إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

لسع النعناع

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • لسع النعناع

    لسع النعناع


    " الشيخ إسماعيل " مؤذن الزاوية القديمة يردِّد دائماً أن لا منبه ولا يحزنون، هو يفيق من تلقاء نفسه. و"الشيخ على" الإمام لا يصدقه أبداً، لأنه هو نفسه لا يستغنى عن المنبه.
    أحس الشيخ إسماعيل بلحم " أم فرج " يثقل على سلسلة ظهره. فتح عينيه ببطء. تنصت لصوت الأنفاس العميقة. نادى: " أم فرج، أم فرج "
    لكن صوته تحشرج. بدا كأنه يتنحنح. أراد أن يقول لها أن تكشح فخذها عنه، وأن تنقلب إلى الجهة الأخرى:" نايمه نومة أهل الكهف..."
    قالها لروحه، فيما أحسَّ أنه أوان الفجر. انقلب على ظهره. جاهد حتى اعتدل. قعد. نظر بضيق إلى سحنتها العرقانة. لاحظ أن جبينها ووجهها يلمعان من أثر العرق المدهِّن. حوّل عينيه عنها.
    زحفت كفُّه تحت المخدة. سحب طاقيته، كبسها فى صلعته، ثم ترك ساقيه تنزلقان وتتدليان. شعر بالحصيرة تدغدغ باطن قدميه. نتش الجلباب المعلّق على مسمار بالجدار، طرحه خلف رقبته المعروقة، وخطا نحو الباب..
    تحاشى أن يخبط شيئاً. شدّ دلفة الباب نحوه مرتين. أزَّت المفصلات. مرر جسده ثم استدار، زم ًّالباب.. انقلبت " أم فرج " إلى مكانه.

    فوق عتبة البيت دسَّ قدميّه فى المداس.. بعد خطوتين فى الحارة الضيقة السدْ. شعر بنسمة هواء رطب تدخل من فتحتىّ لباسه الطويل . " يا الله " تمتم بها، وحَوَد إلى الشارع.
    رغم سُمرة بشرته إلا أن النور المنبعث من مداخل البيوت، جعل زبيبته الداكنة تسطع فى وجهه، وتنافس أنفه على الظهور.

    وجد نفسه – كما فى كل مرة – يمشى من الجهة التى بها بيت الشيخ على. رغم أنه ينوى دائما أن يخالفها، حتى لايشعر به، إذ ربما يكون فى نوم ثقيل فتروح عليه الصلاة، فيؤم هو المصلين، ويظل يتندر بها طوال النهار.

    مرقت ( عِرسة ) من أمامه، لم يلحظها. حاذى جدار غرفة نوم " الشيخ على".. وحاذى جدار مكتب تحفيظ القرآن.. وتحاشى العتبة التى يجلسان فوقها آخر النهار، وهما يتحادثان ويحكيان لبعضهما الأسرار، حتى إذا غلبهما الصمت، سأله عن الوقت، وقام يسبقه إلى الزاوية، ليرفع الآذان، ويرد الشيخ على بأنه سيلحق به...
    " وينسل من الباب الموصل حجرة المكتب بالصالة، ليطمئن على زوجته الجديدة، وما إذا كانت تريد شيئا أو ينقصها شىء، فهو يدلّلها آخر دلال، وشايف مزاج مزاجها... "
    ولاحظ الشيخ إسماعيل أنه صغر أكثر من عشر سنوات، وأنه قد صبغ شعر رأسه، ويداريه عن الناس..
    " وعنى أيضا ً، مع أنه كان لا يدارى عنى شيئاً مطلقا ً، حتى نيَّته فى الزواج صارحنى بها فى وقتها، بعد أيام من وفاة زوجته، ولما نقلتُ الخبر إلى أم فرج ضربتْ صدرها وقالت: بعد وطفة ناوى يتجوِّز !؟
    وأقسمتْ أنه لن يأخد ثواب صلاته، بل أن صلاته باطلة، ولم لا !؟ وهو الذى تزوج وخان العِشرة.. فضلتُ ساعتها السكوت.. "

    رفع كلب رأسه، وقام متمطعا ًإلى الجهة الأخرى، زام، حتى مرّ الشيخ اسماعيل من فوق مكانه، عاد ورقد فيه ثانية.

