إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

احتمالات قليلة.. مسافات أقصر

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • احتمالات قليلة.. مسافات أقصر


    تنفس الصعداء بعد أن تمكن أخيرًا من اتخاذ مقعدٍ، راح ينظر عبر النافذة، يتابع المارين. مرت بضع لحظات حتى أتخذت عجوز المقعد بجانبه. استمر يحدق نحو واجهة محل تجاري قبالته يحاول أن يميز ملامح وجهه ويتساءل تُرى كيف يبدو؟ هل تظهر عليه علامات السهر؟
    تحركت الحافلة حانت منه نظرة باتجاه الركاب، رآها تقف قريبًا تتمسك بواقٍ حديدي مثبت الى المقاعد، راحت تمعن النظر في عينيه وشعر بنوع من الغضب أو الحقد في عينيها، أشاح بوجهه عنها وعاد للنظر الى الطريق. الناس يمرون بسرعة كل في وجهته، عجائزٌ يجلسون على مقعد يراقبون ، شحادة تجلس قرب مركز تجاري.. هذا هو حال مركز المدينة ازدحام واناس من جميع الاصناف.
    تتوقف الحافلة عند محطةٍ أخرى، تجمهر الركاب خلف الطرف الثاني من زجاج النافذة فمنعوه من رؤية نفسه على زجاج المحل التجاري. أشاح بنظره الى داخل الحافلة، فوقع نظره عليها، ما زالت ترمقه بذات النظرة، شعر بالضيق والاختناق فتنهد تلقائيًا، أشاح بنظره عنها لينظر الى ساعته إنها الحادية عشرة، ترى هل سيتمكن من الوصول الى موعده بعد نصف ساعة؟
    بات يشعر بالضيق من نظراتها، لكن حتى نخوته لن تساعده اليوم لكي ينهض ويترك امرأة عجوز تجلس مكانه.
    عندما صعدت الى الحافلة وتقدمت وقع نظرها عليه فاقتربت، إذ بعث شكله في البداية الراحة في نفسها يبدو من ملابسه الفاخرة وملامحه الهادئة أنه يمتلك الكثير من اللباقة كي ينهض ويدعو عجوزًا مثلها للجلوس. إلا أنها بعد أن وقفت قريبًا، وراحت تنظر الى يديه المتكاتفتين ونظره عبر النافذة فاعتبرته تجاهل منه لوجودها . اشاحت بنظرها عنه وراحت تنظر عبر النافذة ، تتساءل لماذا هم شبان اليوم بهذه الوقاحة بحيث لا يحترمون ولا ينهضون لاجلاس امرأة عجوز؟ صحيح أنها لا تمتلك الكثير من المشاكل الصحية وهي تحمد ربها على ذلك، لكنها تتعب بسرعة ومن المفروض أن شابًا مثله يقدر هذا وينهض لأجلها.
    تحدق في عازف الساكسفون الجالس هناك قرب المركز التجاري تتساءل كم من الاعوام قضاها هذا الرجل وهو جالس هنا في هذه الزاوية، وراحت تحاول التذكر وعندما عجزت وعادت لتنظر اليه كان قد اختفى عن نظرها.
    ينظر الى أعلى نحو زرقة السماء ويفكر بسوادها في الليل، كم صار يخشى ظلم الليل، بات يقضي معظم هذه الفترة من اليوم بصحبة القمر، يقرأ وينظر اليه بين الحين والاخر الى أن ينهكه النعاس، يراقبه كيف يغير زاوية ظهوره كل مساء؟ غدا القمر فجأة صديقه الوحيد وكلما تأخر ظهوره ازداد ضيقه. كانت ليلة أمس عصيبة لم يستطع أن يطلع أحدًا عما يلم به، غاب القمر وظهر شيء اخر عند النافذة يطرقها، ويبتسم له يطلب منه أن يتقرب اليه أكثر، وأجهد نفسه طيلة الليل وهو يحاول أن يطرد ذاك عن نافذته وعن مخيلته وعن ليله وكم خشي الفشل.
    هي لا تزال واقفة في مكانها بينهما مسافة قصيرة، ويتقاسمان النظر عبر نافذة واحدة، هي تحدق في وحدتها التي لم تعد تدري كيف تتجاوزها لا تنجح في الفرار منها لا في بيتها الصغير ولا في الحافلة ولا في الطريق. كانت ترى ذاك الشيء قريبًا بعيدًا منها وأكثر ما تخشى أن يتسلل اليها وهي وحيدة في بيتها، لكنها الان تنتبه أنها في وحيدة في جميع الامكنة حتى بين المقربين منها فلماذا تقلق من موعد تسلله اليها.
    توقفت الحافلة كانت هناك فتاة على المحطة على الطرف الاخر من الزجاج، لم تحاول أن تسارع الى الحافلة، راحت تنظر اليهما عبر النافذة وتفاجئت عندما رأت ذات النظرات في عيونهما وما كادا ينتبهان اليها حتى تحركت الحافلة، فنظر كل واحد منهما باتجاه الاخر في ذات اللحظة واشاحا بصرهما في اللحظة ذاتها أيضًا. نظر الى ساعته الحادية عشرة والربع، بقي ربع ساعة، ويتضح له كل شيء.
