إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

أميرة القصر الأبيض

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • أميرة القصر الأبيض



    أميرة القصر الأبيض

    قصة لليافعين: تأليف د. طارق البكري
    لكل شيء ضده

    النَّاسُ في دنيانا اليوم، كما رأيناهم وخَبرناهم في حياتنا، من خلال تعاملنا معهم واحتكاكنا بهم؛ ليسوا جميعاً - في الغالب الأعم - سَواسيَة مُتساوين في الفكر والمنطق والعطاء والعمل..
    وهذا الكلام حقيقة تثبتها التجارب، وليس مجرد كلام فارغ، للتسلية أو لتمضية الوقت، أو مجموعة من التخيلات الواهمة البعيدة عنِ الواقِعِ المحسوس.
    فلا يظنن كلُّ أحدٍ أنَّ جميع ما نسمعه في القصص القديمة والجديدة، بما فيها من تفاصيل بعيدة عن واقع القارئ أو السَّامع، هي أمور تحدث فقط نتيجة أفكار المؤلف وأهوائه، وليس لها حظ من الحقيقة..
    ولعلَّ كثيراً مما ترويه المسلسلات والأفلام التلفزيونية والسينمائية، فضلاً عن القصص، لا بد وأن يكون ثمرة ناضجة دانية من خيال الكاتب الجامح المنطلق، اعتقاداً بأنَّ في ثمارِ حَبكته "المدهشة" ما لا يحدث في الطبيعة الإنسانية وفي حياتنا الدنيا.
    فقد يكون الذئب والتمساح المتخيلان في تجربتي ليلى (ذات الرداء الأحمر) -مثلاً- وهمين حقاً، سواء مع خصمها الأول اللدود في قصة (ليلى والذئب) القديمة، أو مع عدوها الثاني اللحوح في قصة (ليلى والتمساح) الجديدة.
    هذا من حيث المبدأ طبعاً، وذلك على اعتبار أنه لا يوجد ذئب ولا تمساح يتكلم.. فهذا شيء غير منطقي ولا معقول.. وعقل الإنسان يعلم هذا ويدرك أنَّ ما يروى مجرد خيال.
    فهل شاهد أحد منا أو منكم ذئباً مفترساً يتكلم ويكذب ويحتال كما كذب واحتال على البنت الجميلة الطيبة ذات الرداء الأحمر؟
    ومن ذا الذي رأى أو قطة وفأراً يتعاركان ويتنافسان ويتبادلان المقالب كما رأينا مع قصص توم وجيري العالمية؟؟
    وهل هناك من سمع أو رأى في الواقع تمساحاً مرعباً يحاور ويناور ويجادل ويقنع محاوره كما رأيناه يفعل في قصة ليلى والتمساح؟!!
    في القصص الخيالية الترفيهية المعتادة الأمر مقبول إلى أبعد حدود.. وليس في ذلك مشكلة على الإطلاق، بل على العكس تماماً؛ فهذا شيء طريف ومعتاد ومطلوب ومرغوب، بل ويرتقي بالقصة وكاتبها إلى القمة إذا أحسن استخدام أدواته، من حرف وكلمة وحبكة وعقدة وحل.. إضافة إلى التفاصيل الدقيقة التي يعرفها كل من رغب بكتابة قصة من القصص الراقية، وإلى أي صنف انتمت.. فهذا الكلام نفسه يندرج أيضاً في سياق القصص الهادفة الرزينة التي تسعى إلى توصيل فكرة مفيدة أو غرس قيمة رفيعة.
    وما أقصده: هل رأى أحد منا أو منكم على أرض الواقع؛ في الغابات أو في حدائق الحيوان على سبيل المثال.. أو حتى على القنوات الفضائية: ذئباً غداراً أو تمساحاً شرساً يتكلم؟!!!
    ولنفترض أنَّ أحداً منا ادعى ذلك، فهل يمكن أن نصدِّقَه، هكذا.. وبكل بساطة وبتلقائية مباشرة ودون إعمال عقل؟!
    هذا الأمرُ مستحيلٌ طبعاً، بل سوف نقول فوراً ودون تردد: إنَّ من يدعي ذلك فهو مَجنونٌ أو كذَّاب.. فلا يوجد في الواقع حيوان يتكلم، باستثناء الببغاوات طبعاً.
    ومع أن الببغاوات تتكلم فإننا لا نستطيع أن نصفها بأنها حيوان ناطق.. فهي تردد فقط ما تسمع، دون دراية أو تفكير أو عقل، ومهما حاولنا بالتكرار والإصرار والمثابرة المرهقة فهي لن تردد سوى ما نعلمها إياه من بضع كلمات محدودة لا غير، وبشكل مجرد عن العقل.. فهي في الحقيقة لن تفهم ولن تستوعب ما نقول ولن تميز بين المعاني والمباني.
    وبعيداً عن كل ذلك؛ فإنَّ ما وراء الذئبِ والتمساح في القصتين المذكورتين آنفاً: "حقيقة" واحدة لا مراء فيها ولا جدال..
    فقد يكون بعض الناس على هيئة البشر الذين نعرفهم من حيث الشكل، لكن ليس من حيث الطبع والمضمون البشري الصافي الذي يولد عليه الإنسان، لإن الإنسان كما نعلم يولد على الفطرة الربانية الصافية، قبل أن يتحول إلى وحش من وحوش الدنيا إذا لم يحرص على الحفاظ على هذه الفطرة التي فطر عليها..
    وفي الواقع قد يضمر هؤلاء الذين هم على هيئة بشر شكلاً لا مضموناً "أخلاق" وحش فاسد، أو "أحلام" ذئب مراوغ، أو "إحْسَاسَ" تمساح جائع..
    أو قل ربما صفات أخرى لا تحصى من الصفات الشرسة..
    ألا يقولون: "يروغ منك كما يروغ الثعلب"..
    ويقولون أيضاً: "جلده تمسح".. بمعنى أنه لم يعد يتأثر بشيء، لأن جلد التمساح سميك جداً، بما يمكنه من تحمل الشدة والقسوة والضرب الشديد ولو كان الضرب بالحديد، كما أنه صلب عنيد، لا يستسلم ولا يهادن، فضلاً عن كونه لا يعترف بالهزيمة مطلقاً، وإن هزم فعلاً وفر هارباً من ميادين القتال!!
    وحقيقة التمساح المقصودة في القصة وجوهرها واقع مألوف ملموس محسوس، ومثله الذئب وإن اختلفت الصفات، فإن لم يكن ذئباً برياً بأنياب حادة ومخالب جارحة فهو ذئب بلبوس بشر..
    وقديما قالت الأمثال: "إذا لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب".. للدلالة على أنَّ المجتمعَ قد يشبه الغابة، حيث أن البقاء والصمود للأقوى وللأشرس..
    أما الهين اللين الضعيف فمصيره - ربما - أن يكونَ فريسةً لغيره الأقوى منه، وهذا ما يَعتقده بعض الناس، وربما أغلبهم..
    والحياة عند المؤمنين بهذه المقولة قد لا يكون فيها سوى خيارين لا ثالث لهما: إمَّا أنْ تكونَ ذئباً بَين ذِئاب الحياة، أو أنْ تكونَ فَريسةً للذئاب، فلا مكان للضعفاء في الأرض، ولا رحمة ولا قانون عند الأقوياء.
    لكنَّ هناكَ فئةً أخرى من النَّاسِ تَرفُضُ هذه المَقولةَ - وما يتبعها من رأي - جُملَةً وَتفصيلاً..
    غير أن الأغلبية تقرُّ به وتعترف..
    ولك فيما يكتب الكتاب والشعراء والأدباء والصحافيون وغيرهم الكثير من الشواهد..
    وهناك من يرى أنَّ مثل هذه الأقوال تقتل المروءة والشرف، وتنزع المحبة من قلوب الناس، وتجعلهم كائنات فتاكة مفترسة..