    وقف الشيخ إسماعيل قبالة باب الزاوية. مدّ يده فى (الصديرى)، وطلّع ربطة المفاتيح..
    " أطول مفتاح هو مفتاح الباب العمومى" ، فَتَحَه.
    بسمل. خلَّى المداس فوق المصطبة أمام الباب.
    " يا الله " قالها ودخل .
    مدّ ذراعه إلى لوحة الكهرباء. أضاء لمبة فوق القبلة تماما ً.. ركن الجلباب عند المنبر. قرّب ربطة المفاتيح..
    " المفتاح القصير الغليظ هو مفتاح المنبر"، فَتَحَه.

    أدار الراديو، ورغم أنه يقفله دائما ًبعد كل صلاة للعِشاء، وصوته نقيا ًواضحًا، إلا أنه يجده فى الفجر مشوشًا، مختلطًاً بموسيقى. وكم أوضح له الشيخ علىّ وفسّر، بأن السبب يرجع إلى الموجة، وتغيّْر الإرسال، ويعيد مايقوله ويزيد، لكن الشيخ إسماعيل لا يفهم منه شيئا، ويقع فى نفسه أن الشيخ على يتفذلك، وأن فذلكته زادت من يوم زواجه الجديد..
    " المسألة ببساطة أن أحرك المؤشر قدر شعرة، وأُنصتْ.. تختفى الموسيقى، ويصفو الترتيل، أمّا الكلام عن موجة وخلافه.. فهو كلام غير مفهوم، ولا مؤاخذة يا شيخ علىّ .."
    اطمأن الشيخ إسماعيل للصوت. هوّى تكة لباسه. راح للميضة. وكلما اقترب سمع صوتا ً، كأنه خرخرة مياه.
    حدًّث نفسه لابد أنه أحد الملاعين الذين يأتون فقط للتبول، قد ترك الحنفية مفتوحة. تأكد وتيقن أن الصوت خرخرة مياه، وأنه يأتى من ناحية الحمًّامات. لبس قبقابا ً، خبط به ونزل درجات..

    يسأله الشيخ على : إنت بتخاف ياشيخ إسماعيل !؟
    يجيبه دون تفكيرً، كأنه حفظ الجواب : أخاف من اتنين ؛ ربنا والنسوان.
    يقول الشيخ علىّ : النسوان خلقهم ربِّنا لنا.. للحياة الدنيا.. عشان نحبهم، مش نخاف منهم !؟
    - بس ياشيخ على ما قُدرتهم على حد !!
    يعجن الشيخ علىّ فى الكلام، ليأنسا وهما فى طريق عودتهما من المعزى :
    - يعنى لو طلع لنا شيطان ماتخافش !!؟
    - الشيطان ومالو.. لكن شيطانة أعوذ بالله، إحنا قادرين على إنسهم ..!؟
    يقهقه الشيخ علىّ فيجعل الطريق كله ضوضاء.

    من عادة الشيخ إسماعيل أن يدخل أول حمَّام؛ يقضى حاجته فيه، ويخرج ليتوضأ، لكنه تخطَّاه. حاذى كل حمَّام، يبص ويتسمَّع. يبص ويتسمَّع.
    تبلبل – فجاة - لسانه بين فكيه، واستعاذ، حين لمح فى الضوء المتسلل من الزقاق المجاور شبحًا عند آخر حمَّام، زعق:
    - بِتْ !؟
    صوته تحشرج. استعاذ - ربما مائة مرة - فى سره :
    - بِتْ.. بتعملى ايه عندك ؟
    - باملا ياشيخ اسماعين ..
    استقر قلبه، هدأ، زرَّ عينيه، وقد عَرِفها :
    - دخلتِ إزاى يابت !؟
    - الباب دا مفتوح.. أهو.

