إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

توظيف التراث الشعبي في رواية حروف الضباب

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • توظيف التراث الشعبي في رواية حروف الضباب

    على عكس غالبية الأدب الجزائري المرتبط بقوة بالإيديولوجي أيا كانت طريقته في العرض ، يطالعنا الروائي الشاب الخير شوار برواية مضادة للتراكم الروائي الجزائري، إنها رواية تطرح الانشغالات الإيديولوجية جانبا،و تغوص في عمق الثقافة المحلية، تدخل قارئها في متاهات الواقع المحلي،والبيئة الشعبية بتقاليدها و نمط تفكيرها، و إيمانها العظيم بالقدسي، ممثلا في الأولياء الصالحين فـ«تضعنا منذ البداية أمام حيرة كبرى تتعلق بطبيعة هذا العمل الرّوائي: فهل نحن إزاء خرافة من الخرافات الشائعة عندنا، أم أننا إزاء قصة من قصص الخيال العلمي،أم أننا كذلك إزاء قصة واقعية؟..»[1] يتولى سردها "الراوي" بتعبير الرواية فيتجلى توجهها للتأصيل على مستوى الصياغة والرؤية، فعلى المستوى الأول تقابلنا العنونة التراثية إذ يوظف العنوان الفرعي "قول الراوي في محنة الزواوي" إشارتين هما الراوي و القول، و إذا كان بوسع العنوان أن « يعيّن شكله(النص) قديما كان أم جديدا ،أو يحدد جنسه الذي ينخرط فيه »[2] فإن هذا العنوان يحمل إشارتين للأدب الشفوي حيث يرتبط القول والراوي بالسيرة الشعبية، و من السيرة الشعبية يستوحي الروائي الأصل العرقي لشخصيات الفصول الأولى من الرواية، فيعود بنسبها إلى قبيلة هلالية.