    ويقولون إنَّه بدلاً من أن نفكِّر بالافتراس المتبادل؛ علينا أن نفكر بالتَّراحم والتسَامح واحترام القوانين.
    أما أنا فلا أظنُّ أنَّ الأمثال والأقوال هي وحدها التي تقتل المروءة وتنزع المحبة من قلوب الناس.. غير أن القلوب هي التي تقسو وتتحجر، فتمتنع المحبة عن السكنى في داخلها.
    فمن يتجرأ على أن يكون ذئباً غريراً أو تمساحاً شريراً لا يحتاج لأقوال يستشهد بها، بل الأقوال هي التي تستشهد به.. والذكي النبيه هو من يجنب نفسه المزالق، ويستطيع أن يميز ما بين الحقيقة والخيال.. ويدرك الفرق ما بين الواقع والأحلام.
    فلكل شيء ضده.. ومثل هذا ينطبق تماماً على "الطيبة" التي اشتهر بها حارس الغابة في قصتي ليلى الجميلة البريئة، والتي قد تكون طبعاً موروثاً..
    وفي بعض الأحيان قد تكون خداعاً وتمويهاً..
    وكما أن الوجوه تختلف وتتشابه في حسنها وقبحها؛ فإن القلوب والنفوس هي أيضاً تختلف وتتشابه.
    ومن المعلوم أنَّ لكل شيء ضده، ولكلِّ صورة حسنة ما يقابلها من قبحٍ ودَمامَة، وقال الماضون فيما سبق من أزمنة خالية:
    "الضد يظهر حسنه الضد".
    وكذلك قالوا:
    "بضدها تتميز الأشياء".
    فقد يكون الأب طيباً حنوناً لطيفاً خلوقاً، محبباً لكل من حوله من أفراد أسرته ومن يعرفه من أبناء الحي والمنطقة وزملاء العمل، ثم يأتي الأبناء، واحد منهم أو أكثر، ويكونون إمَّا متنافرين متضادين، أو أعداء متباغضين، على النقيض مما يحمل الأب من صِفات الرجولة والنبل والطيبة والجَمال والخير، فيُحسَبون من الأشرار لا منَ الأخْيار الأبرار.
    أو قد يكون الأب ظالماً شريراً، لكنَّ الأبناء يأتون وفي قلوبهم عُصارة بيضاء ناصعة براقة، يحملون على أكتافهم مشاعل الحرية والحق والأخلاق والطيبة..
    وربما تكون الأم صالحة والأبناء عكسها تماماً..
    وقد يختلف الأخ مع أخيه، وعن أمه وأبيه.. في كثير من الموازين والمقاييس، وفي أحيان كثيرة؛ يتفوق الابن على أبيه الطيب في الحسن والرقي والعلم والأخلاق.. والأب من جانبه لا يحزن، بل يفرح بهذا التفوق فرحاً بالغ التعقيد، بل وأكثر مما يفرح بالانتصار جندي محارب في ساحات الوغى بعد جلاء غبار المعركة.
    ولا يتوقف الأمر على نطاق الأسرة فقط في زمن محدد ومكان معين، بل الفكرة تتعدى ذلك بكثير، وتبلغ مداها حتى تسري على كل إنسان في كل زمان ومكان.
    وليس زمان ما مثل زمان آخر، ولا إنسان ما مثل إنسان آخر!!!
    وليس في هذا الكلام إبداع مبتكر جديد لم تسبق إلى معرفته الأوائل.. لكن لا بد من حمله وقوله من حين لآخر، إنه لذكرى، والذكرى تنفع من يريد الانتفاع.. أمَّا من أعرض عنها؛ فلا تنفع معه الزلازل المزلزلة، والبراكين المتفجرة، والصواعق المزمجرة.
    وكما أنه لا توجد في الكون بصمة إصبع إنسان تتطابق مع بصمة إصبع إنسان آخر، كما أوجدها الله عز وجل بين البشر، فإنَّه لا مفر من فروق خَلقية (بالفتح) وخُلقية (بالضم)، هي موجودة حقاً، لكن لا بالغصب والجبر والإكراه بل باختيار الإنسان ورضاه.
    وفي كل صفة من صفات البشر تباين وتقارب..
    تجانس وتنافر..
    حتى اليد الواحدة تختلف بصمات أصابعها، من الإصبع الصغير، وهو الخنصر، إلى الإصبع الكبير، وهو الإبهام..
    لكن وبالنتيجة؛ فإنَّ الإنسان وإن كان لا يستطيع تحديد طريقة خَلقه وما سيكون مصيره ومستقبله وموعد ومكان وفاته.. كما قال الله تعالى في سورة لقمان (الآية 34): (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).. فإنه الوحيد الذي يستطيع أن يحدد طرقه وخياراته الأخلاقية والإنسانية، مهما كانت الصعاب والتحديات..
    ولولا أن الاختيار بين الحسن والقبيح بيد الإنسان نفسه لما كانت هناك جنة ولا كانت نار.
    وبغض النظر عن كل ما يحيط بالإنسان من مقادير ربانية، من أمور وحوادث سلبية أو إيجابية تصادفه بدون إرادة منه.. فإنَّ الله تعالى يعلم ما سيكون عليه أمر الإنسان وما الذي سيختاره دون أن يتدخل بإرادته، ودون أن يفرض عليه خيارات معينة..
    فالله سبحانه لا يجبر الإنسان على فعل أمر من الأمور لا يريده إلا إذا كان ذلك بخيارات إنسانية تفرض عليه فرضاً، مثل حاكم ظالم - كبيراً كان أم صغيراً - فلا يقوم الإنسان ساعتها بالعمل السيء من تلقاء نفسه مخيراً بل مجبراً.. إذا لم يكن هناك مفر من هذا الحاكم الظالم..
    والله - كما هو معلوم عند الجميع - يترك للإنسان مساحة واسعة من الاختيار، بل يترك له في الحالات الطبيعية ودون تدخل البشر الاختيار الكامل، في الاقوال والأفعال والتصرفات والمعتقدات.. بعيداً عما قد يجري من أمور لا يكون للإنسان عليها سلطان، أو التي تقع من حين لآخر للاختبار أو التمحيص أو التنقية.
    والصائغ يفعل مع الذهب فعلاً مدهشاً عندما يعرضه للنار، فيتميز النقي عن غيره من المعادن، ويخلصه مما علق فيه من شوائب وعوالق، فيعيد صياغته من جديد بأبهى حلة وأجمل صورة..
    والإنسان العاقل لا يقول هذا قدري في الحياة وذاك نصيبي ثم يستسلم، ويتعذر بزعمه: إنها "نفسي الأمارة التي تأمرني بالسوء".. بل عليه أن يسأل هذه النفس التي في داخله:
    - لماذا تأمره بالسوء؟؟؟
    - ولماذا لم تكن أمَّارة بالحسنى، أو على الأقل تكون نفس لوامة؟؟!!
    بل بالأحرى عليه أن يسأل قلبه وعقله:
    • أين أنا؟
    • أين عنفواني وقراري الحر المستقل؟!
    • لماذا لا تكون نفسي أمارة بالخير؟
    • لماذا أستمع إلى هذه النفس الشريرة وأنفذ ما تأمرني به من خطايا؟
    • لماذا أطاوعها ولا أقف أمامها صائحاً في وجهها رافضاً أوامرها، عوضاً عن الإنصات إليها والإذعان لما تأمر به من شر وتنهى عنه من خير؟
    • ألم يكن الأجدر بمن وافقها على ما تريد ومن اعتاد على ممارسة الخطأ وثابر عليه حسب تعليماتها أن ينتصر عليها ويثنيها عن أعمالها؟
      هذا ما يسأله لنفسه كل ذي عقل سديد..


