إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

عشق فى عشق

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • عشق فى عشق

    جدي عثمان ود أحمد ودالناير الحواتي ، بلغت شهرته في مهنة صيد الأسماك وكل ما يتعلق بها من شئؤن حدا جعل لقب الحواتي يلتصق به وكل أفراد عائلته الي اصغر حفيد له. لم يترك لنا جدي عند وفاته غير مركب عتيقة من خشب السنط المتين كان يسميها المبروكة ومنزلا ضخما يعج بطالبي الأحسان والمسافرين و الضيوف ، لم يكن له من الأبناء غير والدي وعمي حسين. عمل والدى بالتجارة منذ أن اشتد عوده إلا أن تجارته كانت كسيحة تنكشف عورتها في نهاية كل عام فيقوم جدي رحمه الله بسترها. اما عمي حسين فقد استقر بالمدينة منذ وقت طويل حيث تزوج وأنجب ولم يعد يأتي الي القرية حتي في أيام حياة والده،إلا لماما عندما تشتد حاجته الي المال.
    أستيقظ في الصباح الباكر علي جلبة وضوضاء عبدالله ود الفكي وهو يتناول قهوة الصباح مع جدتي كعادته منذ أن ترك مهنة صيد الأسماك بسبب كبر سنه وعدم قدرته علي مغالبة شدائدها.يضحك عبدالله ود الفكي بصوته المرتجف وهو يتجاذب أطراف الحديث مع جدتي ذلك الحديث الذي لا ينتهي عن ذلك الزمن الأخضر الذي مضي بكل بهائه وديعة في ضمير الازل.. بعد أن يفرغ عبدالله ود الفكي من قهوته وانسه يأخذني من يدي لأذهب معه الي شاطئ النهر الي حيث تقف المبروكة مشدوذة الوثاق إلي جزع شجرة ضخمة بالقرب من الشاطئ تنظر الي الامواج في شوق وحسرة يحدثني ود الفكي عن جدي و هو يتدلي من الضفة الطينية العالية في يسر يمد لسانه لسنوات عمره التي جاوزت الثمانين يقول لي جدك الريس ود الناير الحواتي قضي من حياته داخل النهر ربما أكثر والله أعلم مما قضاه بالبر ،كان كريما شهما طويل القامة قوي البنية لا يشبه احدا من أبنائه ولا أحفاده الذين رأيتهم لم يسبقه أحد منا نحن معشر الصيادين الي الشاطئ كان يذهب قبل بزوغ الفجر بوقت طويل ولقد تسللت يوما خلفه خفية لأري ماذا يفعل، فوجدته يوقد مصباحه الصغير في قلب المبروكة ثم يشعل بخورا عبق الرائحة بعد ذلك يخرج مصحفه الصغير ثم يبدأ في ترتيل الايات الكريمة بصوته القوي الجميل والطبيعة الساكنة من حوله تصغى فى خشوع وابتهال بعد ذلك يبدأ استعداده ليوم العمل، يرتق ما أنفرط من عقد الشباك يمسك الخيط بأصابعه الطويلة الرشيقة فأراه يتراقص بينها مثل شعاع باهر ليستقر حيث يريد له ثم تاتي الكرة علي المبروكة فيدهن بقعة هنا ويضع خشبة هناك وهو بذلك يكون قد اكمل استعداده لرحلة الصيد ، وهو الوقت الذي نحضر فيه نحن الي الشاطئ ، فيصطحب رجاله وينطلق الي عرض النهر ، كان يصيب حين يخطئ الكل في تحديد المكان الصحيح ويعود بالصيد الوفير حتى في أكثر الفصول شحا وندرة نقول له ونحن نمزح معه بأنه صاحب حظ عظيم يبتسم في مودة ثم يستغفر الله لنا جميعا يصمت لوهلة ثم يقول لنا وهو ينظر الي النهر في مودة (الحكاية وما فيها يا جماعة ان الأمر كله عشق في عشق) يقول ذلك وهو يضحك بصوته القوي . وكذلك يضحك ود الفكي هو الآخر ويسعل ويتأوه والأمواج بقرب الشاطئ دوائر تتداخل في بعضها البعض ثم تتلاشي كما تلاشي ذلك الزمن الذي يتمني ود الفكي أن يعود.
    يلمس ود الفكي مقدمة المبروكة في حنان وهو يقول لي: لن يمس احد المبروكة بسوء ما دمت علي قيد الحياة فهي أصل.... ثم يصمت ولا يكمل حديثه ربما لأنه لم يكن واثقا من فهمي لما يرمي إليه وذلك لصغر سني.
    ضاقت الأحوال بوالدي باع كل ما استطاع أن يبيعه باع أرض الساقية ونخيل الضفة الاخري وذلك حتى يتمكن من تغطية نفقات البيت الكبير ، كذلك كانت تجارته تزداد تعثرا فتأخذ منه ولا تعطي شيئا ثم أصبح الأمر اشد وطأة حين حضر عمي حسين وعائلته للإقامة بالقرية بعد أن أصبحت المدينة جحيما لا يطاق .

