إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

همس وبشر...

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • همس وبشر...

    "أيا مسرعا؛ راكبا حصانه ،انتظر
    والتفت وراءك...."
    ******************************
    ما زالت الطريق غير المعبدة تصر على التمدد. كثعبان دون رأس تتلوى فجأة، يمينا أو يسارا؛ فتأبى الشاحنة المكتظة بهائم ، سلعا وبشرا إلا أن تجاريها في إيقاعها المتنافر بحنحنات فجائية من محركها، تتسمر للحظات وكأنها ستقف عاجزة عن صعود هذه المسالك،تنتفض قبل أن تدور عجلاتها ببطء ،لكن بإصرار.
    كلما تكرر المشهد ، اهتز قلبه في عنف، كان الوحيد الذي ترعبه هذه الرحلة اللامتناهية وكان الوحيد ربما الذي يدقق في كل شيء؛ غير بعيد عن رجليه يقف بصعوبة العجل المرقط ، التصق بأمه وقد كممت فمه، يرتعد مع كل حركة مفاجئة، دجاجات ، اكفهر بياضها بالغبار المتطاير، معصوبة الأرجل استسلمت ببلاهة لما يحدث؛ تبحث بمناقيرها عن أي شيء تلتقطه كأنما دعيت لوليمة ...صناديق الخضر وضع بعضها فوق بعض في غير انتظام ،صمدت في صبر لضربات قنينات الغاز المتدحرجة كلما اهتزت الشاحنة...
    أما الركاب فحز في نفسه أن يكونوا مرتاحين ، غير عابئين بطول و قساوة الرحلة ،ارتفعت أصواتهم في مرح واضح.أيديهم تتلاعب في الفضاء مع كل حرف يتلفظون به؛ كلمات فخمة مصحوبة برذاذ. كانوا يتكلمون في نفس اللحظة وينصتون في وقت واحد في إيقاع غريب. السائق نفسه ،كما بدا له من المرآة العاكسة، كان يدير نصف وجهه للنسوة بجانبه تاركا الأمر ليديه ورجليه تتحركان باعتياد.
    حاول أن يوهم نفسه باللامبالاة،تعبت عيناه، كلَ عقله، يداه تتشبثان ـ بقوة مفرطة أتعبت عضلاته ـ بالقضيب الحديدي الصديء الذي يمتد من وإلى طرفي عربة الشاحنة...كان قد منع نفسه من النظر إلى جانب الطريق الأيمن حيث العجلات تعيد بدقة رسم خط رُسم من قبل لا تفصله عن شفا الجرف سوى مسافة قريبة جدا، لم يسمح لنفسه كذلك بالتفكير فيما لو أضاعت العجلات هذا الخط من هذا العلو...
    كلما ازدادت ضحكات السائق الذي يبدو أنه استمتع بحديث النسوة وارتفعت أصوات الركاب ، إلا وازداد غيظا؛ كيف لهؤلاء ألا يقلقو ولو نصف قلقه؟ كيف لهم أن يرتاحوا وقد تكدس الغبار الأحمر، الذي يلف الشاحنة ويسبقها عند كل منعطف ، على وجوههم فتحول إلى أقنعة حمراء ، خطوط العرق فقط كانت تكشف عن أجزاء من البشرة الحقيقية المجعدة الكالحة ؟ بل كيف تطيب لهم ثرثرثهم الضاحكة وهم لايملكون ربع ما يضع هو في جيبه؟ فيم هو يقطب في كل شيء باحتقار ووجوم ...
    توقفت الشاحنة فجأة،فيما قفز الركاب قاطعين أحاديثهم بشكل مفاجىء وكأنهم اعتادوا على ذلك، ميز من خلال الغبار الكثيف ما يشبه الدكاكين، أدرك أنهم قطعوا نصف الطريق ليصل إلى دوار "......" حيث يعمل ، سينزل الجميع هنا لقضاء ساعة على الأقل للاستراحة، لن تزيد أعصابه إلا احتراقا ...
    نزل من الشاحنة ، أدار رأسه في كل الاتجاهات ،البيوت الطينية بدت وكأنها تتشبث بيأس بجنبات الجبال العالية ، الحرارة المفرطة ألزمت الناس بيوتهم، تشتت الركاب ليملأوا الدكاكين الثلاثة ضجيجا وحركة ، موسيقى محلية صدحت بشكل مفاجيء ، أحس معها بدفء غريب أراح عضلات وجهه المتشنجة للحظات.
    ولج بشكل متثا قل أحد الدكاكين حيث اتخذ لنفسه مكانا معزولا، أزال بعض الغبار من على وجهه بماء شبه آسن من أحد البراميل الصدئة. دبت الحركة في أرجاء الدكان ، نصفه دكان ونصفه مقهى، تحلق الركاب في جماعات حول براريد الشاي المطهوة على عجل .أغمض عينيه ،تمنى لو فتحهما على منظر آخر في مكان غير هذا، عندما فتحهما، ازداد تهجمه، الركاب أعادوا بدقة ترتيب خيوط أحاديثهم وانغمسوا في لغط و هرج مع ضحك مستمر ...
    وضع فتى في العاشرة ،بناء على طلبه،" طاجينا"* وهو يبتسم بحفاوة ، أزال الغطاء، صعدت رائحة حركت أمعاءه الفارغة، مد يديه نصف المغسولتين، لاك قطعة لحم ، لم يكن لها أي طعم وهو يضغط عليها تحت أسنانه، تقزز كأنه يبتلع قطعة عجين...حانت منه التفاتة،كانت كؤوس الشاي قد وزعت على الركاب مع قطع خبز متصلبة، يلوكونها بمرح واضح ، افترش جلهم الأرض فيما راح بعضهم في نوم مريح.
    فجأة ، ومض شيء في عقله،تسمرت يده وتجلى له واضحا عمق المفارقة ؛أدرك أن ما يضع أمامه لم يكن حتى ليغتصب منه ضحكة مُرة ،أدرك أن ما يضع في جيبه لم يضع ولوقليلا من فرح في قلبه .
    تأمل "الطاجين" أمامه حيث صفحة الزيت عكست وجهه؛ لأول مرة، ارتخت عضلات وجهه ، حانت منه التفاتة حيث الرجال لايزالون مستغرقين في أحاديثهم البسيطة، لأول مرة فرح لهذه البساطة ولأول مرة رآهم رجالا لا ركابا كالسلع أو البهائم، تكسر في نفسه الحاجز الوهمي الذي وضعه لنفسه منذ أن اشتغل مدرسا في هذا المكان العالي ... عرف لأول مرة أنه كما في كل بلاد الدنيا هنا بشر، كلام،سماء وحجر...وهنا شجر ، طيور ومطر... وثلج أبيض ذكره بنقاوة الجوهر ...
    دون أن يدع لنفسه فرصة للتفكير أو التراجع، ودون أن يروي ظمأ العيون المتسائلة والدهشة التي علت الوجوه وفغرت أفواه الرجال ؛تناول "طاجينه" ، انجه نحوهم ، افترش الأرض وجلس....
    سرت في جسده قشعريرة وهو يستمع للمغني العجوز المحلي صادحا بشعره بصوت دافىء:
    أيا مسرعا؛ راكبا حصانه...انتظر
    والتفت وراءك ،فنحن لا نركب إلا حميرا
    أو بغالا...
    وخلَفنا وراءنا رجالا
    لن نحتقرهم أبدا
    لأنهم لا يركبون إلا سيقانهم
    فكلنا بإذن الله واصلون
    ولو بعد حين سنصل...
    و فيم أنت تنتظر
    افرح ، فنحن لاننتظر منك خبزا،
    زيتا ،سكرا أو لحما
    فقط فك اللحم الذي بين حاجبيك...
    وغن ، فلغناك ستفرح سناجب الجبل
    وتتراقص حبات أشجار البلوط طربا...