    " مفتوح.. !؟ المفتاح الأوسط هو مفتاح باب الزاوية الخلفى.. "
    حط المفتاح فى الكالون،
    " المفتاح بيفوِّت! الكالون لابد فسد.. "
    استدار، وضع كفَّه فى الأخرى، وراء ظهره، عند خيط التكة. خفَّف من صوته :
    - يا بِتْ دى مَيْة الجامع..
    - المَيْة مابتوصلش عندنا ياشيخ إسماعين.
    لاحظ ثوبها ( السَرْسيه ) مبلولا ً، وملتصقا ًببدنها..
    - دى يا بت مية وضو ..!
    - ما احنا بنتوضى منها ياشيخ إسماعين !
    قالتها بميوعة، وابتسمت. بدت لمعةُ خديّها.
    انحنت ترى إن كانت الغلاَّية امتلأت. انتفاخات أردافها بقيت فى الضوء، وقعت عينا الشيخ إسماعيل عليها ..

    يسأله الشيخ على : بنت مين ؟
    يجيبه : بنت الشوربجى ..
    يعتدل الشيخ على ويقول: البنت دى فرسة.. !
    يردّ الشيخ اسماعيل وقد خمَّن مافى رأسه : مِرات عبد اللطيف السباك..
    يتغير وَجْه الشيخ علىّ، يرتد بصره، يرجع ظهره إلى جدار مكتب التحفيظ.
    يُضيف الشيخ إسماعيل: اللىّ فى العراق..

    اعتدلت بنت الشوربجى. الغلاية لم تمتلىء بعد.
    سألها وقد راحت حشرجة صوته :
    - عبد اللطيف هنا يا بت ؟
    شدّت ثوبها إلى الوراء : هنا ..
    اختنقتْ ضحكة قصيرة فى صدره، كح :
    - كله منكم، الخزَّان مابيكمِّلش النهار !
    وتقطَّعت ضحكته. ولا يعرف كيف نطَّت صورة أم فرج اللحظة إلى رأسه، وكبستها بأكوام من اللحم المتهدل، المدعوك بـ ( المروخ ) ..
    - بيلعب نفسى ياشيخ علىّ، ساعتها أقرف من الدنيا ومن كل بنات أمنا حوا..
    يقهقه الشيخ علىّ. يخرج الولد " رفعت " من دكانه الذى قبالة مكتب التحفيظ، على صوت القهقهة. يمسح الشيخ علىّ قفاه بالمنديل، ويميل هامسا:
    - يعنى لاتعاشرها ياشيخ !؟
    يرد سريعا ً، كأن الشيخ علىّ رماه بإحدى الكبائر :
    - أبداً والله، ومن سنين، وكمان المرض اللىِّ جالها فى القلب..

    انتبه، وانتبهت ..
    الغلاية طفحت.. انكفأت تقفل الحنفية.
    غابت عينا الشيخ اسماعيل وحطَّتا، زحفتا فى الخط الذى بين ردفيها وساقيها. تصوَّر الشيخ علىّ راقدا ًجنب بنت الراجحى التى لاتتخير عن هذه .
    عدلت قامتها. فكَّ يديّه من وراء ظهره، ومن غير أن تطلب منه أو تلمح إليه، مال يرفع الغلاية معها. أحسَّ عافية واتته فى ذراعيه. لم يشعر بالثقل ولا بدفقة المياه التى اندلقت عليه. لكن عافيته استحالت فجأة خدرًا، حين انزلق ظهر يده – فى صعوده – على نهدها. استقرت الغلاية فوق رأسها، واستدارت تخرج. تقافزت عينا الشيخ إسماعيل على بَدَنِها، ثم حطَّتا على الكالون.
    وقف متسمرًا فى مكانه. لا يشعر بشىء، ولا بجسده؛ غير ظهر يده ، ظهر يده فقط.. يحس أن به لسعًاً، كأن الذى فى عروقه ليس دما ً؛ إنما نعناع .
    أفاق. راح عند أول حمّام، ولم يدخل.
    تقدم للوضوء. صب َّالماء على يده. ازداد لسع النعناع. راح يلبس جلبابه. خرجت يده قبل رأسه. قعد - على غير عادته - ولم يُصَل ركعتى التحية، ولم يسبِّح – أيضاً كعادته - حتى أوان الآذان.
    فقط أسند رأسه إلى المنبر، وضمَّ ركبتيه إلى صدره، ورأسه إلى كفه..
    ينطلق لسع النعناع تحت جلده، إلى أطرافه، وإلى أنفه، وإلى عينيه، وإلى قلبه.

