إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

بائع الطين..كاملة

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • بائع الطين..كاملة

    وصلت إلى البيت في الساعة العاشرة ليلاً، عائداً من العمل الذي من المفروض

    أن ينتهي في الساعة السادسة مساءً، إلا أن بُعد المعمل عن مكان سكني، وجشع صاحب

    المعمل الذي بوده أن يُبقي العمال في المعمل ليلاً ونهاراً، وبأجر زهيد، لا يسمن

    ولا يُغني من جوع، كل هذا يجعلني أتأخر حتى هذا الوقت، وأحياناً يُبقينا صاحب

    المعمل حتى الواحدة بعد منتصف الليل، إذا كان مزاجه مُتعكرا من زوجته الجميلة

    التي تصغره بعشرين عاماً، والتي تزوجها من أبيها رغماً عنها

    بسبب الحاجة والفقر.

    أول شيء فكرت في فعله عندما دخلت إلى الغرفة هو إسكات معدتي التي قرصها

    الجوع طوال اليوم.

    بحثت في "النملية"هكذا يسمونها، ولا أدري لماذا! فقد كانت عبارة عن رفوف

    خشبية لها باب من المنخل الناعم كي لا تدخل الحشرات، وبنفس الوقت يسمح بدخول

    الهواء لتهوية الطعام، ولها باب ثان خشبي له قفل، وتستعمل قديماً بدلا من الثلاجة،

    وعلى كل حال أنا لست بحاجة لها لأن الطعام لا يباتُ عندي وحجم الغرفة صغير، ولا

    يتسع لثلاجة، وإذا أردتم الصراحة... أنا لا أملك ثمنها!

    لم أجد شيئا آكله في النملية سوى نصف رغيف من الخبز، تبقىَ من الأمس وقليل من

    دبس البندورة في وعاء زجاجي، نسميه "قطرميز" أعطتني إياه أمي عندما

    جئتُ من القرية، أمي الحنون التي لم تصدق عندما قلت لها إن دبس البندورة

    يُقدم في مطاعم المدينة بجانب البطاطا المقلية، ولكني لم أخبرها بأن دبس

    البندورة الذي تصنعه بيديها أفضل بألف مرة من دبس البندورة الذي

    يقدمونه هنا، أمي الحنون التي حاولت مراراً أن تقنعني بالعدول عن الذهاب إلى

    المدينة للعمل، وأن أبقى في القرية لكي أعمل مع أبي في زراعة الأرض، أمي

    الحنون التي كانت تبتسم عندما أتذمر إذا تأخرت في تحضير الطعام، أين أنت

    يا أمي لتري ابنك يأكل نصف رغيف شبه يابس مدهون بدبس البندورة؟

    مددت دبس البندورة على نصف الرغيف و فوقه بضع قطرات من الزيت، و قليل من

    مسحوق النعنع اليابس، وكما تقول أمي (كل شيء مع الجوع طيب) والآن بعد أن

    أسكت معدتي الجائعة، اشتهيت كأس شاي لأخفف من طعم دبس البندورة

    فقد بدأتُ أشعر بحرقة في معدتي بعد أن التهمت الخبز بشراهة من شدة جوعي

    وأعتقد أن كأسا من الشاي سوف يُعدل مزاجي.

    تركت الماء تغلي في الإبريق جيداً، ثم وضعت الشاي الأسود على الماء، ففاحت رائحة

    الشاي العطرة في الغرفة، فتحت علبة السكر فتسمرت عيناي في قاعها الفارغ

    وأدركتُ حينها إني سوف أنام من دون أن أشرب الشاي.

    مع أن الحرقة اشتدت في معدتي، إلا أن التعب من العمل كان أشد على جسدي المنهك

    فرحت أغط في نوم عميق.

    كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل عندما أيقظتني من نومي دقات على

    الباب، ولكن من شدة تعبي، اعتقدت إني كنت أحلم، فعدت للنوم، ولكن مرة ثانية

    دُقَ الباب ولكن هذه المرة كانت الدقات أقوى مما جعلني أستيقظ، وأذهب لأفتح

    الباب، وقد انتابني شعور بالخوف والقلق، وبدأت الأفكار تدور في رأسي، من هذا

    الذي يزعجني في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟

    ذهبت لكي أفتح الباب، وعيناي بالكاد تريان الطريق إليه، ومن غير أن أسأل

    أو أستفسر عن هوية هذا الزائر الذي قض مضجعي وانتهك حرمة نومي

    امتدت يدي إلى مقبض الباب وفتحته بهدوء، وأنا أحاول بصعوبة أن

    أبقي عيني مفتوحتين لأرى ذلك الشخص الواقف أمامي، بوجه شاحب، وجسم

    ضعيف، ولولا ثيابه الجديدة التي كان يرتديها لحسبته متسولا ساقه قدره

    التعيس إلى من هو أتعس منه.

    تمعنت بوجه الزائر وقلت له: نعم! ماذا تريد؟

    نظرَ بوجهي باستغراب وقال: أنا ابن خالتك..أيمن..صديقك، ألم تعرفني؟

    نعم إنه ابن خالتي وصديقي أيمن! كيف لم أعرفه؟ ولكن معي حق أن لا أعرفه

    فقد مرت سنين طويلة منذ رأيته آخر مرة،عندما سافر إلى أوروبا الشرقية

    لكي يدرس الطب، ولم يعد بعد انتهاء الدراسة، بل فضل البقاء هناك لكي يعمل

    بالتجارة، ولكن ما الذي غيره إلى هذه الدرجة فقد كان ممتلئ الجسم، ذو وجه

    منير ووسيم!

    أخذته بالأحضان وقلت له: أرجوك لا تؤاخذني فأنا لم أعرفك من شدة النعاس

    تفضل بالدخول.. البيت بيتك..

    أبعدت ثيابي المرمية على الأريكة ليتمكن من الجلوس عليها، ويا ليتني لم

    أبعد عنها الثياب، فقد بانت على حقيقتها، بالية، مهترئة وقد خرج القش

    المحشو بداخلها إلى الخارج!

    جلس أيمن وهو يبتسم، ولكن ابتسامته كانت باهتة، تكشف عن وجه مهموم وخائف

    فسألته:

    ما بالك؟ لماذا كل هذا الشحوب على وجهك؟

    نظرَ إليَ بعينين خائفتين وقد اغرورقتا بالدموع، وقال:

    أنا آسف جداً على إزعاجك.....في هذا الوقت المتأخر من الليل!

    فقاطعته قائلاً:

    لا عليك يا رجل، ما هذا الكلام الذي تقوله! تستطيع أن تأتي في أي وقت تشاء....

    وتابع حديثه بصوت متقطع يخالطه البكاء:

    صدقاً أنا آسف ولكن لم يكن أمامي سوى بابك أقصده، فقد كنت في القرية، وأخذت عنوانك

    من أمك وهي تسلم عليك كثيراً، وقد أرسلتني لكي أختبئ عندك حتى يحين موعد سفري

    إلى أوروبا.

    قاطعت كلامه مستغرباً:

    تختبئ عندي! ولماذا تختبئ؟

    تابع حديثه ببطء وهو يمسح الدموع من عينيه:

    لقد عدت من أوروبا منذ أسبوع، في إجازة لكي أزور أهلي، ولكني لم أهنأ بهذه الإجازة،

    فقد قتل ابن عمي جاره عن طريق الخطأ، وسلم نفسه للشرطة، ولكن أهل القتيل يريدون

    قتل أي شخص يرونه أمامهم، والبارحة كنت مختبئا عند أمك في القرية، ولكنها خافت أن

    يراني أحد عندكم، فيخبرهم عني، فنصحتني أن أختبئ عندك في المدينة حتى يحين موعد

    سفري، ولم أستطع مغادرة القرية إلا بعد منتصف الليل كي لا أصادف أحداً من أهل

    القتيل، ومرة ثانية أكرر أسفي وأعدك بأنني لن أزعجك أكثر من ثلاثة أيام!

    هونت عليه قائلاً:

    ما هذا الكلام يا رجل! إذا لم يتسع لك المكان أضعك فوق

    رأسي، صدر البيت لك والعتبة لي..