      أميرة الحكايات

      كانت الأميرة الصغيرة تتحاور مع نفسها..
      ليست نفسها الأمارة بالسوء بل نفسها الأخرى اللوامة والأمارة بالخير..
      فهي تعلم أن للإنسان أنفساً متعددة، أنواعها الكبرى:
    • النفس الأمارة بالسوء.
    • النفس اللوامة.
    • النفس المطمئنة‏.‏
      الأميرة الصغيرة ذكية جداً.. إنها تعلم تمام المعرفة أن النفس الأمارة بالسوء‏‏ هي التي تأمر صاحبها بما تهواه من ظلم للنفس أو للآخرين..
      أما اللوامة‏ فهي التي تلوم صاحبها على ما فاتها من الخير وما فعلته من شر وتندم عليه‏..
      أما المطمئنة فهي التي سكنت إلى ربها وطاعته، ولم تسكن إلى سواه‏.
      ‏الأميرة الذكية الصغيرة كانت تعيش في قصر أبيض ناء عند ربوة تحيط بها مجموعة من التلال فلا تبدو للناظرين من حولها.. تمضي أيامها في عزلة تامَّة عن الناس..
      الأميرة كانت شغوفة جداً بالعلم والقراءة والكتابة.. وتحب أن تعرف كل شيء عن كل شيء في الحياة.. ولم يكن أمامها سوى ما يتوافر لديها من قصص وروايات خيالية أحضرها لها والدها ويزيد عليها من حين لآخر..
      كانت تقرأ كل ما يصلها من كتب.. وخاصة الروايات الجميلة، فتعيش في تفاصيلها وأحلامها، حتى تظن نفسها جزءاً من القصة أو الرواية، وأحياناً تشعر بأنها هي بطلة القصة نفسها..
      لكن لم تكن هذه الأميرة الجميلة تظن على الإطلاق، أنها ستكون في يوم من الأيام بطلة حقيقية لقصة ترويها الأجيال المتعاقبة.. عاماً بعد عام.. وجيلاً بعد جيل..
      وفي الحقيقة؛ لم يكن لدى الأميرة الجميلة في قصرها الأبيض الفخم الكبير خيار آخر، فلم يكن هناك شيء تفعله غير قراءة القصص، إذ لم يكن في زمانها (كمبيوتر) نقال ولا ثابت، وبطبيعة الحال لم تكن هناك شبكة (إنترنت) ولا فايسبوك أو إنستغرام أو تويتر.. ولا حتى مجرد هاتف بدائي..
      كل ما كانت تملكه مجرد أوراق وأقلام بكل الألوان.. وقصص تملأ مكتبة عظيمة مثل مكتبات الأساطير التي يتمنى كل إنسان محب للكتب والمكتبات أن تكون عنده واحدة مثلها، وخاصة من يهوى القراءة ويعيش مغرماً بالأحلام السعيدة.
      أحياناً كانت تشعر برغبة بكسر سجنها الكبير لرؤية "الضوء" كيف يكون من خلف الحدائق والبساتين والهضاب التي تحيط بقصرها المشحون بالفخامة والثراء..
      لم يكن مسموحاً لها الخروج من أسوار القصر على الإطلاق..
      تلك الأسوار العالية التي تظللها أشجار سامقة شاهقة بلا حدود، حتى تكاد تخفي بأغصانها العالية المتشابكة ضوء الشمس ولون السماء ونور القمر.. فقد كان قصرها مستوراً عن كل عين كأنه سراب فلا يدري عنه أحد.
      ولم يكن مسموحاً للأميرة بالنزول إلى حديقة القصر إلا في أوقات محددة، وبخاصة في الأوقات التي يكون فيها البستاني حاضراً ليقوم بعمله معتنياً بورود الحديقة وأشجارها الجميلة..
      وكان البستاني الكهل يؤدي مهمته المطلوبة منه بهدوء بالغ وحذر شديد، فالصمت طبيعته، لأنه في الحقيقة أصم وأبكم منذ الولادة، كما أن نظره ضعيف فلا يرى إلا لمسافة قريبة جداً، وهو وبالرغم من ضعف بصره فإنه لا يرفع رأسه إلى الأعلى مصوباً بصره الضعيف نحو القصر مهما كانت الظروف..
      علماً أنه لو حاول ذلك فلن يرى شيئاً على مسافة مترين كأبعد حدود ممكنة.. فنظره ضعيف للغاية.. وقد اختير للقيام بهذه المهمة السرية بدقة وعناية شديدتين للغاية..
      هو لا يعرف من يسكن القصر، ولا يدري من بداخله.. ولا يعرف أساساً أن هناك قصراً، وهو ممنوع أيضاً عن زيارة أحد ولا يسمح له باستقبال أحد..
      كوخه قريب من القصر.. يأتي بصمت ويذهب بصمت.. لا يرى أحداً ولا يراه أحد.
      منتقى بدقة، فهو يحب العزلة، ولا يعرف من الحياة شيئاً غير الزراعة والمزروعات.. ومن هنا كان اختياره صائباً، حيث تم ذلك بمنتهى الدقة، وبإشراف مباشر من الحاكم.. ولو أدرك أن ها هنا يوجد قصر لم يكن ليجرؤ حتى على مجرد التفكير بمن يسكن هذا القصر، فضلاً عن البوح لأحد بهذا السر.
      كانت الأوامر صارمة وشديدة الوضوح للغاية، أما التحذيرات فكانت مرعبة ومباشرة وتم التفاهم معه بالإشارات التي يعرفها من يخاطب الصم، ولم تدع تلك الأوامر أمامه فسحة لأي من التأويلات المحتملة:
      "لو تفوهت بكلمة أمام أحد، أو كشفت سرَّ القصر المستور؛ فلا تلومنَّ غير نفسك، جلالة الحاكم أصدر أمره النهائي بحقك، لو فعلت المحذور الأمر سينفذ فوراً؛ فصل رأسك عن جسدك".
      وكان البستاني شديد الإلتزام بأوامر الحاكم، يحضر مرتين بالأسبوع، يسقي الزرع وينظف أرض الحديقة، ويشذب العشب، ثم يرحل بهدوء دون أن يرفع رأسه.
      كانت الخالة شكران ترافقها كظلها.. وتمنعها من لمس النباتات، أو السير عارية القدمين على العشب الطري الأخضر.. وإذا هبت نسمة خفيفة كانت تطلب منها أن تدخل القصر فوراً..
      الأميرة كانت تنفذ كل أوامر الخالة.. فهي التي ربتها واعتنت بها منذ طفولتها، فبعد موت أمها كانت هي الأم والمربية والمعلمة.. والصديقة.