  • #2
    رد: لسع النعناع

    كان محقاً أن يخشى المرأة أكثر من خشيته الشيطان

    حيث أنه يمتلك نفساً بشرية ضعيفة جدأ أمام المغريات

    شعرت أنها قصة واقعية بأحداثها وشخوصها

    تقديري

    تعليق


    • #3
      رد: لسع النعناع

      قصة فيها من الواقع الكثير الكثير


      محمد شمخ


      دمت وروعة السرد




      تعليق


      • #4
        رد: لسع النعناع

        محمد ..
        أبدعت ..
        نص فائق ..
        تتعدد الصور لتضفي على النص جمالا سرديا يتميز مع كل نقلة ..
        شكرا لروعة القصة ..
        دمت بود
        " الثورة هي حرب الحرية على أعدائها ..!! "

        تعليق


        • #5
          رد: لسع النعناع

          إسمحى يابوشمخ .. عمل مجرم .. ياتشيكوف

          تعليق


          • #6
            رد: لسع النعناع

            المشاركة الأصلية بواسطة همس الشوق مشاهدة المشاركة
            كان محقاً أن يخشى المرأة أكثر من خشيته الشيطان

            حيث أنه يمتلك نفساً بشرية ضعيفة جدأ أمام المغريات

            شعرت أنها قصة واقعية بأحداثها وشخوصها

            تقديري

            النفس البشرية تتقلب مابين القوة والضعف، ومن هنا يبدأ القص دوره
            كل التقدير والاحترام لمرورك الكريم، وحسك المرهف.
            ودمت بخير وإبداع

            تعليق


            • #7
              رد: لسع النعناع

              لمن لا يعرف عاميتنا .. استخدم محمد شمخ مجموعة مفردات من العامية المصرية التى زالت او فى طريقها الى الزوال " تكة اللباس..المداس ... ربطة المفاتيح.. وغيرهم" لذا أعتبر النص أرشيفا لمفردات مصرية أصيلة سيرجع إليها الأحفاد ...

              تعليق


              • #8
                رد: لسع النعناع

                المشاركة الأصلية بواسطة ophilia hamlet مشاهدة المشاركة
                قصة فيها من الواقع الكثير الكثير


                محمد شمخ


                دمت وروعة السرد
                أشكرك من قلبى على حضورك الرائع دوما
                خالص مودتى وتقديرى لك

                تعليق


                • #9
                  رد: لسع النعناع

                  المشاركة الأصلية بواسطة علي ابريك مشاهدة المشاركة
                  محمد ..
                  أبدعت ..
                  نص فائق ..
                  تتعدد الصور لتضفي على النص جمالا سرديا يتميز مع كل نقلة ..
                  شكرا لروعة القصة ..
                  دمت بود
                  القاص العزيز : على ابريك
                  كلماتك لها كل التقدير لأنها من قاص مبدع ومتمرس
                  أسعد وأعتز بها كثيرا
                  دمت أيها القدير مبدعا وجميلا

                  تعليق


                  • #10
                    رد: لسع النعناع

                    المشاركة الأصلية بواسطة طلال سيف مشاهدة المشاركة
                    إسمحى يابوشمخ .. عمل مجرم .. ياتشيكوف
                    أشكرك من قلبى
                    فأنت تمنحنى مساحات من الفرح يا طلال، ولا أستطيع الركض فيها ،
                    وابداعك لايقل إجراما واسأل كارتيلا..