    تقترب الحافلة من المحطة المركزية ، حيث سينزل العديد من الركاب ولن يبقى سوى محطتين حتى تصل الحافلة محطتها الاخيرة التي هي وجهته. تتوقف الحافلة، شاب وشابة يتعانقان، عددٌ كبير من الركاب ينزل، وعددٌ أقل يصعد، وعندما صعد الراكب الاخير تركت الفتاة يد صديقها، أُغلق باب الحافلة ، صديقها يناديها، الحافلة بدأت بالتحرك، الفتاة تعدو، وجد نفسه يصرخ مناديًا السائق كي يتوقف، لكن السائق لم يعره انتباهًا، واستمر في طريقه. استدار الى الخلف، رآى الفتاة وقد توقفت وجاء صديقها يعدو خلفها ليضمها من جديد. عاد لينظر الى الأمام ماذا يعني أن تفقد هذه الحافلة ستأتي أخرى بعد ربع ساعة، ستكون قد منحت للقاءها بحبيبها عمرًا أطول بربع ساعة أليس هذا أجمل من أي موعد آخر ستذهب اليه متأخرة ربع ساعة من الزمن.
    فجأة تذكر تلك العجوز التي كانت تحدجه، نظر باحثًا، المقعد بقربه خال ٍ، أما هي فتجلس في المقعد المقابل. تأمل قبعتها البيضاء، احمر الشفاه الذي يطلي شفتيها المزموتين، قميصها الازرق وتنورتها البيضاء وتأكدًا أنها أكبر مما يوحيه مظهرها الخارجي.
    هي تنظر الى الجهة المقابلة للشارع باستغراب ، كيف يبدو الطريق مغايرًا عندما تنظر اليه من وجهة أخرى لقد اعتادت ان تنظر الى هذه الجهة في طريق عودتها بالحافلة وليس في الذهاب، وها هي الان تنتبه الى تفاصيل من المكان لم تكن تراها من قبل. توقفت الحافلة نظرت الى الركاب الثلاثة غيرها نزل اثنين واستغربت أن الشاب لم ينزل، أغلق السائق الباب واستمر في الطريق وهي بعدُ مندهشة، هل يقصد المكان الذي تقصده؟ لكنها لم تره هناك قبل ذلك، أهو موظف جديد؟ أم جاء لزيارة قريب.
    نظر الى الساعة انها الحادية عشرة وخمس وعشرون دقيقة يزداد توتره.
    تتوقف الحافلة نهضت العجوز بسرعة، نزلت وبدأت تسير، صوت محرك الحافلة لا يزال مرتفعًا، الحافلة لم تغادر بعد، استغربت.. استدارت الى الخلف، رأته عند باب الحافلة يحاول النزول بصعوبة، عادت اليه مدت يدها لتمسك بيده وعندما أنزل رجله الى الارض صرخ متألمًا. اشتدّ استغراب العجوز وعندما وقع نظرها على بقعة بنفسجية على ذراعه الايسر صرخت : يا الهي!! ما هذا..
    ابتسم، هز رأسه، وراح يسير ببطئ قربها ويحاول أن يعدل مشيته لتكون مثلما كانت سابقًا "أيام الشباب" لكن آلامه تمنعه، قال: ـ انها اثار فحوص الدم التي أجريتها ، ففي الفحص الاخير تعبت الممرضة وهي تبحث بنصل الابرة عن الوريد وكانت هذه هي النتيجة.
    ـ يا الهي يجب أن تذهب الى مستوصف اخر، يجب أن لا تسمح بهذا .
    وصلا الى مدخل المشفى اتجه هو نحو الاستعلامات، وهي غابت في الدهاليز . أرشدوه الى مكان العيادة، وعندما وصل اليها كانت الساعة 11:35 طلبت الممرضة منه الانتظار بعد أن أخذت بطاقته الصحية. جلس بصعوبة، واستغرق في التفكير ترى ماذا ستقول له هذه الطبيبة، أخبروه أنها أفضل المتخصصين في المشفى، عليه أن يستمتع بهذه اللحظات التي لا يعلم فيها مدى خطورة مرضه، قبل أن يراها وتؤكد انه لم يبقى له من العيش اليسير الكثير. يسند رأسه الى الحائط يحاول أن يتخيل الوضع الذي يلم بعضلاته، بعظامه، كان هذا آخر ما يتوقع من امراض، اعتقد أن قلبه من سيخونه لكثرة ما نزلت به من عواصف وصواعق ولكثرة ما نشبت به من حرائق، لقد خانه جسده وراح رماد حرائقه يترسب في عظامه ينهشه ببطئ، ليجعله عاجزًا.
    في الساعة 11:45 طلبت منه الممرضة الدخول، دخل ببطئ وقبل أن ينظر الى الطبيبة راح يستدير
    ليغلق الباب، فجاءه صوتها :" هذا أنتَ اذَا .." استدار، ذهل من هول المفاجأة انها العجوز ذاتها.
    اشارت له أن يتقدم ليجلس ، بعد أن جلس ابتسمت بود، استغرب منذ زمن لم يبتسم له أي طبيب ، ينظرون اليه بفتور ويهزون برؤوسهم غير راضين. قالت :" لا تقلق يا بني لقد اطلعت على فحوصاتك الاخيرة وملاحظات الاطباء، ان مرضك ليس بالخطورة التي تظن، انها التهابات بسيطة.."
    استمرت بالحديث طويلا عن كيفية العلاج، لكنه كان بعيدًا عنها بفكره، كان يفكر بغرفته، بذاك الشيء الذي يطرق النافذة في الليل يحدق فيه ويأمره أن يذهب معه، أخيرًا سيرحل عن نافذته.. أخيرًا سيتمكن من النوم دون قلق..
    8\9\2010




