إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

طوق الآتي

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • طوق الآتي

    بسم الله الرحمن الرحيم



    [align=justify]كان عليه أن يتحيَّن اللحظات تأهبًا للرحيل؛ إذ شارف الفجر على البزوغ، واقتربت الساعة التي يقتضي فيها استيقاظ أبيه ليبدأ بمزاولة الأعمال اليومية من بيعٍ وشراءٍ في السلع والمنتجات الغذائية. فما كاد أن يبلغ عتبة الباب ليولي الأدبار ويرحل مخلفًا صدى ليلة البارحة تتردد وتحوم من حوله كالطاعون، حتى ترامى إلى مسامعه صرير باب حجرة الأب، وصوتٌ تشوبه الغلظة يقرع قلبه قرعًا مدويًّا:

    - إلى أين يا عبد الله؟!

    فتسمَّر في مكانه كالملدوغ، وصوته الخافت ينساب بتوترٍ وارتياب:

    - عند عتبة الباب يا الوالد.

    وران الصمت في الأرجاء، لتشرع هوةٌ سحيقة المدى في البزوغ، فالإتساع. وتتحرر الهواجس لتصبو مكامن الخوف؛ فتصيب مآربها منه، ليقبع في زاوية الترقب مسلوب الرشد. فإذا بالصوت ذاته يردف قائلاً:

    - هاتفني ولد سالم ليعلمني بقدومه بعد قليل ... كن بالجوار.

    وانسحب إلى الداخل متمتمًا بالدعاء، مرددًا تسابيحه على أثير صوته المتهدج الغليظ الذي ترهف الآذان صداها في وجومٍ وفزع. فتسمَّر عبد الله في مكانه دونما ثبات، وجاشتْ نفسه بأصناف الألم حتى خالجت الروح أسباب السأم، واستقر أمره لبضع دقائق على نحو لم يراوح مكانه، ثم دنا من الباب، فكان قاب قوسين أو أدنى من الطريق الترابي المتصل إلى نهاية الحارة. فحال بينه وبين ذلك، عطاسٌ متبوع بنحنحةٍ مفتعة ترامى إليه صداه من قريب حيث تمثَّلت العتمة على الشواهد والأمكنة؛ فاستعصى عليه تبيُّن مصدر العطاس والنحنحة. والتفت يمنةً، يسرةً؛ بغية الإستطلاع، وأرهف السمع، فإذا بحفيف خطوات تتوالد من عدم، تتسامى إلى أذنيه رويداً، رويدًا؛ فزاغ بصره، وأخذ العرق يتفصد من جبينه، وتجلو على عوارضه رجفةٌ دوتْ في أغواره، وسرائره التي أبتْ إلا أن تحادثه حديث الظنون.

    وظلَّ على حال من الترقب والخوف الشديد لهنيهةٍ بدتْ كالدهر الطويل، حتى لاح من قريب ولد سالم بنحنحته قادماً نحو البيت. فأخذ نفساً عميقاً غلى خلاف ذلك، وزفر وهو ينفِّس عن توتره، ويطرد الظنون عن مخيلته التي تشكلتْ بفعل التوجس، وهو يمدُّ إلى القادم يداً مصافحاً إيَّاه:

    - أسعدتَ صباحاً أيها العم ... تفضل.

    فأجابه متبرماً عن حرِّ ما ينوء به:

    - أي صباحٍ هذا!! ... أسرق جهاراً أمام الملأ !!! ... لقد سرقني أولاد الحرام!! ... سفلة!! ... أين أباك؟!

    فانقبض صدره، وانقطع نفسه، وزاغت عيناه من جديد؛ إذ هل يُعقل أن يكون ولد سالم من وقع اختيارهم عليه؟! لقد أخبرهم بأدق اللفظ أن يسرقوا غيره. ربَّاه!! إلا أن يكون قد وقع اختيارهم عليه!! أن شواهد الذكريات ومناقب التاريخ المشترك بينه وبين أبيه ستحول عنه الرحمة إذا ما أدرك الأب أثر الأبن في كل ما حدث!! ربَّاه!! اللعنة عليهم جميعاً!! ما كان عليهم أن يقدموا على سرقة هذا المأفون الملعون!! ماذا سيحدث الآن؟! بل ما مصيره إذا ما اشتمَّ الأب ما يريب؟!

    وخرج الأب توِّه، وعانق ولد سالم، وهو يشدُّ على يده، قائلاً:

    - لا عليك.

