إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

هواجسٌ عند مدامع المدينة

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • هواجسٌ عند مدامع المدينة


    أخرج للسير في مرافقة ظلٍ ومساءٍ يستعد للمجيء، في طريق فيه من الغرباء الكثير..
    أتابع خضرة أشجار توشح الطريق، واستغرب كثرة السائرين في مثل هذا الوقت، فعادة ما يقل الذاهبون القادمين مساء يوم الجمعة.
    تقبل علي طفلة تمسك براحة أبيها وأسمع صدى صوتها من بعيد، تتكلم وتكثر من الكلام وعندما تمر بي اسمعها تخاطبه بلغتها العبرية "لا استطيع.."
    تساءلت ترى ماذا لا تستطيع، ما همها هذه الصغيرة ؟ أهو كما كان همي يوم كنت في عمرها؟
    (كيف يمكن لأرجوحتي أن تصل السماء؟ كيف أحلق قرب العصافير؟ كيف أجعل الريح تحمل طائرتي الورقية؟)
    كم رائعة ثرثتها تلك الطفلة، كنت مثلها ذات يوم كثيرة الكلام منذ تعلمت اتقان الكلام.. اليوم أمضي وحيدة أنا وظلي، والظل يفهم جميع اللغات، فصرت أحادثه في صمتي وعدت كثيرة الثرثرة منذ تعلمت اتقان الصمت.. أجد الظل يربت على كتفي "لا بأس يا صغيرتي" ونسير أنا والظل والطريق..
    يقاطعني عن حديثي الصامت صوت يقترب أنظر الى الامام باحثة، فتاة في مقتبل العمر تقترب وهي تغني بصوت مرتفع، إثر اغنية تسمعها عن طريق جهاز مثبت الى خصرها. صوتها يملأ المكان، واستغربت جرأتها ففي صوتها الكثير من النشاز وتمضي به بشكل جهور كأنما الطريق ملك لها. على بعد أمتار عني صمتت لست أدري هل انتبهت لانتباهي اليها؟ هل شعرت أنها تقاطع حديثي السري..؟ مرت بقربي بصمت وعندما راحت المسافة بيننا تكبر عاد صوتها ليرتفع.
    شعرت بصمتي يكبر يا لجرأتها تسير وحدها وتبعثر الكلام كيفما اتفق، وأنا إن ناديت في صمتي أسمع صدى ندائي في قلبي يُحدث هوةً وقد تسقط بضع خلايا من ارتداد الصوت ولا من مجيب.. وإن نظرت عيني وبحثت عن شيء من الحقيقة في نور الغد تجد أن كل ما رأته سراب..
    سرابٌ اذًا وأمضي.. سراب اذًا وأسْرِع.. سرابٌ اذًا وأعود الى وتيرة سيري..
    ويمر من يمر من المارين، من ينشد الرياضة ومن ينشد الترويح عن النفس، ومن يبحث عن كنيس ومن يبحث عن حلم..
    مجموعة من العجائز قبالتي يخرجون من بيت متحدثين باللغة الاسبانية ومع اقترابي شخصت الي عيونهم الثمانية، عيونهم مثبتة نحوي ربما ميزوا أنني لست منهم.. عندما ابتعدت سمعتهم يقولون "شبات شالوم" ويفترقون لأربعة وأربعة عيون.. استغربت تلك الطمأنينة والاسترخاء في استقبال السبت في هذا الحي من المدينة بينما قد تكون عائلة أخرى في حي مقابل تتلاهى بالاحاديث، تحاول أن تنسى جرح الصباح والنزاع لمحاولة منعها من استقبال الجمعة..
    فجأة إرتفع صوت المؤذن، كلمات عربية تصدح في المكان، تصل من قرية عربية مجاورة، قد ينزعج القاطنون هنا، ربما كان عليهم تقديم شكوى لمحكمة العدل العليا تفرض السجن على الريح كي لا تحمل صوتًا عربيًا الى هنا..
    اقترب من بقعةٍ تطل على شرق المدينة.. غالبًا ما أقف هناك لأتابع المكان وأنظر الى جدار فاصل بدأ كقطعة صغيرة، وراح يمتد ويكبر كالسرطان، وها قد تم اتمامه تقريبًا بعد عامين من العمل "الشاق"، من إحدى جهتيه شقٌ له عمق لا بأس به، ومن الجهة الاخرى شارع إسفلتي جديد، هناك في ذاك المكان صمت الجميع لم أسمع سوى زقزقة العصافير.. تساءلت تُرى ما موقف العصافير من قضية وطننا؟ ترى هل يؤذيها الجدار عند استيقاظها صباحًا، وتجده برماديته يسخر منها كما يسخر مني كلما فتحت نافذتي الشرقية، يسابق الشمس عند تسللها ويبتسم ملقيًا تحية الصباح بحقد، ورغم أن غدر الجار ليس بغريبٍ علي لا ولا الاصطباح بالجار الحقود علي بجديد، إلا أن عيني لم تعتد يومًا ملقى هذا الجار.. فهل تأذى وطن العصافير؟ هل تنام في جهة وترحل الى الجهة الاخرى في الصباح؟ هل يستوقفها الجدار ويطالبها بالهوية؟ هل تبذل جهدًا أكبر كي تعبره أم أنه مجرد بناء قائم لا يعنيها ؟
    لو تتقن الكلام تلك العصافير التي تتقافز هنا بقربي في هذا المقطع بين شرق وغرب المدينة لأفصحت.. وقد تقول :" نحن بالسياسية لا شأن لنا ولا خبر، كل الاوطان أوطاننا وهذا من شؤون السياسة حسبنا، همُنا غصن ظليل، شيء من قوت اليوم، عشٌ دافئ، رقصات السرب، ووداع يوم واستقبال آخر بالغناء والتغريد.."

