنات وشد وجذب استطاع أبوه انتزاع المحل من براثن الخواجة ( توني ) ، وثبت عليه اللافتة الجديدة ؛ ثبتها قبل أن يغير ما بداخل المحل . كان المارة يتغامزون ويضحكون ( يافطة فطاطري على خمارة ) لكن أباه لم يعبأ بهم ، كان يعرف ما يفعل فقد ظل أياما يتفنن في عمل اللافتة قبل أن يتسلم المحل من الخواجة .
    لسعته حرارة الكوب فتنبه ،ورشف رشفة منه ، وضعه على الكومودينو ، وأخذت يداه تربتان على فخذيه بعصبية . لم يطق صبرا فقام خارجا إلى الردهة ومنها إلى خارج الشقة ، صفق الباب بعنف ( لعنة الله على شباب اليومين دول . الواحد منهم عايز يربى سوالفه ، ويرطن بالأفرنجي ، ويبقى بيه . مش مهم بقى إزاي وبكام . مش مهم أبدا بكام ) قالها بعصبية وهو يلكم الباب الخارجي للمنزل لكمة أحدثت دويا في الليل . لم يبال بألم يده ، ولا بالناظرين المندهشين . تابع سيره ( جيل يتعب ويشقى ، وجيل يضيع كل شيء في التراب ، ويحط راسه في الوحل ).
    حاول المستحيل معه لكنه أصر على موقفه ؛ أن يترك مهنته كمهندس ويعمل معه بالمحل . في البداية أخبره أنه يريد تطوير المحل ( فالمستقبل للديكور الجديد والشكل الجذاب ) وجد كلامه معقولا فوافق ، لكنه اشترط عليه أن تبقى اللافتة كما أرادها جده ؛ بألوانها الثلاثة : الأحمر ثم الأبيض فالأسود ، و باللون الأخضر على المساحة البيضاء ( فطاطري ابن البلد ) .. ياه كانت أيام .. كان يتفنن في اصطيادهم بعد مطاردتهم في حواري القلعة الضيقة الملتوية . لم يعط لأي جندي منهم الفرصة لاستخدام السلاح.. آه السلاح .. لم يعد السلاح هو العلم في هذه الأيام ( هكذا يقولون ) وإلا لما ترك الهندسة واتجه للبيتزا . كاد أن يتعثر على الدرج المؤدي للشارع الكبير عندما رنت في أذنيه تلك الكلمة اللعينة ( بيتزا ؟ ! بيتزا في القلعة ؟ الله يسامحك يا باشمهندس ).
    منذ شهرين صُعق عندما رأى ابنه وقد هدم الفرن الكبير في صدر المحل ــ والذي بدونه يصبح المحل أي شيء إلا محل فطاطري ــ رغم ذلك تمالك أعصابه وسأله عن السبب ، فأخبره أن هناك فرنا أحدث منه في الطريق إليهم . أوشك على الصراخ عندما تجاسر وأنباه أن فطيرهم أصبح موضة قديمة ، وأن هناك أنواعا جديدة واردة من الخارج عندما سمع اسمها أول مرة هب كمن لدغه عقرب لم يدر بنفسه إلا وهو في فراشه ، وعن يمينه زوجته تطالعه في قلق ، وعن يساره تل من الأدوية التي وصفها الطبيب .
    عندما عاده الطبيب للمرة الثانية أنباه أن ضغطه في ارتفاع ، وحذره من الانفعال . انفعال ؟! وكيف لا ينفعل ؟ لقد حاول عبثا إقناعه بأن الفطير البلدي أحسن فطير ، وأن هذه البدعة لن تجر وراءها إلا الخراب لكنه لم يستجب .
    لسعته برودة الجو فأحكم لاسته حول وجهه ، زفر في ضيق ( تجديد وقلنا ماشي بيتزا وما قدرناش نقول لأ . لكن كله كوم واليافطة كوم ) .
    بخطواته السريعة اقترب من المقهى . حين أصبح أمامه ألقى السلام ، لم يسمع ردا بعد أن تجاوزه سمع صوت الشيخ سند ( ابن الحاج جاد جاب للمحل توني جديد .. الله يرحمك يا حاج جهاد ) شعر بالنار تضطرم في أعماقه . أحس بلفحها فرفع اللاسة عن وجهه ، وأسرعت خطاه . على البعد لاح له المحل . مجموعة ألوان فاقعة كانت الواجهة. اقترب فشاهد فتاتين شقراوين على جانبي المدخل ، اقترب أكثر شاهد ابنه ينحني مفسحا الطريق لشريكه الخبير ؛ خبير البيتزا !! غلى الدم في عروقه، انتفخت أوداجه، ارتعشت يداه ، ترقرقت في عينيه دموع لا تنهمر ، التفت يمينا ويسارا وجدها أخيرا مركونة على جدار قريب ، ملطخة بالأصباغ مطموسة الملامح ، تناولها بيده احتضنها وقبلها ، نظر إليهم بغضب ، هز رأسه آسفا ، لاح في عينيه إصرار عنيد ، حملها تحت إبطه الأيمن ، و.. مضى ..إلى أقرب محل دهانات .