      وأرادت الأميرة مرة أن تكتب قصة جميلة تشغل نفسها ووقت فراغها الطويل.. فكتبت قصة جميلة، احتفظت بها في خزنتها الحديد مع مجوهراتها الثمينة، والتي تقفلها دائماً بمفتاح كبير، وتبقي المفتاح معها معلقاً بسلسلة من الذهب في رقتها.. كي لا يطلع عليها أحد.. مع أن أحداً لا يدخل القصر غير أبيها الحاكم ومن حين بعيد إلى حين بعيد آخر..
      أما الخالة شكران..؟؟؟؟ ..............
      لكن الأميرة تحب أن تحتفظ بما تكتب لنفسها.. لكنها في يوم تركت أوراقها على مكتبها الجميل ولم تضعها في خزنتها الحديدية.. فقرأتها الخالة شكران.. وكانت سعيدة بقراءتها..
      تروي القصة حكاية بلدة بعيدة، هانئة سعيدة، يعيش أهلها في سلام وأمان ووئام، لكن حياتهم غريبة، وأمورهم عجيبة، وسبب ذلك يدعو للدهشة والاستغراب.. فمثل أمرهم لا يحدث إلا في الأحلام، أو في القصص والأوهام.. لكنها حقيقة أغرب من الخيال..
      الحياة في بلدتهم لا تعرف النظام الذي يعرفه معظم سكان الأرض، فالشمس تشرق عندهم وتغيب بلمح البصر، ثم تشرق وتغيب.. ليس كمثل باقي المدن والقرى والبلاد.. فشروقها وغروبها يحدثان في كل يوم أكثر من مرة، وفي أوقات غير متكررة ولا منتظمة، مغايرة تماماً لمواعيدها المعتادة التي تحدث الناس عنها في الكتب القديمة..
      صحيح أن في العالم بلاداً ومناطق تغيب الشمس فيها شهوراً.. أو تغرب وتشرق سريعاً.. أو قد يستمر النهار شهوراً.. أو قد يطول الليل أو يطول النهار.. لكن هذه البلدة أمرها مختلف تماماً..
      وقد يكون الأمر مدهشاً لمن يجهل هذه الحقيقة التي تحدث لبلدة واحدة في العالم، وربما يعتقد من يسمع بهذا الأمر لأول مرة أنَّها مجرد دعابة، أو قد يظنها خدعة بصرية، أو ربما توهَّم أنَّ المَسألة غيضٌ من خيال واسع متألق لا يَعرف حدوداً ولا أسواراً..
      لكنها في الواقع حقيقة لا مِراء فيها ولا جِدال، وهذا قد يكون أكثر ما يثير الاستغراب من دون مقدمات مختَصرات أو تفصيلات مفسِّرات..
      وبالرّغم من غرابة الأمر؛ فإنَّ أحداً لمْ يَسمعْ -كما يبدو- بمثل هذه الظاهرة الطبيعية الغريبة غير سكان البلدة.. فهي سرٌّ من أسرارهم الخافيات، والتي لا يعرفها غيرهم أحد، ولن يصدقها أيضاً غيرهم أحد، فهم الذين رأوها بأم العين، وعرفوها، واعتادوا عليها، وأصبحت جزءاً لصيقاً بهم.
      قد تكون - إذا تناثر خبرها- سراباً في بيداء، أو أسطورة من أساطير الزمان مدونة في كتاب قديم رث غلافه، تشبه حكايات الأحلام الواهمات.. لا ليل فيها اكتمل، ولا نهار اجتمعتْ فيهِ سَاعاته الصغرى -ولا حتى الكبرى- من شُرُوق وضُّحَى وظَهِيرَة وعَصْر وغُروب، ولا ساعات ليل بَدت للعيان تامَّة؛ من شَّفَق وغَسَق وسَّحَر..
      وكم يعاني قمر البلدة وهو (ابن الليالي) في أحلامه المتقطعة المتناثرة.. فما أن يبدأ ليل مُكحِّلاً السَّماء بِعتْمَتِه حتَّى ينقلب الظلام ضياء قبل أن يستقر الليلُ بِظلمتِه، فيحتجب (ابن الليالي) من جديد.. حياءً وخفراً.
      لعلها حياة "ليل ونهار" أغرب من خيال كاتب قصص أطفال حالم، واسع الآفاق.. أو -ربما- قل: أوسع من روايات مُخادِعٍ مُراوِغٍ أفَّاق.
      ففي يوم بارد أو حار أو معتدل، ولا فرق بين الأيام؛ تشرق الشمس زاهية عند منتصف ليل قاتم.. ثم فجأة تغرب بعد ساعتين أو ثلاث ساعات، وربما أربع.. وفي بعض الأحايين أقل أو أكثر، لم يعد أحد يعد ساعات الليل ولا ساعات النهار، كما أن سكان البلدة لم يعودوا يحسبون سني أعمارهم، فلا أحد منهم يعرف عمره تمام المعرفة.. يخمِّنون ويتحزرون مثلما يشاؤون.
      وكما تشرق الشمس فجأة فإنها تغيب فجأة.. فيسود ظلام دامس قبل أن تعود لتشرق فجأة مرة أخرى من جديد.. وربما في الوقت نفسه الذي غربت فيه قبل يوم واحد.. ولا يستطيع أحد أن يحدد يوماً ولا نصف يوم.. لأن الواقع يربك الجميع.. ولربما طلعت الشمس وغربت في يوم واحد مرتين.. أو ثلاث مرات.. غير أنه لم يسبق أنَّها أشرقت وغربت في اليوم الواحد لكل إشراق أو غروب أكثر من أربع مرات متتالية.

      نهار بلا شمس وليل بلا قمر
      سكان البلدة اعتادوا على هذا النمط الغريب من العيش، لم يعد شروق الشمس ولا غروبها مدعاة للاهتمام أو الاستغراب، فالأمر سيَّان؛ أشرقت أم غربت! غير أن شرود الشمس عن طبيعتها وعدم انتظامها أحدث في البلدة شيئاً عجباً، بات الناس كشمسهم غير منضبطين في مواعيدهم.. ينامون بلا ليل، ويستيقظون بلا فجر.. لا نظام يحدد لهم الزمن، ولا ساعة تبين لهم ليلهم من نهارهم، أو صبحهم من مسائهم.. كل شيء مضطرب؛ نهار بلا شمس وليل بلا قمر.
      قناديل الزيت مثلاً اختلَّ توازنها وهي في اضطراب مستمر، يسكنها قلق وتذبذب كحال الجميع، والموكلون بها في أزمة من الضياع الموحش، لا يعرفون متى يضيئون الشوارع ومتى يطفئونها. وكذلك الطلاب؛ لم يعودوا يعرفون الدقة في مواعيد مدارسهم.. فلا دراستهم منتظمة ولا حضورهم متواصل.. ومثلهم العمال والموظفون؛ لم يعودوا يداومون في أوقات محددة..
      انغمست البلدة في فوضى متصاعدة متسلسلة عارمة حتى اعتادها الناس.
      الصغار يسمعون من كبار السن أن الشمس كانت تشرق في الماضي وتغرب في موعدها الطبيعي.. لكن الأمور فجأة تغيرت وانقلبت رأساً على عقب، أمر ما حدث فسارت الحياة شيئاً فشيئاً في اضطراب إلى أن أصبحت الفوضى أمراً مألوفاً..
      حاول بعض الصغار أكثر من مرة أن يعرفوا سبب تغير حال الشمس، لكنهم كلما سألوا أحداً سمعوا جواباً واحداً: "لست أدري"..
      أما كبار السن فيمتنعون عن الحديث في هذا الموضوع رغم أهميته، ويتنصلون معللين سكوتهم بأنهم يجهلون ما حدث.. ولطالما أثاروا الشكوك بأنهم يعرفون السبب، لكن كثيراً من الناس يريدون أن يعرفوا سر الشمس.
      حال الفوضى التي يعانيها سكان البلدة تثير الحزن والأسى، والمشكلة ليست فقط في أنهم يعيشون في مكان ناء على قمة جبل يحيط بهم السحاب من كل جانب.. المشكلة الكبرى أنهم لا يستطيعون مغادرة البلدة والهروب من هذا الواقع، ولا يملكون وسيلة يتواصلون فيها مع بعيد أو قريب.. كما أنهم لم يروا أحداً يأتي لزيارتهم من خارج البلدة.
      وهناك أسطورة يرويها الآباء عن الأجداد؛ تفيد بأن من يحاول مغادرة البلدة هرباً من واقعها لا يستطيع الابتعاد كثيراً.. لأنه سيتحول على بعد عشرات الأمتار من حدود البلدة إلى صخرة صماء أو شجرة يابسة لا ورق فيها ولا ثمر.
      الكبار اعتادوا على تسلق الأشجار العالية المنتصبة بشموخ على تلال مرتفعة على امتداد الحدود، والتي يحذر الراشدون الصغار من الاقتراب منها، يتأملون الأمكنة الذي تشير إليها الأسطورة.. يتأملون صخوراً صلبة متناثرة كأنها رجال ونساء في هيئات مختلفة.. كما يرون أشجاراً يابسة خالية من الأوراق والثمار، بأشكال غريبة.. فلا يجرؤ أحد على المغامرة بنفسه والاقتراب منها، أو مجرد التفكير بمغادرة القرية..
      كانوا يسمعون على فترات متباعدة أن رجلاً - أو امرأة - حاول الخروج متسلقاً السور الكبير الذي يحيط بالبدة مثل السوار بالمعصم فيتصدى له رجال البلدة الأشداء العقلاء يمنعونه من تحقيق مراده..
      لكنه إذا نجح في حالات نادرة وتملص منهم فأنه يتحول عند خروجه من حدود البلدة وعلى بعد خطوات إلى صخرة صماء أو شجرة يابسة، ويزعم بعض الرجال والنساء الكبار بالسن أنهم رأوا ذلك بأنفسهم ولم يخبرهم بذلك أحد..
      يروون قصصاً تقشعر منها الأبدان وترتج منها الأفئدة..
      أما العقول فلا تصدقها..
      وبعضهم يزعم من حين لآخر أنه سمع بكاء خافتاً لصخرة من هنا أو لشجرة من هناك..