    كانت تلك هي المرة الأولي التي اري فيها ابناء عمي وكانوا هم في دهشة وعجب لكثير من الأشياء حولهم ربما لأنهم لم يألفوا مثلها في المدينة . بعد أيام كان عمي حسين قد أدرك تماما سوء الحال الذي وصل اإليه البيت الكبير فأجتمع مع أخيه احتد النقاش وعلت الأصوات كان عمي حسين يري انه لا مفر لنا من بيع المركب وكان والدي يرفض ذلك بقوة إكراما لوصية والده تلك القوة التي أخذت تلين تحت ضغط الواقع المرير ويبدو أن عمي حسين قد أعد للأمر سلفا فحدث كل التجار والصيادين بعزم أسرة الريس ود الناير علي بيع المبروكة وهو هنا يستفيد من خبرته في المدينة للحصول علي أعلي سعر ممكن وقد حدد مكان المزاد بقرب المبروكة في مطلع الأسبوع القادم .
    في صباح ذلك اليوم أجتمع التجار والصيادون وكل منهم يتوق إلي اقتناء مركب الريس ود الناير الحواتي مهما كلفه ذلك من ثمن . وعمي حسين في أوج نشاطه وهو يعلن السعر الأخير ويضرب خشب المبروكة في عنف وهو ينتظر من يزيد حين ظهر شبحان تبينت فيهما جدتي وعبد الله ود الفكي كانا ينحدران أسفل الضفة الطينية العالية في قوة تسخر من كل قوانين العيش والبقاء حتى أصبحا في مواجهة الجميع ، فتقدم عبد الله ود الفكي ورفع يده وهي تحمل العصا ثم صاح بصوت كأنه يصدر عن إنسان آخر قائلا من يريد أن يأخذ مركب ود الناير الحواتي عليه أولا أن يأخذ روحي وقد كان ود الفكي هو الآخر صيادا معروفا وبمثابة الأب للجميع فأنصرف معظم الحضور تقديرا له تقدمت جدتي ربتت علي خشب المبروكة في حنان ثم أجهشت بالبكاء ..وهكذا أجهض مزاد عمي حسين وعادت جدتي المنزل يسير أمامها عبد الله ود الفكي وهو يضرب بعصاه الأرض في نشوة من فرط سعادته بانتصاره العظيم
    مضت الأيام والحياة تزداد عسرا أغلقت معظم غرف الضيافة بالمنزل الكبير وعاد اثنان من أبناء عمي الصبيان إلي أهلهم بالمدينة وبقي الثالث الذي أندمج في مجتمع القرية والصيادين أما زوجة عمي فقد كانت تملا الدنيا زمجرة وضجرا من سوء الحال ، حتى ذلك اليوم الذي استيقظ عمي فيه قبل الفجر بوقت طويل ولم يجد ابنه في مرقده فطفق يدور بأرجاء المنزل كالمجنون، استيقظ الجميع ثم اتسعت الدائرة لتشمل الأقارب والجيران ثم أهل القرية ..شرع الجميع في البحث عنه إلا عبد الله ود الفكي فهو الوحيد الذي بقي معنا نحن الصغار ثم كعادته أخذني من يدي وسرنا في ذات الطريق الذي نذهب إلي النهر وكأن شيئا لم يحدث أحسست أنه يدرك أمرا ما لا يعرفه أحد سواه ومع ذلك فقد واصلنا المسير في صمت.. كان ود الفكي يسير في جهد ومشقة وكأن كل آثار السنيين لم تجد طريقها إلي جسده إلا عند هذه اللحظة وصلنا إلي مكان المبروكة لم تكن هناك في مكانها الذي اعرفه تقدمنا نحو الشاطئ في صمت وحذر كانت المبروكة هناك داخل مياه النهر ارتقينا مكانا عاليا لنستطيع رؤية من بداخلها ..علي ضوء ذلك الفجر المرتعش انتبهت لأول مرة إلي أن ابن عمي الذي يقف في قلب المبروكة ، طويلا قويا وان البخور عبق الرائحة كان بأتى من داخل المبروكة ثم رايته علي ضوء مصباحه الصغير يمسك خيط الشباك بأصابعه الطويلة الرشيقة فيتراقص الخيط بينها مثل شعاع باهر ليستقر حيث يريد. دمعت عينا ود الفكي ضمني إلي صدره وهو يقول لي المبروكة أصل الخير.و قد كانت تلك هي أول مرة يكمل فيها هذه الجملة.. والآن بعد كل هذه الأعوام وقد عاد المنزل الكبير عامرا كما عهده الأول وأنا الآن اعاظل الكتابة فأخضعها حينا وتتمرد علي في معظم الأحيان وحين أحس بالضيق يتسرب إلي صدري ارفع رأسي ، أبتسم لنفسي مشجعا وأنا أقول لها الحكاية وما فيها يا جماعة .. أن الأمر كله (عشق في عشق.)
    الحواتى من الحوت
    ود ولد او ابن عامية سودانية

  • #2
    رد: عشق فى عشق

    د. عوض ،
    صباحك نقاء

    نفس قصصي روائي بامتياز .. ألك كتب منشورة ؟!