                    تعليق


                    • #11
                      رد: لسع النعناع

                      المشاركة الأصلية بواسطة طلال سيف مشاهدة المشاركة
                      لمن لا يعرف عاميتنا .. استخدم محمد شمخ مجموعة مفردات من العامية المصرية التى زالت او فى طريقها الى الزوال " تكة اللباس..المداس ... ربطة المفاتيح.. وغيرهم" لذا أعتبر النص أرشيفا لمفردات مصرية أصيلة سيرجع إليها الأحفاد ...
                      هذا ملمح ذكى منك ، ومهم فى لغة ومفردات لسع النعناع، وهذا يشجعنى أن أستأذنك أخى طلال والأخوة الزملاء هنا أن أضع هذه القراءة التى قام بها الناقد المبدع: إبراهيم حمزة لقصة لسع النعناع:



                      " لسع النعناع "عمل شديد المصرية ، يواصل فيه " محمد شمخ " رحلة بدأها يوسف إدريس " فى الكتابة الطازجة ، لكنّ "شمخ " يكتب بمزاجية عالية ونادرة ، يكتب كيفما شاء وقتما شاء ، كاتب حر ، لا يكرر تجاربه ، ولعل قارىء " طبلية من السماء " ليوسف إدريس سيلحظ الحس الكاريكاتورى فى رسم شخوصه ، لكن " محمد شمخ " يرسم شخوصه بشكل شديد الواقعية ، بينما تأتى السخرية من قدرته الفذة على الفضح للأشياء الصغيرة ،
                      وقصة "لسع النعناع " يسردها غائب يحكى لك عن بطله الأساسى " الشيخ إسماعيل ، مؤذن الزاوية ، وبرنامجه اليومى العتيق ، من لحظة الاستيقاظ قبيل الفجر ، متخلصا من تلال اللحم المائل عليه المسمى بـ "أم فرج " زوجته ، ثم طريقة ارتدائه لملابسه ، ثم مروره بصاحبنا الشيخ على ، وهو إمام المسجد الذى عاش الشيخ إسماعيل يتمنى أن يخذله المنبه ليحل محله فى الصلاة إماما ، ثم يتندر بها طوال اليوم ، وعبر نمائم وتمائم صغيرة تتعلق بعرسة صغيرة تمر ، أو جدار يستندون عليه فى السهرات ، أو كلب غاضب يمر بجواره ، حتى نصل لبيت القصيد ، ويصل المسجد ، حيث اعتاد قضاء حاجته فى الحمام الأول ، ثم الوضوء ، فالصلاة ، لكن طارئا حدث ، سمع صوتا فى الميضة ، يسأل فيجد امرأة شابة ، أتت بجمالها وأنوثتها ، لتملأ غلاية الماء ، ويعرفها .. بنت الشوربجى التى لها زوج فى العراق ، لكنه يسألها فيعرف أنه جاء ، وفى تقاسيمها يتذكر أنوثة الزوجة الجديدة لغريمه صديقه الشيخ على ، ويتصور أشياءً وأشياء ، ثم بعد حوار شيق يرفع لها الغلاية ، وتتلمس يده صدرها ، فيترك كل عاداته فى صلاة الركعتين لتحية المسجد ، ثم التسبيح ، بينما ( ينطلق لسع النعناع تحت جلده إلى أطرافه وإلى أنفه وإلى عينيه وإلى قلبه ) .

