إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

جريمة.

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • جريمة.

    جريــــمة...
    "عندما يتتزوج الجوع بالغربة؛ يطلق القلب حب المكان" غريب...

    محني الرأس، مقوس الظهر،يقطع نفس الشارع بنفس الرتابة،يكاد وهج الشمس يحرق عينيه،حرارتها المفرطة جعلت الاسفلت كقطعة اسفنج سوداء تنطبع عليها أقدام المارة بسهولة كما جعلت الشارع خاليا إلا من أناس قلائل؛يبدون غير راضين بوجوههم العابسة في لاشيء.
    مزيج من النفور والكره ينتابه لهذا المكان وأهله؛شعوره بالانتماء اللامشرف يتزايد مع كل خطوة.
    رائحة التراب المتعفن وقد اختلط بالنفايات البشرية تزكم أنفه كلما اقترب من بيته المهترىء في قلب الزقاق.
    كل الأصوات تختلط في أذنيه؛ صراخ،عويل أطفال صغار،أصوات خشنة ،أخرى متأوهة ،غناء... وضحك مع بكــاء...نشاز جُمع بعنف فزاده كرها لهذا المكان.
    يضع يده في جيبه،يخرج مفتاحه الصدىء، يفتح الباب بسلاسة،تلفح وجهه رائحة عرق معتـقة وغبار دافىء يملأ رئتيه وعقله. بنفس السلاسة ، وكأنه يؤدي عملا يوميا، يستلقي على ظهره، السرير يئز وعيناه اللتان مازالتا تجمعان ضوء النهار الحاد لم تميزا بعد شيئا من تضاريس الغرفة.
    فتح عينيه بقوة كأنما لينفض ما علق بهما من ضوء، ببطء بدأت ملامح الغرفة تتضح؛عن يمينه كانت وسادته الثانية التي كانت زمنا ما بيضاء يضعها فوق رأسه أو يضمها قبل أن ينام، أثار ريقه واضحة عليها،أشكال غير مفهومة لكنها تذكره بأشياء ما.فوق المائدة العرجاء كان إبريق الشاي؛مرر لسانه فوق شفتيه في اشتياق.
    أدار رأسه بسرعة كمن يطمئن على أن شيئا من متاعه الفقير لم يكن ناقصا.حركة مريبة جعلته ينظر للسقف،بطيئة لكنها واضحة ...كانت لها...
    النوم يتسلل إلى عينيه،معدته الخاوية كناقوس يدق في عقله، عضلاته المرتخية جعلته يغوص أكثر في سريره، يجد نفسه دائما أمام الخيار الصعب:النوم أو الأكل.قال بتراخ:
    ــ مساء الخير..
    أحنى رأسه قليلا وهو يقاوم عينيه المتثاقلتين، ينتظر جوابا،خيط ضوء بدأ يتسرب إلى الغرفة من النافذة الوحيدة، هي أشبه بثقب صغيربدون إطارتثيره أكثر مما تفيده.الضوء المتسرب جعله يراها أكثر وضوحا. تتحرك برجليها المزغبتتين فوق الخيوط الدقيقة جدا التي اتخذت لونا ذهبيا باهتا عندما لامسها الضوء النافذ إلى الغرفة.برغم بدانتها،تتحرك بليونة ورقة.
    فتح فمه، تبدت بعض أسنانه المتبقية متفحمة.تناول علبة السجائر،أخرج سيجارة،أشعلها بلهفة،تناول نفسا طويلا،تنهد ليخرج ما في صدره من دخان حاول إيصاله للسقف،خرج من فمه متكاثفا قبل أن يتشثت في فضاء الغرفة،عندما عبرخيط الضوء الباهت الأصفر توقف للحظة ،تغير لونه واختفى. أحس بالحنق... تحركت هي في بطء ثانية،كانت كمن يرقص على أصوات موسيقى غير مسموعة.
    يا لظلمك الجارح...تركتك تعيشين بقربي ،منحتك زاوية من غرفتي،أفردت لك زاوية في عقلي تثيرينه كل مساء بحركاتك المتوجسة .أسألك فقط فلا تجيبينني إلا بصمت مر.ألم أقل فيك يوما شعرا:
    أنت كالطيف ....
    أنت رائعــة....
    كأمطار الصيف.
    فلم تجيبي. وقلت ذات مرة :