      الصبية والمشهد المرعب

      وفي وقت مشرق تسلل بعض الصبية نحو الحدود.. تلك البقعة الصامتة التي لا يجرؤ أحد على الدنو منها.. كانوا حريصين أشد الحرص على ألا يراهم أحد.. سلكوا الطرقات الوعرة والمنحدرات الخطرة بعيداً عن الأعين.. ولما بلغوا أبعد مكان يمكن الوصول إليه على طرف الحدود المسوَّرة؛ تسلقوا الأشجار العالية برشاقة بالغة، فشاهدوا ما هوَّل عليهم..
      لمحوا أشجاراً كثيرات يابسات أرخت أغصانها النحيلات مستسلمة للريح.. كما رأوا على مقربة من المكان أشكالاً مخيفة، بدت كأنها رجال ونساء نحتوا في الصخر..
      يا لِفَزعِ هذا المشهد..
      قد تكون هذه الصخرة جداً لصبي منهم، أو قد تكون تلك الشجرة عمَّة فقدت منذ سنين طويلة.. أو قد يكون جاراً قريباً أو بعيداً.. أو.. أو..
      تجلى الرعب البالغ في نفوسهم..
      اصفرت الوجوه، وجحظت الأعين، وتدلت الألسن..
      خاف الصبية من هذا الرؤى المروِّعة فعادوا أدراجهم لا ينطقون بكلمة، وفي طريق العودة لقيهم بعض الرجال فعرفوا من شدة الخوف الذي بدا واضحاً على وجوههم أنهم كانوا على الحدود.. فضحك الرجال طويلاً ثم قالوا لهم: "إنَّ كل من يبلغ عمركم لا بد أن يفعل كما فعلتم، وقد أصابكم ما أصابنا.. هيا اذهبوا إلى منازلكم قبل أن تغيب الشمس".
      كانَ الصبية شديدي الحماسة للخلاص مما يعتبرونه سجناً كبيراً واسعاً يعيشون فيه.. فبالرغم من جمال البلدة وهدوئها فقد كانت الشمس تثير الغضب والهلع، وبالرغم مما يتوقعونه من مجهول؛ فإن الرغبة بالحرية كانت تسيطر على عقولهم وقلوبهم..
      لكن كيف؟ وهذا ما كان يشغل تفكيرهم على الدوام..

      قصر من الأحلام

      كانت الأميرة الصغيرة تعيش في قصر مثل الأحلام، تزينه الأشجار الباسقات المثمرات، والأزهار الملونات الزاهيات الفائحات، وتملؤه الأطيار المختلفة الأشكال والألوان والأحجام بأعذب الألحان.
      القصر كبير كبير.. حجارته مصنوعة من المرمر والياقوت..
      كل ما في القصر ثمين؛ ستائره، أبوابه، بسطه.. سرائره.. وكل شيء يحتويه من أجود ما يمكن أن يكون.
      الأميرة الصغيرة كانت تعيش في هذا القصر برفقة مربيتها الخالة شُكران، وكان القصر مسوراً بسور عال من الصخر الصلب، ويحيط بالقصر مجموعة من الحراس الأقوياء.
      لم تكن الأميرة راضية عن عيشتها، كل هذا الرخاء، النعيم، الثراء.. تشعر أنه سجن.. قيود.. حواجز.. أشياء تحجبها عن الناس.. عن أقرانها البنات.. عن الشعب.
      القصر بعيد عن المدينة.. فوق ربوة عالية نائية.. تحيط بها الأسوار، ولا يمكن الوصول إلى القصر إلا بإذن شخصي من الحاكم. عاشت الأميرة في هذا المكان معظم حياتها.. بعيدة عن قصر أبيها بعد أن ماتت أمها منذ زمن بعيد، وتزوج أبوها من امرأة شريرة.. وكانت لا تراهما إلا في المناسبات المتباعدة.
      أبوها الحاكم كان يخاف على ابنته من أن تتواصل مع شعبه بسبب ظلمه وبطشه، فهو يعلم أنهم يكرهونه.. يخشى أن ينتقموا منه بأن يؤذوا ابنته، كما يخشى أن تنكشف صورته الحقيقية أمامها وأن تعلم الحقيقة التي تجهلها منهم، فهي تظنه حاكماً عادلاً نزيهاً يحب شعبه وشعبه يحبه..
      هي تعتقد أن أباها رجل طيب القلب، فهو معها لطيف حنون، لم تظن يوماً أن وجه أبيها الهادئ الوقور مجرد قناع رقيق لوجه آخر يعرفه الناس كلهم.. ويخفى عليها لوحدها.

      رجل طيب حنون!
      كان الحاكم الظالم يخاف أن تعرف ابنته أسراره حتى لا تتطلع على أعماله الشريرة.. وكان يحرص تمام الحرص على أن يبدو أمامها على هيئة الرجل الطيب الحنون، ويبذل كل جهده لكي لا تصل إليها أخباره السيئة، وما يفعله بالشعب من ظلم وعدوان..
      أبعدها عن عاصمة ملكه، بنى لها قصراً في منطقة نائية معزولة، لا ينقصها شيء ولا تحتاج إلى أحد.
      الحاكم كان مرهوباً عند عامة الشعب، لا يجرؤ شخص على مخالفة أوامره ولو كان ظالمة..
      يأمر فيطاع.. يظلم فيهاب..
      من يعصيه يقيده بالحديد ويكويه بالنار..
      وشعبه الذي يخاف منه ويخشى ظلمه.. ينقسم إلى أربعة أقسام:
      قسم: ينتفعون منه.. يعيشون على فُتاته وظلمه للناس، لا يفكرون إلا بما يجنون من مكاسب، يمدحونه ويعظمونه.. هم أكثر الشعب بغضاً له وكراهية، خزائنهم ملأى بعطاياه.. وأيديهم ملطخة بالدم..
      وقسم ثانٍ: يأتمرون بأمره.. يعملون في الجيش والسلطة والإدارة.. ينفذ جرائمه بواسطتهم، لا يستطيعون الرفض، ويخافون على أنفسهم وأسرهم من بطشه وظلمه، يحاولون أحياناً تخفيف الأحكام عن الناس.. وإذا اكتشف الحاكم واحداً منهم سجنه وعذبه دون رحمة..
      وقسم ثالث: محايدون تماماً.. يعيشون بعزلة ويرفضون بصمت بقاء الحاكم وأفعاله، يفضلون الأعمال البسيطة البعيدة عن سلطانه.. يعملون بالحِرَف والتجارة.. يغضون الطرف عما يجري من حولهم، يدعون ربهم ليخلصهم مما هم فيه..
      لكنهم في الحقيقة لا يفعلون أي شيء، أي شيء.. باستثناء الدعاء. ولم يكونوا يقومون بأي أمر إيجابي، حتى إنهم كانوا لا يتكلمون فيما بينهم بأدنى أمر يتعلق بظلم وحاشيته حتى مع أزواجهم وأبنائهم حذراً وتجنباً لأي خطر محتمل.
      ولا شك أن الدعاء مطلوب، لكن الدعاء وإن كان أضعف الإيمان، لا يوزاي بالطبع من يدعو ويعمل بشرط أن لا يلقي نفسه في الخطر، لأن الحكمة ضالة الإنسان العاقل، أما التهور فمصيره قد يكون غير محمود، فهناك فرق كبير بين الجرأة والتهور وبين الرغبة بالإصلاح والسعي نحو المجهول.
      أما القسم الرابع والأخير؛ فقد كان متمرداً بقوة.. رافضاً بعنف.. لكل ما يقوم به الحاكم من أفعال منكرة شريرة. وفي هذا القسم من الناس؛ أدباء وعلماء ومفكرون.. فضلاً عن عامة الشعب.
      بعضهم دخل المعتقلات، بعضهم عذِّب حتى مات، ومنهم من هاجر إلى بلاد بعيدة. ومنهم من لجأ إلى الوديان والسهول والجبال؛ شكلوا مجموعات سرية تقاوم الحاكم وشروره، تلجأ إلى مهاجمة جنوده وقوافله، تستولي على ما في هذه القوافل من سلاح ومعدات وتموين غذائي متنوع. وهذا القسم الأخير أشد الأقسام إزعاجاً للسلطان، يثير غضبه وحنقه، فيصدر أوامره الصارمة باستخدام كل أساليب البطش والقوة للقضاء عليهم.. ومع ذلك كانت أعدادهم تزداد ولا تنقص.. وإمكاناتهم تقوى ولا تضعف..