  • #2
    رد: احتمالات قليلة.. مسافات أقصر

    تمنيت لو لم أغادر هذا الفضاء المخضب بالمشهدية لدرجة وطتني باعتباري قارئا في بناء المتخيل..
    سرد تكعيبي بنى السرد والمشهدية من عدة أبعاد وهو ما أسس لنص حافل بالتشويق.
    سعدت بالتواجد هنا
    في انتظار جميل إبداعك
    تحياتي

    تعليق


    • #3
      رد: احتمالات قليلة.. مسافات أقصر

      ايتها النسب
      سأسمح لنفسي بتعريف القراء عليك دون استئذان منك،
      فلا تغضبي مني يا صغيرتي.
      -نسب أديب حسين فلسطينية من قرية الرامة في الجليل.
      -في بداية العشرينات من عمرها.
      -تدرس الصيدلة في الجامع العبلاية في القدس.
      -صدرت لها رواية ومجموعة قصصية...مجموعتها "مراوغة الجدران"
      اثارت ردود فعل ايجابية كثيرة، وكانت على طاولة النقاش في ندوة اليوم السابع في القدس
      وهي منشورة في زاوية النقد الأدبي في هذا الموقع.
      -كتبت عنها ذات يوم أنها تنحدر من أسرة مصابة بفايروس الأدب
      فعمها شقيق والدها الأديب المعروف د. نبيه القاسم
      وابن عمها الشاعر الكبير سميح القاسم.

      وبعد هذا التعريف السريع ايتها النسب فقد دهشت من روعة ابداعك في هذه القصة
      فاسلمي لنا مبدعة ستطاول السماء في قادم الأيام.