    كما تقتبس الرواية أبيات من الشعر القديم ممثلا في قصيدة البردة للبوصيري، و إن كانت القصيدة من الشعر الفصيح لا الشعبي ، فإن دمجها في طقوس خاصة يخرجها من دائرة انتمائها الأولى، و لتلتحق بعادات القوم،إذ يصور الروائي إقامة المآتم،بما لها من خصوصية في هذه المنطقة التي تسميها الرواية "عين المعقال"، حيث يتجمع «المقرئون على شكل حلقة شبه مغلقة يرددون قصيدة البردة للإمام البوصيري:...
    ما سامني الدهر ضيما و استجرت به
    إلا و نلت جوارا منه لم يضم...»[3]
    ليتكرر التناص و هذه القصيدة و كل محنة تتعرض لها القرية،في تصوير لمعتقدات القوم وطقوسهم،وإيمانهم العميق بقدسية هذا النص و قدرته على إغاثتهم، تماما كما يعتقدون بالأولياء الصالحين وقدرتهم الكبيرة على جلب الخيرات.
    على مستوى الصياغة دائما ، و بتتبعنا للغة الراوي و هو في هذه الرواية منفصل عن مرويه، يروي بحيادية تامة، متعمدا تتويه القارئ بين المعتقدات الشعبية و الطقوس و الخرافات بدل مساعدته على فهم القصة التي تخرج عن طبيعتها لتلامس الأسطورة أو على الأقل لتشبهها من حيث كون هذه الأخير شبيها بالتاريخ، تروي ما اعتقد الناس أنه حدث[4]،وهو ما ترويه هذه الرواية لقارئها، إذ تدخله لعوالم سحرية تتعدد فيها الكرامات،و تحصل فيها المعجزات إلى حد يضيّع فيه رؤيا الكاتب ،خاصة وهذه الحوادث الغريبة تسرد بلغة مطبوعة بطابع السرد الشعبي «فحضور اللغة اليومية من خلال لغتها الخاصة (Sociolecte)بالجماعة الاجتماعية التي ينتمي إليها»[5] بطل الرواية ببساطتها، و اقترابها في بعض المقاطع من اللغة العامية،خاصة حين تجري على ألسنة الشخصيات؛ منها مثلا قول شقيقة البطل« لا يستطيع رد كلمة في وجهك...» [6] ووصف الحاجة الطاوس لسي العلمي بأن «يده مليحة»[7] ، أو العبارة التي وجهها زوج لزوجته العاقر:«العيب فيك يا بقرة..أنا رجل و قادر»[8] و هي عبارات لا تحمل فقط اللغة العامية ،و إنما تعكس أيضا طريقة تفكير الفئة التي تستعملها، و هذا ما تتعمق الرواية في تفصيله باشتغالها على العادات السائدة في الأوساط الشعبية، واحدة منها نظرة الاحتقار هذه التي يلقيها الزوج والجماعة بأكملها على المرأة التي لا تنجب في السنوات الأولى من الزواج ،و تجعلها تعيش مهددة «بالطلاق بعد أشهر إن لم تنجب منه»[9] أو في أحسن الأحوال بالضرة.
    لتعود الرواية وتكشف الحل الذي تجده النساء لمشاكلهن،والمتمثل في اللجوء إلى الأولياء الصالحين، في اشتغال من الرواية على الوجدان الشعبي والإيمان بالقدسي في صورة أولياء الله الصالحين،وهو العنصر الأبرز في الرواية، إذ تتناسخ شخصية الزواوي الولي الصالح جيلا بعد جيل و ترتبط حياة الجماعة بالولي الصالح الزواوي الأول،الذي تلجأ إليه النساء يسألنه الذرية فتكون الزيارة للضريح و الأكل من التربة الغظارية القريبة منه، و إشعال الشموع، و البخور...و غيرها من الطقوس المقدسة في البيئة المحلية التي تصور الرواية، و تنسب إليها اسم "عين المعقال".
    لا تكتفي الرواية بعرض هذه الطقوس بل تعرض الموقف المعادي لها، غير أن الراوي يحافظ على حياده و هو يقدمه في شكل حوار يدور بين الزواوي التلميذ بالثانوية و والدته التي تؤنبه: «- هل جننت؟...لماذا تتكلم عن سيدي الزواوي بمثل هذه الوقاحة؟..هل تعلم أن باستطاعته إيذاءك؟
    - إيذائي؟..ما هذه الخرافات التي أسمعها يا أمي ؟..هذا الأمر لا أساس له من الصحة ..لقد تعلمنا أن الله وحده القادر على كل شيء...أما مثل هؤلاء الأموات فلو كان باستطاعتهم فعل ذلك لضمنوا الحياة لأنفسهم أولا ...إنهم أموات و لا يمكنهم فعل شيء»[10] أو في أحاديث الزواوي الموجزة وأستاذ اللغة العربية.