      الأميرة الصغيرة الجميلة لم تكن تعرف عن ذلك شيئاً، حياتها تمضي بشكل هادئ رتيب، تقرأ الكتب الكثيرة المتنوعة، تمارس هواياتها المسلية.. ترسم لوحات طبيعية جميلة.. تلعب بألعابها الفريدة التي أحضرها لها الحاكم من جميع أنحاء العالم، تشدو مع البلابل والحساسين، تعيش مع الطبيعة الجميلة؛ تزرع الورود والرياحين.. تسقي الأشجار وتقطف الثمار.. تطعم الدجاج والصيصان..
      تلعب.. تلهو.. تفرح..
      الحياة بالنسبة لها عالم آخر، غير ذلك العالم الذي يعيش فيه الشعب.. عالم مستقل.. لا جراح فيه ولا آلام.. لا جوع فيه ولا مرض..
      أما مربيتها الخالة شُكران فهي تعرف كل شيء..
      تتألم لما يحدث للشعب، تتجنب قسوة الحاكم وظلمه، تعلم أنه ميت القلب، يعامل الناس دون رحمة.. لا يعبأ بآلام الناس، يسعى لإرضاء غروره وحبه المجنون للمال والسلطة، يحتقر الناس جميعاً، يظن أنه لو خفف قبضته عن الشعب لانتهى سلطانه واضمحل.
      الخالة شُكران تعلم أنه آوى إليه المجرمين واللصوص، أعطاهم مكانة عالية في المجتمع، فبدلاً من أن يرميهم في السجون التي صنعت أصلاً لأمثالهم، سلمهم أكبر مراكز السلطنة، فقاطع الطرق أصبح وزيراً للأمن، وعدو العلم أصبح وزيراً للعلوم وهو لا يعرف كيف يكتب اسمه، ووزير الثقافة لا علاقة له بالثقافة..
      وهكذا جعلهم في أماكن لا تليق بهم فعاش أفراد الشعب في دوامة لا يستطيعون الخلاص منها..
      الخالة شُكران تعرف هذا وأكثر، لكنها تحب الأميرة الصغيرة، فقد ولدت على يديها.. ولا تستطيع أن التخلي عنها، لم توافق يوماً على ما يفعله الحاكم لكنها ضعيفة.. لا تجرؤ حتى على النظر في عينيه، كما أنها سعيدة برفقة الأميرة الصغيرة، وتخشى أن تكتشف الأميرة في أحد الأيام ظلم أبيها.. فهي طيبة القلب ترفض ظلم الآخرين، حتى الحيوانات الصغيرة تخاف عليها..
      فلو علمت أن أباها يقوم بكل ذلك السوء لأصيبت بحسرة شديدة.. وربما سقطت مغمياً عليها من هول الصدمة.
      وهل هنالك صدمة أكبر من أن نكتشف حقيقة من نحب على شكل مختلف تماماً عما كنا نعتقد..
      الأميرة الصغيرة الطيبة القلب لم تكن سعيدة بحياتها، رغم كل ما يحيطها من فخامة وثراء، كل هذا لا يعني لها شيئاً، لا تشعر أنها تعيش عيشة سوية، تريد أن تكون مع أسرتها في مكان واحد.. كلما سألت أباها عندما يزورها مع أمها، عن ندرة زياراتهما إليها، عن سبب عزلتها ووحدتها، وترجوه أن يأخذها معه...؛ تسمع جواباً لطيفاً منه، يختلف تماماً عن أسلوبه مع الآخرين..
      يقول لها: "هذا المكان فيه كل ما ترغبين فيه، أنا أخشى عليك من المدينة ومن حياة المدينة.. فقد تتعرضين للأخطار التي تحيط بي فأنا الحاكم والأعداء كثر.. كما أن المدينة مليئة بالعمال والجنود والمصانع والضجيج.. فلماذا نزعجك بكل هذا؟".
      كانت تظن أن الأعداء الذي يتحدث عنهم أبوها هم الأشرار.. وأنهم الذين يطمعون بالسيطرة على المملكة والقضاء عليها واحتلالها..
      الأميرة قلبها طيب، وكانت تصدق أباها وتقتنع بكل كلمة يقولها وبسرعة دون مناقشة، لكن عندما يعود أبوها إلى المدينة ويتركها وحيدة في قصرها تعود هي إلى وحدتها، ويصبح القصر الضخم الرائع سجناً يضيق صدرها به بالرغم من روعة صنعه وثراء أثاثه، ومما يحتويه من وسائل الراحة والتسلية والترفيه..
      ولم يكن في الماضي هناك وسائل يستطيع الإنسان أن يعرف ما يحيط به وما يحدث في الدنيا بغير تواصل بشري مباشر، فلم يكن هناك أنترنت، ولا هاتف، ولا تلفزيون ولا راديو.. ولا أي وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي المشهورة اليوم مثل تويتر والانستغرام والفايس بوك..
      ولم يكن هناك كهرباء ولا أضواء.. وكان الناس ينامون بعض صلاة العشاء بفترة قصيرة..
      إلا أن الأميرة الصغيرة لم تكن تستطيع النوم.. فقد كانت تشهر طويلاً لوحدها بعد أن تأوي الخالة شكران إلى قراشها..
      وفي كل ليلة.. كان الأميرة الصغيرة تجلس تفكر تحت ضوء القمر..
      تتأمل السكون.. وتنظر إلى ما يجري في حياتها..
      "هل سأظل في هذه الوحدة طوال حياتي.. لا صديقة لي، ولا زوج ولا ولد؟".
      كان ابوها يخسى أن يزوجها فتنتقل من هذا القصر الى مكان آخر فتعرف الحقيقة..
      صارت تحلم بفارس يأتي من بعيد يحملها على حصانه الأبيض، يخطفها من هذا القصر، لتعيش بين الناس؛ حياة طبيعية، ولو في كوخ حقير، تعيش ببساطة.. نعم ببساطة.. ولو أكلت خبزاً جافاً.. وقرصها البرد والجوع..
      مسكينة، كم هي طيبة القلب، ما أدرى هذه الأميرة بقرصات الجوع والبرد.. هل ذاقت يوماً طعم الألم والتشرد والظلم..؟!.كان قلبها يردد: "كرهت القصر.. كرهت الحياة.. آه لو تتحقق أمنيتي وأعيش في كوخ بسيط.. في أسرة فلاح فقير.. بدلاً من كل هذا الثراء، وهذه الحياة الحاكمية المريرة.. أشعر أنني في سجن لا خلاص منه..".

