إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

يعوي عارياً

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • يعوي عارياً



    كانت تبكي وكنت محصوراً . نسيت بأني كنت أقتلها. نهضت مسرعا
    وشعرت بألم شديد فاضطررت لأن أتكئ على الجدار حتى وصلت إلى
    دورة المياه، راعني بعدها اللون الأحمر. غادرت بعد ذلك دون
    أن أخبر بشرى. الذعر الذي أصابني فتح لي منفذاً واحداً يشبه الهروب من الموت.
    اتجهت من فوري إلى العم سعد، ذلك الكائن الغريب، الذي أمقته
    وفي الوقت نفسه لا بد أن أعرج عليه أكثر من مرة في اليوم الواحد، ولا أعلم لماذا.
    الطريق إلى منزله يأخذني عبر أزقة ضيقة وكلما اقتربت منه أشعر بتسارع
    خطواتي وكأن قوى خفية تجرفني نحوه حيث يسكن آخر الحي، كأنه اختار
    أن يكون البدء منه والمنتهى إليه .
    كعادتي أركل الباب بقدمي , لم يصدف أن وجدته مغلقاً، أدخل إليه بدون سلام وأتخذ مجلسي بعيداً عنه
    وأمسك ( بالريموت ) الذي أجده دائما حيثما أجلس، لا أدري إن
    كان هو من يتركه لي هناك بعد كل اتصال أجريه معه أخبره فيه بمقدمي
    أم أنه لا يشاهد (التلفاز ) . كالعادة، يبدأ ثرثرته حول ماذا فعلت
    وأين ذهبت ومن التقيت، وأجيبه كعادتي بإيجاز، وأتركه بعد ذلك
    يملي نصائحه أو يعود بذاكرته لمواقف شبيهة بتلك التي حدثته عنها، أو يسرد علي بعض حكاياه
    وحينها أكون انشغلت عنه بتقليب القنوات. في غمرة متابعتي لأحد البرامج انتبهت إلى صوته وهو يقول:


    - أعلم بأنك ستعود، ولكن ليس قبل أن تنبت في عقلك شجرة الخطايا.
    يا بُني طينتك طريّة لم تختبر بعد، الشر هو أنا وأنت. إذا لم تنغمس في الشرور لن تستطيع إدراك معنى أن تكون حياً، لن يمكنك فهم المعنى الحقيقي لكلمات مثل أعيش وأتنفس، لن تفهم معنى أن تتخلص من خوفك، وتخلع جلدك الذي ورثته من دون خيارات متاحة، وأن تعود روحك إلى الأصل بعد ذلك، إلى فطرتك ، طينتك الأولى، معدنك الحقيقي ..


    كنت أستمع إليه واسخر من شعوذته في قرارتي، وأنحي باللائمة على الخرف الذي يبدو بأنه وجد له مستوطنة يتسكع فيها داخله.
    تململت وطرقعت أصابعي وأخذت ( أمزمز) بشفتي. تعمّدت أن يلاحظ كل ذلك ليعفيني من محاضرته المملة، أو هكذا توهّمت،
    ويبدو أن فطنته وجدت طريقاً آمنا من بين أزقة خرفه لتتسلل منها، فلقد بتر حديثه في وصفه لِكُنْه طينتي واعتذر مني على الوقت الثمين الذي ترّمد في حضرة شيخ كبير.
    تبسمت له وأرسلت عدة كلمات شكر واعتذار سريعة ومبهمة وأنا أتجهز
    للوقوف وعيني تتلصص على الباب بجذل لم تستطع محاولاتي - غير الجدية في مجاملته - إخفاءه.
    عندما غادرت أخذت أتهكم من اعتماد كبار السن على خبرتهم في الحياة، واستدعيت المقولة التافهة ( أكبر منك بيوم أعلم منك بسنة ).
    يهمني ألا ( يتفزلك ) أحدهم ويجعلني أجلس القرفصاء أمامه ليمارس أستاذيته علي.
    توجهت إلى المقهى حيث ينتظرني صديقي ماجد. عندما أخبرته بما دار بيني وبين عم سعد، وطريقتي في الهروب منه،
    نظر إلي باستغراب وسألني:
    - لماذا هرعت إليه إذن؟
    - لا أدري.
    - ..
    - بصدق لا أعلم لماذا ، ولا تنظر إلي هكذا. ربما أردت أستمع إلى صوت آخر فقط. ولكن ليس أي صوت.
    تعلم بعد أن تركت بشرى داهمني هاجس موحش وشعرت بفكي تنين يلهبان قفاي، وأكثر من ذلك أصبحت أخشى دخول دورات المياه، ينتابني شعور بأنني سأموت في إحداها،
    لذا لن أدخل إليها إلا للضرورة القصوى، وسأترك الباب مواربا، وأحاول أن أنتهي بسرعة كي أغادرها قبل أن يحدث لي شيء مما أخافه،
    وذلك الشيخ الطاعن في السن يريدني أن أنغمس في الخطايا كي أميز بين الأشياء.
    لا يعلم بأني أعيش في مستنقع، تحيط بي القاذورات من كل جانب.
    أي خطايا تلك التي يريدني أن أتنقع فيها وأنا الذي يقيم مجبراً في وسط الوحل؟
    - لا يبدو أنك بخير، هل جربت زيارة استشاري نفسي؟
    - الاستشاري حقيقة. ويخالجني شعور بأن مثل هذه الحقيقة لا تكون منطقية في أغلب الأحيان، هي ليست إلا شفرة حادة يتم استعمالها بشكل سيء، أي أني لن أصل معه إلى نتيجة مرضية لي، سوى تغذية شعوره باستحقاقه للقب، وهنا يكبر وهمه وتصغر ذاتي، ولا أريد لهذا أن يحدث. اعتبره نوع من الرفق.