    حسام القاضي [/align]ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ

    نشرت من قبل في :
    جريدة عُمان 31/1/1996 ( سلطنة عمان )
    مجلة الثقافة الجديدة أبريل / 1997 ( مصر )
    جريدة الرأي العام 4/5/2003 ( الكويت )

  • #2
    رد: بيتزا..!!

    دكتور حسام ألف أهلاً ومرحبًا بعودتك إلى دارك

    استمتعت بقراءة قصتك القصيرة بتحولاتها الرائعة

    اسمح لي أن اقتبس :

    ( جيل يتعب ويشقى ، وجيل يضيع كل شيء في التراب ، ويحط راسه في الوحل ).

    وهو جوهر الحكاية، لكن لا أنسى السطر الرائع عن العم "جهاد" وهو يصطادهم في الشوارع، والذي دسسته بين السطور بحرفنة واضحة!
    ثم حتى الأسماء ..، توني والعم جهاد واختيارك لها . أسف لتطفلي على روعة ما كتبت، وبارك الله في إبداعك.


    إذا أراد الله بقومٍ شرّاً أورثهم الجدل وقلة العمل

    تعليق


    • #3
      رد: بيتزا..!!

      المشاركة الأصلية بواسطة مكي النزال
      دكتور حسام ألف أهلاً ومرحبًا بعودتك إلى دارك

      استمتعت بقراءة قصتك القصيرة بتحولاتها الرائعة

      اسمح لي أن اقتبس :

      ( جيل يتعب ويشقى ، وجيل يضيع كل شيء في التراب ، ويحط راسه في الوحل ).

      وهو جوهر الحكاية، لكن لا أنسى السطر الرائع عن العم "جهاد" وهو يصطادهم في الشوارع، والذي دسسته بين السطور بحرفنة واضحة!
      ثم حتى الأسماء ..، توني والعم جهاد واختيارك لها . أسف لتطفلي على روعة ما كتبت، وبارك الله في إبداعك.
      صديقي العزيز / مكي النزال
      السلام عليكم
      سعدت جداً بقراءتك العميقة
      وملاحظتك الدقيقة لما دسسته بين السطور فهو بالفعل جوهر القصة
      رأيك في عملي المتواضع يحفزني للمزيد.
      أرجو ان تتقبل مني أسمى آيات التقدير والاحترام .


      ملحوظة : اكتشفت اليوم وجود عضو كريم يتفق معي في نفس الإسم ( حسام القاضي ) ومن خلال ردكم الكريم عرفت انه طبيب .. اما أنا
      http://airss.net/forums/member.php?u=1083

      تعليق


      • #4
        رد: بيتزا..!!

        الاخ حسام القاضي

        الحياة تدهسنا بخطاها...!!

        التشبث بالتاريخ...وحده

        لن يعيد..للايام..فروسيتها..!!

        نص..جميل.ومعبر..

        تحيتي
        [frame="7 80"]الفـــكرةُ..العالـــيةُ

        لا.. تحــــــــــــتاجُ

        لصــوت ٍ..عـــــال ٍ
        [/frame]

        تعليق


        • #5
          رد: بيتزا..!!