    وطلبت منه أن يبدل ثيابه، وأعطيته ثيابا

    للنوم، وبصعوبة بالغة أقنعته بالنوم على السرير و نمت أنا على

    الأريكة الممزقة التي كانت تتحرك تحتي كموج البحر.

    عندما استيقظت، لم تكن الشمس في مكانها الذي عهدته كل صباح، فقد قطعت مسافات

    بعيدة عن نافذتي، والساعة قد قاربت من العاشرة صباحاً، وطبعاً لن أترك ضيفي

    لوحده وأذهب للعمل وعلى كل حال تأخرت كثيراً وسوف يطردني صاحب المعمل.

    خرجت لشراء الفطور، وعدت بسرعة قبل أن يستيقظ أيمن، وكان الفطور سهل

    التحضير، بيضا مقليا وحمصا ناعما، ولم أنس أن أشتري السكر لكي أشرب

    الشاي مع الضيف.

    أيقظت أيمن بلطف، ودعوته لتناول الفطور فقد كان جائعاً مثلي.

    جلسنا نشرب الشاي بعد الفطور ونحن نتحدث ونسترجع الماضي، وأيام الطفولة

    والمدرسة، وتلال القرية، والسباحة في مياه السواقي، والسباق في بيادر

    القمح، وحصاني الخشبي الذي انكسر. كانت أياما جميلة لم نشعر وقتها بهموم الحياة!

    كان أيمن يجول بنظره في أرجاء الغرفة التي توحي بالفقر والحاجة، ونظرَ إليَ

    وقال: لماذا لا تأتي معي إلى أوروبا وتعمل معي بالتجارة؟

    ضحكت بصوت عال وقلت له: ليس معي نقود لأشتري طعاما، فكيف أسافر إلى أوروبا

    وأعمل بالتجارة؟

    فقال لي: لا عليك أنا سوف أدفع لك كل التكاليف، وعندما تعمل وتربح

    تعيد لي المال، ويجب أن تفكر بسرعة، قبل أن يحين موعد سفري، فإذا وافقت

    فسوف تسافر معي بعد ثلاثة أيام.

    لم أفكر كثيراً، فما أعانيه في عملي، وحياتي يجعلني أوافق بسرعة على عرضه.

    وفعلاً لم أضيع الوقت، ذهبت معه إلى السفارة وحصلت على تصريح السفر، واشترى

    لي بطاقة سفر بالطائرة.

    ذهبت لكي أودع صاحب المعمل وآخذ باقي أجري منه، ولكن كما توقعت، فقد

    طردني ولم يعطيني شيئا، وقال لي: اذهب الدرب الذي يأخذك لا يرجعك! تركته وذهبت

    إلى القرية لأودع أمي و أبي، ويا ليتني ما ذهبت!

    وصلت إلى القرية بعد الظهر، وكان السكون يخيم على أرجاء القرية، إلا من بعض

    الباعة المتجولين الذين يأتون من المدينة ليبيعوا بضائعهم في القرى التي

    يصعب على سكانها الوصول إلى المدينة، وقبل أن أذهب إلى بيتنا، مررت على بيت

    خالتي لأطمئنهم على أيمن، ولكني لم أجد أحداً في البيت.

    وصلت إلى بيتنا، وكان باب (التوتة) الكبير مفتوحاً كالعادة.. وكانوا يسمونه

    بباب التوتة لأنه مصنوع من صفائح التوتياء، وكان كبيراً بحيث يدخل منه البغل

    وهو يجر العربة ، دخلت إلى ساحة البيت التي تتوسطها

    شجرة التوت الهرمة مسدلةً ما بقي منها من أغصان إلى الأرض، شعرت للحظة

    وكأنها تناديني لأتسلق أغصانها كما كنت أفعل وأنا طفل صغير، لأركب على الأرجوحة

    التي ربطتها أمي على جذعها القوي، لأتفحص أعشاش عصافير الدوري، وأساعد هرتي

    الصغيرة على النزول عندما تعلق في أغصانها العالية، وبالقرب منها كان البئر

    العميق بحبله الطويل ودلوه الحديدي يناديني لأشرب من مائه العذب، وبالطرف

    الآخر من الساحة كانت أغصان الكرم اليابسة تحترق في الموقد تحت قدر من محشي

    الباذنجان، ورائحة الطعام تفوح بالمكان.

    كانت أمي تقف بجانب الموقد لتضع الحطب على النار لتبقى مشتعلة، وعندما رأتني

    ارتسمت على وجهها الجميل المنقط بشحار الموقد، ابتسامتها الحنونة التي دائماً

    كانت تقابلني بها، وسارعت إلى أحضانها وكأني طفل صغير عاد إلى أمه بعد أول يوم

    له في المدرسة.

    جلست مع أمي وأبي نتناول الطعام، وأنا أكلمهم عن المدينة، وماذا حصل معي

    وكيف جاءني أيمن في الليل، ولكني لم أفتح موضوع السفر مباشرة، انتظرت حتى جاءت

    أمي بالشاي المغلى على نار الموقد.

    كنت كلما حاولت أن أفتح موضوع السفر تصيبني غصة في حلقي، تمنعني من النطق

    لأني أعرف أمي جيداً، وأعرف بأنها لن تتقبل هذا الموضوع، فهي وبصعوبة بالغة

    وافقت على سفري إلى المدينة، فكيف توافق بأن أسافر إلى مكان بعيد

    مثل أوروبا، فحاولت أن أدخل الموضوع بشكل تدريجي، أخبرتها بأن أيمن عرض عليَ

    السفر معه، وأنا بحاجة أن أجمع المال لأشتري بيتا في المدينة، ولكن ما أن بدأت

    بالكلام حتى بدأت تذرف الدموع التي كانت تحرق قلبي، ورددت نفس العبارات التي

    كانت تنصحني بها في الماضي، أن أبقى في القرية، وأعمل مع أبي في زراعة الأرض.

    كان أبي يجلس في زاويته المعهودة في طرف الغرفة، وهو يحرك مفتاح المذياع بحثاً

    عن محطات إذاعية، ولم يكن ينبس بكلمة، ولكني كنت أعلم أنه كان يتابعنا بكل كلمة

    نقولها، نظرَ إليَ بعينين واثقتين وقال: اذهب يا بني وسافر أينما تريد

    لا تبقى كما بقيت أنا ولم أفعل شيئا في حياتي سوى زراعة الأرض!

    كانت أمي تشد الحبل وأبي يرخيه وطال النقاش حتى قاربت الساعة من السادسة مساءً

    وكان موعد الطائرة في الساعة الثانية عشرة ليلا، وأخيراً وبمساعدة

    أبي الذي ساندني اقتنعت أمي، بشرط أن أعود بعد ثلاثة شهور.

    جهزت لي أمي بعض الأشياء كي آخذها معي، وأكثرها كان من الطعام الذي لا يفسد

    كالشنكليش، المكدوس، الزعتر، وخبز التنور الذي تصنعه في تنور

    البيت، فيخرج محمراً برائحة الخبز الحقيقي الذي يسيل اللعاب لرؤياه.

    أخرج أبي بعض النقود التي كان يدخرها إلى يوم أسود، وطلب مني أن أضعها

    في جيبي، ولكني رفضت بشدة، وأصرَ أن آخذها منه، وبصعوبة بالغة أقنعته أني

    لست بحاجة، وأن أيمن سوف يدفع كل المصاريف، مع أن جيبي لم يعرف شكل المال منذ

    وقت طويل.

    خرجنا إلى ساحة المنزل، وقد حثثت أمي على الإسراع لكي ألحق بالحافلة الأخيرة

    التي تغادر القرية إلى المدينة. حانت لحظة الوداع التي أكرهها كثيرا،وهي

    بالنسبة لي أصعب من السفر بكثير، دموع، فراق، ألم، وحرقة في القلب.

    عانقت أمي لأودعها، وقد أخفت دموعها للحظات ريثما أغادر المنزل مع أبي الذي

    سوف يودعني عندما أركب الحافلة، وعندما اقتربت من باب التوتة، بدأ أزيز

    الرصاص في الخارج، وكأن معركة قد اشتعلت، فحاولت الخروج لأرى ماذا يحدث، ولكن

    أمي منعتني، وأدخلتني إلى الغرفة مع أبي.