    تغيب الشمس يدعوني الظل للمسير ويسابقني في الطريق، تمر بنا قطة واضح عليها امارات الدلال والغنج.. قلت لنفسي قد يكون للقطط موقف سياسي محدد أكثر من العصافير، فقد أخبرنا أحد المحاضرين في الجامعة أنه بعد ان أجرى بحثًا على القطط في شرقي المدينة وغربها وجد اختلافًا في طبيعتها والامراض التي تنتشر في وسط القطط "العربية" غيرها عن الامراض التي تنتشر في وسط القطط "اليهودية". لعلنا اذًا نجد موقفًا سياسيًا داعمًا من جانب مجتمع القطط، وقد يساعدونا ضد الاحتلال أكثر من مجتمع بشري يعايشنا.. ومن يدري قد تنظم القطط مظاهرة احتجاجية إسوة بإخوانها من الحمير والاغنام القاطنه في غزة، اذ شاركوا قبل مدة بمظاهرة احتجاجية وأظهروا موقفًا بينما عجز أخوة من البشر عن كسر الصمت..
    أسير وظلي تعكسه ما أضيء من مصابيح.. الظل يمتد يسابقني ولست أدري لماذا هو على عجل.. وأهمس له أني على ضيق وعلى أمل.. وأحار بنفسي وأدرك أني لست أدري.. كيف أنشد الوحدة لأبتعد عن صخب يومي، وحين تأتي أحبها لحين وأخشاها لأحيانٍ كثيرة، تبرع في رسم الجدران أمام غدي، في نفض ما علق في ذاكرتي من حزن وحقد وجروح أعملها الغادرون..
    أسرع في سيري وكلمات تتقاذفني " حلم.. وطن.. حياة.. حب.. عمل.. دراسة.. سلام.. أرض.. أمي.. أبي.. شعبي.. مُدُني.. وهم.. سراب.. حلم.."
    أسارع أكثر حتى أقترب من بيتي لأتهالك عند مقعد قريب من أرجوحة.. هناك أطفال يستمتعون بالتأرجح ويتناوبون، وأنا أنظرهم ورغبة جامحة بالتأرجح تعصف بي.. انتظرت.. إنه دورهم الآن ليس دوري، دورهم ليعتلوا أبواب أحلام طفولية جميلة قد تحملنا اليها الأرجوحة..
    بعد أن إنطلقوا حان دوري، هناك رحت أتأرجح لست أدري اين كان الظل يقف؟ هل يتأرجح معي، أم يؤرجحني أم يجلس على الارجوحة المقابلة شارد الذهن؟.. لست أدري، ما أعرفه أني كنت أنظر الى السماء وأعب الهواء، وكنت كما كنت في طفولتي أتمنى أن تحملني الأرجوحة بعيدًا لأطير.. لأطير وأكون كما هي العصافير..

  • #2
    رد: هواجسٌ عند مدامع المدينة

    نسب اديب حسين
    أهلا بك قلما مبدعا ..
    هواجسك يا نسب جاءت في نص متكامل الأدوات ، نجحت في نقل ما يخالجك بسلاسة في ملامسة للابداع .

