إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

العيدية

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • العيدية

    العيديّة

    يا عيد،. أذهب ولا تعد ثانية
    إن غابت بهجة الأطفال عن أيّامك...!!

    نادى ربّ العمل على عمّال ورشته بعد أن أنهوا العمل، ليعطيهم أجرهم، لا سيّما، أنّ العيد قد أصبح على الأبواب..
    بعد أخذٍ وردٍّ بين العمّال وربّ العمل حول الأجور والغبن الذي أصابهم، اقتنع أبو شكري برزقه، وعندما لمست كفّاه الورقة النقديّة التي لم تتلمّسها منذ شهور عدّة قال في نفسه:
    -الحمد لله..!
    في طريق عودته إلى البيت، أخذ يفكّر بكومة المطالب والحاجيات التي تفتقد إليها عائلته الكبيرة، فهل يشتري بها لحماً أم دجاجاً، سكاكر العيد أم ثياب العيد لأولاده، هل يدهن بيته "الشاحب" بدهان جديد أم يشتري سجّادة ووسائد لغرفة الضيوف في بيته..؟!! هل وهل وهل..!
    هكذا تزاحمت عليه المطالب حتّى أصبحت كجبل شاهق، بدا أبو شكري أمامه، بورقته النقديّة كحصاة صغيرة..
    عندما وصل إلى البيت كانت زوجته تحضّر "كليجة" العيد التي ملأت رائحتها المكان، لكنّ أبا شكري لم يتلذّذ ـ هذه المرة ـ بتلك الرائحة الزكيّة التي تبشّر الناس بقدوم العيد.
    دعته زوجته للغداء، لكنّه لم يشتهِ الطعام، فملذّات الدنيا كلّها، لا يمكنها أن تمحي مرارة الحرمان من حلق أبٍ لا يستطيع أن يأتي لأطفاله بملابس العيد الجديدة..
    أشعل لفافة تبغ، وأخذ يستنشقها مع كأس الشاي، وفكّر من جديد: "الله كريم، في العيد القادم ـ إن شاء الله ـ ستتحسّن الأمور".
    هكذا تأمّل أبو شكري ثمّ أخرج من جيبه الورقة النقديّة، وأخذ يتأمّلها فوجدها قديمة، وذات تجاعيد كثيرة، فأخذ يخاطبها: "أيّتها المسكينة اللعينة، كم عانيت في شبابك..! وكم من أيد تناقلتك من مكان، ومن زمان لآخر..! لقد هرمت، لكنّك، لم تفقدي أبداً هيبتك وقوّة نفوذك".
    بقي للعيد ثلاثة أيّام، أمّا أبو شكري فقد قرّر أن يشتري بعضاً من أغراض العيد بالدين كالسكاكر والملابس واللحم، أمّا الورقة النقديّة فقد قرّر أن يجعلها مفاجأة لأطفاله كعيديّة.
    لقد خاف أن يصرفها، ولكي يؤمّن على "حياتها"، قرّر أن يخبِّئها في مكان آمن، بعيداً عن جيوبه..
    أخذ يبحث لها عن ذلك المكان "الآمن"،لكنّه لم يفلح في العثور عليه.. قال مداعباً نفسه:
    "الحمد لله أنّني لا أملك الكثير من هذه الأوراق، فأين كنت سأخبّئها..؟!"..
    وأخيراً، قرّر أن يدسّ الورقة بين أَفْرشة النوم، التي وضعتها زوجته فوق بعضها البعض، في غرفتهم الصغيرة المبنيّة من اللبن والقشّ.. لفّ الورقة بهدوء، دسّها بين ثنايا لحاف أحمر، ثمّ خرج لشراء ربطة الخبز.
    وجاءت ليلة العيد.. أراد أبو شكري أن يخرج "العيديّة" لكي يصرفها إلى قطع نقديّة معدنيّة، حتّى تكون جاهزة، ليمنحها لأولاده في صباح العيد، فدخل إلى "مصرفه " ليخرج منه "رصيده" اليتيم.. ولكن هيهات..!
    دسّ أبو شكري أصابعه في اللحاف، ولكنّها خرجت خاوية الوفاض.. لقد هربت منه.. لكن إلى أين..؟ هذا ما كان يحيّره.. حاول لمرّات عديدة أن يلتقطها، لكنّ كلّ محاولاته باءت بالفشل.
    نادى زوجته ليروي لها ما حدث، ولكنّ زوجته نفت نفيّاً قاطعاً علمها بالموضوع، بل بدأت تبكي عندما سمعت اتّهامات زوجها لها، وأكّدت، أنّه حتّى الأطفال لا يمكنهم أن يقوموا بعمل كهذا، فهي تعرف جيّداً أطفالها!.
    هكذا اختفت "العيدية" قبل أن يأتي العيد، وحلّ محلّها الشكّ والريبة، فأين ذهبت..؟ ومن سرق ذلك الأمل الصغير من هذا البيت البائس ؟
    جاء صباح العيد حزيناً، وبينما كانت أصوات التكبير تتعالى من المآذن، كان أبو شكري يستغفر ربّه، ولم يحسّ بلذّة العيد، وكذلك زوجته التي لم تنم الليل كلّه، أمّا أولاده، فقد خرجوا مبتهجين كالفراشات الملوّنة، يجولون بين البيوت والجيران مع أقرانهم الذين ملؤوا الطرقات، وهم يرتدون ثياب العيد الجديدة، بالفرح والبهجة كأزاهير الربيع، تفوح منهم رائحة وحلاوة سكاكر العيد..
    مضى العيد سريعاً، لكنّ السؤال بقي قائماً، أمّا الإجابة عليه فلم تتمّ إلاّ في الخريف..
    في أحد الأيّام الخريفيّة، وبينما كانت زوجة أبو شكري تنظّف وترتّب أثاث البيت، وقع بصرها على منظر لم تصدّقه عيناها، فصرخت وهي تبكي:
    -" أبو شكري.. أبو شكري"..!
    ركض إليها زوجها مستفسراً، وإذا بزوجته تشير له بإصبعها إلى ثقب محفور في أرضيّة الغرفة.. تقدّم أبو شكري نحو الثقب متفحّصاً، ثمّ هزّ رأسه وقال وهو ينظر إلى زوجته:
    -إنها العيدية ..!!؟؟
    لقد عثروا عليها ممزّقة الأوصال، وقد تناثرت أشلاؤها حول المكان، ولم يبق منها سوى الفتات، هنا صاحت أم شكري فرحاً لتقول لزوجها:
    - اليوم هو عيدنا الحقيقيّ، الحمد لله، الآن يمكنني أن أفرح..
    تأمّل أبو شكري "رفات" العيديّة مبتسماً وقال :
    -حتى أنت أيّتها الفئران.. حتّى أنت تأكلين أجر العامل..؟!
    جمعت أمّ شكري الفتات وهي تتمتم بعبارات اللوم، لكنّ أبا شكري ربت على كتفيها وقال ممازحاً:
    -"يجب أن نحفر لها قبراً مناسباً.. هيّا لنقم بمراسم الدفن، رحمة الله عليها وعلينا وعلى العيديّة التي لن نحزن على موتها أبداً"..