    لم يدم إطلاق الرصاص طويلاً، فسرعان ما سمع صوت سيارات الشرطة قادمة من بعيد

    مما شجع أمي أن تدعنا نخرج، ونتجه إلى ساحة القرية لنرى ماذا حدث.

    علمنا من أحد الجيران أن أهل القتيل قاموا بإطلاق الرصاص على أقرباء

    أيمن، وعندما سمعوا صوت سيارات الشرطة لاذوا بالفرار.

    عدنا إلى البيت، ومرة ثانية، ودعت أمي واتجهنا إلى الحافلة مسرعين، ولكن هذه

    المرة كانت الحافلة قد غادرت، وتركتني أبحث عن البديل.

    لم يكن أمامي سوى عربة أبي التي يجرها البغل لكي توصلني إلى الطريق الذي

    تمر منه السيارات المتجهة إلى المدينة، وكان يبعد عن القرية بضع كيلومترات.

    أخرج أبي البغل من الإسطبل، وثبته أمام العربة، ثم انطلقنا عبر الأراضي

    الزراعية مختصرين الطريق.

    كانت الساعة قد قاربت على التاسعة مساءً، والظلام قد أسدل

    بستاره على الأجواء.

    للحظات نسيت نفسي، وشعرت بحقول القرية تودعني بموكب موسيقي مهيب، كانت أنفاس

    البغل العجوز تصل إلى مسامعي وهو يجر العربة متثاقلاً، وكأنه يعزف

    بالبوق، والجنادب تقفز أمام قوائمه وكأنها أطفال تتراكض أمام الموكب بانتظار

    أن يرمى إليها بالحلوى، ونقيق الضفادع في السواقي بمحاذاة الطريق يملأ الجو

    صخباً، وكأن فرقة موسيقية تعزف على جانبي الطريق، وأبي هو المايسترو الذي

    يقود الموكب الموسيقي، فكان يُحرك الحبل الذي يوجه به البغل بين الحين والأخر، وكأنه

    يعطي الإشارات للموسيقيين، والنجوم كانت تشع بالسماء الصافية، لتكمل روعة

    المشهد الجميل.

    وصلنا إلى الطريق الرئيسي، وكنت محظوظا فقد توقفت لي سيارة عابرة وأقلتني

    معها إلى المدينة.

    كانت علامات القلق واضحة على وجه أيمن، وكان على لسانه أسئلة كثيرة، يريد أن

    يعرف لها أجوبة، ولكني طلبت منه أن يُسرع لكي نلحق بالطائرة، وسوف

    أخبره بكل شيء على الطريق.

    كانت المرة الأولى التي أرى فيها مطاراً، وطبعاً أول مرة أركبُ فيها الطائرة، مما

    جعلني أقلق بعض الشيء.

    كانت الطائرة مكتظة بالركاب، وهذا ما هدأ من روعي وخوفي، وكان من بين الركاب

    نساء وأطفال يضحكون ويمرحون، وكان أيمن يجلس بجانبي، وقد أرخى برأسه على

    جانب المقعد، ولم أدر إذا كان نائما أو يخفي وجهه المهموم عني.

    انقضت ثلاث ساعات قبل أن تهبط الطائرة في المطار، نزلنا من الطائرة، واتجهنا

    إلى مبنى المطار، ومن ثم إلى شرطة الجوازات لوضع تأشيرة الدخول

    كنت أمشي وراء أيمن، وكأني طفل صغير يلحق بأبيه، وصلنا إلى غرف صغيرة من

    الزجاج يجلس بداخل كل واحدة شرطي، وكان للغرفة نافذة تسمح بإدخال الجواز

    فقط، أعطى أيمن جوازه للشرطي، فوضع عليه الختم وأعاده إليه، ثم غادر إلى

    الجانب الثاني من المبنى، ولم أعد أراه.

    جاء دوري، فأعطيت الجواز للشرطي الذي فتحه، وهو يتمعن تارة في الصورة التي

    على الجواز وتارة أخرى في وجهي، مما جعلني أشعر بالارتباك، ثم خرج من الغرفة

    الزجاجية، وأشار لي بيده أن ألحق به، التفت يميناً ويساراً لعل أحدا يشرح لي

    ماذا يريد مني الشرطي، ولكني لم أجد جواباً أو تعليقاً من أحد، كان يجب أن أعطي

    جوازي قبل أيمن، كيف فاته هذا الموضوع! لحقت بالشرطي إلى غرفة جانبية من

    الإسمنت، وفيها كرسي ومنضدة صغيرة.

    نظرَ إليَ الشرطي، وأشار لي بأن أخلع ثيابي، فشعرت بشيء من الخوف والقلق، حاولت

    إفهامه بأني لا أفهم ماذا يريد، ولكنه مرة ثانية أشار بأن أخلع ثيابي، وبدأ

    يصرخ ويدمدم بكلمات لم أفهم منها شيئاً، ثم خرج من الغرفة بعد أن أشار لي

    بيده أن أبقى مكاني، وأنه سوف يعود بسرعة.

    لم يطل غياب الشرطي طويلاً، فقد عاد ومعه شاب أسمر، ذو ملامح

    شرقية، عرفت من خلالها بأنه عربي.

    تحدث الشرطي مع الشاب بضع كلمات بلغة لم أفهمها، ثم نظرَ الشاب نحوي وقال:

    هذا الشرطي يريد منك أن تخلع ثيابك كي يفتشك

    فقلت: ولماذا أنا لوحدي..أنا فقط.. يريد أن يفتشني، وبهذه الطريقة المهينة؟

    فرد قائلاً: إنه يريد إخافتك حتى تعطيه بعض النقود، وأنصحك أن تعطيه

    بدلاً من أن يطبق عليك قوانينه الدنيئة.

    للحظات اعتقدت بأن الشاب يخدعني، وربما يكون متعاونا مع الشرطي ضدي، فحاولت

    المراوغة، وقلت: ولكني لا أملك نقوداً، فأنا قادم مع صديقي، وهو قد خرج قبلي.

    ابتسم الشاب وقال: لا عليك أنا سوف أعطيه. وأخرج من جيبه عشرة دولارات

    ودسها في جيب الشرطي، عندها ابتسم الشرطي، وأعطاني جواز سفري وعليه

    تأشيرة الدخول، وأشارَ لي بيده أن أذهب.

    شكرت الشاب كثيراً، وطلبت منه أن يرافقني إلى خارج المطار، لكي أطلب من أيمن

    نقوداً، أعيدها له بدلاً من النقود التي دفعها للشرطي، ولكنه رفض وغادر من

    أمامي بسرعة، حتى لم يعطني الفرصة لأسأله عن اسمه.

    خرجت من مبنى المطار، فوجدت أيمن ينتظرني وقد بدت على وجهه علامات الخجل

    والأسف، فبادرني بالقول: أرجوك لا تؤاخذني فقد سهوت عنك، لأن تفكيري كله عند

    أهلي في القرية، ولم أشعر وأنا أخرج من دونك.

    فقلت له: لا عليك، أنا أقدر ظرفك، وحكيت له ما جرى معي في المطار، وكيف

    ساعدني الشاب العربي.

    كانت الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، استقلينا سيارة

    أجرة، انطلقت بنا وسط شوارع المدينة متجهين إلى بيت أيمن.

    كنت أنظر من نافذة السيارة إلى المباني المرتفعة والشوارع الخالية من المارة

    وكأنني أشاهد فيلما سينمائيا لأول مرة، ومن شدة تعبي، كنت لا أشعر بجسدي معي، كنت

    أشعر بأنني أطير، ولا أفكر إلا بسرير أرتمي عليه ولا أستيقظ قبل ثلاثة أيام.

    وصلنا إلى الحي الذي يسكن فيه أيمن، وكان في أطراف المدينة، في منطقة أكثرُ

    سكانها من الغجر، ومع أن الوقت كان متأخراً، إلا أن بعض منهم كان يجلس في

    الشارع ينتظر غنيمة يغتنمها من فتاة عائدة من مرقص، أو من شاب سكران

    أو من مسافر يحمل حقائبه الكثيرة مثلنا.

    بعد أن نزلنا من السيارة، جاء اثنان من الغجر وعرضا على أيمن المساعدة

    في حمل الحقائب، وطبعاً رفض، وحذرني أن أحذر منهم جيداً.

