إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

ظلي .. أنا .. وُقبّره

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ظلي .. أنا .. وُقبّره

    ظلي .. أنا .. وُقبّره

    --------------------------------------------------------------------------------


    الوقت : ظهيرة ؛ المكان : صحراء


    واقف والشمس من فوقي ، والرصيف من تحتي يغلي والإسفلت المائع . أمواج السراب تعتلي إحداها الأخرى. طريق ذاهب آتٍ يقطعه آخر آتٍ ذاهب ، والجهات الأربع تفترق تحت قدمي . ضربني طائر بشدة سقوطه واقعاً عند قدمي . أنظر في البعد ، لا أرى غير أمواج متسابقة تحو قمة واهية .. أعيد النظر مراراً في الاتجاهات ، ليست سوى هذه الأمواج ، وليته البحر . خالطها طيف سيارة ، استوضحتها فلوحت لها ،. اجتازتني سريعاً، وفر الطائر الساقط بمنقاره المفتوح وجناحيه المتهدلين ونفسه اللاهث ، ثم عاد .. اقترب لائذاً من قيض الظهيرة بظلي المتناقص تحت تعامد الشمس على رأسي .
    وحدي .. أنا ، ظلي وقبّرة .
    في اللامكان .. لا روائح ، لا منارات ، .


    هبطت شاحنة من الجنوب ، . بيضاء كما يبدو ، . لا زالت بعيدة ، ضغطت على عينيّ واضعاً كفي على جبهتي ……… لا زالت بعيدة . لا بد أن أستعد لاستيقافها .. والقبّرة عند قدميّ حائرة بين الفرار و الموت احتراقا في هذا اللهب المتدافع فوق الرؤوس ، وبين الخوف من هذا الكائن الذي طالما حيرته بين القفز قريباً منه والفرار بعيداً عنه . . لا أكاد أشك في أي شيء ، أسلمت أمري لما حولي ، حتى للقبّرة إذا شاءت .. أو أي كائن قادر على انتشالي نحو أي رائحةٍ كانت . . ألن تصل هذه الشاحنة أبداً ؟ ، اقتربت كثيراً لكنها لم تصل . أسمع أنيناً خلفي ، … أيعقل أن تتوفر الخيارات في اللامكان هذا ؟ ! . أنين لا يزال بعيداً .. استبعدت الاختيار تحت ظروف مشابهة منذ وقت طويل .. ولن يكون بمثل الاختيار الذي أوصلني لهذا المكان ،. ذلك النباح الذي أجبرني على تغيير وجهتي إلى هنا . لكنني ما زلت افترض أن هناك فرصة .. ونحو أي نحوٍ ، لكنها موجودة ، وقد يؤدي بي أحد هذه الاتجاهات نحو مفترق آخر ، لكن لا يهم ، الأهم هو مغادرته . لا زالت رفيقتي أيضاً بمشيتها الملكية وتاجها المدبب رغم ما يشوبهما من عطش وتوجس ، تحنطني بقلق مؤجل حتى زوال قيض الظهيرة . ورغم أنها كانت أمنية قديمة أن تمسك بقبّرة ، إنما كل الأمنيات يؤجل تنفيذها حتى تنساها أو تحقق وقت لا تتمناها .