                      سيأتى يوم يتشجع فيه ناقد ، لأن يضع نصا جميلا محل مقاله النقدى ، مؤكدا أن دعوته لقراءة النص ، تجعل القارىء يمتن له كثيرا ، وكم كنت أتمنى أن أفعل ذلك مع نص الكاتب القدير حقا محمد شمخ ، لقد قدم هذا النص كنزا فى فن الإيقاع الكتابى ، ربما نتأمل – أولا ـ صوت الأفعال ، ستجد لكل فعل إيقاعه الناجم من اختيار فعل مخالف للأفعال السائدة ، ( قعد ـ ترك ساقيه تنزلقان وتتدليان ـ نتش جلبابه ـ تحاشى أن يخبط شيئا ـ أزت المفاصل ـ زم الباب ـ حود إلى الشارع ـ زام الكلب ـ طلع ربطة المفاتيح ـ خلى المداس فوق المصطبة ـ خرخرة الماء ـ خبط الأرضية ـ يبص ويتسمع ـ كح ـ نطت صورة أم فرج )
                      صيغة إيقاعية صوتية ملفتة يقدمها النص للأفعال التى يستخرجها الكاتب من حبيئة القص الشعبى واللغة الحية ، " خلى المداس " لم يقل وضع المداس ، ولم يقل الحذاء ، نطت وليس بدت أو ظهرت ، هذه الاختيارية الذكية للفعل المحمل بدلالات شعبية غنية ، يحملها الكاتب إيقاعات صوتية كأنه انفجار صوتى تام فى اللفظ ، خاصة فى أفعال الصوت والحركة ( كح ـ يخبط ـ خرخر .... ) .
                      ***
                      الصيغة البنائية التى اعتمدها النص ، والتى تعتمد على راو عليم ، خاصة فى نهاية القصة ، هذه الصيغة تقوم على بطل فاعل وبطل ظل ، على شخصية نسائية فاعلة وشخصية فى الظل ، وعبر هذا التوازى تتحقق أعلى درجات التناغم الإيقاعى ، إننا أمام امرأة نائمة ( نايمة نومة اهل الكهف ، نظر بضيق إلى سحنتها العرقانة ، لاحظ أن جبينها ووجهها يلمعان من أثر العرق المدهن ، حول عينيه عنها )
                      وعلى الجانب الآخر ( بدت نضارة خديها .. انتفاخات ردفها بقيت فى الضوء ، وقعت عينا الشيخ إسماعيل عليها )
                      لاحظ المخالفة الإيقاعية الممتعة بين المرأتين ، المفارقة بين السحنة وبين الخدين ، بين حول عينيه عنها وبين وقعت عينا الشيخ عليها ... مفارقة محسوبة بدقة عالية فى عفوية مدهشة .
                      التحول الحدثى ذاته لعب دورا إيقاعيا طيبا ، بعد الحديث عن برنامج العمل للشيخ إسماعيل ، ومسيره بجوار جدار مكتب تحفيظ القرآن نجد تسلسل الذكريات يعود بالحدث إلى الماضى ، ثم يعرج على بيت الشيخ على حين ( ينسل من الباب الموصل بالصالة ، ليطمئن على زوجته الجديدة .. فهو يدللها آخر دلال وشايف مزاج مزاجها ) هذا التحول بالراوى إلى ضمير الشيخ إسماعيل نفسه ، فى موازاة ساحرة بين زوجته بشحمها وعرقها وسحنتها ، وبين هذه الساحرة .

                      بل هناك مخالفة بين شخصيتى الشيخين ، بين رجل محب للحياة وللضحك ( يقهقه فيجعل الطريق كله ضوضاء ) وبين الشيخ إسماعيل الذى يتبرأ من فكرة معاشرته لزوجته السمينة وكأنه رماه بإحدى الكبائر ( أبدا والله ومن سنين )... ثم يتحدث عن دهنها لجسدها بالمروخ (بيلعب نفسى أقرف من الدنيا ومن كل بنات حوا ) .