    حملنا الحقائب، ودخلنا المبنى الذي يقيم فيه أيمن، وعندما حاول فتح باب

    المصعد، أصبنا بالإحباط، فقد كان المصعد معطلاً، فقلت: له لا عليك

    هيا لنصعد الدرج! ولكنه ابتسم ابتسامة صفراء، ونظرَ إلى الأعلى، وكأنه

    ينظر إلى السماء، وقال:البيت في الطابق العاشر!

    عندما سمعت بالطابق العاشر، خارت قواي وشعرت بدوار في رأسي، ولكن بشيء

    من العزيمة والصمود صعدنا الدرج، وأنا أفكر بالسرير المريح الذي

    ينتظرني، وكنا نرتاح كلما صعدنا من طابق لأخر، حتى وصلنا في النهاية

    إلى الطابق العاشر، وقد تقطعت أنفاسي من التعب!

    أدخل أيمن يده بجيبه ليخرج مفتاح الباب، ولكن يده كانت تخرج فارغة، وكان

    يعاود إدخالها وإخراجها في جيوبه، وهو يتصبب عرقاً، ولكن عبثاً! فقلت له أن

    يبحث في حقائبه، ربما وضع فيها المفتاح من غير أن يشعر، وفعلاً فتح كل حقائبه

    وبعثر محتوياتها على الأرض ولكن بدون جدوى، أوقف البحث، وأطرق رأسه نحو

    الأرض ثم زفر زفرة، أحسست بقوتها تلامس جبيني، وقال: لقد نسيت المفتاح في

    القرية، وأعتقد أننا سنبقى هنا حتى الصباح، ريثما تعود صديقتي روكسانا لتفتح لنا

    الباب، فهي الوحيدة التي تحمل مفتاح أخر، وهي الآن في مدينة أخرى، و سوف تصل في
    الصباح، كما تواعدنا قبل أن أسافر.

    لم تكن ليلة سوداء من الظلام فقط، بل كانت ليلة سوداء من العذاب، في القرية

    وعلى الطريق، وفي المطار، والمصعد المعطل، والمفتاح المفقود.

    استلقيت على الأرض بجانب باب البيت، و وضعت حقيبتي تحت رأسي، وأغمضت عيني

    محاولاً النوم، ولكني لم أستطع من صلابة الأرض ورطوبتها،ومع أن فصل الصيف كان

    في نهايته إلا أن الجو في أوروبا كان بارداً بعض الشيء، فكنت أتقلب مرة على

    الجانب الأيمن، ومرة على الجانب الأيسر، لأخفف عن جسدي صلابة الأرض ورطوبتها.

    شيئاً فشيئاً بدأ نور الشمس يتسرب إلى داخل المبنى معلناً بداية نهار جديد

    وبين النوم واليقظة، والحلم والعلم، رأيت إمرأة عجوزا ترتدي ثوبا طويلا أخضر

    عليه نقط بيضاء، شعرها أبيض قصير، تناهز السبعين من العمر، خرجت من الباب

    المقابل لبيت أيمن. نظرت إلينا وقد بدت علامات الدهشة والاستغراب على

    وجهها، اقتربت منا، وهي تتكلم بلغتها التي لا أفهم منها شيئاً، وبدأت تحدث

    أيمن، وكانت تتكلم بصوت عال ظناً منها بأننا مثلها، سمعنا ضعيف.

    طلب أيمن منها الدخول إلى بيتها ليستعمل الحمام، فسمحت له بالدخول، وتركني

    معها تكلمني وتناقشني، وأنا كنت أهز برأسي دائماً، وأبتسم عندما تبتسم، وأحزن

    عندما تتغير معالم وجهها، وأرفع حاجبي عندما يجب أن أندهش، كي لا أشعرها

    بالإحراج، وعندما عاد أيمن، لا أدري ماذا قالت له حتى أضحكته رغم العذاب

    الذي نحن فيه. سألت أيمن عن سبب ضحكه، فقال: إنها تمتدحك كثيراً وتقول إنك متفهم

    لكل الأمور وأسعدها كثيراً الكلام معك، وأخذت أنا أيضاً أضحك بالرغم من

    التعاسة التي أنا فيها، وكانت خيبة العجوز كبيرة عندما علمت بسبب ضحكنا.

    اقتربت مني العجوز ومدت يدها وقالت ماريا، فقال لي أيمن: العمة ماريا تعرفك

    بنفسها، فمددت يدي مصافحاً وقلت لها: فارس، أنا فارس، صديق أيمن! وكان أيمن يترجم

    الحديث بيننا، الذي طال كثيراً.

    ذهبت العمة ماريا إلى السوق، وقالت وهي تنزل الدرج: عندما أعود سوف تدخلون

    إلى بيتي ريثما تعود روكسانا.

    ولكني لا أعتقد أن هذا سيحصل، لأن العمة ماريا سوف تمضي نصف النهار

    عندما تعود من السوق لتصعد الدرج إلى الطابق العاشر.

    لم يطل انتظارنا كثيراً، حتى سمعنا أصوات أقدام تصعد الدرج، كانت فتاة في

    الخامسة والعشرين من عمرها، نحيلة الجسد، ممسوحة الصدر، شعرها أصفر قصير

    تربطه إلى الوراء، تلبس بنطالا أبيض، وقميصا أصفر، وتنتعل حذاء رياضيا، خلت من

    معالمها الأنوثة، لا تتميز عن الذكور إلا بصوتها النسائي.

    اقتربت من أيمن وعانقته بشوق ولهفة، وتبادلا القبلات الحارة حتى أني خجلت

    من النظر إليهم، ورحت أسعل لأذكرهم بوجودي.

    نظرَ أيمن نحوي وقال: لا تهتم يا صديقي، هذه الأمور عادية هنا، أنت في أوروبا

    يا رجل! ثم قدمني إلى صديقته قائلاً: هذا فارس و هذه روكسانا! فمدت يدها، ولكن

    ليس لتصافحني، فقد رفعتها حتى اقتربت من وجهي، فقال أيمن: العادة هنا عندما

    يصافح الرجل امرأة، يقبل يدها. فقلت له أنا لا أُقبل سوى يد أمي، ثم مددت يدي

    وصافحتها كما أصافح الرجال، فشعرت بأنها تضايقت من ذلك.

    فتحت روكسانا باب البيت، ثم دخلنا إلى غرفة صغيرة، وضع فيها كرسي ومنضدة

    وبجانبهما أريكة صغيرة، وتلفاز صغير بحجم الراديو الذي يستمع إليه أبي.

    جلس أيمن وركسانا، وأخذا يتهامسان ويتحابان، وكأنهما لا يراني

    انتظرت قليلاً حتى يُدخلني أيمن إلى غرفتي لكي أنام، ولكن أيمن لم يهتم بي، كان شغله

    الشاغل ملاطفة روكسانا، فقاطعت خلوتهما قائلاً: أريد أن أدخل غرفتي لكي أرتاح

    وترتاحان أنتما أيضاً، ولكن أيمن راح يضحك وكأنني دغدغته بكلامي، ثم قال لي وهو

    يحاول إيقاف نفسه عن الضحك: هذا البيت يتكون من غرفة واحدة فقط. فقلت له:

    حسناً دعني أدخل إلى الغرفة لكي أنام فأنا مرهق. ولكنه عاد للضحك مرة ثانية

    وهو يقول: هذه هي الغرفة، نحن نجلس فيها، والأبواب التي تراها هي أبواب المطبخ

    والحمام.أصبت بصدمة عندما سمعت كلامه، فهل يُعقل أن كل هذا العذاب والانتظار

    والصعود للطابق العاشر وفي النهاية، البيت غرفة بحجم مطبخ أمي في القرية

    استلقيت على الاريكة، وأرخيت جسدي المتعب، وسلمت أمري إلى الله.

    عندما استيقظت كانت الساعة الثالثة بعد العصر، كنت أشعر بالجوع والعطش

    و كانت عظامي تؤلمني من النوم على باب البيت، ورقبتي قد تشنجت من النوم من

    دون وسادة، نظرت حولي فلم أجد أحداً في الغرفة، فرحت أنادي على أيمن بصوت

    منخفض، فلم يجب أحد.

