إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

اسرار النهر

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • اسرار النهر

    اسرار النهر

    حين تعود هذه الذكرى فى أول كل عام ميلادى اتذكر جدى عليه رحمة الله كان يرتدى فى ذلك اليوم كامل حلته العسكرية القديمة وكل ميدالية معدن ونيشان حصل عليه ابان خدمته الطويلة، ثم يشد قامته بعكس تيار الزمن، اتذكره صارما مشرق الوجه بالفخر ينظر الى شاطئ النيل والى بقعة بعينها وسط النهر يطلق الناس عليها اسم شيمة الريس. ذلك العام انتظرته حتى اليوم التالى بعد ان اكمل طقوسه وعاد منحنى الظهر ابيض اللحية والثياب حاملا بيد مسبحته والاخرى تحمل العصا التى لاتفارقه. جلست بقربه على ضفة النيل الشرقية ننظر معا الى ذات البقعة وقتها كان التيار قويا والشيمة تصدر صوتا بضيع فى بقعة ما بين الحزن والفرح وكذلك كان هو حال جدى ذلك العام، يرسم بعصاه على الرمل الناعم خطوطا تتقاطع لتفترق ثم تفترق لتتقاطع قلت استحثه للخروج من صمته جدى ترى لماذا سميت هذه الدوامة باسم شيمة الريس وماهى حكايتها؟ تراجع الى الوراء واسند ظهره الى الضفةالطينية الهشة وبدا كمن يغوص فى حميم الذكريات ثم اتانى صوته مغردا بفخر اجهل مصدره قائلا الريس حمد ود حليمة كان شخصا أقرب الى البلاهة منه الى الفطنة والذكاء فى صغره عرف عنه الخوف الشديد من كل شئ لذلك فقد اطلق عليه اقرانه اسم ود حليمة التى اشتهر بها وقد عمل بعد ذلك مع والده الذى كان ينقل الناس وحيواناتهم على متن مركبه الخشبى العتيق بين الضفتين الشرقية والغربية مقابل اجر لايكاد يذكر واحيانا دون مقابل فهو الاكثر ادراكا بحال أهله ولم تنكر عشيرته فضله وشهامته ولم يناديه احد من قبل بغير اسم الريس حتى لم يعد كثير من الناس يتذكر اسمه الحقيقى، وحين توفاه الله تولى ابنه المسؤلية ولدهشة الجميع ومع قلة حديثه وضعف الثقة فيه فقد قام مكان ابيه خير قيام تعلم منه اسرار النهر التى لا يبوح بها لاحد وورث عنه تلك الشهامة النادرة التى اشتهر بها. صمت جدى لوهلة وارتفع صوت الدوامة عاليا ولكنه لازال فى موقعه ذاك بين الحزن والفرح بل ولعله الى الحزن كان أقرب.
    عاد جدى الى الحديث فقال سارت الحياة بعد ذلك كعهدنا بها منذ زمن بعيد حتى عصر ذلك اليوم الذى قرر فيه مفتش منطقة شندى الانجليزى فجأة ان يزور الضفة الغربية للنيل فحضر الى الشاطئ ممتطيا جواده الابيض تصحبه فرقته العسكرية وجوقته الموسيقية فصدرت الاوامر على الفور الى الريس ود حليمة ان ينظف المركب ويخليه من الركاب حتى ينقل حضرة المفتش الى الضفة الاخرى أمتثل الريس ود حليمة ففعل كلما بوسعه لجعل المركب العتيق لائقا بحضرة المفتش. وقتها كان النهر فى اوج فيضانه ولابد لمن يريد الوصول الى المركب ان يخوض مسافة من المياه الضحلة. ترجل المفتش عن جواده وارتفع صوت الموسيقى فى الشاطئ الذى شهد ذاك العصر تجمعا لم يشهده من قبل .الرجال والنساء والاطفال وشيوخ البلد وكبار شخصيات الادارة الحكومية المصرية الانجليزية والسودانية منها. ترجل المفتش من جواده الابيض الاغر فقد استنكف ان يخوض به مساحة المياه الضحلة الى المركب واشار الى الريس ود حليمة ان يحضر امامه ثم أومأ اليه وسط دهشة الجميع ان يركع ليحمله على ظهره الى المركب صمت جدى لوهلة اكتسبت ملامح وجهه تعبيرا يصعب تفسيره مزيجا من كل انفعال ثم اضاف انتصب الريس ودحليمة واقفا قامة مديدة تخفى ورائها قرص الشمس الذى مال نحو الغروب وثوب مهترئ بالكاد يستر كل الجسد، نظر فى العيون التى ترمقه، نظر فى عيون نساء شندى والمتمة، والى الرجال مطاطئ الرؤوس الذين اتجهت ابصارهم نحو الارض ثم ركع امام المفتش الذى ركب على ظهره، سار به خائضا فى المياه الضحلة كمن يتجه الى المركب ولكنه لم يتوقف ودخل به الى المياه العميقة ثم الى الدوامة. حدث كل ذلك فى غمضة عين مفاجاة شلت الجميع فلم تنطلق صفارات الانذار والاعيرة النارية الا بعد ان احتدم الصراع بين الرجلين، وانطلق نداء المفتش بالاستغاثة، وارتفعت اصوات النساء وسط الضجيج بزغاريد الفرح المكبوت وهما آنذاك على بعد شبر من مركز الدوامة ثم انقطعت الاصوات وارتفعت فقاقيع المياه على السطح بعدها هاج الشاطئ وماج واندفع الجنود نحو النهر سباحة والى قلب الدوامة وبعد مجهود شاق انتشلوا المفتش وهو بين الحياة والموت،فرق العسكر الرجال الذين اندفعوا بالهتاف ضد الاستعمار فى حماس وشجاعة بالسياط والرصاص حتى استتيوا الهدوء من جديد. اما الريس ود حليمة فلم يعثر عليه احد حتى بعد ان اتت فرق عسكرية اخرى فتشت كل شبر فى المنطقة باسرها وحتى قاع النهر.عاش المفتش لكن لندن اوصت بنقله الى مستعمرة اخرى ربما ليجد بشرا من معدن آخرأقل صلابة.
    حدق جدى فى وجهى مليا وكأنه يريد القول اليست التسمية هى اقل ما يستحقه الرجل؟ ارتفع صوت الدوامة مع رياح الشمال الباردة حزينا دون شك هذه المرة وتقاطعت خطوط جدى على الرمل الناعم فى حدة، لمحت فى عينيه تلك النظرة التى لا تخطئها العين حسرة على الراهن لكن ذلك لم يمنعنى من سؤاله عن مصير الريس ود حليمة عندها فقط علت وجهه تلك الابتسامة المشرقة وهو يقول لى الم اخبرك بان والده قد علمه كل اسرار النهر التى لا يبوح بها لاحد!!!!