    أقرضت الغزال عينيك
    فلما رأت عيناك
    عينيــك
    غارت من عينيك
    عينـــــاك....
    ... فتخيلتك تسخرين. أطلب قربك وأنت من فوق ترينني كما أنا .لم أستطع يوما أن أخفي نفسي كما تفعلين تحت قناع آخر غيري ، لم أستطع يوما أن أبدل مشيتي المقوسة المثيرة للشفقة،من طريقة أكلي المتوحشة،من نومي المليء كوابيسا وشخيرا أو حتى عندما كنت أحكي لك عن العالم هناك ،كنت أحكي ببساطة،بانفعال،أبصق هنا وهناك، أصرخ ،أبكي،أنام قبل أن أكمل قصصي...ببساطة أعتبر نفسي وحيدا رغم وجودك بقوة...
    أتذكرين أول يوم رأيتك فيه ،كنت في الزاوية المتسخة الباردة.عندما تمطر، تتبلل خيوطك الدقيقة،تتشرب قطرات الماء المتسربة من الحائط المهترىء، حتى فرائسك القليلة كانت تتلمس الدفء فتبتعد عن عالمك القاسي فكنت وحيدة، منعزلة وجائعة.أنا فقط كنت أدفعك برفق بطرف المكنسة العاطلة، أصطاد ذبابات من حين لآخر، أقص أجنحتها فأرميها لك.
    كان يوما باردا جدا عندما استيقظت..لم تكوني في بيتك القديم المتهالك حيث الخيوط الصفراء تبدو مبللة تتدلى في غير تناسق...في بيتك الجديد بدت أكثر توترا وتأهبا.وكنت هناك تنظرين إلي بتشكك...
    عندما صمت، بدا جو الغرفة ثقيلا؛خيط الضوء الباهت كان مصرا على إتمام جولته في الغرفة...أغمض عينيه لوهلة، فتحهما، لم يتغير شيء؛كانت،هي،جامدة تنتظر كلاما، هو أحس بسخونة لاسعة تلهب أصابعه،تذكر سيجارته الذاوية،رج يده بقوة،كتم بكبرياء صرخة ألم ،نفخ في يده،تفل فيها،لمح شرارة السيجارةتخترق سماء الغرفة لتسقط على المائدة الخشبية.استسلم فوق سريره،رائحة قذرة استنشقها،كح في عنف...قفز فجأة،أدار وجهة في غير ما اتجاه، بدا شعوره متلاشيا،اصطدمت يداه بطرف المكنسة،بقوة وجهها إلى الزاوية فوق، يسب و يصرخ،المكنسة ترتعش بين يديه،لم يكن يميز شيئا، فقط كان يضغط ،يضغط،يضغط....
    تراخت يداه،سحب مكنسته التي جرت معهاالخيوط المتدلية،ثمة شيء أسود سقط على أرضية الغرفة المتسخ...أرجلها التوت بشكل مشوه،بعضها لم يكن موجودا،الباقية ترتج في ألم،البطن المنتفخة بدت مجوفة شوهاء ومتعفنة، سائل لزج يرشح من أنحاء عديدة بالجسم الصغير المتألم...
    جلس على حافة سريره،رمى مكنسته،أحدثت قعقعة شوشت بشكل مفاجىء على جو الغرفة الجامد، رآها تتلوى عند رجليه،دفعها ببطن قدمه المتشقق،ضغط جسمها الصغير..تك...أحس بنشوة حزينة تصعد من قدمه لتستقر كوخز حاد في دماغه.الآن انتهى كل شيء....
    عاود الاستلقاء على ظهره، أغمض عينيه.آخر ما التقطتاه هو صورة للزاوية كانت مظلمة وفارغة.
    استغرق في نوم غير مريح،معدته الخاوية تصر على إيلامه أكثر فأكثر،عندما أفاق من نومه الممل الطويل،كان يلهث،مسح حبيبات العرق الباردة من جبينه،فقد إحساسه بالاتجاهات،كان كل شيء ممتدا كنفق طويل.اعتدل ،حدق في الفراغ لوهلة قبل أن يميز موقع الباب ،وقف بصعوبة،تقدم،فتح الباب،اصطدمت عيناه بحاجز ضوء قوي،وجد نفسه خارجا،صفق الباب بقوة...ولم يعد....
    في الغرفة، كان خيط الضوء الباهت قد تحول لونه إلى البرتقالي،فالأحمر القاني كلون الدم قبل أن يتلاشى تماما وتسبح الغرفة في ظلام ممتد.