    وكل عام وأنتم بخير

  • #2
    رد: العيدية

    الأستاذ محمد علي موضوع القصة جد مميز. أنسنة الورقة النقدية ساهم في تكثيف تيمة العوز, في انتظار قراءة المزيد من إبداعك لك تحياتي

    تعليق


    • #3
      رد: العيدية

      -حتى أنت أيّتها الفئران.. حتّى أنت تأكلين أجر العامل..؟!

      لا غرابة في ذلك

      بوركت استاذ محمد علي
      متميز في اسلوبك الهادف
      وحرفك شيِّق
      لك محبتي

      تعليق


      • #4
        رد: العيدية

        " تأمل رفاة العيدية "
        صورة معبرة لا يرسمها إلا مبدع
        لكن عزيزي هل سنجد رفاة أنفسنا يوماً
        كيف ستخرج الشوكة من الحلق ؟
        تحياتي

        تعليق


        • #5
          رد: العيدية

          محمد علي علي . . .


          نشتاق جديدك


          عساك بخير




          تعليق


          • #6
            رد: العيدية

            [align=center][tabletext="width:70%;"][cell="filter:;"][align=center]

            محمد علي

            سردك الأنيق شوّقنا إلى جديدك

            تحياتي

            [/align]
            [/cell][/tabletext][/align]
            [ALIGN=CENTER][TABLETEXT="width:35%;border:5px double deeppink;"][CELL="filter:;"][ALIGN=center]في الحب شقاء ..
            وفي الشقاء لذة........
            وفي اللذة راحة........
            وفي الراحة نقطة بداية تصارع الموت
            [/ALIGN]
            [/CELL][/TABLETEXT][/ALIGN]

            تعليق


            • #7
              رد: العيدية

              سرد أنيق ،
              رغم أنها عيدية في يوم عيد لكنها صورة حزن..
              مودتي
              [align=center]
              sigpic
              شكرا لمن نثر الشوك في طريقي ، فقد علمني كيف أميّز جيدَ الزهرِ


              مدونتي حبر يدي

              شكرا شاكر سلمان
              [/align]

              تعليق


              • #8
                رد: العيدية

                تحالفت الفئران مع كل ما يقرض راتب العامل ويحرم أبناءه من الحياة

                كل التقدير

                تعليق


                • #9
                  رد: العيدية

                  تسجيل متابعة لانتاجك الأدبي و السؤال عنك؛





                  شكرا غاليتي ذكريات الأمس


                  الحزن كلمة تنقصها دقة الوصف للحالة..

                  الموت ليس نهاية الأمس بل ماساة الغد..

                  فهد..

                  و بدات ماساتي مع فقدك..
                  *** ***
                  اعذروا.. تطفلي على القلم

                  أنتم لستم رفقة مهمة بل أنتم الأهل و العائلة..


                  الابتسامة تعبير ابيض عن مستقبل اراه في منتهى السواد.. بالإرادة و العزيمة وقليل من المال، يمكن بناء غرفة من الصفيح، لكن لا يكفي لبناء اقتصاد منتج..


                  لا أعرف أين ابحث عني لأنه لم يعد لي عنوان ثابت

                  تعليق

                  يعمل...
                  X