    الحكم نتيجة الحكمة والعلم نتيجة المعرفة
    فمن لا حكمة له لا حُكم له ، و من لا معرفة له لا عِلم له.

    تعليق


    • #3
      رد: عشق فى عشق

      الاخ نور الادب
      شرفنى الق مرورك العطر
      لك منى كل التحايا
      لى مجموعة قصصية تحت اطبع تحت عنوان حصاد التراب والعديد من المقالات المبعثرة فى صحف مختلفة

      تعليق


      • #4
        رد: عشق فى عشق

        الاستاذ الدكتور عوض النقر بابكر
        عشق في عشق ضربا أم تداخلا
        لاعدمناك
        رحيق

        تعليق


        • #5
          رد: عشق فى عشق

          اخي الدكتور عوض
          ولمن خاف مقام ربه جنتان ، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان


          استمتعت بالقراءة
          جزيل شكري

          تعليق


          • #6
            رد: عشق فى عشق

            الاخ الاستاذ رحيق الادب
            عاطر التحايا
            تصعب الاجابة عن سؤالك ضربا ام تداخلا بشكل مباشر لكن قناعتى بان لا يوجد نص ما يقف وحيدا غير ان التداخل هنا إن كان بمعنى التناص فهو بالنسبة لى ذلك التناص الذى يتخلل فضاء النص دون وعى به بمعنى انتفاء القصد المسبق اما الضرب فدون شك هو كذلك.
            آمل ان اكون قد اجبت ولو بشكل جزئ عن سؤالك
            بانتظار ان اسمع منك
            لك كل الود

            تعليق


            • #7
              رد: عشق فى عشق

              الاستاذ نادر التل
              لك منى كل التحايا الاخوية
              كل الود وانت تضع معجزة البيان شعارا
              الله نسأله رفعة وعزة المؤمنيين
              حفظك الله

              تعليق


              • #8
                رد: عشق فى عشق

                دز عوض
                رائعة تلك اللغة التي أحدثت نصا قصصيا بامتياز

                جميل الشكر لك
                [align=center]
                sigpic
                شكرا لمن نثر الشوك في طريقي ، فقد علمني كيف أميّز جيدَ الزهرِ


                مدونتي حبر يدي

                شكرا شاكر سلمان
                [/align]

                تعليق


                • #9
                  رد: عشق فى عشق

                  سرد رائع وجمالية في القص بديعة


                  شكرا لقراءة أمتعتني


                  دمت وهذه الروعة




                  تعليق


                  • #10
                    رد: عشق فى عشق

                    حمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين،
                    إخوتي في الله انقضى عام بما فيه من أفراح وأحزان ومن طاعات ومعاصي ودخل عام جديد,
                    فأردت أن أرسل لكْ لكِ هذه الرسالة ,وأسميتها دعوة إلى التجديد .

                    أرجو أن يلبي الجميع الدعوة لتجديد النشاط في المعهد من أجل ا لتنمية "ملكة التفكير "،

                    و التجديد و الإسهام في العلوم ، وحرية التفكير,
                    والبحث حتى في المسائل الدينية و السياسية , و الأدبية .


                    تحاياي
                    لايكفي أن تطرق باب الإنسانية لتحس بمجيئها نحوك , عليك أن تخطو تجاهها و التوقف عن الاختباء خلف الزمن,


                    امرأة محتلة

                    تعليق


                    • #11
                      رد: عشق فى عشق

                      دكتور عوض..

                      شوقنا لك اكبر..

                      تحياتي؛





                      شكرا غاليتي ذكريات الأمس


                      الحزن كلمة تنقصها دقة الوصف للحالة..

                      الموت ليس نهاية الأمس بل ماساة الغد..

                      فهد..

                      و بدات ماساتي مع فقدك..
                      *** ***
                      اعذروا.. تطفلي على القلم

                      أنتم لستم رفقة مهمة بل أنتم الأهل و العائلة..


                      الابتسامة تعبير ابيض عن مستقبل اراه في منتهى السواد.. بالإرادة و العزيمة وقليل من المال، يمكن بناء غرفة من الصفيح، لكن لا يكفي لبناء اقتصاد منتج..


                      لا أعرف أين ابحث عني لأنه لم يعد لي عنوان ثابت

                      تعليق

                      يعمل...
                      X