    المناسية هى عيد الاستقلال الوطنى
    شندى والمتمة معاقل قبيلة الجعليين التى تقطن شمال السودان
    د.عوض النقر بابكر محمد
    المستشفى الوطنى بالرياض

  • #2
    رد: اسرار النهر

    د.عوض نص جميل بما حمله من قيم الشهامة والوطنية التي أصبحنا نفتقدها الآن...وخاصة مع جهاد بناء الوطن والذي سماه الملك محمد الخامس بالجهاد الأكبر، أما الأصغر فهو الجهاد من أجل الاستقلال.
    تحياتي

    تعليق


    • #3
      رد: اسرار النهر

      دكتور عوض , نص مميز

      أثار الشجون , حين تعود ذكرى الاستقلال االسنوية ,’ أحب أن أرنم تلك السطور





      يومها كانت أمنياتنا أجمل.. وأحلامنا أكبر.

      يكفي أن تتأمل وجوه الناس اليوم وأن تسمع أحاديثهم وأن تلقي نظرة على واجهات المكتبات لتفهم ذلك.
      يومها كنّا وطناً يصدّر الأحلام.. مع كل نشرة أخبار إلى كل شعوب العالم.

      وكانت هذه المدينة بمفردها تصدّر من الجرائد والمجلات والكتب ما لا تصدّره اليوم المؤسسات الوطنية لا نوعاً.. ولا عداً.

      يومها كان لنا من المفكرين والعلماء.. والشعراء والظرفاء والكتاب، ما يملأنا زهواً وغروراً بعروبتنا.

      اليوم.. لم يعد أحد يشتري الجرائد ليحتفظ بها في خزانة، إذ لم يعد في الجرائد ما يستحق الحفظ

      .. لقد تحولنا إلى أمة من النمل، تبحث عن قوتها وجحر تختبئ فيه مع أولادها لا أكثر..




      .
      السفن تنعم بالأمان في الموانيء، لكنها لم تصنع من أجل ذلك..!

      (جريس هوبر)

      تعليق


      • #4
        رد: اسرار النهر



        تتجدد مياه الأنهار بالأسرار ، فما بالها أنهارنا جفت ؟! ,, تحية

        تعليق


        • #5
          رد: اسرار النهر

          احبتى
          كل من شرفنى بمروره الكريم
          آسف لتاخرى فى الرد عليكم فظروف وطنى الآن تجعلنا نفكر بشكل قد يكون قاتما بل وحتى قدنصل حد السؤال عن هذا التاريخ الذى احتفى به جدى............. نسأل الله ان لا يتغير !!!!!! والاستعمار الجديد يحشد قوى الشر الجديدة استعدادا للانقضاض.