    غير أن ما يلاحظه القارئ على لغة الرواية من بساطة و قرب من اليومي لا يقف عند حد اشتغالها على الوجدان الشعبي، و اتجاهها التأصلي الهادف إلى الغوص في عمق بيئتها المحلية كاشفة من خلال التراكيب اللغوية التركيبتين النفسية و الفكرية ،في أحد أوضح معالمها وهو إجلالها للمقدس سواء كان الأولياء الصالحين،أو نصوصا بعينها، بل إن هذه البساطة تجد مبررها في إشارة أخرى تلقيها الرواية مختصرة في آخر عبارة منها :«من"هايكو الزن "البوذي»[11] حيث تحيلنا على نوع الهايكو من الشعر الياباني الذي ارتبط بفلسفة أو ديانة الزن البوذية،فالهايكو شعرٌ الأبيات فيه قصيرة مكثفة، كما هو حال عبارات الرواية القصيرة المكثفة التي تكتفي بالتلميح و الإشارة.
    و الألفاظ في شعر الهايكو بسيطة تعبر عن مشاعر جياشة و هو ما يلمسه القارئ في الرواية، و إن لم يكن الهايكو من تراثنا فإن الكلمة الثانية و هي الزن على الرغم من أنها لا تنتمي إلى الثقافة العربية فإنها كلمة مفتاحية تعين القارئ على فهم موقف الرواية من التراث القديم ، و ذلك لأنها تذكر عددا غير قليل من المؤلفات القديمة منها: شمس المعارف الكبرى،رسائل إخوان الصفاء،الإمتاع و المؤانسة،رحلة ابن بطوطة، ترجمان الأشواق... وأماكن كان لها أثرها في الثقافة العربية الإسلامية كمثل:تمبكتو، نيسابور و كذا عدد من الشخصيات التاريخية القاسم المشترك بينها أنهم جميعا من أصحاب المؤلفات التراثية: أحمد بابا التمبكتي،ابن سبعين،جلال الدين الرومي ،إخوان الصفاء،أبو حيان التوحيدي،جلال الدين السيوطي، محي الدين بن عربي...
    و كما ناقشت الرواية الاعتقاد بالأولياء الصالحين معتمدة الحوار بين الشخصيات عرضت موقفين من هذه المؤلفات الثراثية الأول جاء على لسان الكتبي (موظف بمكتبة الثانوية) بعد أن سأله الزواوي عن كتاب شمس المعارف الكبرى فـ « كان الرد غير المنتظر مخجلا للزواوي:
    - لماذا تبحث عن مثل هذه الكتب الصفراء؟ ..هذه نوعية تجاوزها الزمان ..هي مملوءة بالخرافات والأساطير.»ليعلق مرة ثانية «كيف نبقي على كتب التخلف و الدروشة؟..هنا الكتب العلمية الجيدة و الأدبية الرفيعة و التاريخية المفيدة و الموسوعات الضخمة و...»[12] بهذا تسجل الرواية موقف دعاة الحداثة من التراث القديم خاصة الفئة التي ترى بقطع كل صلة به.
    الموقف المضاد يأتي من الزواوي الذي اقتنى كتاب شمس المعارف بثمن باهظ بالنظر لإمكاناته المادية،ثم بإدمانه قراءة الكتب التراثية رغم ما قيل له من أن أصحابها زنادقة و شواذ، حتى أنه «يسأل نفسه في كل مرة : إذا كان يستلذ كتابات هؤلاء فهل يعني هذا أنه زنديق مثلهم؟»[13] و الزواوي هو ممثل أنصار التراث فيه يبحث عن الإجابات للأسئلة التي تؤرقه، و به يستمتع، ومنه يحفظ أبيات عدة من الشعر مع أنه يعجز عن حفظ الأبيات المقررة بصفه الثانوي.
    أما موقف الرواية فإنها لا تعرضه بهذا الوضوح بل إن على قارئها استجماع عدد من الإشارات النصية،إلى أن يبلغ الصفحة الأخيرة من الرواية و عندها تلتقي كل خيوط التأويلات السابقة لترسم التصور النهائي أو ما يسميه فولفغانغ أيزر بالقطب الجمالي ، و من الصفحة الأخيرة يكون البدء حيث تحيلنا على الزن، و هو مذهب يدعو للتأمل و التفكير.
    و بالعودة إلى القصة نجد أن الزواوي كان باحثا عن تأويل للحروف المكتوبة على تميمته، حاول سلوك الدرب المباشر و هو سؤال كاتبها "سي العلمي" يتوفي هذا الأخير، فلا يبقي للزواوي سوى قراءة الكتب التراثية و البحث في سيرة "سي العلمي" للوصول إلى الفهم، لينتهي في الأخير سالكا درب "سي العلمي" و إن كانت حياته أقرب للأسطورة منها للسيرة،فإن الرواية.
    بعد مزج رواية "حروف الضباب" بين الواقع الشعبي و الأسطورة و التراث،تنتهي إلى رفع دعوة للتأمل و خوض تجربة شخصية كما فعل الراهب "هان تشان" و كما فعل الزواوي في هذه الرواية بحثا عن الحقيقة، حقيقة السي العلمي ، حقيقة التميمة، و حتى حقيقة المعتقد الشعبي ، أما الأهم فهو حقيقة قيمة التراث.كل هذا دون أن تنقص حيادية الراوي الذي يكتفي حتى آخر صفحة بنقل أحداث القصة، و يتعمد تتويه قارئه، فاتحا نصه على أكثر من قراءة.
    الهوامش