    دخلت إلى المطبخ الذي لا يتعدى طوله مترين وعرضه متر واحد، وقد وضعت بداخله

    ثلاجة صغيرة جداً، ومغسلة ممتلئة بالصحون التي لم تُغسل منذ وقت طويل، وبعض

    الرفوف بجانب المغسلة. فتحت الصنبور كي أشرب، فسال منه ماء بني اللون ممزوج

    بالتراب، لا يصلح للشرب، ثم فتحت الثلاجة لعلي أجد فيها بعض الطعام، ولكنها

    كانت خاوية مثل النملية التي تركتها في غرفتي!

    جلست على الأريكة أنتظر أيمن، ومرَ وقت طويل وأنا أنتظر واشتد جوعي، جف

    حلقي، وبدأت الأفكار والظنون تدور في رأسي... أين ذهب أيمن؟ ماذا أفعل الآن

    وحيداً في هذه الغرفة؟ أسئلة كثيرة لم أجد لها جوابا!

    كان صمت رهيب يطبق على صدري، يشعرني بالوحدة القاتلة عندما سمعت صوت

    روكسانا يرن كالجرس في أذني وهي تضحك في الخارج، ثم فتح الباب، ودخل أيمن

    بيده علبة من الكرتون تفوح منها رائحة الطعام، تتبعه روكسانا، وهي تتمايل

    عليه وتضحك بأعلى صوتها، وقد حملت بيدها زجاجة من الخمر.

    بادرني أيمن بالحديث قائلاً: اعتقدت بأنك سوف تنام طوال النهار والليل، فلم

    أرد أن أزعجك، ولهذا خرجت مع روكسانا لندعك تنام جيداً، وقد اشترينا لك بعض

    الطعام، فأنت لم تأكل منذ البارحة.

    لم تسعفني الكلمات لكي أعاتب أيمن،فقد فتحت العلبة، وكانت تحتوي على البطاطا

    المقلية وقطع من لحم الدجاج، وبجانبها زجاجة ماء، فرحت ألتهم الطعام بشراهة

    من شدة جوعي، حتى أني خجلت من نفسي أمامهم.

    كنت أشعر بنظرات روكسانا تراقبني وفيها شيء من التقزز، وكأن لسان حالها

    يقول: من أين جاء هذا الغريب ليشاركني الغرفة مع صديقي.

    سألت أيمن متردداً، وقد بانت على وجهي علامات الارتباك:

    - كيف نتدبر أمرنا نحن الثلاثة في هذه الغرفة الصغيرة؟ وأنت لم تخبرني بأن

    صديقتك تعيش معك في بيتك!

    طال جواب أيمن، فقد كان ينظر إلى سقف الغرفة، واعتقدت بأنه يفكر في حل لهذا

    الموضوع، ولكنه فاجأني عندما قال بعد تنهيدة طويلة: هذا البيت ملك روكسانا

    وأنا أقيم عندها.

    فسألته مستغرباً: الذي أعرفه أنك تاجر وعندك أملاك كثيرة وشركة وسيارة ورصيد

    في البنك، ومحلات تجارية... هل كل هذا كان كذبا؟

    احمر وجه أيمن حتى ظننت بأن عروق الدم ستنفجر في رأسه، ونظرَ إلى الأرض ثم

    رفع رأسه إلى السقف مع تنهيدة طويلة، وقال: إنه القمار يا صديقي، لم يُبق لي

    شيئا، حتى ثيابي بعتها وقامرت بها، وهذا كان سبب ذهابي إلى البلد، كي أطلب

    بعض المال من أهلي، وقد أعطوني ولكن لا يعلمون بأني أبدد المال في القمار

    ولكن هذه المرة سوف أعمل وأضع يدي بيدك ولن أعود للقمار.

    عائلة أيمن في القرية غنية جداً، وهم يملكون الكثير من الأراضي الزراعية، ولهذا

    كان باستطاعتهم إرساله إلى الخارج ليكمل تعليمه، أما عائلتي فقيرة، وأبي

    لا يملك سوى قطعة أرض صغيرة لا تكفي لإطعام البغل.

    هونت على أيمن، وقلت له بأني سوف أقف بجانبه وأساعده، ولن أدعه يعود

    للقمار مرة ثانية، ولكن العيون الصفراء الثعلبية التي تراقب حديثنا

    باهتمام بالغ، وكأنها تعلم ما نقول، وتراقب حتى أنفاسي،وبيدها زجاجة الخمر

    تشرب تارة وتدخن تارة أخرى، هل ستدعه في حاله؟ إني اعتقد أنها هي التي تأخذه

    إلى نوادي القمار، وأعتقد أنه يحبها كثيراً،ىوسوف تجره إلى القمار مرة ثانية

    وعندما تنتهي النقود التي معه سوف ترميه في الشارع ليعود مرة أخرى ليطلب

    النقود من أهله، هكذا كانت الأفكار تدور في رأسي، ولا أعلم إذا ما كنت على

    صواب، أم أني أظلم هذه الفتاة؟ ولكني كنت على يقين أنها فتاة سيئة!

    انتهيت من تناول طعامي، ثم وضعت علبة الكرتون الفارغة على المنضدة، ومن هنا

    بدأت المشاكل! لم يعجب روكسانا أن أضع العلبة على المنضدة، فأخذت تصرخ بوجه

    أيمن، ولم أكن في حاجة إلى الترجمة، فتعابير وجهها، وحركات يدها، كانت تترجم

    صراخها، وأظن أنها غاضبة أيضاً لأني لم أغسل الصحون المرمية في المغسلة منذ أكثر من شهر!

    حاول أيمن تهدئتها، ولكن عبثاً، فالكحول التي شربتها كانت كفيلة بجعلها تصرخ

    وتذرف الدموع الكاذبة لساعات طويلة!

    حاولت التدخل متصنعاً عدم فهم ما يجري، وسألت أيمن عن سبب غضبها المفاجئ

    فتنهد تنهيدته المعتادة الطويلة، ثم قال وهو يحاول أن يخفي الحقيقة:

    !لا شيء مهم، أعتقد إنها شربت كثيراً، ولم تعد تعي ما تقول

    ولكنه لم يستطيع إخفاء الحقيقة كثيراً، فقد كانت نظرات روكسانا الغاضبة تلاحقه

    فتابع كلامه متلعثما: ولكن يا أخي هنا في أوروبا.. كل.. واحد يخدم نفسه بنفسه

    أرجوك لا تحزن مني فهنا الوضع مختلف عن الوضع في بلدنا!... وكان يتكلم وهو ينظر

    نحوي تارة، وتارة أخرى إلى روكسانا، وكان صوته يرتفع كثيراً عندما ينظر نحوي

    وكأنه يقول لروكسانا، لا تغضبي فأنا أوبخه لأنه وضع العلبة الفارغة على

    المنضدة، ولم يغسل الصحون، ولكني فهمت اللعبة، وآثرت أن أبقى متصنعاً عدم فهم

    ما يجري، لكي يُثبت أيمن رجولته أمام روكسانا!

    عاد الصمت ثانية يخيم على الغرفة بعد أن شربت روكسانا زجاجة الخمر، وجلست

    بجانب أيمن تداعبه أمامي من غير حياء، وكانت تتوسل إليه أن يخرج معها لشراء

    المزيد من الخمر، ومرة أخرى تركاني وحيداً وخرجا...

    كانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل عندما فتح الباب ودخلت روكسانا

    يتبعها أيمن وبيده زجاجة خمر، كان قد شرب أكثر من نصفها.

    في هذه اللحظات كنت بالنسبة إلى أيمن وركسانا، لا شيء، لا فرق بيني وبين أي أثاث

    في الغرفة، فقد ذهب الخمر بعقل أيمن ولم يعد يُدرك ما يفعله، فكانا يتصرفان

    مثل البهائم، بل البهائم كانت أفضل حالاً منهما!

    خجلت من نفسي، ولم أعد أطيق النظر إليهما، فتحت باب الغرفة وخرجت من دون أن

    يعيراني أي اهتمام، أو حتى يسألاني إلى أين أنا ذاهب....