    ......رفع غطاء" الطاجين"، كسر قطع الخبز، ناولها للرجال بحفاوة، ابتسم قائلا:
    ـ يالله ،"إيشات "**(كلوا) ،بسم الله...
    وفي قلبه أحس فرحا...
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــ

    * الطاجين : أكلة مغربية.
    **"إيشات" : كلوا بالأمازيغية.


    عبد الغني حدادي . البروج 2010/04/26

  • #2
    رد: همس وبشر...

    اثارة الضجيج فيها اساءة للآخر بعض الشيء
    لكن بعضها يدعونا للتفكر بعمق أكثر في حالنا و حال من حولنا

    القلقة عند البعض نوع من أنواع الهروب من الواقع

    الأستاذ عبد الغني ..احترامي
    لايكفي أن تطرق باب الإنسانية لتحس بمجيئها نحوك , عليك أن تخطو تجاهها و التوقف عن الاختباء خلف الزمن,


    امرأة محتلة

    تعليق


    • #3
      رد: همس وبشر...

      المشاركة الأصلية بواسطة مرمر القاسم مشاهدة المشاركة
      اثارة الضجيج فيها اساءة للآخر بعض الشيء
      لكن بعضها يدعونا للتفكر بعمق أكثر في حالنا و حال من حولنا

      القلقة عند البعض نوع من أنواع الهروب من الواقع

      الأستاذ عبد الغني ..احترامي
      عندما لا ننظر لبساطة الناس وعفويتهم بتجهم وتكبر، ونفكر في حالنا لافي حالهم ، نكتشف عندئذ كم كنا تعساء ومهمومين ؛ عندها فقط نجد لأنفسنا مكانا بينهم لنفرح معهم ببساطة وتلقائية...
      لأنهم بشر ككل البشر...
      دمت أختي بألف خير....