          المشاركة الأصلية بواسطة ثائر الحيالي
          الاخ حسام القاضي

          الحياة تدهسنا بخطاها...!!

          التشبث بالتاريخ...وحده

          لن يعيد..للايام..فروسيتها..!!

          نص..جميل.ومعبر..

          تحيتي
          الاخ العزيز / ثائر اللحياني
          السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
          أشكرك على هذه القراءة المتميزة
          تعقيبك الموجز المعبر أضفى على القصة
          رونقاً خاصاً ..
          هو ليس تشبساً بالتاريخ بل هو دعوة للتمسك بهويتنا
          والحفاظ عليها .
          دمت بكل الخير ز

          تعليق


          • #6
            رد: بيتزا..!!

            المبدع حسام
            هة الصراع بين القديم والجديد
            الشيخ يتشبث بالماضي و الشاب يرنو الى المستقبل
            و ما بينهما تدور أحداث هذا النص المؤثرة جدا
            دم في ألق

            تعليق


            • #7
              رد: بيتزا..!!

              سيبقى صراع الأجيال ما بقيت الأرض

              و التمسك بالأصالة لصيق للجيل الأقدم

              حسام القاضي

              تعرضت لمشكلة ازليه لا يمكن ان يكون لها حل غير تنازل الأقدم للأحدث خاصة و ان الأحدث هو حشاشة الروح

              لك الألق

              قمر
              قـ لــ يـــل مـن كل ش....يـــء

              تعليق


              • #8
                رد: بيتزا..!!

                المشاركة الأصلية بواسطة ابراهيم درغوثي
                المبدع حسام
                هة الصراع بين القديم والجديد
                الشيخ يتشبث بالماضي و الشاب يرنو الى المستقبل
                و ما بينهما تدور أحداث هذا النص المؤثرة جدا
                دم في ألق
                [align=center]اخي المبدع / ابراهيم درغوثي
                السلام عليكم
                نعم كل يتشبث بموقفه ، ولا يحاول احدهما التنازل
                فلكل رؤيتة الخاصة ، ولكل زمانه الذي يفضله.
                أشكر لك هذا الاهتمام وتلك القراءة العميقة.

                دم بخير .[/align]

                تعليق


                • #9
                  رد: بيتزا..!!

                  المشاركة الأصلية بواسطة قمر
                  سيبقى صراع الأجيال ما بقيت الأرض

                  و التمسك بالأصالة لصيق للجيل الأقدم

                  حسام القاضي

                  تعرضت لمشكلة ازليه لا يمكن ان يكون لها حل غير تنازل الأقدم للأحدث خاصة و ان الأحدث هو حشاشة الروح

                  لك الألق

                  قمر
                  [align=center]قمر ....
                  هي بالفعل مشكلة ازلية ، ولكن القديم هنا لا يمثل الأصالة فحسب
                  بل يمثل التمسك بالهوية ، فالبيتزا هنا رمز لكل ما نستورده من قيم ومباديء
                  على حساب قيمنا واخلاقنا الأصيلة.
                  لك كل التقدير والاحترام.[/align]

                  تعليق


                  • #10
                    رد: بيتزا..!!

                    استاذ حسام القاضي
                    استمتعت بقراءه قصتك
                    سو سو

                    تعليق


                    • #11
                      رد: بيتزا..!!

                      البتزا كما الاعتقاد بالتخلي عن الموروث الثقافي كلها افكار اتى بها المستعمر ..................وكذا الغرب يا صديقي ...........هدفه الاول تغريبنا .............
                      كم احببت الحكاية وابطالها وحكمها ومغزاها كل هذا لم يخف الق السرد والوصف والمعنى ..........
                      شكرا سي حسام ......
                      احبك يا وطني

                      تعليق


                      • #12
                        رد: بيتزا..!!

                        أبي يريد..............وأنا أريد
                        صراع الماضي والحاضر
                        صراع التاريخ والمستقبل
                        قصة جميلة وضعتنا في لب الموضوع
                        شكر الك
                        حبيبتي

                        أحبك وقلبي منفطر............أفرحيني أسعديني

                        تعليق

                        يعمل...
                        X