إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

ج1 من مذكرات شخصية

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ج1 من مذكرات شخصية

    مقدمة :

    بمرحلة مبكرة من عمري بدأ يتكون لدي مفهوم الوعي السياسي، ففي صباح باكر من أول يوم من أيام الوعي استيقظت على
    حديث يدور بين والدي فتركت لعبتي غافية في السرير وحدها ومضيت اليهما إلى صباح له لغة أخرى لا تشبه لغة حديثي مع العابي .
    ذاك الصباح لم أفهم شيئا من الحديث إلا كلمة إسرائيل لأن هذه الكلمة كنت قد سمعتها كثيرا قبل ذلك عندما قامت حرب عام 1973 والتي لم يكن قد مضى عليها سوى بضعة شهور. وأذكر أنني في يوم من أيامها سمعتوالدتي تقول ( ضربوا المصفاة ) فسألتها من ضربها، وأجابت: إسرائيل. حينها كنت لا اعرف ماذا تعني المصفاة وما هي، ولكني أعرف تماماً أن أسرائيل تعني العدو.
    شعرت بهول الحدث من كلمة ( ضربوا ) فهذا الفعل بالضبط كان مرفوضاً بالنسبة لعقلي الابتدائي الصغير الذي كان يربط فعل الضرب بمسطرة الاستاذ وبكاء التلميذ .
    تلك المسطرة الخشبية الثخينة والتي كان وسيم المشاغب رفيقي في الصف يومياً يأخذ من وجعها حصة كبيرة ، ويصل صوت صراخه إلى الصفوف الأخرى في المدرسة . كانت المسطرة ظالمة ومعتدية وكنت أخافها كثيرا، وصارت بالنسبة لي عدواً مثل إسرائيل تماماً .
    هذا الترابط بينهما في عقلي الطفولي كان كافياً لأن يجعل منامي كوابيساً، فباحة المدرسة ساحة حرب والمسطرة تسبح ببحر من الدم والتلاميذ تهرب منها من قاعة إلى قاعة خوفاً من الغرق .
    لم أكن أرى في الكابوس الذي استمر لمدة يخترق منامي اية وجوه للكبار، لا المدرسين ولا الأذنة ولا أولياء أمورنا ولا حتى سائق باص المدرسة وفقط كانت أصوات الاولاد تصرخ بكلمة إسرائيل وهم يهربون من المسطرة ! لكن يد ابي التي كانت تمسد شعري لتوقظني من كابوسي وتحملني الى حضن أمي كانت كافية لأن تبعث في نفسي الراحة والأمان ولتمثل لي القوة التي ستواجه المسطرة وإسرائيل معاً .
    اختفى الكابوس والطفلة الابتدائية التي أدمنت الصباحات البكر الغنية بالاحاديث الجميلة بتنوع مواضيعها من الحب الى الثقافة إلى السياسة إلى أخبار المجتمع صارت صبية مراهقة لكنها أكثر وعياً لما يجري في محيطها. فلم تستطع التيارات التي كانت تجرف شباب وصبايا أواخر السبعينيات وبداية الثمانيناتضمن المدرسة أن تؤثر علي للإنضمام إليها، لم أوقع على ورقة انتساب لحزب البعث كما أغلب الطلاب الذين أغرتهم النشاطات الشبابية المحصورة في ذلك الحين بالمنتسبين للحزب، كما لم يستطع التيارالديني المقابل أن يشدني إلى ركابه .
    انهيت الثانوية ومضيت إلى كلية الحقوق في الشام، كانت فرحتي بهذا الانتقال أكبر بكثير من أن تستوعبها شوارع دمشق وأزقتها الضيقة منها والواسعة ، حينها لم أكن أتمايل بمشيتي كما صبايا دمشق بل كنتُ أركض ، كنت أتأبطزراع الشمس أول خروجها إلى السماء وأركض معها إلى جامعتي وكانت تلك المرحلة أول معرفتي بمعنى الحرية والانطلاق ورديفهما المسؤولية ربما .
    يتبع ..

  • #2
    يتعلق المرء بالمرحلة التي يحسبها الأجمل من حياته، ويحب استدراجها دائماً إلى ذاكرته، هذا ما قالته لي جدتي بعد أن أنهت ذاكرتها ذات مرة ٍحديثاً عن أيام قضتها وجدي في بيروت في ثلاثينيات القرن الماضي، كنتُ أحياناً أنصت لأحاديثها تلك أدباً، وأدعو مع كل جملة منها أن ينتهي حديثها عن ملعبها القديم بالنسبة لي لأقوم إلى شقاوتي وملعبي، ولكن في مرات أخرى كان يروق لي أن أعرف أخبار ذاك الزمان .