    ننتظرك!

    منجي
    ~~~~

    هــــــــــــــــــــــذا رأيي و لكلٍّ وِجهة هو مُوَلّيهـــــــــــــــــــــــا !!!








    *

    تعليق


    • #3
      رد: هواجسٌ عند مدامع المدينة

      سرد رائع وممتع
      استمتعت بجمال سردك
      اهلا وسهلا بك بيننا
      تحيتي وتقديري

      تعليق


      • #4
        رد: هواجسٌ عند مدامع المدينة

        نسب ..
        تأرجحت معك ..
        فوجدت العمر يمضي ..
        والدموع تنضب ..
        ولكن لم نفقد الأمل..
        دمت ود
        " الثورة هي حرب الحرية على أعدائها ..!! "

        تعليق


        • #5
          رد: هواجسٌ عند مدامع المدينة

          الاخ منجي باكير تسعدني رؤيتك هذه في النص شكرًا لك

          الاخ فايز الاشتر اشكرك على مرورك الجميل

          الاخ علي ابريك ان شاء لن يخبو ولن يضيع الامل ما دامت الشمس تشرق وما دمنا نؤمن بعدالة قضيتنا


          مع مودتي
          نسب

          تعليق


          • #6
            رد: هواجسٌ عند مدامع المدينة

            رأيتك تتأرجحين بين واقع مثقل بالهموم

            وخيال خصب بالأماني والأحلام

            وبين هذا وذاك يجثم الإحتلال البغيض

            سرد شيق وجميل جعلنا نرافق ظلك في متابعتك

            تقديري الكبير

            تعليق


            • #7
              رد: هواجسٌ عند مدامع المدينة

              الاخت همس الشوق شكرًا لك على مرورك الرائع
              هي احلامنا ، بقايا ظلالنا وابتسامة تتركها الارجوحة في معالم وجوهنا منجاتنا من الاحتلال

              لك تقديري وشكري

              تعليق


              • #8
                رد: هواجسٌ عند مدامع المدينة

                الأخت الطيبه نسب تحيه مجدده لنبض شهي يجيد لغة التعبير / مودتي
                [frame="9 80"]
                هكذا أنا


                http://www.yacoub-y.com/
                [/frame]

                تعليق


                • #9
                  رد: هواجسٌ عند مدامع المدينة

                  الاخ يعقوب يسعدني أن القاك هنا في المنتدى
                  سلامي

                  تعليق


                  • #10
                    رد: هواجسٌ عند مدامع المدينة

                    [frame="9 80"]

                    كلمات تتلعثم بالصمت



                    ***
                    بقلم / نسب أديب حسين / فلسطين
                    لوحه / يعقوب أحمد يعقوب / فلسطين

                    ***
                    (صدرت ضمن مجموعتي القصصية مرواغة الجدران)
                    زوبعة اقتحمت نافذتي وأرادت المقام في غرفتي..
                    زوبعة اقتحمت ذاكرتي وأرادت المقام في ذاتي..
                    عندما أغص بالنداء وأصل حدّ الانفجار، أتساءل ماذا ستكون المحصلة؟
                    بقعة دمٍ على التراب.. أم بقعة حبرٍ على الاوراق..؟!!
                    ***

                    تنظرُ الى الاوراق المثقلة بالكلمات والدموع أمامها، تحتار كيف يمكن أن تقوم بـطيّها، أو إخفائها، كيف تُخفي كلماته وهي ما يُرافقها منه، مجاورة ظله..
                    " لا تبحثي عني في أروقة الزمان المترهلة بالضوء، اتركي لي مكانًا في زاوية وامضي، دعي الماضي في دفاتره وابحثي لك عن مستقبلٍ جديد.
                    لا تُدرجيني في مركز من حياتك، أنا اخترتُ الاقامة في الهامش منذ سنين، ليس لأن الهامش مهمل، بل لأن في الهامش تُسجل أهم الامور..
                    أنا ظلٌ يرافقكِ ويرشدكِ من بعيد، لا تبحثي له حولك عن جسد.."
                    على أوراق ٍ بيضاء فجّرت ذهولها المكتوم.. بمغلفٍ مثقلٍ بقبلاتها وكلماتٍ تهزه في مساحات الضوء، مضت الى البريد وأودعتها هناك..