    عبد الغني حدادي .
    البروج في :2010/04/04

  • #2
    رد: جريمة.

    الأستاذ عبد الغني
    مرحبا بك بيننا ، وأتمنى ان يطيب لك المقام بين نخبة من المبدعات والمبدعين من مختلف بقاع عالمنا العربي..
    لي عودة إلى النص
    تقبل تحياتي

    تعليق


    • #3
      رد: جريمة.

      الأخ عبد الغني..

      مرحبا بك في دارك وبين عائلنك..

      تمنياتي أن يطيب لك المقام..

      تحياتي؛





      شكرا غاليتي ذكريات الأمس


      الحزن كلمة تنقصها دقة الوصف للحالة..

      الموت ليس نهاية الأمس بل ماساة الغد..

      فهد..

      و بدات ماساتي مع فقدك..
      *** ***
      اعذروا.. تطفلي على القلم

      أنتم لستم رفقة مهمة بل أنتم الأهل و العائلة..


      الابتسامة تعبير ابيض عن مستقبل اراه في منتهى السواد.. بالإرادة و العزيمة وقليل من المال، يمكن بناء غرفة من الصفيح، لكن لا يكفي لبناء اقتصاد منتج..


      لا أعرف أين ابحث عني لأنه لم يعد لي عنوان ثابت

      تعليق


      • #4
        رد: جريمة.

        عبد الغني، عدت إلى النص، ولا أملك إلا أن أقول:
        نص رائع!
        في انتظار المزيد
        تحياتي

        تعليق


        • #5
          رد: جريمة.

          [align=center]

          حالة من السأم يصاب بها المرء عندما يجد حياته لا لون لها ولا رائحة ,, مجرد أيام تمضي تجتر منه العمر ولا تترك له سوى بقايا صور باهتة مهترئة تخبره كلما استذكرها أنه ما زال على قيد الحياة ,, حياة الجوع لكل شيء حتى لبصيص نور ,,

          الأستاذ عبد الغني حدادي مرحباً بك في بيتك ,, وعذراً لهذيان ألمّ بي في متصفحك
          لكنها قصتكَ( جريمتك ) جعلتني أشرد في شارع الغربة والجوع ,,
          غريب !! [/align]

          تعليق


          • #6
            رد: جريمة.

            المشاركة الأصلية بواسطة el Mostafa Doukary مشاهدة المشاركة
            الأستاذ عبد الغني
            مرحبا بك بيننا ، وأتمنى ان يطيب لك المقام بين نخبة من المبدعات والمبدعين من مختلف بقاع عالمنا العربي..
            لي عودة إلى النص
            تقبل تحياتي
            بسم الله الرحمن الرحيم
            أشكرك أخي المصطفى على قبولكم لي كفرد من أفراد أسرتكم الأدبية المتميزين .شكرا

            تعليق


            • #7
              رد: جريمة.

              المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرحمن جاسم مشاهدة المشاركة
              الأخ عبد الغني..

              مرحبا بك في دارك وبين عائلنك..

              تمنياتي أن يطيب لك المقام..

              تحياتي؛

              بسم الله الرحمن الرحيم
              أشكرك أخي عبد الرحمن ، أتمنى من الله القدير أن أفيد وأستفيد.

              تعليق


              • #8
                رد: جريمة.

                المشاركة الأصلية بواسطة ماسه الموصلي مشاهدة المشاركة
                [align=center]

                حالة من السأم يصاب بها المرء عندما يجد حياته لا لون لها ولا رائحة ,, مجرد أيام تمضي تجتر منه العمر ولا تترك له سوى بقايا صور باهتة مهترئة تخبره كلما استذكرها أنه ما زال على قيد الحياة ,, حياة الجوع لكل شيء حتى لبصيص نور ,,

                الأستاذ عبد الغني حدادي مرحباً بك في بيتك ,, وعذراً لهذيان ألمّ بي في متصفحك
                لكنها قصتكَ( جريمتك ) جعلتني أشرد في شارع الغربة والجوع ,,
                غريب !! [/align]

                الأخت ماسة ،أشكر لك كلماتك الرقيقة.
                أعتبر هذيانك وشرودك وأنت تتابعين جريمتي مشاركة منك ومقاسمة لمرتكبها هموم الجوع والغربة.

                تعليق


                • #9
                  رد: جريمة.

                  تابعت الحروف ركضا بين السطور ...

                  أستاذ عبد الغني حدادي مرحبا بك بيننا و شكرا لما قدمته لنا من ابداع

                  تقديري و المحبة و أتمنى لك طيب المقام بإذن الله
                  لايكفي أن تطرق باب الإنسانية لتحس بمجيئها نحوك , عليك أن تخطو تجاهها و التوقف عن الاختباء خلف الزمن,


                  امرأة محتلة

                  تعليق


                  • #10
                    رد: جريمة.

                    المشاركة الأصلية بواسطة مرمر القاسم مشاهدة المشاركة
                    تابعت الحروف ركضا بين السطور ...

                    أستاذ عبد الغني حدادي مرحبا بك بيننا و شكرا لما قدمته لنا من ابداع

                    تقديري و المحبة و أتمنى لك طيب المقام بإذن الله

                    بسم الله الرحمن الرحيم

                    الحروف التي تفر هاربة بين السطور تكون أصدق مما نكتبه أحيانا ...
                    والقارىء البارع من يلاحقها ليسمع أنينها ولو كان خافتا...
                    الأخت مرمر ،أشكرك على الرد وأبادلك التقدير والمحبة.

                    تعليق

                    يعمل...
                    X