    سال الدمع من عيني، وأنا أستلقي أمام الباب مثل الكلاب، لأجد نفسي مرة

    ثانية على هذه الأرض الصلبة والرطبة، في سكون هذا الليل العميق الذي لا

    أعرف مواقع نجومه، فأغفو على همسات أمي تخرج من ذاكرة أعماقي تغني أغنية نومي

    الدافئة تمسح بيدها على شعري فأهيم بنومي، يغمرني الحب والحنان والأمان، وأفتح

    عيني لأجد العمة ماريا توقظني بهدوء، وتشير لي بيدها أن أدخل بيتها، فلم أتردد

    ودخلت إلى بيتها حتى أني لم أر شيئاً سوى السرير، فرحت أغط في نوم عميق

    فتحت عيني على رسوم جميلة، مطرزة على الوسادة البيضاء التي لطخها الغبار

    والأوساخ من رأسي و رقبتي، ورائحة عرقي تنتشر في المكان...

    جُلت بنظري في أرجاء الغرفة، كانت غرفة نوم جميلة، عبارة عن سرير وخزانة ملابس

    ومرآة كبيرة الحجم، وكلها مصنوعة من الخشب الثقيل، وأظن أنها أثرية قديمة الصنع

    وعلى الحائط، في مقابل السرير، عُلقت صورة لرجل دين، يلبس ثوبا طويلا أسود، له

    لحية طويلة سوداء، وعندما نظرت إلى وجهه، اقشعر جسدي من نظراته المخيفة، فقد

    كان عابس الوجه، وكأنه يقول لي: ماذا تفعل في غرفتي وعلى سريري أيها الغريب؟

    فُتح الباب بهدوء، ثم بان من ورائه وجه العمة ماريا بابتسامة خفيفة، وكأنها

    فأر يحاول أن يستطلع المكان قبل دخوله إليه.

    تشجعت العمة ماريا على الدخول عندما رأت عيني مفتوحتين وبدأت تكلمني

    وهي تعلم أني لا أفهم من كلامها شيئا، ثم ذهبت لتعود ثانية، ومعها منشفة حمام

    ولوح صابون جديد، لم يُنزع غلافه بعد...

    من خلال الإشارات، فهمت بأنها تريدني أن أذهب إلى الحمام كي أغتسل، وهذا ما كنت

    بحاجة إليه، فقد كان حماماً رائعاً بعد كل هذا العذاب!

    عندما خرجت من الحمام، أشارت لي العمة ماريا بأن أدخل إلى المطبخ، لتناول الفطور

    وهو عبارة عن زيتون أسود، وقطعة جبن، وبيض مقلي...

    لا أدري كيف أشكر العمة ماريا، لم يكن بوسعي سوى أن أبتسم وأهز رأسي ممنوناً

    لها، ولكني كنت أريد أن أقول لها الكثير، أن أقول شكراً أيتها العمة، لقد أحسست

    معك بحنان الأم، لقد عطفت وأحسنت لي من غير أن تعرفيني، لمجرد أنك رأيت إنسانا

    يحتاج المساعدة، أشكرك من كل قلبي.... وكانت العمة ماريا قد أحست بي من دون أن

    أتكلم، وشعرت من خلال حركاتي، كم أنا شاكر لها...!

    كما توقعت، لم يمض وقت طويل حتى جاء أيمن وهو يعتذر ويتأسف عما حصل البارحة

    ويضع اللوم على روكسانا، بأنها هي التي جعلته يسكر، ولا يدري ماذا حصل له

    لم يكن بوسعي سوى أن أسامحه، فليس باليد حيلة، ولكن العمة ماريا لم تسكت

    فأخذت تصرخ بوجه أيمن، ومن نبرة صوتها فهمت بأنها كانت توبخه ،ومن إشارات يديها

    وتحركاتها، فهمت بأنها تريدني أن أنام عندها كل يوم، ثم ذهبت إلى المطبخ لتعد

    لنا الشاي، فسألت أيمن عن صاحب الصورة، ذلك الرجل الذي ينظر إلينا بسخط.

    ضحك أيمن وقال إن هذا الرجل كان زوج العمة ماريا، وقد كان رجل دين يعمل في

    الكنيسة، ولكنه توفي منذ زمن بعيد....

    شربنا الشاي مع العمة ماريا، ولم تدعني أخرج حتى تأكدت بأني سوف أعود لأنام

    عندها في الليل...

    كانت أول مرة أخرج فيها إلى الشارع منذ قدومي، فقد أراد أيمن أن يُعرفني

    بالمدينة، وأن نتفسح قليلاً، والحمد لله، لم تأت معنا روكسانا لأني لم أعد أطيق

    رؤيتها. مشينا مسافة قصيرة حتى وصلنا إلى مكان الحافلة، ولكن هذه المرة لم أر

    الغجر في الشارع، فخمنت أنهم ذهبوا ليناموا،لأنهم يتعبون طوال

    الليل في ملاحقة أرزاقهم...

    ركبنا الحافلة ولم تكن مكتظة، فقد ركبنا من بداية الخط، ولكن ما هي إلا دقائق

    حتى امتلأت بالركاب ولم يعد هناك مكان يتسع لنملة...

    كان كل شيء غريبا بالنسبة لي، المباني المرتفعة، السيارت،ا لناس، وجوه جديدة

    كل شيء أراه لأول مرة!

    الأمر الغريب الذي رأيته، أن العجائز يقفون في ممر الحافلة، والشباب يجلسون

    على الكراسي، ولا أحد يبالي، فتحركت النخوة داخلي، وأعطيت مكاني لأحدى

    العجائز، وكذلك فعل أيمن، وأظنه فعل ذلك خجلاً مني..

    على جانبي وقفت فتاة شقراء جميلة، في العشرين من عمرها، وكانت تبتسم لي كلما

    التقت نظراتنا، وتقترب مني أكثر وأكثر وسط الزحام، وكانت يدها تمتد

    لتلمسني بهدوء، مما جعل العرق يتصبب مني، وفجأة شعرت بيد أيمن فوق يدها داخل

    جيبي، سحب أيمن يدها، وتأكد جيداً بأنها لم تأخذ شيئا، ثم صرخ بوجهها وتركها لتغور

    بين الركاب بحثاً عن مغفل غيري...

    نزلنا من الحافلة، ولم ينته الدرس الذي لقنني إياه أيمن عن الحرص والحذر من

    النشالين، وأنواعهم، وطريقة عملهم، وأشياء أخرى كثيرة، لم أحفظ منها

    سوى أن أبقي يدي في جيبي، وأن أدع جواز سفري والأوراق المهمة في البيت

    مشينا بوسط المدينة، وكان أيمن يتكلم بدون توقف، وهو يشرح لي عن الأماكن

    وعن مغامراته و ذكرياته مع النساء في كل شارع نسير فيه، وكنا ندخل من محل

    تجاري إلى آخر، نشاهد الألبسة، والأثاث والأجهزة الكهربائية، فقد كانت معروضة

    بشكل جميل جداً، يجعل المرء يشتهي شراءها، ولكن يا حسرة من أين؟ فجيوبي فارغة

    قضينا وقتا طويلا في التنقل من مكان إلى آخر، وقد بدأت أشعر بالتعب من كثرة المشي

    فجلسنا نستريح على مقعد خشبي في حديقة عامة كبيرة تقع في منتصف المدينة، تمتلئ

    بالأشجار الكبيرة، في منتصفها بحيرة صغيرة يحيط بها أنواع كثيرة من الورود..

    كانت الحديقة كبيرة جداً بحيث يحتاج الزائر أكثر من نصف ساعة لقطعها سيراً

    على الأقدام، وكانت المقاعد الخشبية مثبتة على جوانب الممرات تحت الأشجار، وكان

    أغلب زوار الحديقة من العجائز التي ملت الجلوس بالبيت، فتجد في الحديقة

    متنفساً جميلاً، بعيداً عن بيوتهم الصغيرة التي تشبه علب الكبريت

    ليس ببعيد عن مكان جلوسنا، وفي الجهة المقابلة لنا، جلست امرأة عجوز، وقد

    أدارت ظهرها لنا، ولم أكن أرى منها سوى شعرها الأبيض، وقد وضعت بجانبها

    حقيبة يدها، وهي تمسك بها بحرص شديد، وأعتقد أن هذا هو السبب الذي جعل عيون

    اللصوص تلاحقها...