                      قدم محمد شمخ نموذجا للشهوة المتحكمة فى مكان غير المكان ( المسجد ) وفى زمان غير الزمان ( قبيل صلاة الفجر ) وعبر المخالفة أيضا ينشأ إيقاع حقيقى مثير للدهشة ، فى الواقع النص ملىء بجماليات القص .. فما بالنا بالمجموعة كلها ، تحية لكل كاتب يكتب على هواه ، ليقدم عملا على هوى القارىء .

                      تعليق


                      • #12
                        رد: لسع النعناع

                        ====

                        " لسع النعناع "عمل شديد المصرية ، يواصل فيه " محمد شمخ " رحلة بدأها يوسف إدريس " فى الكتابة الطازجة ، لكنّ "شمخ " يكتب بمزاجية عالية ونادرة ، يكتب كيفما شاء وقتما شاء ، كاتب حر ، لا يكرر تجاربه ، ولعل قارىء " طبلية من السماء " ليوسف إدريس سيلحظ الحس الكاريكاتورى فى رسم شخوصه ، لكن " محمد شمخ " يرسم شخوصه بشكل شديد الواقعية ، بينما تأتى السخرية من قدرته الفذة على الفضح للأشياء الصغيرة ،
                        وقصة "لسع النعناع " يسردها غائب يحكى لك عن بطله الأساسى " الشيخ إسماعيل ، مؤذن الزاوية ، وبرنامجه اليومى العتيق ، من لحظة الاستيقاظ قبيل الفجر ، متخلصا من تلال اللحم المائل عليه المسمى بـ "أم فرج " زوجته ، ثم طريقة ارتدائه لملابسه ، ثم مروره بصاحبنا الشيخ على ، وهو إمام المسجد الذى عاش الشيخ إسماعيل يتمنى أن يخذله المنبه ليحل محله فى الصلاة إماما ، ثم يتندر بها طوال اليوم ، وعبر نمائم وتمائم صغيرة تتعلق بعرسة صغيرة تمر ، أو جدار يستندون عليه فى السهرات ، أو كلب غاضب يمر بجواره ، حتى نصل لبيت القصيد ، ويصل المسجد ، حيث اعتاد قضاء حاجته فى الحمام الأول ، ثم الوضوء ، فالصلاة ، لكن طارئا حدث ، سمع صوتا فى الميضة ، يسأل فيجد امرأة شابة ، أتت بجمالها وأنوثتها ، لتملأ غلاية الماء ، ويعرفها .. بنت الشوربجى التى لها زوج فى العراق ، لكنه يسألها فيعرف أنه جاء ، وفى تقاسيمها يتذكر أنوثة الزوجة الجديدة لغريمه صديقه الشيخ على ، ويتصور أشياءً وأشياء ، ثم بعد حوار شيق يرفع لها الغلاية ، وتتلمس يده صدرها ، فيترك كل عاداته فى صلاة الركعتين لتحية المسجد ، ثم التسبيح ، بينما ( ينطلق لسع النعناع تحت جلده إلى أطرافه وإلى أنفه وإلى عينيه وإلى قلبه ) .