      تعليق


      • #4
        رد: احتمالات قليلة.. مسافات أقصر

        الاخ الاستاذ مصطفى اشكرك جزيل الشكر ان رأيك هذا يزيدني غبظة في قصة ترددت بنشرها

        العم الغالي جميل شكرًا لك آمل ان أبقى عند حسن ظنك

        تعليق


        • #5
          رد: احتمالات قليلة.. مسافات أقصر

          أحسنت قاصتنا الجميلة بأسلوبك الجميل

          وقد شهد بحرفيتك إثنان من خيرة الأساتذة في المعهد

          فما لنا بعد قولهم قول

          تحياتي وتقديري

          تعليق


          • #6
            رد: احتمالات قليلة.. مسافات أقصر

            الاخت همس الشوق يزيدني ردك سعادة على سعادتي بما تقدم من الاخوة الافاضل

            مع أطيب التحيات
            نسب

            تعليق


            • #7
              رد: احتمالات قليلة.. مسافات أقصر

              سامحك الله يا نسب أصبتيننى بالحزن .. لن أستطع تناول عملك نقديا لإعتبارات الدهشة التى اصبت بها .. عمل رائع عزيزتى واعتقد أن لى عوده لقراءته بعين الناقد ..مودتى

              تعليق


              • #8
                رد: احتمالات قليلة.. مسافات أقصر

                الأخ طلال يسعدني حضورك كثيرًا واستغرب لماذا أصبت بالحزن فالنهاية سعيدة
                وأتمنى أن تعود لقراءة القصة بعين الناقد
                سلامي

                تعليق


                • #9
                  رد: احتمالات قليلة.. مسافات أقصر

                  المشاركة الأصلية بواسطة نسب اديب حسين مشاهدة المشاركة
                  الأخ طلال يسعدني حضورك كثيرًا واستغرب لماذا أصبت بالحزن فالنهاية سعيدة
                  وأتمنى أن تعود لقراءة القصة بعين الناقد
                  سلامي
                  لا يمكننا تلقى العمل من خلال لحظة التنوير وحدها ، فالنهاية ليست المعيار للقراءة ، فقد كانت فكرة الشاب الوسيم الذى كشف السرد عن مرضه مرحلة فارقة فى العمل حتى وان كانت لحظية ، ثم تأتى المشاهد ككاميرا راصده لحياة اناس هنا وهناك ، عازف الآلة الموسيقية ، الماكث منذ زمن وكأنه فى حالة موات زمنية . وغير ذلك من الحالات التى تبعث على الألم .. فعندى قراءتى لأى نص لأ أعتمد النهايات لكن النص يكتمل فقط بلحظة الكشف ، وكل كلمة وجملة لها دلالاتها الذاتية .. لن اطيل لكنه عمل محزن وتلك هى قرأتى..سلامى .. ربما تقرأى لى ، وعندها نناقش بعين الناقد .. سلامى مرة اخرى

                  تعليق


                  • #10
                    رد: احتمالات قليلة.. مسافات أقصر

                    المشاركة الأصلية بواسطة طلال سيف مشاهدة المشاركة
                    لا يمكننا تلقى العمل من خلال لحظة التنوير وحدها ، فالنهاية ليست المعيار للقراءة ، فقد كانت فكرة الشاب الوسيم الذى كشف السرد عن مرضه مرحلة فارقة فى العمل حتى وان كانت لحظية ، ثم تأتى المشاهد ككاميرا راصده لحياة اناس هنا وهناك ، عازف الآلة الموسيقية ، الماكث منذ زمن وكأنه فى حالة موات زمنية . وغير ذلك من الحالات التى تبعث على الألم .. فعندى قراءتى لأى نص لأ أعتمد النهايات لكن النص يكتمل فقط بلحظة الكشف ، وكل كلمة وجملة لها دلالاتها الذاتية .. لن اطيل لكنه عمل محزن وتلك هى قرأتى..سلامى .. ربما تقرأى لى ، وعندها نناقش بعين الناقد .. سلامى مرة اخرى
                    أخي طلال أعترف أنك محق في رؤيتك هذه يسعدني وجودك دائمًا ، ويسعدني أن أقرأ لك
                    سلامي

                    تعليق

                    يعمل...
                    X