إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

سموم

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • سموم

    تعود الشيخ الطيب أن يؤدى ركعتي الفجر عند شاطئ النيل، وسط ذلك الجلال المهيب ثم يجذب شبكته ليرى ما رزقه الله من اسماك في ذلك اليوم. غير أن ذلك الفجر لم يكن كمثله لم تصدق عيناه ما ترى أغمضهما فركهما ثم فتحهما لكن المرئيات ما زالت هي نفسها، اتكأ بظهره على الضفة الطينية،غرس يديه بقوة في عمق الرمال الندية حتى يستبين الحقيقة من غيرها تعوذ بالله الحي الدائم الذي لا يموت ثم انطلق نحو القرية لا يلوى على شئ وهو يصرخ بكلمات يصعب وضعها في استقامة حتى يستبين السامع مغزاها.
    استيقظت القرية عن بكرة أبيها النساء و الرجال وحتى الأطفال على ذلك الصوت الذي أضحى متحشرجا من شدة الانفعال والتعب.وأخيرا عند باب منزل العمدة توقف حاج الطيب عن الركض الجنوني وجلس على الأرض يلتقط أنفاسه في صعوبة بالغة ، حيث قدم له العمدة الذي أخذته المفاجأة ولكنه تمالك نفسه عادة كبار القوم عند المحن، كوبا من الماء ثم بدأ بسؤاله في هدوء رزين، وقتها كانت العتمة ما زالت مظلة طاغية لم تخترقها بعد أضواء الفجر الباهرة والشيخ الطيب عاجز عن الحديث وهو يشير بيديه صوب الشاطئ. تحرك الجميع وهم يحملون المشاعل والعصي إلى تلك البقعة من الشاطئ التي أشار إليها في البدء كان الجمع يتحرك في همة وحماس ثم بدأ الخوف بتسرب إلى النفوس شيئا فشيئا غير إن وجود النساء من خلفهم جعل فكرة التراجع ضربا من المخاطرة بسمعة قد تلتصق بأحدهم وأسرته ربما إلى أجيال قادمة رغم أن هذا لم يمنع الخطوات من التثاقل خاصة و الغيوم وقتها قد تكاثفت ساحلة بذلك كل بذرة أمل في ضوء فجر آت .
    وأخيرا وصلت الخطى المتثاقلة إلى حافة الضفة الطينية العالية وعلى ضوء تلك المشاعل المرتجفة فاق المنظر تصور كل من عاش تلك اللحظة فخيم صمت نسجته دهشة لا حدود لها وخوف تمدد حتى بسط جناحيه فوق رؤوس الجميع.......هناك على الشريط الرملي الضيق بين الضفة والماء كانت العشرات من الأسماك و مخلوقات النهر تستلقي بين الحياة والموت والمزيد منها يخرج من النهر إلى الرمال مواصلا حلقة الانتحار الجماعي تلك. استعاد الجمع رباطة الجأش لحد ما وبدأ البعض في قراءة الآيات المنجيات والتعوذ إلى أن قاطع الجميع بخارى المجنون والذي كان قبل أن تتدهور قواه العقلية مدربا لفريق الكرة بالقرية قال وهو يطلق ضحكته الشهيرة تلك ويحلل الموقف من وجهة نظره مستغلا جنون اللحظة وانتباه الناس له الأمر الذي لا يحظى به في أيام الحياة العادية فقال (الأمر يا أهلي في غاية البساطة هم خرجوا ويريدون منا نحن الدخول تبادل مراكز يعنى)، انطلقت الضحكات من هنا وهناك فذاب جدار الصمت والخوف في لحظة وحلت مكانه غريزة حب الاستطلاع فأخذ البعض يقلب في الأسماك الميتة والبعض الآخر ينظر في دهشة إلى مخلوقات أخرى لا مسميات لها تلمع عيونها في الظلام كالخرز. الفكي إبراهيم الفلاتى اختزل الأمر كله في كونه عمل الكفرة من الجن أما الشيخ الحسن فقد أمر الجميع بالصلاة والدعاء لله أن يرفع عنهم البلاء كما أوصى بان لا يؤكل لحم هذه الأسماك. التفت العمدة إلى أبناء القرية الذين تلقوا تعليما بالمدارس يبحث عن تفسير ما ولكن لم يتحدث منهم أحد عدا عامر غير المرغوب فيه والذي يحكى عنه في القرية سرا بأنه شيوعي فقال بعد أن تنحنح وأصلح ياقة قميصه الغريب يا جماعة الرأسمالية الغريبة التي بدأت بالظهور في مجتمعنا في طورها البدائي لم يفهم احد شيئا، ولم يقاطعه احد حتى لا يتهم بعدم الفهم فأضاف في ثقة عززها الصمت بأنهم يلقون اى الرأسماليين الجدد بنفايات المصانع في النهر مما يؤدى لتلوث النهر ونفوق مخلوقاته وأضعافنا نحن طبقات الشعب الفقيرة حتى لا نطالب بحقوقنا التي يبتلعها فائض القيمة لديهم. فقط جبارة والذي كان في السابق يعمل طباخا مع الجيش الانجليزي هو الذي ظل وحده أعلى الضفة الطينية ينظر إلى الجميع على نحو لا يخلو من استخفاف وهو يدخن لفافة كريهة الرائحة هو الذي صاح عند نهاية هذا الحديث وهو يقول مؤيدا الجزء الذي فك طلاسمه( نعم أتذكر أن الجيش الانجليزي قد فعل نفس هذا الأمر من قبل وقد كانت النتيجة أيضا كما ترون الآن).صاحت واحدة من النساء بصوت يفيض توسلا(يا الشيخ طه تنجدنا) قاطعها احدهم قائلا هذا كفر أما الطالب الجامعي الملتحي سليمان فقد صاح بأعلى صوته وكأنه يخطب من منبر آمرا الجميع بأن يصلحوا من أعمالهم حتى يرفع الله هذا البلاء عنهم ولكنه كان كمن فتح النار على جبارة وعامر حين صاح احدهم في عصبية كيف نستمع إلى شيوعي وحشاش وقبة الشريف طه بقريتنا فهاج الجمع وماج واشتبكت العصي الغليظة في قتال حقيقي وارتفعت أصوات النساء والأطفال بالصراخ والعمدة ينادى في الناس وهو يتفادى الضربات الطائشة يمينا ويسارا، يأمرهم بالهدوء وإلا استعان بالحكومة في وسط ذلك الهرج وعلى حين غرة ارتفع صوت النهر قويا مدويا فهرع الكل دون سابق اتفاق، السبعيني في خفة ابن العشرين والمرأة مع صغارها بقوة الرجال نحو الضفة العالية في حين اقتحمت شريط الرمل الناعم أمواج هادرة أعادت إلى جوف النهر كل مخلوقاته ثم هدأ كل شئ في لحظة والجميع ينظر إلى النهر من الضفة وهو يندفع في جلال ومهابة و بقوة لا مثيل لها في طريقه الابدى نحو الشمال وكأن شيئا لم يحدث فيما كانت الشمس تشرق من خلف الغيوم بألوان الذهب الأصيل.
    د.عوض النقر بابكر محمد.
    المستشفى الوطني بالرياض20/8/2007