    أنزلت يدي بمجرد تأكدي من أنها لن تتوقف وسائقها يقذفني باعتراض على طلبي عبر نظارتيه الرخيصتين فأحيلت آمالي نحو الشاحنة الصغيرة التي اقتربت كثيراً والغمامة البيضاء الملاحقة لها فوق البيدر المحمول على رأسها تكبر كلما اقتربت وصوتها يعلو . أخبرني وجهه بأنها فرصتي الأخيرة التي ضاعت حين مضى وأسنانه الصفراء تتقدم سحنته المتربة . مضى أمامي ببطيء وأسهل عليه لو أن بيده الكثير ليفوته .. إنما فعل ما بوسعه .. بدا ابتعادها أسرع و ها نحن الثلاثة ؛ القبّرة ظلي وأنا.. قد نكون اثنين فقط حين يختفي ظلي فنصبح قبر وقبّرة لكن من سيدفنني في هذه الصحراء فلا متسع في تاج الملكة إلا لواحد .
    أشفقت على نفسي وأنا أحاول ابتلاع ما يبلُّ ضمأي ، أين الأهمية في هذا و المرايا التي تريك أهميتك في هذا المكان متربة كوجه سائق الشاحنة أو مصابة بالجدري كشاحنته ……
    وكأني آخر شخص في هذا العالم ، تركوني وحيداً في هذا العراء والطائر لائذاً بظلي وظلي يلوذ بي . ينظر في عيني معاتباً ، فأهز كتفي : ليس بذنبي ..لا أرى في الأفق أطيافاً ولا صور .. والمدن بعيدة .. بعيدة . خلفي وأمامي … يميني ...شمالي ، لا شيء . احترق العالم تحت أقدامنا أنا وظلي والقبرة.. اسألها مرة و أجيب عنها . اسأل عنها وأجيب .. لاشيء ، . ثمة خطأ يرتكب !. أي أهمية في ذلك ؟ من يدري .. من أنت في اللامكان هذا ؟ من أنت ؟ : لاشيء ، أجبتها : لاشيء . صرخت بوجهها . فزعت وفرت بعيداً و القيض مخيف فلاذت من جديد. أحاول ابتلاع البلل المرّ بمرارة لكن - يكفيني شرف المحاولة - يحاول ظلي كذلك أن يلوذ من الحر تحت قدمي وتحاول قبرتي أن تلوذ تحته ولا ملاذ لي .
    لاحت لي مركبة من بعيد .. والمركبات التي تلوح من بعيد سوداء في العادة ، والمركبات السوداء لا تتوقف لحمل الغرباء في العادة أيضاً . لكنها ليست واحدة …… ولا أربعة : انه رتل سيارات .. سيارات جميلة . ف .. ف .. ف .. ف .. ف .. عصفت ريح حملت الطائر على جانب الطريق متدحرجاً ينظرً إلي . وكأن المدن كلها مرت من أمامي ، لا أكاد ألوّح للأولى حتى تجتازني الرابعة . سيارات جميلة تحمل نساء جميلات يضعن النظارات والمنارات الأبراج والجسور والأضواء .. عاصفة عطر ممزوج بعرق المضاجع وأنوف مدببة .. مرت كل هذه المدن سريعاً وفي لمح البصر .. عاد القيض يدق لساني والعطش المر و قبرتي تبحث عن ذات الظل وظلي يهرب من غضب الشمس ومن قبرتي .. ولازلت أنا ابحث عن ظلٍ أخر .


  • #2
    رد: ظلي .. أنا .. وُقبّره

    ما يعجبني حقا في النص : هي الموسيقى الداخلية للغة ..فأحياناً يصبح العزف منفردا يأخذك الى ربوع الذاكرة.. وأحياناً يصبح العزف جماعياً فتجد نفسك (دون دراية ) في الصف الاول من الكورس...

    شكرا عدي حاتم

    تعليق


    • #3
      رد: ظلي .. أنا .. وُقبّره

      استاذ عدي

      اهلا وسهلا فيك بينا


      يسلمو ع القصه

      تعليق


      • #4
        رد: ظلي .. أنا .. وُقبّره

        استاذ عدي

        طالما يشدني السرد المتقن

        جعلتني وكأني اقف معك وأتخيل تلك المسكينة

        فليس لها منقذ سوى الظل

        دمت بعز

        تعليق


        • #5
          رد: ظلي .. أنا .. وُقبّره

          رائع السرد والفكرة عدي حاتم

          ليتنا نحظى بجديدك

          دمت بود ّ




          تعليق


          • #6
            رد: ظلي .. أنا .. وُقبّره

            هنا الكاتب خرج من ذاته أي " تعرى من جسده" فصار ظل لظله.

            نص متقن ولغة راقية جداً .

            الأخ عدي حاتم أبدعت .

            تحاياي و تقديري
            لايكفي أن تطرق باب الإنسانية لتحس بمجيئها نحوك , عليك أن تخطو تجاهها و التوقف عن الاختباء خلف الزمن,


            امرأة محتلة

            تعليق


            • #7
              رد: ظلي .. أنا .. وُقبّره

              تحية طيبه وإعادة للضوء حيث يليق بها المقام / مودتي وتقديري
              [frame="9 70"][/frame]
              [frame="9 80"]
              هكذا أنا


              http://www.yacoub-y.com/
              [/frame]

              تعليق


              • #8
                رد: ظلي .. أنا .. وُقبّره

                الإنتظار، الألم، قسوة الآخر و لا مبالاته. موجعات ثلاث، لا تلائمها ـ اذا جعلت منها قصة أو رواية ـ سوى نهاية مفتوحة تعبر عن استمرار التراجيديا الإنسانية على اختلاف المكان و الزمان.
                لغة شعرية ساحرة تغنيك عن الأحداث كيف كانت وجهتها
                مع تحياتي للأخ عدي حاتم الذي تشرفت بمعرفته في موقع سرمارتا
                "أدرس الماضي إذا أردت تحديد المستقبل"

                تعليق


                • #9
                  رد: ظلي .. أنا .. وُقبّره

                  نقلتنا لأجواء الزمان والمكان

                  وعشنا اللحظات ولذنا بالظل حتى امتزجنا به

                  تكالبت كل الظروف لتفتح النهاية على ضياع في اللاشيء

                  تحياتي وتقديري أستاذ عدي

                  تعليق

                  يعمل...
                  X