                    * * *

                    ( طفلة كنتُ يوم أردتُ أن أجمع شيئًا من غيم السماء، لأحفظه في حقيبتي..
                    سألتك:ـ كيف يمكنني أن أصطاد غيمة وأدخلها في ضيق حقيبتي..؟
                    ابتسمت وسألتني :ـ وما حاجتكِ بالغيم؟
                    أجبتك:ـ لأجد لي في الصيف مطرًا.
                    قلتَ لي:ـ أتركي الغيم يذهب حيث يريد.. لكل فصلٍ مطر..
                    يومَ أردتُ ان أبني من الترابِ بيتًا، حملتَ لي الحجارة، دعمتها وساندتني، وعندما أمسكت بيدكَ وقلت: "هيا بنا"، إختفيتَ..
                    وعند خروجي من البيتِ، في الغابةِ تهتُ، ظهرتَ أزلتَ الخوف بمصباح ٍ وبسمةٍ قـُدتني... وعندما الى الدربِ اهتديتُ، ضعتَ..
                    تموج الدمعة في عيني، يطالعني طيفك، يزيل الدمعة وقبلَ البسمة ِ مضيتَ..
                    وعندما رفعتُ قلمي باسم الوطن، من الحجار صنعت لي أوراقـًا وأسطرا من تراب، وبعد أن جعلتُ بإزميل الحبر نقشًا، لم أعلم إن كنتَ على الكلامِ مررتَ..
                    آتيك لأسألك:" من أنتَ"، "أنا ظلكِ الظليل"
                    هكذا اذا، ظلا كنت.. ظلا كنت..
                    وأنا حسبتك أكثر من عرفت، والنور كنت، لكنك بقيت الشعاع الخفيّ في عيني وما ظهرتَ..)

                    يبتسم وهو يقرأ كلماتها العابثة بأوصاله، يقول لنفسه" لن تترك هذه الصغيرة شقاوتها" يرفع هاتفه، بعد أن يخرج ورقة صغيرة من جيبٍ خفي في محفظته.. ويتصل.
                    عندما أتاه صوتها شعر بدهشتها، إبتسم، سألته بعبثية:ـ من يتكلم؟
                    ـ أنا ظلكِ.
                    ـ لقد سمعتُ عن ظلال تتكلم... لكنني لم أعلم أنها تستطيع أن تتصل للتحدث عبر الهاتف..
                    ـ لكل ظلٍ قدراته الفنية على الظهور.. ماذا تفعلين الآن؟
                    ـ أحشو وسادتي بالغيوم.
                    ـ لماذا؟.... لتحتفظي بالمطر؟
                    ـ كلا.. لأصنع منطادًا وأسافر الى القمر..
                    ينفجر ضاحكًا:ـ كم من المرات أخبرتكِ يا طفلتي أن القمر سيفقد اعجابكِ به إن زرتِهِ.
                    ـ ربما لكنني سأزيده نورًا وجمالا، وهناك سأعلم أن معظم سكان الارض ينظرون اليه... ولا بدّ أن يراني أحد.. ثم انني إخترت الاقامة على القمر مثلما قررت الاقامة في الهامش..
                    ـ لو أعلم فقط من أين تأتين بهذا الكلام؟
                    ـ سائل ظلك..
                    شعر بالضيق:ـ ياسمين.. أنتِ تعلمين ظروفي أرجوكِ لا تلوميني.
                    ـ أنا لا ألومك إنني أعاتبك، لقد تعبت من البُعد..
                    ـ لقد تحدثنا في هذا كثيرًا، إن ظروفنا ومجتمعنا لن يفسحا لنا مجالا كي نكون معًا.. ستبقين طفلتي الصغيرة وسأبقى خير مرشدٍ لك في طريقكِ، ولكن من بعيد..
                    هزت رأسها غير مقتنعة وهي تحاول أن تضع حدًا لنقاش لا تجد منه فائدة، قالت:ـ حسنًا.
                    فسألها:ـ هل قابلتِ جلال؟
                    ـ كلا.
                    ـ ومتى ستفعلين؟
                    ـ لا أظن أنني سأفعل.
                    ـ لماذا؟ يجب أن تعلمي كنه مشاعره نحوكِ، لتعلمي في أي طريقٍ تمضين..
                    ـ لن أقرع نافذة أحد بعد اليوم..
                    امتدّ الصمت، قالت بصوتٍ منخفض:ـ تصبح على خير..
                    ـ بُنيتي.. لو كنت أستطيع تجاوز العيون الفارغة التي لا تمتلئ الا ظنونًا آثمة، لما تأخرتُ عليكِ لحظة..
                    ـ الى اللقاء يا أيها الظل
                    وتردف بهمسٍ: ـ يا أبـي..
                    تحدق في عتمة غرفتها التي يلفها الصمت وصدى كلماته، وحيدة هي لا يجاورها سوى ظله، وأوهامٍ كبيرة في شخصين لا يظهران، لم يعد لها ما تصدقه سوى وجودها على رقعةٍ من الارض.. وتساءلت هل تكون أرضها وهمًا كبيرًا أيضًا..
                    سألته ذات مرة "لو قرع الوطن نافذة عمرك.. وطلب مساعدتك في الخلاص، وانت قابعٌ بين أطفالك يتعلقون بذراعيك.. ماذا ستفعل؟"
                    استغرب سؤالها، وتردد للحظاتٍ قبل أن يقول:" سألبي النداء"، ابتسمت.. هزت رأسها.. وقالت:" لا تقلق، لو فعل سأذهب مكانك.."

