إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

لو السعادة رجل لجلست معه

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • لو السعادة رجل لجلست معه

    لو السعادة رجل لجلست معه




    بقلم الكاتب الفلسطيني / محمد جمال صوالي


    تلقيأحمد قبلات والدته ودعواتها له بالتوفيق




    وخرج إلي عمله الذي اعتاد عليه يوميا منذ سنه ونصف, بعد وفاة والده في حادث سير

    لجأ أحمد ابن التاسعة إلي العمل ليساعد والدته وأشقائه الذين كان يكبرهم بقليل في محاولة
    لتوفير كسرة الخبز التي إنحرموا منها بعد أن ضاقت بهم الأيام , ترك مدرسته وكتبه ولعبته التي عشقها ليحمل
    على كاهله مسئولية أسرة بكاملها فلم ترحمه الأيام ولم تساعده الظروف على الاستمرارية في حياة
    الطفولة العذبة الجميلة والرقيقة, انطلق أحمد نحو عمله وهو مرغم عليه , فأثناء سيره كان يشاهد الأطفال الذين ارتدوا الزي المدرسي
    وهم يحملون حقائبهم وينطلقون بفرح نحو مدارسهم كان ينظر إلى ملابس الأطفال قليلا ويحول نظره إلى ملابسه التي تغير
    لونها إلى اللون الأسود من الزيوت والشحم والتنظيف في تلك الورشة التي يعمل بها ويستمر في سيره ليصل إلى عمله ,فيجد صاحب العمل الذي انتحرت داخله كل مشاعر الرأفة والانسانية, يجده ينتظر ,فيستقبله باللوم والصراخ علي التأخير, ويطلب منه تنظيف المكان , ويقضي يومه من الثامنة صباحا حتي الخامسة مساءاّ وهو بين طلبات واوامر وتعليمات وشخط ,ويري في عمله ما لا يراه ابن الخمسين في عمره , لكنه بعد انتهاء يومه عندما يذهب الي صاحب العمل ويستلم { الخمسة عشرة شيقل } هي اجرة اليوم يشعر انه امتلك الدنيا وما فيها فيقبض علي الشواقل ويحاول دائما ان يمنع دمعته التي تريد ان تخرج دون استئذان لأنه كان يتمني ان يكون والده من يمد له مصروفه الذي ينطلق بعدها الي المدرسة, لكن الايام اقوي من هذا الحلم الذي مات في بدايته ....
    يعود احمد الي المنزل بعمر العاشرة والنصف لكنه يعود بمعنويه ابن الاربعين فهو عائد الي منزله وهو يحمل اجرة عمله التي سوف يعطيها لوالدته التي تنفقها علي اخوته, تسعد كيثرا ّ والدته عندما تجده عاد من عمله ويجلس امامها يسألها عن أخيه محمود ابن السبع سنوات واخته جيهان بنت الخامسة, تشعر والدته أنها تجلس امام رجلا يعرف ويقدر جيدا كيف تسير الحياة , لكنها تعرف جيدا ان طفولته محطمة ,تعرف ان طفولته ذهبت بلا عودة , تعرف جيدا انها لا تستطيع ان تقدم له شيئا , تعرف جيدا انه يحن الي لعبته ,فهو يعود من عمله ويدخل غرفته , ويحتضن لعبته الصغيرة , تعرف جيدا ان طفولته انتحرت امام تلك الورشة التي يعمل بها , فكانت تشتاق والدته الي ان تجد ابنائها الثلاثة مجتمعين يلهون سويا , فهي غالبا تري محمود وجيهان يلعبان اما احمد فيكون في غرفته وحيدا مع لعبته , او اما تجده نائما من التعب , دخل أحمد غرفته وبدل ملابسه وذهب يقبل لعبته التي غاب عنها تدخل عليه والدته , تجده شارد الذهن مع لعبته , فتقف تنظر اليه ولسان حالها يقول .......
    أعرف يا بني , أعرف يا فلذة كبدى , أعرف يا طفلي الصغير ورجلي الكبير ما يدور بين ضلوعك لكنني عاجزة...
    عاجزة أن أقدم لك شيئاّ فنحن بدون تلك الشواقل التي تحضرها لنا نموت جوعا , نموت قهرا , نموت فقرا,
