إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

عيد الغرباء

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • عيد الغرباء

    عيد الغرباء

    [align=justify]
    استيقظت مبكراًعلى صوت المصلين وهم يرددون ( الله أكبر، الله أكبر، لا إله الا الله) التي أعتدت سماعها فجر كل عيد، نهضت وفتحت النافذة لأتأكد من صوت المردد، إنه ذات الشخص الذي أعدت سماعه من خلال مكبرات الصوت كل عام، وايقنت من خلال طريقة ترديده الغاضبة إنه لم يكن من حجيج هذه السنة، وتصورت لو إنه اتيح له أن يخطب في المصلين خطبة العيد اليوم فبالتأكيد سينهي الخطبة بقوله:
    - ضحوا فأني مضحي بهذا " الحملة دار" الذي مابرح يرفع أجور الحج حتى بات من المستحيل تأدية هذه الفريضة. فضحكت وأزحت الغطاء ونهضت للصلاة.

    لم يعد العيد كما كان سابقاً..، أو ربما لم أعد أنا كما عهدت نفسي، فسنوات الغربة الطويلة التي التهمت كل مشاعر الفرح مثل "الأرضة" التي تنخر الخشب وتحوله إلى رماد أصفر، جعلت أيام الأعياد تمر خاطفة كالشهب دون أن تترك خلفها أي أثرغير ومضة ذات ملامح مجهولة.

    أكتض مطعم "صمد العراقي" بالعراقيين، الاطفال يتصارخون، لم يمس العيد منهم سوى ملابسهم الجديدة، والتي بدأت تأخذ "عيديتها" من الكباب والمَرَق. صوت ناظم الغزالي يلعلع ولايكف من ترديد: - (حيك بابة حيك الف رحمة لأبيك، هذولة العذبوني، هذولة المرمروني، وعلى جسر المسيب سيبوني(.

    كنت اتطلع بالوجوه، واحدا تلو الآخر، أبحث عن فرحة العيد التي لابد لها وأن تتربع على وجه أحدهم هنا، بينما راحت زوجتي تنهي وتأمرالأطفال بعدم العبث بالسلاطة والتراشق بنعمة الله.
    - حرام ماما، حبيبي الله يزعل. كررتها الف مرة دون فائدة، كما كانت تفعل أمي معنا.

    قبل ان ننتهي من الغداء استهوتني فكرة البحث عن شخص اسأله عما يشعر به اليوم، علني اجد مبررا لشعوري المتحجر هذا، فالوجوه هنا لا تبوح بشئ، ولكي أقوم بذلك بكل حريتي طلبت من زوجتي ان تذهب لزيارة صديقتها المطلّقة، ومواساتها في مثل هذا اليوم.
    - والله تكسبين بيها أجر. - قلت لها كمن يريد ان يؤكد اقتناعها بالفكرة-.

    خرجنا إلى الشارع، استقلت هي والأطفال سيارة الأجرة، بينما رحت أنا أتجول في الشارع باحثاً عمن يمكن أن يكون ضحية سائغة لرغبتي العارمة في معرفة ما يكنه صدر الآخرين في مثل هذا اليوم.

    همت على وجهي اتلفت يمينا وشمالا، احدق بوجوه المارة، لم اتعرف على اي شخص رغم أنني اسكن في نفس هذه المنطقة منذ اربعة أعوام. وحاولت أن اتوقع عدد الأصدقاء الذين سيبادروني بالتحية خلال هذه المسافة، ويهنؤني بوجوه بشوشة بالعيد، لو أني كنت في بلدي الآن.

    تخيلت وجوه اهلي واقاربي، ورحت اقلبها واحداً تلو الآخر كمن يتصفح البوماً للصور. استرجعت في ذهني ايام طفولتي والفرح بالعيد مثل شريط سينمائي، واستغربت كثيراً انه لم يعد بأستطاعتي تذكر الألوان، فقط الأبيض والأسود، أجهدت نفسي دون جدوى في تذكر لون الحذاء الجديد الذي وضعته قرب مخدتي ليلة عرفة ولون البدلة التي فرشتها على سريري بينما نمت انا تلك الليلة على الأرض قرب السرير. كانت فرحتي لا يضاهيها شئ، ولولا تحذير والدتي لنا من ارتداء ملابس العيد قبل طلوع الفجر - "حتى لا يزعل علينا العيد" لكنت لبستها وانتظرت حتى الصباح.

    أكثر شئ كان يدهشني في العيد هو الذهاب الى السينما، لا ادري لماذا لم تكن تجذبني المراجيح ودولاب الهواء وغيرها من العاب الصبيان. كنت أدخل السينما دون تعيين، فقط لمجرد مشاهدة الفلم. لا تهمني اسمائها ولا حتى يافطاتها المرسومة بألوان صاخبة، لوجوه الممثلين والممثلات النصف عاريات احيانا. وإنما كنت اتدافع للوصول إلى شباك التذاكر المزدحم بأشخاص أكبر مني سناً للحصول على تذكرة.