      الأميرة الجميلة كانت أحياناً تخرج بعد أن تستأذن مربيتها الخالة شُكران من نفق سري، في غفلة عن حراس القصر، تمتطي فرسها الرمادية، تنطلق برشاقة، تطير بالأميرة من مكان إلى مكان، تقفز عالياً في الهواء.. ثم تحط أقدامها برفق فوق التراب كأنها تلامس الأرض بحوافرها، تشعر الأميرة بالخفة والرقة.. كأن الفرس تعلم أن على ظهرها أميرة طيبة القلب. ليس من عادة أن تتأخر حتى لا يكتشف أحد غيابها، فلا يعود باستطاعتها الخروج مرة ثانية..
      حفظت كل أطراف الوديان والجبال التي تحيط بالقصر، لم تكن تبتعد كثيراً حتى تعود بسرعة.. صادقت كل الأزهار والأشجار والأطيار، ألفت الأمكنة كما يألف الإنسان الإنسان.
      شعرت أنها تشبه كل شيء في الطبيعة، بل إنها شيء من الطبيعة.. ماء في النهر.. أو وردة في البستان.. أو طير في السماء.. من فوق فرسها الرمادي راحت تطير مثل النسيم.. تحمل طفولتها.. شبابها.. روحها التواقة للحرية.. للمرة الأولى تترك الفرس تقود نفسها.. تنسى أن عليها العودة إلى القصر بوقت قصير.. تنسى ضرورة عدم الذهاب بعيداً.. نست أنها أميرة هذه الوديان والتلال والجبال... صارت فراشة تهيم في الحقول..
      فجأة.. انزلقت قدم الفرس وهي تركض على حافة منحدر شديد الوعورة.. انقلبت الفرس على رأسها.. طارت الفتاة هذه المرة طيراناً حقيقياً.. طارت أكثر من خمسة أمتار.. ثم حطت فوق الرمال والصخور.. الفرس المسكينة انقلبت في اتجاه آخر.. المنحدر جذبها بقوة لثقل وزنها.. انقلبت حيناً على رأسها.. وحيناً آخر على جنبها.. ثم مؤخرتها.. وظلت تنقلب.. وتنقلب.. وتنقلب.. وصدى صوتها الصاخب يتردد في أنحاء المكان.. حتى استقرت في قعر الوادي..
      وتبدد صوتها تماماً.
      الأميرة الجريحة لم تفقد وعيها لحظة واحدة.. عاشت تفاصيل الحادث المروِّع، شاهدت الفرس تتشقلب على المنحدر.. كان المنظر مرعباً..
      لأول مرة في حياتها تشعر بالرعب.. بالهلع.. تشعر أن الموت قريب منها.. تراه بعينيها.. الأميرة المسكينة عاشت الألم الفظيع.. ذاقته للمرة الأولى، صارت تجهش بالبكاء.. مشهد الفرس وهي تتلوى من الألم غلب الجراح الكثيرة التي أصابتها، غرقت بالبكاء حزناً على ما أصاب الفرس، الدموع انهمرت من عينيها بكثرة لأول مرة..
      من هول الصدمة لم تشعر بالدماء تغطي قدميها.. لم تظن أن حادثاً مؤسفاً مثل هذا سيصيبها يوماً ما.. حاولت الوقوف.. الألم الفظيع سرى في عظامها مثل البرق.. أدركت أنها لن تقوى التحرك من مكانها، بدا شبح الموت يخيَّم فوق رأسها.. تشعر أنه يدنو منها.. سيصيبها كما أصاب الفرس المسكينة.. فمن ذا الذي يستطيع اكتشاف مكانها.. "سأنزف حتى الموت"..
      لم تستطع مقاومة هذا التصوّر.. صار الألم أقوى منها.. ضعفت أمامه.. استسلمت.. ازداد بسرعة حتى غُشي عليها، وفقدت وعيها تماماً.. ***الخالة شُكران أصيبت بقلق شديد.. "هذه أول مرة تتأخر عن العودة..". انتظرت بعض الوقت.. "الشمس تكاد تغيب.. والأميرة لم ترجع بعد". الحراس اكتشفوا غياب الفرس الرمادية.. بدأ الذعر يدب بينهم. الخالة شُكران أدركت أن سوءاً قد وقع.. "لا بد من إخبار الحاكم في الحال". لم تخشَ شُكران انتقام الحاكم منها.. لم تخش أن يتهمها بالتقصير والإهمال.. هي أكثر الناس معرفة ببطش الحاكم وجبروته، فكيف في أمر يخص ابنته الوحيدة. ومع ذلك يجب التحرك بسرعة.. ربما تكون الأميرة في خطر وتحتاج لمساعدة.
      على الفور أطلقت شُكران سرباً من الحمام لا يطلق إلا عند الخطر، ينطلق بقوة وسرعة بالغة نحو قصر الحاكم، فيعلم الحاكم أن سوءاً قد حصل لابنته، هذه الطريقة أسرع من إرسال فارس يقود أقوى خيول الحاكم.. فالأمر لا يحتمل تضييع لحظة واحدة. حضر الحاكم بوقت قصير برفقة مجموعة كبيرة من الجنود، بحثوا في كل مكان، لم يترك الجنود متراً إلا وبحثوا فيه.. صعدوا الجبال.. نزلوا الوديان.. تتبعوا كل أثر ممكن.. نزلوا النهر.. "ربما كانت الأميرة تسبح في الماء".. لكنهم ما وجدوا شيئاً.. الحاكم استدعى مزيداً من الجنود.. استمر البحث أيام وأيام.. في الليل وفي النهار.. لم يسمح الحاكم للجنود بالراحة والنوم.. كثيرون منهم ناموا فوق خيولهم.. لم يجرؤا على العودة دون اكتشاف مكان الأميرة..
      أما الحاكم فقد خرج بنفسه يبحث عن ابنته.. يحمل سوطه يضرب الفرسان والجنود ليبحثوا بجد دون تكاسل.. حضرت فرقة صغيرة ماهرة بالتسلق.. قال قائدها للسلطان إنهم وجدوا فرس الأميرة هالكة في قعر الوادي السحيق وعليه أن يرسل الجنود إلى ذلك الوادي ليبحثوا في كل ناحية فيه.. تجمع الجنود كلهم هناك.. ومن خشي النزول في الوادي أمر الحاكم بقتله.. لم يكن بعض الجنود يعرفون تسلق الجبال والنزول في المنحدرات، وأكثرهم لا يملكون المعدات اللازمة.. فسقط منهم كثيرون في الوادي وماتوا.. والحاكم لا يبالي بصراخهم وآلامهم.. ***أحد القادة المقربين من الحاكم يئس من العثور على الأميرة، تأكد أنْ لا أثر لها في الوادي.. خشي أن يموت الجنود كلهم وهم يسقطون في قعر الوادي بالعشرات.. اقترب من الحاكم منحني الرأس.. استعطفه من ليسمح له بالكلام.. أشار إليه الحاكم..
      قال القائد للسلطان: "مولاي العظيم.. الجنود يهلكون.. مضى على البحث أيام ولم نجد شيئاً.. لو كانت مولاتي الأميرة سقطت في قعر هذا الوادي فمن المستحيل أن تكون على قيد الحياة.. والذئاب سوف..".
      لم يكد القائد يتفوه بهذه الكلمات.. وقبل أن يكمل كلامه.. أشار الحاكم إلى جندي قربه آمراً بقطع رأس القائد.. فنفَّذ الأمر على الفور دون أن يقول الحاكم كلمة واحدة.
      عندما رأى الجنود ما حدث لقائدهم.. أصابهم الرعب الشديد، سرى الخوف بينهم، صاروا يركضون كالمجانين في كل جانب، عسى أن يجدوا شيئاً يهدئ الحاكم الظالم.. لكن واحداً منهم لم يكن يتمنى اكتشاف الأميرة ميتة خوفاً من بطش الحاكم.
      في هذا الوقت كانت الأميرة الجريحة تتعافى وتستعيد وعيها في مكان آخر لا يعرف جنود الحاكم مكانه. في كهف بعيد بعيـد.. في بطن جبل شديد الانحدار.. كانت الأميرة ممددة على فراش بسيط تحاول فتح عينيها دون أن تعلم أين هي وما حدث معها بعد تلك الحادثة الرهيبة؟!
      اكتشفت أن مجموعة من الرجال عثروا عليها ملقية في الوادي مضرجة بدمائها.. كان من بينهم رجل يعرف بالطب، حملوها فوق خشبة... ونقلوها بعناية إلى هذا الكهف، طمسوا آثارهم، أخفوا دماء الفتاة وغطوها بالتراب حتى لا يكتشفها أحد ويعرف جنود الحاكم مكانهم فيبطشوا بهم. الطبيب عالج جراح الأميرة وكسورها.. يحقنها بالدواء ويمدها ببعض الغذاء السائل حتى تتغلب على ما أصابها وتستعيد صحتها.. ***فتحت الأميرة عينيها..