    لكنك انت تموت ذلاّ وحسرة وندامة ... وهنا يخترق صمتهما محمود الصغير وهو يحمل كراسته مسرعا نحو أحمد ويسأله عن بعض الكلمات التي تصعب عليه قرائتها فيمسك أحمد بكراسة اخيه وينظر اليها طويلا , ولا يعرف ماذا يقول , فهو لا يعرف القراءة ولا يعرف الكتابة , ينظر أحمد الي امه كأنه يومها , كأنه يستنجدها أن تخرجه من هذا الموقف , ويعود بنظراته الطفوليه الي كراسة اخية فيقبلها ويبللها بدموعه , تقدمت والدته نحوه وتناولت الكراسة من يده واعطتها لمحمود وضمت أحمد إالي صدرها لتشعره بالدفئ والحنان , تشعره بالأمن والأمان , فهذا فقط ما لديها ,وبعض العبارات المشجعة وتطلب منه أن يخلد إلي النوم ليرتاح قليلا ,فتغطيه والدته وتخرج ويبقى أحمد مع دموعه التي لم تجف بعد ... ينظر إلى السماء يستنجد ربه أن تعمل ذاكرته ويبحث عن بداية لطفولته لكن بدايته أضاعها الزمان وأذبلها القدر, ليستذكرطفولته ويستذكر السنوات الثلاث القلائل التي ذهب بها إلى مدرسته التي تركها بلا عودة ويلتفت بنظره يمينا ويسارا ليجد حقيبته لا تزال معلقة خلف باب الغرفة يبتسم وينهض يعلقها على كتفه ويدور في الغرفة فرحا ويلقي بنفسه على سريره ويخلد في نوم عميق,تدخل والدته غرفته في وقت متأخر من الليل لتجده ملقى على سريره وحقيبته معلقة على كتفه ... تقترب قليلا وتلقي بنفسهاعلى كرسي قريب منها وهي تنظر إلى ابنها الذي كان يحلم أن يتعلم أن يلهو....
    جلست وهي تنظر إلي طفلها وهي تشعر بوحدة رهيبة تكاد تخلع أنفاسها من صدرها, لا تدري ماذا تفعل فقد خارت قواها من منظر طفلها المحروم من كل حقوقه ,من كتبه من كراسته من حقيبته المدرسية ,من مصروفه كل صباح محروم من أن يمارس طفولته في اللهو واللعب فقسوة الحياة مهدت له الطريق ليتجرع من مرارة الأيام ,تحاول والدته أن تخرجه من عنق الزجاجة أن تنتشله من الضياع ,أن تنقذه من موته البطئ ولكن ليس من مفر والشواقل هي الملاذ الوحيد لتتحايل بهم على أخطبوط الفقر الذي يحاول أن يفرض نفسه على هذا البيت المتصدع ,فأب داهمه الموت بغتة وأم أصبحت تعاني من حالة إغماء مستمرة تنتابها عندما تتذكر وجه زوجها الذي شج في حادث الموت المروع ,فقد حاولت في السابق أن تمارس حياكة الثياب ولكن حالتها الصحية تقف ندا منيعا ,وطفلها الذي حكم عليه القدر بالمعاناة قبل أن يعرف معناها وكتب عليه الشقاء قبل السعادة وتذوق المرار مرغما وطفلين يجهلان كل ما حولهما إلا اللهو واللعب وكسرة الخبز التي تدفع عنهم الجوع واستمرت الأم في تفكيرها هذا الذي أخذ منها ما أخذ حتى كسر صمتها وسكونها صوت طفلها أحمد وهو يصرخ وينادي بصوت عال وهو يتوسل إلي صاحب العمل أن يكف عن ضربه ....
    فتسرع الأم لتحتضن طفلها في محاولة لتهدئة روعه الذي انكمش وبدأ يرتجف ويتلوى و هو يشير بيده ليدافع عن نفسه ويستصرخ والده ... نعم والده, يستنجد والده ليحميه من صاحب العمل كأنه يعرف أن موت والده هو السبب لما وصل إليه .... كأنه يقول لوالده خلصني مما أنا فيه بعد رحيلك ... تهدأ الأم بدموعها طفلها وهي تضمه إلي صدرها وتمسح على رأسه وتقول بصوت هامس لا .... لا يا بني يا طفلي لن تعمل ... لن تعود إليه بعد اليوم فحياتك حياة الطفولة لابد أن تحياها, ستلعب يا ولدي ستلهو .... ستذهب إلي مدرستك , سأشتري لك ألعابا وكتبا وكراسات وستتعلم وتعود إلي صحبتك إلي مدرستك ‘إلي حقيبتك ....
    فيفتح الطفل عينيه على حديث أمه الذي كان بمثابة الدواء للعليل, كان بمثابة بريق الأمل للغريق ... يلتفت على والدته ويطلب منها برجاء ... بخوف ... بذل ... بشفقة أن تقسم له أن لا يعود إلى العمل, وأن يعود لمدرسته,
    لكن والدته تتذكر ان شواقله القليلة هي التي تسد حاجتها وأطفالها,وتعرف ان الحياة صعبة بدونهم فتعرف انها وقعت هنا بين المطرقة والسنديان, وان عليها ان تختار وفورا , الشواقل أو حياة ابنها مع حياة الفقر والحاجة , تقف ببطئ شديد , وهي تفكر كيف تلقي بقرارها المصيري , فتتذكر زوجها وتدور الارض بها دورتها , فتقع علي الأرض مغمي عليها , فيسرع أحمد ويسقط فوقها يقبلها , ويشدها من يديها يحاول ان يوقظها وهو يعدها ان لا يعود الي المدرسة ,يعدها ان يبقي في عمله , لكن توسلاته ونداءته ذهبت ادراج الرياح, وليس توسلاته فقط هي التي ذهبت, بل امه ايضاّ ذهبت , ذهبت الي عالم اخر غير عالمنا , فقد لفظت أنفاسها ليساعدها القدر علي ان تهرب من دوامة الحيرة التي تركت فيها