    فاجأني شخص اشقر الشعر بعينين مبتسمتين بسؤاله عن الوقت. فأعتذرت بخجل عن عدم معرفتي، وتذكرت أنني لم البس ساعة يدوية منذ أن وصلت إلى هذا البلد، واندهشت أنه ومنذ ذلك الوقت لم يسألني احد عن الوقت ايضاً.
    بدأ التعب يدب في ساقي، وانا اجوب الشوارع، دخلت كل المطاعم، وفتشت بهو فنادق عدة، ولكن لم تطالعني غير وجوه غريبة آلية التقاسيم، لم استطع أن اتفرس منها اي شئ.
    - أإلى هذا الحد تبلدت احاسيسي ؟ - سالت نفسي بألم

    جلست إلى حائط إحدى المطاعم بانتظار أن يأتي احد اعرفه، وضعت ارنبة انفي بين ركبتي. فغفيت. استيقظت على رنة هاتفي المحمول.
    - حبيبي وين صرت ؟ الأطفال يريدون ينامون. - هتفت زوجتي.

    لا أدري كم مضى من الوقت وانا على هذه الحالة، فالظلام نشر عباءته على المدينة. تلألأة المصابيح واغرقت الشوارع بلون أصفر شاحب. حركت رجلي لأنهض، سمعت جلجلة نقود معدنية تناثرت حولي رماها لي بعض المارة.. التقطتها بسرعة ودفعت نفسي متهاويا خلف سائق سيارة الأجرة ينتابي الخجل.
    [/align]

    دبي يناير 2009

  • #2
    رد: عيد الغرباء

    رائع يا عامر

    والله قد رسمت صورة الغربة بإتقان

    والحزن واضح بين السطور

    وهنا يا عامر الآن وفي البلد الذي كنت فيه لم يبق للعيد هوية

    تعليق


    • #3
      رد: عيد الغرباء

      الاخ عامر السامرائي.. تحية طيبة :

      نص قصصي جميل ، يحمل في مضمونه لوحة انسانية محملة بألالم والحيرة..كانت سابقاً النصوص التي تعالج موضوع الغربة هي لكتاب المغرب العربي .. ربما بفعل الموقع الجغرافي لتلك البلدان .. اما اليوم فأصبح للكتاب العراقيين نصيب فيه .. وما يميزهم هو : ان موضوعة الحنين الى المكان والبيئة اصبحت قاسم مشترك وصفة ملازمة لأي نص ..تحياتي وسلامي

      تعليق


      • #4
        رد: عيد الغرباء

        الصديق عامر

        قصة في مبناها البساطة السردية الجاذبة وفي معناها ألم المنفى والاغتراب, والمحصلة حالة ممغنطة لا فكاك من الانجذاب إليها حتى أقاصي وجع الفكرة وفرح التكوين المطرز بحرير الإبداع.
        دمت صديقي بكل هذا الثراء وهذا البهاء.
        ......................

        موقعي الخاص

        http://www.mazendwaikat.org/index.htm

        .......................


        لبلادنا ينحني الضوءْ
        في شرفة ِ الشمس ِ
        والجرحُ ماء الوضوءْ
        في صلواتها الخمس ِ

        تعليق


        • #5
          رد: عيد الغرباء

          القلم ينساب ألما، فيرسم معه ملامح غريب
          بساطة في اللغة ، مع الميل لعامية لابدّ أن تظهر أحيانا لخدمة العمل القصصي
          فكرة يحياها الكثيرون لكن من يستطيعون وضعها في سرد ملائم ، هم أقلة
          حركية منطقية وتتابع جميل
          عامر السامرائي
          أجدت أيها الغريب الحبيب
          عشت ألمك ومازلت أعيشه،
          تحيتي
          [align=center]
          sigpic
          شكرا لمن نثر الشوك في طريقي ، فقد علمني كيف أميّز جيدَ الزهرِ


          مدونتي حبر يدي

          شكرا شاكر سلمان
          [/align]

          تعليق


          • #6
            رد: عيد الغرباء

            رحلة سردية نحو أنتروبولوجيا الوطن... تلك الرحلة بكل ما تحمله من وجع الذكرى ولدة التذكر.
            نص جميل.
            أحييك.

            تعليق


            • #7
              رد: عيد الغرباء

              الاستاذ عامر السامرائي
              ما اقسى ما كتبت
              لافض فوك
              رحيق

              تعليق


              • #8
                رد: عيد الغرباء

                قاسية هي الغربة

                و خاصة أن كنت تعيش غربة داخل وطن...


                الأستاذ عامر ... تقديري


                كن بالف خير ,,,,,,,,,,,,............
                ..............’’’’’’’’’’’’’
                لايكفي أن تطرق باب الإنسانية لتحس بمجيئها نحوك , عليك أن تخطو تجاهها و التوقف عن الاختباء خلف الزمن,


                امرأة محتلة

                تعليق


                • #9
                  رد: عيد الغرباء

                  إيه أيها الغربة

                  ما أصعبك !!!

                  نص يحمل بين طياته الكثير من الواقع الأليم

                  دمت وروعة ما كتبت




                  تعليق


                  • #10
                    رد: عيد الغرباء

                    أصدقائي وأحبتي جميعاً

                    لا أريد أن اخص احداً منكم بالشكر الجزيل، فكلكم اخوة واحبة واصدقاء.

                    أشكركم جميعا على ردودكم الرقيقةوقرائتكم للنص

                    تعليق

                    يعمل...
                    X