    [1]: محمد الباردي، إنشائية الخطاب في الرواية العربية الحديثة،اتحاد الكتاب العرب، دمشق،2000، ص247(نسخة إلكترونية)

    [2]: عبد الحق بلعابد،عتبات جيرار جينيت من النص إلى المناص،)،الدار العربية للعلوم ناشرون،بيروت،2008، ص75

    [3]:الخير شوار ،حروف الضباب،منشورات الاختلاف،الجزائر،2002،ص34

    [4]:ينظر: نضال الصالح، النزوع الأسطوري في الرواية العربية المعاصرة،منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق،2001،ص14

    [5]:سعيد يقطين،الرواية و التراث السردي،،(من أجل وعي جديد بالتراث)،رؤية للنشر و التوزيع،القاهرة،2006ص105

    [6]: الرواية،ص13

    [7]:الرواية ،ص 63

    [8]:الرواية،ص 21

    [9]:الرواية،ص21

    [10]: الرواية ،ص 50

    [11]: الرواية، ص120

    [12]:الرواية،ص 85

    [13]:الرواية، ص 87

  • #2
    رد: توظيف التراث الشعبي في رواية حروف الضباب

    منى

    لي عوده للموضوع

    تحياتي

    تعليق


    • #3
      رد: توظيف التراث الشعبي في رواية حروف الضباب

      الغاليه منى سعدت بمصافحة نبض يسكنه الجمال والبحر بكل الزرقة والإبداع / مودتي
      [frame="9 80"]
      هكذا أنا


      http://www.yacoub-y.com/
      [/frame]

      تعليق


      • #4
        رد: توظيف التراث الشعبي في رواية حروف الضباب

        الأخ العزيز يعقوب
        ألف شكر لمرورك المتوج بالجمال دوما

        تعليق


        • #5
          رد: توظيف التراث الشعبي في رواية حروف الضباب

          كم شدني هذا العرض الشيق لدرجة رغبتي الشديدة في قراءة الرواية ... تقبلي تحياتي منى واعتزازي
          اللهم

          أنّــي أُحــبُّ لقــــــاءَك فأَحبَّ لقائي

          تعليق


          • #6
            رد: توظيف التراث الشعبي في رواية حروف الضباب

            تحية متبادلة أخي العزيز عبد الوهاب
            و أنا أشجعكم على قراءتها
            انها نص بسيط لغة ، لكنها مفخخة
            تتعب القارئ و تجعله يلتهما صفحة بعد أخرى
            بغية الوصول إلى المعنى الخفي
            و قلة يبلغونه
            تقديري لمروركم الكريم

            تعليق


            • #7
              رد: توظيف التراث الشعبي في رواية حروف الضباب

              المشاركة الأصلية بواسطة منى بشلم مشاهدة المشاركة
              تحية متبادلة أخي العزيز عبد الوهاب
              و أنا أشجعكم على قراءتها
              انها نص بسيط لغة ، لكنها مفخخة
              تتعب القارئ و تجعله يلتهما صفحة بعد أخرى
              بغية الوصول إلى المعنى الخفي
              و قلة يبلغونه
              تقديري لمروركم الكريم
              الاستاذة البهية منى
              شوقتيني اليها اكثر ولكن يا هل ترى هل اجدها في مكتبات العراق ام ساضطر لشرائها في احدى زياراتي القادمة لسوريا او الاردن ان شاء الله
              مع خالص تحياتي واعتزازي
              اللهم

              أنّــي أُحــبُّ لقــــــاءَك فأَحبَّ لقائي

              تعليق


              • #8
                رد: توظيف التراث الشعبي في رواية حروف الضباب

                لا تتعب نفسك يا أستاذ أتكفل بإرسلها لكم
                تحياتي

                تعليق


                • #9
                  رد: توظيف التراث الشعبي في رواية حروف الضباب

                  الأخت منى بشلم لنبضك الطيب تحية يسعدني تجديد التحية وإعادة الموضوع للضوء
                  مع الكثير من المودة والتقدير لكتاباتك المميزه
                  [frame="9 80"]
                  هكذا أنا


                  http://www.yacoub-y.com/
                  [/frame]

                  تعليق


                  • #10
                    رد: توظيف التراث الشعبي في رواية حروف الضباب

                    على عكس غالبية الأدب الجزائري المرتبط بقوة بالإيديولوجي أيا كانت طريقته في العرض
                    أعتقد عليك مراجعة هذا الموقف النقدي أستاذة منى ؟
                    هذه رؤيتي ....علتها مؤنثة

                    تعليق


                    • #11
                      رد: توظيف التراث الشعبي في رواية حروف الضباب

                      http://a2.sphotos.ak.fbcdn.net/hphot...06177693_n.jpg

                      تعليق

                      يعمل...
                      X