    اقترب من خلفها رجل في الثلاثين من عمره، وكان يحمل بيده شيئا حادا، ومن غير أن

    تشعر به، وبخفة اللصوص قص جانب الحقيبة، وأحدث فتحة تمر منها يده، وأخذ يُخرج

    محتويات الحقيبة من غير أن يضايقه أحد، والطريف فيةالأمر، أن اللص كان يعيد

    الأشياء التي لا تهمه إلى داخل الحقيبة، ولكنه لم يحصل على مراده من طرف الحقيبة

    فحاول سحبها من بين يدي العجوز، فأحست به، وأخذت تصرخ، واللص يشد الحقيبة، وهي

    تمسك بها بكل قوتها، فبدأ اللص يضربها على رأسها لكي تصمت، وألقى بها أرضاً، ولكن

    العجوز أبت أن تدع له الحقيبة.

    كل هذا يحدث، ولا أحد من الناس يكترث، حتى حارس الحديقة ذهب بعيداً، لكي لا يتدخل

    أما أنا فقد بدأت أعصابي ترتجف والدم العربي ينبض في عروقي، نهضت لكي أساعد

    هذه العجوز المسكينة التي لا حول ولا قوة لها أمام هذا المعتدي اللعين. لكن

    أيمن أمسكني ومنعني من الذهاب لنجدتها، وكان يقول لي: لا تتدخل، هذا الأمر لا يعنيك

    نحن في أوروبا، كل شخص مسؤول عن نفسه هنا، ألا ترى أن الجميع لا يهتم!

    ولكني لم أستطع أن أتحمل هذا الظلم، فاندفعت إلى اللص غير مبال بكلام أيمن

    الذي حذرني بأننا سوف نقع في ورطة كبيرة. أبعدت اللص عن العجوز، وأخذت من

    يده الحقيبة التي استولى عليها بالقوة، وأعدتها إلى العجوز التي كانت غائبة

    عن الوعي تقريباً...

    أما اللص، فقد ركض هارباً، وهو يصرخ ويدمدم بكلمات، أظنها عبارات تهديد.

    كان أيمن يقف بجانبي وقد شحب لون وجهه، وبدأ يشدني من يدي ويقول

    خائفاً: هيا نهرب بسرعة ليس معنا متسع من الوقت. وفعلاً لم يُنه أيمن كلامه

    حتى عاد اللص، وخلفه أربعة من الغجر يركضون نحونا، وكان أضعفهم، بحجمي أنا

    وأيمن معاً!

    لم يكن أمامنا سوى الهرب، فرؤية الغجر يركضون نحونا حاملين بأيديهم السلاسل

    الحديدية والسكاكين الكبيرة، لا تدعنا نفكر سوى في الفرار...

    ركضنا محاولين الخروج من الحديقة، ولكن مجموعة أخرى من الغجر

    كانت لنا بالمرصاد، فوقعنا بين المجموعتين، محاصرين من كل الجهات

    حاولت التملص من بين المجموعتين، وقد نجحت، ولكن أصابني أحد الغجر بضربة من

    سلسلة حديدية، مزقت ظهري، أما أيمن فقد وقع بين أيديهم، فأخذوا يضربونه من

    دون رحمة، وهو يصرخ مستنجداً بي...

    مع أن الضربة التي تلقيتها كانت ضربة موجعة جداً،إلا أني لم أتحمل رؤية

    الغجر وهم يضربون أيمن بهذه القسوة، فجمعت قواي، وركضت نحوهم وأنا أصرخ

    بأعلى صوتي: أتركوه يا كلاب..أتركوه..يا حُقراء، فشتت انتباههم عن أيمن

    فتركوه يهرب، ولحقوا بي

    ركضت بين الأشجار، محاولاً تضليلهم عني، ولكن عبثاً، كنت كلما أفلت من أحدهم،

    وجدت آخر بوجهي، كانت مطارة عنيفة جداً، حتى أني لم أعد أرى أيمن، والأشخاص

    الذين

    كانوا يتنزهون بالحديقة هربوا،إلا شخصا واحد كان يبيع سكاكر غزل البنات

    على عربة متحركة،وكان يقف بعربته بجانب حوض كبير جداً من الورود،فخطر لي

    أن أختبئ داخل هذا الحوض، ولكنها كانت فكرة خطيرة جداً، فسوف يروني وأنا

    أدخل إلى الحوض،وسوف يمسكون بي، ولكن لم يكن أمامي سوى هذا الخيار

    الصعب، فربما

    اكسب وقتاً أطول، فيحدث شيئاً ما، ولربما يعود أيمن ومعه الشرطة

    لم أتردد كي لا أضيع علي آخر فرصة، فركضت بكل ما عندي من قوة، وقبل أن

    يلاحظني أحد، ارتميت في حوض الورود منبطحاً على الأرض

    زحفت كالدودة بين الحشائش وأغصان الورود كي أصل إلى منتصف الحوض، حتى لا

    يجدوني

    بسهولة، كنت أسمع أصواتهم المخيفة يصرخون من جهة لأخرى، وأصوات السلاسل

    الحديدية، والسكاكين الطويلة الحادة، تثير الرعب والقشعريرة في جسدي.

    شيئاً فشيئاً بدأت أسمع أصواتهم تقترب مني، وكأنهم عرفوا مكاني، أو رآني أحدهم

    عندما ركضت نحو الحوض. كان قلبي يخفق بشدة كلما تحركت الأغصان بجانبي، كانت

    كل لحظة بالنسبة لي هي النهاية، فضربة من سلسلة حديدية على رأسي، أو طعنة

    سكين في ظهري، سوف تكون فيها نهايتي!

    كنت كلما أقترب مني صوت أو حركة من إحدى الجهات، هربت زاحفاً إلى الجهة الأخرى

    وكنت أرى الأقدام وهي تقترب مني بحذر من جميع الجهات، فعدت بذاكرتي إلى القرية

    عندما كنت أنا وأبي والجيران، نحاصر الثعلب بين أكوام القش، لما يفترس الدجاج،

    وكان كل واحد منا يحمل عصا أو قضيبا حديديا كبيرا، وفي معظم الأحيان كان يُفلت

    منا،هارباً بين الحقول...

    لم يعد لي مجال للهرب وأيقنت أنها النهاية، ولم يتبق سوى خطوة واحدة من أحد

    الغجر ليضع يده علي من بين الحشائش.

    كانت يدٌ ضخمة وطويلة أمسكت بي من قميصي وسحبتني بسرعة هائلة لأجد نفسي

    داخل العربة التي كانت تقف بجانب حوض الورود.

    كانت عربة مصنوعة من الخشب، على شكل صندوق كبير له دواليب لكي يدفعه البائع

    أمامه بسهوله، وكان البائع يضع بداخله حوائجه من سكر و أصبغة لصناعة

    الحلويات. كان المكان مظلما جداً لم أستطيع أن أرى شيئاً، سوى أنفاس خائفة

    مرتعبة، تخترق آذاني، ولكن هذه الأنفاس لم تكن غريبة عني فقد كنت أعرفها

    جيداً، منذ زمن بعيد عندما كنا نختبئ في خم الدجاج، هاربين من باقي الأطفال

    لكي لا يرونا، كانت أنفاس أيمن، نعم هو أيمن بجانبي! همست بصوت خافت جداً، حتى

    أني لم اسمع صوتي جيداً: أيمن.. أيمن...

    فسمعت صوته باكياً يريدني أن أصمت: صه.. صه..

    صمت قليلاً، ولكني عدت وسألته بصوت غير مسموع:

    أيمن ماذا حصل.. ما الأمر؟

    لم يسمع ما قلت له، لكني أعتقد أنه فهم ماذا أريد.

    وضع شفتيه على أذني تماماً، وهمس : إنه بائع غزل البنات، يحاول أن يساعدنا

    عرفت الآن لمن هذه اليد الضخمة التي سحبتني إلى داخل العربة، فقد كانت

    يد البائع الذي كان يقف بجانب حوض الورود، وهو يخاطر بحياته لكي يساعدنا

    لا أستطيع أن أصف إحساسي بالذل والمهانة، وأنا مختبئ داخل العربة مثل

    الجبناء، عشت فقيراً ولكني لم أكن جباناً أبداً، فقد كانت عروقي تنتفض، وأعصابي

    ترتجف، من شدة القهر الذي أصابني، ومن غير أن أشعر، اندفعت من باب العربة

    محطماً الخوف الذي يحاول السيطرة على كبريائي، وقد فضلت الموت بشجاعة، طعناً

    بسكين أو بضربة تكسر رأسي، على الاختباء، ولكن البائع كان لي بالمرصاد

    فلم أستطيع الخروج بسبب ضخامة جسده القابع على باب العربة.