  • #2
    رد: سموم

    الاستاذ الدكتور عوض
    شدتني الشخصيات ووظيفه كل منها بالنص
    لاعدمناك
    رحيق

    تعليق


    • #3
      رد: سموم

      شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

      تعليق


      • #4
        رد: سموم

        د. عوض

        يسلمو ع اللغة المتفردة .

        تعليق


        • #5
          رد: سموم

          الاستاذة ميران
          اطيب تحية
          لك كل الود على المرور الجميل

          تعليق


          • #6
            رد: سموم

            ادخلت في نفسي نفس خوفهم ونفس ترقبهم بكلماتك المتقنة
            سلمت يداك استاذي الجليل
            sigpicعندما رماني الله حصاة صغيرة في هذه البحيرة العجيبة..أزعجت هدوءها بأن أحدثت على سطحها دوائر لا يحصى عددها...ولكن عندما بلغت إلى أعماقها..صرت هادئة مثلها..
            جبران خليل جبران

            تعليق


            • #7
              رد: سموم

              سبحت في تيارات قصتك البحرية

              ووضعت نفسي في ذلك المشهد لمست حينها صراعا حقيقا بين العلم والعقل وبين الخرافات والدجل

              وظفت هذا الصراع بحوار قصصي جميل

              سلمت يداك
              حبيبتي

              أحبك وقلبي منفطر............أفرحيني أسعديني

              تعليق


              • #8
                رد: سموم

                الاخت عاشقة القلم
                اضاء نور مرورك الحكاية لك خالص الشكر

                تعليق


                • #9
                  رد: سموم

                  الاستاذ محمد
                  لك منى خالص الود

                  تعليق


                  • #10
                    رد: سموم

                    [align=center][/align]





                    شكرا غاليتي ذكريات الأمس


                    الحزن كلمة تنقصها دقة الوصف للحالة..

                    الموت ليس نهاية الأمس بل ماساة الغد..

                    فهد..

                    و بدات ماساتي مع فقدك..
                    *** ***
                    اعذروا.. تطفلي على القلم

                    أنتم لستم رفقة مهمة بل أنتم الأهل و العائلة..


                    الابتسامة تعبير ابيض عن مستقبل اراه في منتهى السواد.. بالإرادة و العزيمة وقليل من المال، يمكن بناء غرفة من الصفيح، لكن لا يكفي لبناء اقتصاد منتج..


                    لا أعرف أين ابحث عني لأنه لم يعد لي عنوان ثابت

                    تعليق

                    يعمل...
                    X