    أتذكر سؤالاً شاكسني فيه عم سعد:
    - حينما تسعى إلى الموت بقدمك ويرفض تطوُّعك، هل يعني ذلك بأن الحياة
    تتمسك بك وتحب وجودك أم أن الموت يراك أحقر من أن يقبل بك في ذلك الوقت، ويفضِّل
    أن يخطفك في وضع لم تكن مهيئاً فيه لاستقباله؟ لاحظ أني أخشى الموت في كل حالاته
    ومع ذلك من الجبان هنا.؟
    وجدتني أجيب بدون تفكير:
    - ربما لا أحد.!
    - ربما.


    نهضت وتركت ماجد ورائي يكمل ( المعسل) وعدت إلى الشيخ لأجده منكباً على وجهه يعوي عارياً
    وعندما رآني أخذ يضحك بشكل هستيري. أخذت مكاني بجواره وقمت بتقليده وأخذت أضحك مثله
    بعض الأحاسيس يجب وأدها ؛ كي لا تورِث حمقا





  • #2
    رد: يعوي عارياً

    الأنصاري

    ممتع حرفك

    حياك ربي

    تعليق


    • #3
      رد: يعوي عارياً

      حرف ساحر،
      سيدي العذب، كثر هم الذين أرهقتهم الخطايا فراحوا يهربون منها، ويخشون الموت خطائين،
      أسجل هنا روعة اللغة وتنامي الحدث بشكل دائري ملتف، يبدأ من الشيخ النصيحة ، ليعود إلى الشيخ الضحكة الهستيريا ، وكأن الحياة لا تهدأ على حال ، وأولئك الذين يعيشون على هامشها هم بين خوف وتردد وفي النهاية هم عاجزون عن التغيير أو حتى الراحة ولو كانت في بيت الراحة( دورة المياه ) فيعيشون الحياة عبثا كضحكة هستيرية.


      شكرا لهذا الجمال
      [align=center]
      sigpic
      شكرا لمن نثر الشوك في طريقي ، فقد علمني كيف أميّز جيدَ الزهرِ


      مدونتي حبر يدي

      شكرا شاكر سلمان
      [/align]

      تعليق


      • #4
        رد: يعوي عارياً

        وذلك الشيخ الطاعن في السن يريدني أن أنغمس في الخطايا كي أميز بين الأشياء.
        لا يعلم بأني أعيش في مستنقع، تحيط بي القاذورات من كل جانب.
        أي خطايا تلك التي يريدني أن أتنقع فيها وأنا الذي يقيم مجبراً في وسط الوحل؟
        - لا يبدو أنك بخير، هل جربت زيارة استشاري نفسي؟
        - الاستشاري حقيقة. ويخالجني شعور بأن مثل هذه الحقيقة لا تكون منطقية في أغلب الأحيان، هي ليست إلا شفرة حادة يتم استعمالها بشكل سيء، أي أني لن أصل معه إلى نتيجة مرضية لي، سوى تغذية شعوره باستحقاقه للقب، وهنا يكبر وهمه وتصغر ذاتي، ولا أريد لهذا أن يحدث. اعتبره نوع من الرفق.

        الاستاذ عبدالإله الانصاري
        الشيخ الذي يقيم بداخلي تمنى لو انه
        قائل هذا الكلام
        لاعدمناك
        رحيق

        تعليق


        • #5
          رد: يعوي عارياً

          عبدالإله

          بتغيب وبترجع محمّل بالدرر
          يسلمو

          كل عام وانت بخير

          تعليق


          • #6
            رد: يعوي عارياً

            عبد الأله الأنصاري


            أمتعتني بالقصه...هي صورة من الحياة....
            آمنت بالله ايمانا عرفت به ان الزمان على الباغين دوار

            تعليق


            • #7
              رد: يعوي عارياً

              المشاركة الأصلية بواسطة شاكر السلمان مشاهدة المشاركة
              الأنصاري

              ممتع حرفك

              حياك ربي
              احتفي بحضور نبيل مثلك يا شاكر

              شكراً لقلبك
              مودتي ،،
              بعض الأحاسيس يجب وأدها ؛ كي لا تورِث حمقا




              تعليق


              • #8
                رد: يعوي عارياً

                المشاركة الأصلية بواسطة حسام أحمد المقداد مشاهدة المشاركة
                حرف ساحر،
                سيدي العذب، كثر هم الذين أرهقتهم الخطايا فراحوا يهربون منها، ويخشون الموت خطائين،
                أسجل هنا روعة اللغة وتنامي الحدث بشكل دائري ملتف، يبدأ من الشيخ النصيحة ، ليعود إلى الشيخ الضحكة الهستيريا ، وكأن الحياة لا تهدأ على حال ، وأولئك الذين يعيشون على هامشها هم بين خوف وتردد وفي النهاية هم عاجزون عن التغيير أو حتى الراحة ولو كانت في بيت الراحة( دورة المياه ) فيعيشون الحياة عبثا كضحكة هستيرية.


                شكرا لهذا الجمال
                قراءتك تضيف لي الكثير يا حسام
                كل الشكر لقلبك
                سعيدٌ بك
                مودتي ،،
                بعض الأحاسيس يجب وأدها ؛ كي لا تورِث حمقا




                تعليق

                يعمل...
                X