                        سيأتى يوم يتشجع فيه ناقد ، لأن يضع نصا جميلا محل مقاله النقدى ، مؤكدا أن دعوته لقراءة النص ، تجعل القارىء يمتن له كثيرا ، وكم كنت أتمنى أن أفعل ذلك مع نص الكاتب القدير حقا محمد شمخ ، لقد قدم هذا النص كنزا فى فن الإيقاع الكتابى ، ربما نتأمل – أولا ـ صوت الأفعال ، ستجد لكل فعل إيقاعه الناجم من اختيار فعل مخالف للأفعال السائدة ، ( قعد ـ ترك ساقيه تنزلقان وتتدليان ـ نتش جلبابه ـ تحاشى أن يخبط شيئا ـ أزت المفاصل ـ زم الباب ـ حود إلى الشارع ـ زام الكلب ـ طلع ربطة المفاتيح ـ خلى المداس فوق المصطبة ـ خرخرة الماء ـ خبط الأرضية ـ يبص ويتسمع ـ كح ـ نطت صورة أم فرج )
                        صيغة إيقاعية صوتية ملفتة يقدمها النص للأفعال التى يستخرجها الكاتب من حبيئة القص الشعبى واللغة الحية ، " خلى المداس " لم يقل وضع المداس ، ولم يقل الحذاء ، نطت وليس بدت أو ظهرت ، هذه الاختيارية الذكية للفعل المحمل بدلالات شعبية غنية ، يحملها الكاتب إيقاعات صوتية كأنه انفجار صوتى تام فى اللفظ ، خاصة فى أفعال الصوت والحركة ( كح ـ يخبط ـ خرخر .... ) .
                        ***
                        الصيغة البنائية التى اعتمدها النص ، والتى تعتمد على راو عليم ، خاصة فى نهاية القصة ، هذه الصيغة تقوم على بطل فاعل وبطل ظل ، على شخصية نسائية فاعلة وشخصية فى الظل ، وعبر هذا التوازى تتحقق أعلى درجات التناغم الإيقاعى ، إننا أمام امرأة نائمة ( نايمة نومة اهل الكهف ، نظر بضيق إلى سحنتها العرقانة ، لاحظ أن جبينها ووجهها يلمعان من أثر العرق المدهن ، حول عينيه عنها )
                        وعلى الجانب الآخر ( بدت نضارة خديها .. انتفاخات ردفها بقيت فى الضوء ، وقعت عينا الشيخ إسماعيل عليها )
                        لاحظ المخالفة الإيقاعية الممتعة بين المرأتين ، المفارقة بين السحنة وبين الخدين ، بين حول عينيه عنها وبين وقعت عينا الشيخ عليها ... مفارقة محسوبة بدقة عالية فى عفوية مدهشة .
                        التحول الحدثى ذاته لعب دورا إيقاعيا طيبا ، بعد الحديث عن برنامج العمل للشيخ إسماعيل ، ومسيره بجوار جدار مكتب تحفيظ القرآن نجد تسلسل الذكريات يعود بالحدث إلى الماضى ، ثم يعرج على بيت الشيخ على حين ( ينسل من الباب الموصل بالصالة ، ليطمئن على زوجته الجديدة .. فهو يدللها آخر دلال وشايف مزاج مزاجها ) هذا التحول بالراوى إلى ضمير الشيخ إسماعيل نفسه ، فى موازاة ساحرة بين زوجته بشحمها وعرقها وسحنتها ، وبين هذه الساحرة .

                        بل هناك مخالفة بين شخصيتى الشيخين ، بين رجل محب للحياة وللضحك ( يقهقه فيجعل الطريق كله ضوضاء ) وبين الشيخ إسماعيل الذى يتبرأ من فكرة معاشرته لزوجته السمينة وكأنه رماه بإحدى الكبائر ( أبدا والله ومن سنين )... ثم يتحدث عن دهنها لجسدها بالمروخ (بيلعب نفسى أقرف من الدنيا ومن كل بنات حوا ) .

                        قدم محمد شمخ نموذجا للشهوة المتحكمة فى مكان غير المكان ( المسجد ) وفى زمان غير الزمان ( قبيل صلاة الفجر ) وعبر المخالفة أيضا ينشأ إيقاع حقيقى مثير للدهشة ، فى الواقع النص ملىء بجماليات القص .. فما بالنا بالمجموعة كلها ، تحية لكل كاتب يكتب على هواه ، ليقدم عملا على هوى القارىء .


                        ===============================
                        من دراسة بعنوان " الايقاع فى السرد " قدمها الناقد إبراهيم حمزة بمؤتمر دمياط 2010
                        ===============================

                        تعليق

                        يعمل...
                        X