    {{{ علمتني الحياة أن ابتسم في الوقت الذي ينتظرني فيه الأخرون أن أبكي }}}


    ./*-+*/**-/-** محمد جمال +-/*-/+*/*-

  • #2
    هلا:استاذي الكريم محمد جمال صوالي

    والله قصة مؤثرة جدا جدا

    يعين الله

    وفقك الله وسدد خطاك

    تعليق


    • #3
      تسجيل حضور مميز
      أستاذي محمد جمال صوالي
      مرحبا بك في دارك وبين اخوة لك.. والف شكر على تلبيتك دعوتي ومتمنيا لك طيب المقام

      تحياتي؛
      عبد الرحمن





      شكرا غاليتي ذكريات الأمس


      الحزن كلمة تنقصها دقة الوصف للحالة..

      الموت ليس نهاية الأمس بل ماساة الغد..

      فهد..

      و بدات ماساتي مع فقدك..
      *** ***
      اعذروا.. تطفلي على القلم

      أنتم لستم رفقة مهمة بل أنتم الأهل و العائلة..


      الابتسامة تعبير ابيض عن مستقبل اراه في منتهى السواد.. بالإرادة و العزيمة وقليل من المال، يمكن بناء غرفة من الصفيح، لكن لا يكفي لبناء اقتصاد منتج..


      لا أعرف أين ابحث عني لأنه لم يعد لي عنوان ثابت

      تعليق


      • #4
        قصة تغور في أعماق النفس فتعصرها ألما..

        مرحبا بالأستاذمحمد جمال الصوالي في حدائق المنتدى
        آمنت بالله ايمانا عرفت به ان الزمان على الباغين دوار

        تعليق


        • #5
          رائعة قصتك استاذ محمد جمال صوالي
          ومرحبا بك
          جان

          تعليق


          • #6
            رد: لو السعادة رجل لجلست معه

            3eed

            كل عام و أنت و العائلة الكريمة بألف خير





            شكرا غاليتي ذكريات الأمس


            الحزن كلمة تنقصها دقة الوصف للحالة..

            الموت ليس نهاية الأمس بل ماساة الغد..

            فهد..

            و بدات ماساتي مع فقدك..
            *** ***
            اعذروا.. تطفلي على القلم

            أنتم لستم رفقة مهمة بل أنتم الأهل و العائلة..


            الابتسامة تعبير ابيض عن مستقبل اراه في منتهى السواد.. بالإرادة و العزيمة وقليل من المال، يمكن بناء غرفة من الصفيح، لكن لا يكفي لبناء اقتصاد منتج..


            لا أعرف أين ابحث عني لأنه لم يعد لي عنوان ثابت

            تعليق


            • #7
              رد: لو السعادة رجل لجلست معه

              أستاذ محمد نسجل اعتزازنا بحضورك بيننا
              في انتظار جديدك
              تحياتي

              تعليق

              يعمل...
              X