    لا أدري مدى صحة الكلام العتيق لجدتي عن تعلق المرء بالذكريات الأجمل وكم يتطابق مع حالي المزاجي الذي يصاب في كثير من الأحيان بالحيرة أو بلفظة أدق بالتلخبط أمام ذاكرتي العشوائية التي تقنص من كل مرحلة من مراحل عمري لحظات من الفرح وأخرى من الحزن تمزجها ببعضها في قِدر واحد لتجعل منها طبخة لحكاية تروى .. حتى أنه يبدو لي مرّات أن ما خرج من القِدر لا يتطابق تماماً مع ما كتبه القَدر وربما السبب لأنني أضيف إليها مطيباتٍ من الأمنيات والأحلام .

    حدث في مثل هذا اليوم من حينٍ صار بعيداً كنت خلاله أمتطي صهوة أحلامي وأنطلق إلى مدرستي الإعدادية التي تبعد عن بيتنا مسافة مشوارٍ من نسائم الغزل التي تلفح قلبي، وتحمله على أكف الفرح وصولاً إلى بوابة المدرسة . حدث أن ارتطم جسدي بالواجهة البلورية لأحد المحال التجارية. كانت تلك الواجهة شفافة إلى الدرجة التي جعلتني لا إدراك المسافة بيني وبينها. اتجهت صوبها بقوة جاذبية من يرى حبيباً له فجأة أمامه فيركض إلى احتضانه. لكن ما كان على مرأى عيناي ليس حبيباً بل وشاحاً أرجوانياً يتهدل من على كتف كرسيٍ وقد لامست أطرافه الأرض. انسياب الوشاح جعلني أنساب نحوه بسرعة وحين ذاك شعرت أن الزمن قد خطف مني كياني وما بين لحظيّ للوشاح ولحظة ارتطامي بالواجهة كان يتحرك بي ببطء شديد وكأنني في رحلة دهر. أذكر أنني لمحت نفسي في حياة أخرى . أملك جناحين يشبهان ذاك الوشاح وأسبح عالياً بسرعة الريح في فضاء أزرق.

    في البدء مررت فوق سهل من سنابل قمح تلمع كما الذهب، ثمّ فوق أبنية مسقوفة بالقرميد مسكونة بالهدوء، وكأن سكانها قد أخذوا مقاعدهم على مسرح الحلم قبل أن يأتي وقت النوم، ثمّ فوق سوق وقد بدا من مجهر السماء مزركش الألوان، أرصفته ضيقة غير أن مقاعداً من القش أمام واجهة كل دكان في السوق كانت قد وجدت لها متسعاً لتكون مجلساً لصاحبه.

    عند ارتطامي بواجهة المحل سقطت أرضاً، وعدت إلى واقعي . وجدت نفسي نصف مستلقية على الرصيف أضحك،وأضحك، وبصوت عال في محاولة لمدارة خجلي مما أوقعني به خيالي الأحمق لما تركته يحلق بي فوق عالم ما عشت تفاصيله الدقيقة يوماً لكن بالتأكيد عاشتها جدتي .

    جدتي تدعى أميرة خانم، هكذا قرأت اسمها الأول في بطاقة هويتها، فانتابتني نوبة من الاستغراب والدهشة تبعتها ضحكة طويلة لم تنته إلا لما نظرت بوجهها الذي ارتسمت على تفاصيله ملامح الغضب . حين ذاك كنت في العشرين من عمري وكانت هي قد تجاوزت السبعين ببضع سنين.

    في ذلك الوقت صارت الألقاب كـ ( بيك، وباشا، وأغا، وأفندي، وخانم، وغيرها من دلالات الاحترام والتبجيل ) التي لبست أسماء غالبية سكان منطقتنا العربية حتى منتصف الخمسينيات من القرن العشرين كما لبست رؤوس رجاله الطربوش لقرون عديدة، صارت مضحكة ومدعاة للسخرية بالنسبة لجيلنا المولود في النصف الثاني من ذاك القرن . والسبب من منظوري العمري الحالي المتأمل والقارئ للأحداث المتنوعة التي مرت على المنطقة والذي بلغ الآن السنة العشرين من القرن الحادي والعشرين لا يعود لتطور الوعي الاجتماعي بشكله الطبيعي نحو مزيد من المدنية والتحضر الأمر الذي يعمل على إزالة الفوارق الطبقية بين الناس بل يمكنني وبيقين تام أن أعيده لأسباب منها ما يتعلق بحالة التغرب الفكري التي كانت قد بدأت تغزوا مجتمعاتنا أولاً ولأسباب سياسية ثانياً .



    >>>>

    يتبع ..