                    مرّ شهران دون أن يعلم عن أخبارها شيئًا، وما كاد يتساءل حتى جاءته اجابتها دون انتظار..
                    كانت الساعة الرابعة عصرًا عندما طـُرق باب مكتبه... وظهرت شابة تحمل صندوقًا متوسط الحجم، اخبرته انها صديقة مقربة لياسمين، إنتابته دهشة فقالت الفتاة:ـ لا تقلق.. لم تطلع أحدًا عنك سواي.. لقد أحضرت هذا الصندوق قبل أن تذهب، وقالت لي أن أحضره اليك عندما يصلني عنها خبر..
                    ـ الى أين ذهبت.. أين هي؟ لقد اختفت فجأة..
                    أجابت وهي تشيح بنظراتها عنه:ـ كانت لها طريقة خاصة في الظهور، إبحث عنها في المحطات الاخبارية..
                    خرجت، على محطة وطنهم المرهق... وجد الخبر يمر في الشريط الاخباري، وسرعان ما ظهرت مذيعة تقدم نشرة اخبارية لتؤكد هواجسه:" استشهدت اليوم الشابة ياسمين جابر في قرية نعلين غربي رام الله، على أثر مداهمة قوات الاحتلال وصدِّها مظاهرة ضد الجدار الفاصل، وكانت الشابة قد لقيت مصرعها أثر اصابتها برصاص ٍ أطلق لتفريق المظاهرة.. ويجدر الذِكر أن الشابة أنهت دراستها للتمريض وحضرت من داخل مناطق الخط الاخضر للتطوع في الهلال الاحمر منذ شهر، لقيت مصرعها وهي تحاول إنقاذ امرأة مصابة.."
                    مشدوهًا ينظر الى اسمها وصورتها على الشاشة رافضًا تصديق ما يرى، أيُ طريقة مذهلة ابتكرت لتظهر بقوة في لحظتها الأخيرة..
                    بدمع ٍ محترق يسارع الى صندوقها، مجموعة من الاوراق تنتظر أن ينفض الغبار عن كلماتها، وفوقها تتربع رسالة بمغلفٍ وردي.. شعر بها أمامه تراقبه.. وتستمر بعتابها الذي كان في حديثهما الأخير وانقطع، تهزه الرسالة أو ظلها..


                    ( قبلة ٌ أتركها لك في أوراقي المُعَتقة وكلماتي المتلعثمة بالصمت..
                    أترك لك الاوراق تحضنها بعدما بخُلت بصدرك علي. سأرحل عن مفترقات الطريق وأنتقل الى أروقة الذاكرة، لأكون كما أريد، أن أسير الى ايامي القادمة، ولا أترك لها زمام الأمور تأتيني متى تريد، لك أن تخالفني رأيي.. لكنني لن أمضي في طريق مجتمعنا الذي يصرف عمره أملا في غدٍ لا يأتيه..
                    أترك لك ذاكرة ً وأوراقًا مرتعشة، إجعل لها ملجأ..
                    أنقذها بشمعةٍ.. لا برصاصة عود ثقاب..
                    وابحث لها ولنفسكَ بعيدًا عن الظل ِ، مساحة من نور..
                    ***
                    [/frame]
                    [frame="9 80"]
                    هكذا أنا


                    http://www.yacoub-y.com/
                    [/frame]

                    تعليق

                    يعمل...
                    X