          تعليق


          • #6
            رد: اسرار النهر

            [align=center][tabletext="width:70%;"][cell="filter:;"][align=center]أستاذ عوض

            قصة رائعة تمتعت بمعانقتها

            ننتظر جديدك

            تحياتي و تقديري [/align]
            [/cell][/tabletext][/align]
            [ALIGN=CENTER][TABLETEXT="width:35%;border:5px double deeppink;"][CELL="filter:;"][ALIGN=center]في الحب شقاء ..
            وفي الشقاء لذة........
            وفي اللذة راحة........
            وفي الراحة نقطة بداية تصارع الموت
            [/ALIGN]
            [/CELL][/TABLETEXT][/ALIGN]

            تعليق


            • #7
              رد: اسرار النهر


              د.عوض النقر بابكر محمد


              للحرية وللشهامة وللفخار حكايات ينقشها الإنسان

              كل في موقعه وحسب امكاناته

              وكان هذا الجد و ود حليمة إحدى هذه الحكايات

              فبرغم بساطته وبلاهته كان يعلم جيدا ً معنى الكرامة

              كم راقت لي هذه القصة لغةً واسلوباً وموضوع

              متعتنا حقاً

              كم نحتاج لهذه النماذج الإنسانية في زمننا

              همس الشوق

              تعليق


              • #8
                رد: اسرار النهر

                عمل يستحق التقدير ، للفكرة ثراؤها وخصوصيتها .. قاص ماهر بفنون القصة واللغة .. أرجو العناية حال الكتابة الالكترونية

                تعليق


                • #9
                  رد: اسرار النهر

                  الاخت همس الشوق والاخوان محمد وطلال
                  كل عام وانتم بخير وربنا يعطيكم العافية وما اقعدنى عن المشاركة بالجديد فى المنتدى غير ظروف المرض دعواتكم بالشفاء والى ملتقى قريب باذنه تعالى لكم كل الود
                  اخوكم
                  عوض

                  تعليق


                  • #10
                    رد: اسرار النهر

                    المشاركة الأصلية بواسطة د.عوض النقر بابكر مشاهدة المشاركة
                    الاخت همس الشوق والاخوان محمد وطلال
                    كل عام وانتم بخير وربنا يعطيكم العافية وما اقعدنى عن المشاركة بالجديد فى المنتدى غير ظروف المرض دعواتكم بالشفاء والى ملتقى قريب باذنه تعالى لكم كل الود
                    اخوكم
                    عوض
                    د. عوض

                    مرحباً بحضورك نورت منتداك

                    ***

                    اللهم رب الناس أذهب البأس

                    و اشفه أنت الشافي

                    لا شفاء الا شفاؤك

                    شفاء لايغادر سقماً

                    آمين

                    تقديري العميق

                    تعليق


                    • #11
                      رد: اسرار النهر

                      كل عام وانتى بالف خيرو خير
                      حقق الله امنياتك مع حلول عيد الفطر المبارك
                      الف تحية وتقدير

                      تعليق


                      • #12
                        رد: اسرار النهر

                        سرد جميل و قصة مؤثرة يعطيك العافية د عوض
                        ذكرتني هاته القصة بقصة رجل عظيم لم يعلق في ذاكرة المسلمين لسوء الحظ .. لأن هذه الذاكرة قد اكتضت بالتافه من الأسماء... الرجل الذي اعنيه هو رجل كمليون رجل.. رجل استطاع بعملية فدائية اماطة الحملة الفرنسية الهمجية و الظالمة عن مصر و المسارعة بإجلائها عن وادي النيل..ذلك الرجل الشاب هو سليمان الحلبي كردي سوري كان يدرس في الأزهر فقررذات يوم حينعاين همجية الحملة و بطشها بالمصريين اغتيال الحاكم العسكري كليبر خليفة نابليون في مصر فتنكر في زيّ متسول و تربص بالجنرال فلما رآه الجنرال وقد تقدم سليمان باسطا اليه يده ظن أن الأخير يريد تقبيل يده ــ كما ظن الأنجليزي المتعجرف أن بطلنا يريد منحه ركبة لوجه الله تعالى ـ فاستل سليمان الحلبي خنجرا أورد به الجنرال معسكر الهلكي... المؤسف في القضية ان فرنسا "بلاد الحضارة و النور " حكمت عليه باحراق يده اليمنى وهو حي ثم اجلاسه في خازوق اخترق مؤخرته و عبر ظهره حتى خرج من بين كتفيه و قد اثنى المؤرخون الغربيون عن صبره في محنته. و قد ظل مخوزقا ساعات عديدة قبل ان يسلم الروح.. المؤسف ان فرنسا نقلت الهيكل العظمى للبطل ووضعت جمجمته في متحف الإنسان باريس وقد كتب تحتها جمجمة ارهابي في حين وضعت هيكله في متحف النباتات.
                        المؤسف ايضا ان جاك شيراك رفض في آخر عهده اعادة الإعتبار للبطل الشهيد و دفنه و تكريمه
                        رحم الله سليمان الحلبي ولا رحم الله من مد يدا لمسؤول غربي.
                        مع مودتي
                        "أدرس الماضي إذا أردت تحديد المستقبل"

                        تعليق


                        • #13
                          رد: اسرار النهر

                          لمحة قصيرة معبرة عن تحد
                          تأملت معها رائحة الجذور وانبثاق الحياة في البدن الحى
                          د/ عوض .....
                          إليك خالص تقديري





                          تعليق

                          يعمل...
                          X