    تعليق


    • #3


      ثمة صور تحضر إلى خيال الطفل من عالم الحكايات فيجعل منها أثناء لعبه أحداثاّ، وقد يرويها بعد سويعات للمقربين له من أصدقائه وأهله على أنها حوادث حقيقة حصلت معه. فمثلاً كثيرا ما تخيلت نفسي في طفولتي الفتاة الصغيرة ذات الرداء الأحمر التي تدعى ليلى والتي تلتقي بالذئب أثناء ذهابها إلى بيت جدتها عبر الغابة. كنت أرى نفسي في صورة ليلى وربما يعود السبب إلى أن الرابط المباشر بيني وبينها هو الجدة، فكما أذهب أنا إلى بيت جدتي في الواقع تذهب كذلك ليلى في الحكاية، بينما بقية أصدقائي يذهبون إلى بيت جدهم . كنت أستغرب كثيراً أنه لدى أغلبهم جدٌ، فالأجداد بخياليّ الصغير لا وجود لهم إلا أمواتاً يزور أفراد العائلة قبورهم في الأعياد. فأدهش دائماً إن توقف باص المدرسة عند بيت جدّ أحدهم لينزل الولد أو البنت منه إلى أحضان الجد الواقف بانتظارهم. المشهد بالنسبة لي كان مستغرباً ومستهجناً بحيث يدعوني لأن أقفز باتجاه النافذة كي أرى كيف يبدو هذا الجد ، وكان أيضاً مثيراً للسؤال :"

      لماذا أنا ليس لي جدا وكيف يبدو جدي؟!"، ولا أصل المنزل إلا وقد أقسمت لجدي الذي يزوره والديّ صباح أول أيام العيد دون أن يأخذوني معهم أنني أحبه .

      أحبّ جدي وإن كنت لا أعرف له شكلاً، ولم أستطع أبداً تخيله ورسم صورة له لأنه ببساطة لا يوجد له صورة في بيتنا وكذلك لم يصادف أن رأيت صورة له في بيت جدتي، لكن لجدي اسما أسمعه بين الحين والأخر.. إذن أنا كما الآخرين لدي جدّ وأحبه .

      كيف يبدو جدي وما هيئته؟! سؤال ما برح ذهني يوماً حتى رأيت صورته في خلسة عن جدتي التي نسيت باب غرفة الصالون مفتوحاً ذات يوم كنت باستضافتها وأخوتي. ذهبت هي غرفتها لترتب نفسها لزيارة بعد العصر وعبرت أنا ذاك الباب الكبير المؤدي للصالون والذي هو بالضبط بالنسبة لي حين ذاك باب مغارة علي بابا في الحكاية، فلا بدّ أنّ في الداخل كنزاً يمنع الاقتراب منه لهذا هو مقفلٌ دائماً بوجهنا نحن الأحفاد !

      على الجدار رأيت صورتان كبيرتان لرجلين جميلين بهيئة لا تشبه هيئة من رأيتهم من أجداد أصدقائي فكلاهما ليس على رأسه تلك القبعة الحمراء التي يسمونها الطربوش، والتي شاهدتها على رأس جدّ صديقتي "رنا " ولدى جدّ رفيقي في المدرسة "رامي" أيضاً مثلها .

      جدي في أي من هاتين الصورتين يا ترى، وإن كان هو في إحداهما فلماذا لا يرتدي تلك القبعة الطربوش؟!

      خرجت بعجلة إلى حيث أختي الأكبر تجالس أخي الصغير في غرفة الجلوس وكنت أحمل لها قراراً لم تعترض عليه : سأهرب إلى بيتنا قبل أن تخرج " التيتا " إلى زيارتها فتقفل كل أبواب البيت وتتركنا محبوسين في مساحة صغيرة منه، سألتني أختي وهل تعرفين الطريق .. أجبتها بنعم وبنفس اللحظة كنت أفتح باب الحديقة الحديدي متوجهة إلى الشارع، أركض بحذاء المنزل والبيجامة إلى بيتنا الذي افترضت أنني أعرف الطريق إليه وهو يبعد عن بيت جدتي مسافة نصف ساعة من الزمن وعلي أن أعبر سكة القطار ، لكن ليس كما عبرت ليلى في الحكاية الغابة، ولن اقابل مثلها ذئبا في طريقي . كنت أركض سعيدة أنني استطعت الهروب .

      لم تعتر خطواتي لحظة خوف أبداً، فحتماً سأصل بيتنا وسوف يشدني والدي إلى حضنه وسأسأل أمي أن تحدثني عن جديّ الذي بالتأكيد يسكن إحدى الصورتين المعلقتين على جدار غرفة الصالون في بيت جدتي ولكنه لا يلبس طربوشاً أحمراً على رأسه !

      كنت حينذاك في السابعة من عمري .



      يتبع ..


      تعليق

      يعمل...
      X