      لم تستطع الكلام.. علمت أن هؤلاء الرجال أنقذوها من الموت.. لكن من يدري.. لا شك أنهم قطاع طرق.. هاربون من القانون.. مجرمون.. لصوص..
      بالتأكيد هم لصوص.. فلماذا هم يسكنون في الجبال؟!
      حمد الطبيب ربَّه على سلامة الفتاة.. جاء مجموعة من الرجال والنساء يهنئون الفتاة على سلامتها.. طلب منها أحدهم أن تخبرهم عن مكان أسرتها.. هم بالتأكيد قلقون على ابنتهم.. لم تتكلم الأميرة بكلمة واحدة..
      اعتقدوا أنها لا تزال مريضة.. الصدمة أخرستها.. الطبيب طمأنها أنها أصبحت بخير ولا يوجد خطر على حياتها.. لكنها لا تستطيع الحراك الآن ففي ذلك خطر عليها.. وكان مع الرجال بضعة نساء قمن بخدمة الأميرة.. غسلن جسدها وثيابها وصرن يطعمنها بلطف ومواساة لها. الطبيب يأتي إليها من حين إلى آخر يطمئن عليها، يُسمعها كلاماً جميلاً؛ يقول لها إنها في عمر ابنته، ثم يتركها باحترام مثلما دخل دون أن يعرف من هي، لكنهم كانوا متأكدين أنها ابنة أسرة كريمة ثرية بسبب الثياب التي كانت ترتديها، وظنوا أنها قد تكون هاربة من أسرتها لسبب من الأسباب.
      لاحظت الأميرة أن الرجال والنساء لطفاء معها، لكنها ظلت خائفة من أن تقول لهم إنها ابنة الحاكم، فربما يطلبون من والدها مبلغاً كبيراً من النقود الذهبية، وربما يعذبونها أو يقتلونها.. فكرت الأميرة: "لكن كيف يكون هؤلاء الرجال مجرمون؟!".
      سمعتهم يتحدثون إلى بعضهم بعضاً..
      عرفت أنه بينهم الطبيب والشاعر والمهندس والرسام والعالم والمؤلف...؟!في كل لحظة كانت تزداد احتراماً لهم.. سمعتهم يتحدثون عن الثورة.. عن ظلم الحاكم للشعب.. عن جوع الناس.. عن آلامهم.. عن القهر الذي يعيشونه.. عن السجون.. عن القتل.. عن التعذيب..
      سمعت كلمات مثل: جور الحاكم.. جشع الحاكم.. المساجين.. القتلى.. السجون.. سمعت أشياء وأشياء لم تكن تتصور وجودها.. لم تتوقعها يوماً.. اكتشفت الظلم الواقع على الناس.. وأن أباها يسرق مالهم وقوتهم وحياتهم.. حاولت أن لا تصدق.. "كاذبون.. كاذبون.."
      صارت تصرخ في أعماقها.
      "لكنهم طيبون.. لطفاء.. يعاملونني بكل احترام".
      "ترى ماذا سيفعلون لو اكتشفوا أنني ابنة الحاكم؟".
      فجأة جاء رجل على عجل.. "الحاكم يبحث عن ابنته المفقودة". سمعت الأميرة الخبر.. قالت: "سيقتلونني بكل تأكيد". لكن معاملتهم لها لم تتغير.. جاء الطبيب، ابتسم لها كما ابتسم لها أول مرة.. "الحمد لله.. أنت بأفضل حال اليوم يابنتي.." "ما رأيك أن تأخذي الآن فرساً من أجود خيولنا وتتوجهي إلى أهلك.. لا بد أنهم قلقون عليك.." "لكن سيري بهدوء حتى لا تتضرري.. فجراحك لم تلتئم بعد..".
      لم تصدق الأميرة الجميلة ما تسمع.. "أهذا حلم أم حقيقة؟!".
      أدرك الطبيب ما في عينيها: "ما كنا لنفعل ما تفكرين به، لا ذنب لك أنك ابنة الحاكم.. نحن لسنا بمجرمين كما يقولون عنا.. اذهبي يا ابنتي.. اذهبي.. فالناس تموت الآن من أجلك".
      الأميرة لم تكن تصدق كل ما سمعته عن أبيها، تريد إثبات العكس لهم جميعاً، فوالدها لطيف جداً معها، وهي لم تتوقع أبداً أن يكون كما يقولون...
      امتطت الأميرة فرساً قوية.. ودعت الرجال.. شكرت النساء لعنايتهن بها.. سارت الفرس بهدوء إلى وجهة لا يعرفها هؤلاء الرجال.. سلكت الأميرة طرقات سرية، ودخلت أنفاقاً لا يعرفها جنود أبيها..
      وصلت إلى قصرها المرمري.. ودخلت غرفة مربيتها شُكران.. كاد يغمى على شُكران من المفاجأة.. تمالكت نفسها، حضنت الأميرة، وصارت تبكي من الفرح.. قالت الأميرة: "خالتي شُكران. سأسألك سؤالاً واحداً: هل أبي ظالم بحق الشعب؟". أحنت شُكران رأسها..
      لم تكن تتوقع هذا السؤال أبداً..
      "مولاتي".
      "أرجوك يا خالة.. أجيبيني"..
      "كلام فارغ.. من وضع في رأسك هذا الكلام"..
      "أجيبيني"..
      "لنذهب أولاً إلى أبيك.. إنه غاضب جداً وقلق للغاية وخائف عليك كثيراً بسبب اختفائك كل الفترة الماضية".
      جلست الأميرة على سرير الخالة شُكران وقالت بصوت كئيب: "الآن تأكدت أن ما قالوه هو صحيح وصادق.. يقتل الناس.. يسرق بيوتهم ويأخذ أراضيهم وممتلكاتهم بالقوة.. ويحرم أولادهم من كل شيء.. إن أبي مجرم.. مجرم.."
      الأميرة تبكي بمرارة.. والخالة شُكران تحضنها وتضمها إلى صدرها..
      قالت الأميرة بإصرار: "لن أعيش هنا بعد اليوم.. لن أقبل الحياة المنعمة والناس يموتون من الجوع والألم بسبب ظلم أبي".
      خافت الأميرة أن تواجه أباها بأفعاله.. سوف يسجنها ويمنعها من لقاء الشعب كما كان يفعل طوال حياتها وسوف ينتقم من الناس أكثر.... لكنها هذه المرة ستفعل ما يجب أن تفعله.
      قررت الأميرة الانضمام إلى صفوف المقاومين من الشعب.. ومقاومة الحاكم..
      قالت للخالة شُكران: "تعالي معي..".
      أجابتها: "أنت لا تحتاجين اليوم إلى امرأة عجوز كبيرة مثلي.. لقد كبرتِ..".
      لم تمنعها الخالة شكران، كانت تعلم أن ما تقوم به الأميرة الصغيرة هو الصواب، فهي تريد الوقوف إلى جانب الحق بعدما تأكدت من ظلم أبيها وأنه لا فائدة من مواجهته بالحقيقة، ولن تستطيع ثنيه عن ظلمه للناس..
      انطلقت الأميرة عائدة إلى الجبال..
      إلى الكهف الذي جاءت منه.
      جنّ الحاكم عندما علم أن ابنته حية تقاتل في صفوف أعدائه.. نعم.. قاتلت معهم بعنف.. تلك الفتاة المرفَّهة البسيطة، تعلمت كيف تقاتل.. كيف تحمل السلاح.. لتحارب جنود الحاكم وهم يحاولون الاعتداء على الناس والاستيلاء على أملاكهم بقوة، متسلحين بأمر من الحاكم..
      انتشر الخبر مثل النار في الهشيم.. "ابنة الحاكم تقاتل أباها من أجل الشعب".. سرت في أوصال الشعب روح الثورة والعزة والكرامة...شعر الشعب بقوة هائلة.. ثار الشعب كله.. حتى جيش الحاكم لم يعد ينفّذ كل أوامره.. بدأ الحاكم يفقد قوته شيئاً فشيئاً.. انقلب الجيش على قائده.. أمسكوا الحاكم وزجوا به في السجن.. اجتمع الناس يهتفون بحياة ابنته الأميرة .. طالبوا بأن تكون سلطانة مكان أبيها.. الأميرة رفضت ذلك.. لم تفكر يوماً أن تكون سلطانة، لا تحب القصور.. لكنها طلبت من الشعب أمراً خاصاً.. صارت ترجو الناس الصفح عن أبيها.. أن يسمحوا له بالرحيل بعيداً بعيداً.. توسلات الأميرة كانت أقوى من كل جرائم أبيها.. الناس طيبون.. لم يكن الانتقام هدفهم.. تركوه يغادر بلادهم وحيداً بعدما زودوه بقليل من الطعام والمال.. رحل الحاكم.. اختفى.. لم يعد يسمع الناس عنه أي خبر منذ ذلك الحين.. ***لم تسكن الأميرة قصراً.. عاشت كما أرادت.. مثل الشعب.. لم يسكن أحد ذلك القصر المرمري.. الناس لا يحبون سكان القصور المبنية على جراحهم.. عاشت بعد ذلك عمراً طويلاً.. نسي الناس من هي.. لكنهم لم ينسوا قصتها.. تزوجت ابن الطبيب الذي عالجها في الكهف..
يعمل...
X