      تعليق


      • #4
        رد: همس وبشر...

        نص عجّ بالصور والوصف الدقيق للأشياء في إطار سرد جميل ،
        البطل الإنسان المدرك قيمة البشر ، التصق بالجميع ليصنع مسحة من فرح،،
        تحيتي لنص أنيق، وكاتب مبدع
        [align=center]
        sigpic
        شكرا لمن نثر الشوك في طريقي ، فقد علمني كيف أميّز جيدَ الزهرِ


        مدونتي حبر يدي

        شكرا شاكر سلمان
        [/align]

        تعليق


        • #5
          رد: همس وبشر...

          تحيتي لنص يحمل بين سطوره الكثير من المعاني


          إضافة لسرد جميل وصور غاية في الروعة


          دمت بخير




          تعليق


          • #6
            رد: همس وبشر...

            المشاركة الأصلية بواسطة حسام أحمد المقداد مشاهدة المشاركة
            نص عجّ بالصور والوصف الدقيق للأشياء في إطار سرد جميل ،
            البطل الإنسان المدرك قيمة البشر ، التصق بالجميع ليصنع مسحة من فرح،،
            تحيتي لنص أنيق، وكاتب مبدع
            لن نفرح إلا إذا وجدنا لأنفسنا مكانا بين البشر دون احتقار منا ولا تكبر...
            أشكرك أخي حسام
            ودمت بألف خير...

            تعليق


            • #7
              رد: همس وبشر...

              المشاركة الأصلية بواسطة ophilia hamlet مشاهدة المشاركة
              تحيتي لنص يحمل بين سطوره الكثير من المعاني


              إضافة لسرد جميل وصور غاية في الروعة


              دمت بخير
              جميل أن نطارد المعاني الهاربة من رقابة الحرف إلى ما بين السطور
              أشكر لك أختي مرورك
              ودمت بألف خير...

              تعليق


              • #8
                رد: همس وبشر...

                عبد الغني
                نشتاق إلى حضورك وجديدك
                تحياتي

                تعليق


                • #9
                  رد: همس وبشر...

                  المشاركة الأصلية بواسطة el mostafa doukary مشاهدة المشاركة
                  عبد الغني
                  نشتاق إلى حضورك وجديدك
                  تحياتي
                  أشكرك أخي الغالي المصطفى،
                  قد أغيب حينا ، لكني دائم الحضور من خلال العزيز علال

                  دمت أخي بألف خير

                  تعليق


                  • #10
                    رد: همس وبشر...

                    المشاركة الأصلية بواسطة عبد الغني حدادي مشاهدة المشاركة
                    أشكرك أخي الغالي المصطفى،
                    قد أغيب حينا ، لكني دائم الحضور من خلال العزيز علال

                    دمت أخي بألف خير
                    أشكر نبل أخلاقك
                    تحياتي لك ولعلال الذي أطال الغيبة عنا

                    تعليق


                    • #11
                      رد: همس وبشر...

                      من غبائنا تعلقنا بقشة وقلنا هي المدنية
                      مدنية مستوردة سلبت ارادتنا ورمتنا في هاوية لا قعر لها
                      مدنية ما عملنا سوى استهلاكها فترفعنا عن كل بسيط هو اصلنا
                      مدنية كان ظننا سعادتنا فيها ببهرجتها وبريقها الكاذب فاذا بها مستنقع شقائنا
                      نرى البسطاء سعداء وما كنا انعي سر سعادتهم الا بالاندماج معهم في بساطة عيشهم وطعامهم وكل شيء يمت لهم بصلة
                      سلمت الغالي عبد الغني
                      دمت بالف الف خير

                      تعليق


                      • #12
                        رد: همس وبشر...

                        المشاركة الأصلية بواسطة الدقاري علال مشاهدة المشاركة
                        من غبائنا تعلقنا بقشة وقلنا هي المدنية
                        مدنية مستوردة سلبت ارادتنا ورمتنا في هاوية لا قعر لها
                        مدنية ما عملنا سوى استهلاكها فترفعنا عن كل بسيط هو اصلنا
                        مدنية كان ظننا سعادتنا فيها ببهرجتها وبريقها الكاذب فاذا بها مستنقع شقائنا
                        نرى البسطاء سعداء وما كنا انعي سر سعادتهم الا بالاندماج معهم في بساطة عيشهم وطعامهم وكل شيء يمت لهم بصلة
                        سلمت الغالي عبد الغني
                        دمت بالف الف خير
                        ما أقساها من مدينة
                        وهي تسحقنا بإيقاعها المجنون المتسارع
                        وما أغبانا من بشر
                        ونحن نلهث وراء سراب كاذب خداع
                        بل حتى السراب مات
                        ولم تعد لنا من فسحة للأمل والحلم
                        ولو كان وهما يدوم للحظات كفقاعات الصابون

                        دمت الغالي علال بألف خير

                        تعليق

                        يعمل...
                        X