    ثم التفت إلى عبد الله، وحثَّه بالنظرات أن يأتيهم بصينية القهوة، وقاد ولد سالم بيده إلى الداخل، بينما الأخير أخذ يردد ويتوعد بصوتٍ أثخنه البكاء وسلبه السخط رشده:

    - آخر زماني يسرقني ثلة من أولاد الحرام!! ... أنا يا أبا عبد الله أُسرق؟! ... هل تصدق ذلك؟!
    - لا عليك ... قلتُ لك لا عليك ... لنا شأنٌ بمشيئة الله مع من سرقك.
    - لا أقول سوى حسبي الله ونعم الوكيل!! ... أنا أُسرق؟! ... أنا أُسرق؟! ... الويل لهم!!

    ومضت الأيام على نحو لم يغمض لعبد الله جفنٌ!! وأحاطت به سبل الخوف حتى عظم شأن ولد سالم في عينيه، ووقع ذكره في نفسه ما يقضُّ هناءه، ويعكِّر صفوه؛ فخشى على نفسه من غيهب الآتي، فأسرَّتْ إليه سرائره أحاديث شتَّى، تلوك الخفايا وتعصر الخيالات في عصارة الآتي؛ فلزم وحدته وآثر الوحدة زمناً طويلاً. ومع مرور الأيام، كان لصدى حادثة ولد سالم النسيان، والنار التي أضرمتْ ما فتأتْ أن خمدتْ من تلقاء ذاتها. إلا أن الذكرى أبتْ أن تُمحى عن ذاكرة عبد الله؛ فكان إذا عثر على ولد سالم في الطريق، انتابته القشعريرة، ويقبض الخوف بخناقه.


    [align=center]- انتهت -[/align][/align]

  • #2
    رد: طوق الآتي

    قد تكون الصدفة هنا لعبت دورها الكامل و الايجابي ..

    و عبد الله تعلم درسا و هذه نهاية جميلة ..لا نجدها في كثير من القصص..

    تقديري أستاذ منهل
    لايكفي أن تطرق باب الإنسانية لتحس بمجيئها نحوك , عليك أن تخطو تجاهها و التوقف عن الاختباء خلف الزمن,


    امرأة محتلة

    تعليق


    • #3
      رد: طوق الآتي

      [align=center]

      لو كان كلّ اللصوص كما عبد الله ,,
      لتوقف عمل مخافر الشرطة وما يتبعها
      لكن دوماً ,, طوق الآتي .. أعظم عقاب ,,
      منهل الرئيسي ,, خالص التقدير[/align]

      تعليق


      • #4
        رد: طوق الآتي

        أستاذ منهل، أخذني سحر السرد إلى حيث لا ادري، او ربما أسر لك:
        اخذني إلى متعة القراءة..
        تحياتي

        تعليق


        • #5
          رد: طوق الآتي

          سرد جميل تمتعت به
          تحية وود
          حبيبتي

          أحبك وقلبي منفطر............أفرحيني أسعديني

          تعليق


          • #6
            رد: طوق الآتي

            سرد أنيق، ولغة رائعة،
            الصدفة لعبت دورها ، لتوقظ الضمير في نفسٍ مريضة.


            تحيتي
            [align=center]
            sigpic
            شكرا لمن نثر الشوك في طريقي ، فقد علمني كيف أميّز جيدَ الزهرِ


            مدونتي حبر يدي

            شكرا شاكر سلمان
            [/align]

            تعليق


            • #7
              رد: طوق الآتي

              عودة لملامسة الجمال..
              تحيتي
              [align=center]
              sigpic
              شكرا لمن نثر الشوك في طريقي ، فقد علمني كيف أميّز جيدَ الزهرِ


              مدونتي حبر يدي

              شكرا شاكر سلمان
              [/align]

              تعليق


              • #8
                رد: طوق الآتي

                منهل الرئيس


                عدت لأمتّع ذائقتي


                دمت بودّ




                تعليق


                • #9
                  رد: طوق الآتي

                  [align=center]


                  أسلوب مشوّق أستاذ منهل ،،
                  تقديرى لهذا القلم المبدع ،،

                  [/align]
                  [align=center]


                  أعطني إعلاميين بلا ضمير ،، أعطيك شعبا بلا وعي

                  جوزيف جوبلز
                  وزير إعلام هتلر


                  [/align]

                  تعليق

                  يعمل...
                  X