    فتح باب العربة، وأطل علينا البائع برأسه الكبير، ثم أشار لنا بأصبعه على

    فمه بأن نهدأ، فهز أيمن رأسه للبائع، ثم قال لي هامساً، بعد أن أغلق البائع

    باب العربة: أرجوك أهدأ، أنا أعرفك جيداً وأعرف أن هذا الأمر صعب عليك

    جداً، منذ كنا أطفالا وأنا أتذكر كيف كنت تعارك من هم أكبر منك سناً، ولا تسكت

    لهم، ولكن أرجوك نحن هنا نواجه الموت، وأنا لا أريد الموت الآن، فإذا كنت لا تبالي

    بحياتك، فأنا أريد أن أعيش أرجوك.. أرجوك.. أرجوك.. وأخذ يجهش بالبكاء.

    لم أجب على كلامه، وبقيت صامتاً، ولكني حاولت تهدئته، فوضعت يدي على رقبته

    محاولاً تشجيعه، ولكن ماه ذا السائل الذي يملئ رقبته الضعيفة؟

    كان الدم يجري من رقبة المسكين أيمن من غير أن يشعر به، فمزقت قطعة من قميصي

    وتحسست مكان الجرح بيدي، ثم ضمدت الجرح، وأنا لا أرى شيئاً، فربما ما يزال هناك

    جروح أخرى في جسده.

    علت أصوات اللصوص في الخارج، وقد أصابهم الجنون، فهم لا يعرفون أين اختفت

    فريستهم التي كانت ستقع بين أيديهم، ولا يفصلهم عنها سوى قاب قوسين أو أدنى.

    اقترب أحدهم من البائع وهو يصرخ، ويضرب العربة بسلاسل حديدية، وكأنه يقول

    للبائع، إنك تعرف مكانهم ولا تخبرنا، فكان البائع يتمتم بصوت خافت، وكأنه

    يقول له، دعني وشأني، فأنا لا أعرف شيئاً.

    كل هذا كنت أخمنه، لأني لا أستطيع أن أسأل أيمن عن أي شيء، فأقل همسة

    مني، سوف يسمعونها، ويكشفون مكاننا فوراً، فالتزمت الصمت، ووضعت يدي على ظهر

    أيمن كي أشعره ببعض الاطمئنان، ولكن جسد أيمن بدأ بالارتعاش عندما فتح باب

    العربة، وامتدت يد سوداء طويلة تبحث عن شيء، ولم تكن يد البائع، كانت يد

    أحد اللصوص الذي أخذ قطعة من الحلوى، ومن غير أن ينظر إلى داخل العربة، ثم

    أغلق الباب، فهو لم يفكر أبداً، بأننا يمكن أن نكون محشورين داخل هذه العربة

    الصغيرة. كانت أنفاس أيمن شبه مقطوعة من شدة الخوف، ولكن سرعان ما هدأ خوفه

    عندما ابتعد اللصوص عن العربة.

    مرت أكثر من ساعة قبل أن يفتح البائع الباب، ويكلم أيمن، ثم أغلق الباب

    وبدأ أيمن يترجم لي ما قاله بصوت أعلى بقليل من ذي قبل:

    - يقول البائع، إنهم ابتعدوا عن العربة، وهم الآن يقفون على أطراف الحديقة

    يراقبون مخارجها لأنهم متأكدون بأننا لم نغادر الحديقة، ويقول البائع إنه

    من الأفضل أن نبقى مختبئين حتى غياب الشمس، لكي نستطيع مغادرة الحديقة في الظلام

    وعلى كل حال لم يتبق كثيراً لغياب الشمس.

    لم يمض وقت طويل حتى فتح باب العربة مرة ثانية، وأشار لنا البائع بالخروج

    فخرجنا من العربة، وكان الظلام قد خيم على الحديقة.

    أخرج أيمن من جيبه بعض النقود ومد يده ليعطيها للبائع، لكن البائع رفض

    بشدة، وكأني فهمت من كلامه، بأنه ساعدنا لله وليس من أجل المال، والغريب في الأمر

    أن البائع كان غجريا ولكنه غجري شريف، يأكل من عرق جبينه!

    شكرنا البائع كثيراً، وودعناه متسللين بهدوء إلى منطقة بعيدة من الحديقة

    لكي نهرب منها، من غير أن يشعر بنا اللصوص...

    ما أن وضعنا أقدامنا خارج الحديقة، حتى رآنا أحد اللصوص، وبدأ يصرخ وينادي

    باقي المجموعة، فأوقفت أول سيارة أجرة قادمة من على الطريق، وارتمينا بداخلها

    ونسيت أن السائق لا يعرف العربية، فرحت أصرخ به لكي يسرع قبل أن يصل

    اللصوص.. بسرعة أرجوك... بسرعة... أسرع.. هناك من يريد قتلنا! ولكن السائق لم

    يفهم إلا عندما انهال أحد اللصوص بالضرب بسلسلته الحديدية على النافذة

    الخلفية للسيارة، ليتطاير الزجاج في كل مكان...

    عندما رأى السائق ما يحدث، فهم الموضوع، ولم ينتظر كثيراً، حتى كانت أصوات

    دواليب السيارة تحتك بالأرض من شدة السرعة، بعد أن انطلق هارباً.

    لم نتوقف إلا عندما وصلنا الحي الذي يسكن فيه أيمن، نزلنا من السيارة، وأخذنا

    نتفحص الأضرار التي ألحقها اللصوص بها.

    كان السائق ينظر إلى سيارته، وهو حزين جداً عما لحقها من تحطيم للزجاج، وبعض

    الضربات على الجوانب، لكن أيمن لم يتركه يعاني كثيراً، فقد أعطاه أجرته، وأعطاه

    ثمن الزجاج، ولم ندعه يذهب إلا راضياً، وممنوناً.

    كانت مهمتي شاقة وصعبة جداً، فيجب أن أصعد بأيمن إلى الطابق العاشر، وهو

    بالكاد يستطيع أن يقف على قدميه، بعد الضرب الذي تلقاه من اللصوص

    كما صعدنا أول مرة عندما وصلنا من المطار متعبين، صعدنا هذه المرة أيضا

    وما أن وضعت يدي على باب البيت، حتى ظهرت روكسانا أمامي، وهي تنظر إلينا

    بسخط، ولكن ما أن رأت أيمن بحالته هذه، حتى تغيرت تعابير وجهها، واقتربت بسرعة

    لتمسك به وتساعده على الدخول.

    حدث ما لم أتوقع، فقد دخلت روكسانا، ثم أغلقت الباب في وجهي وتركتني في الخارج،

    أول مرة في حياتي أشعر بهذه المهانة، فما فعلت روكسانا معي لم يفعله أحد

    على الإطلاق، شعرت بكرامتي تتدحرج على الدرج، من الطابق العاشر إلى الأرض

    اسودت الدنيا أمام عيني، وتمنيت لو أن الأرض تنشق وتبلعني، إحساسي في هذا

    الوقت لا أستطيع أن أوصفه، فمن الصعب أن يشعر المرء بالذل والمهانة

    والمشكلة الأكبر أن تأتي الإهانة من واحدة مثل روكسانا!

    وقفت قليلاً أمام الباب وأنا أسمع صراخ أيمن وركسانا في الداخل، وكان صراخاً

    عنيفاً، توقعت بأن أيمن سيوبخ روكسانا لأنها أغلقت الباب بوجهي،وأنه سوف

    يأخذ موقفاً... يترك لها بيتها، ويخرج ...

    كان صوتهما عالياً جداً، ولكني لم أكن أفهم منه شيئا، ثم بدأتُ اسمع أصوات أشياء

    تتكسر، وشيئاً فشيئاً هدأ كل شيء، ولم أعد أسمع شيئاً، وحل السكون على المكان

    مرت ساعة على الأقل، وأنا أنتظر خروج أيمن، ولكن عبثاً، فلم يكن أمامي سوى

    بيت العمة ماريا أطرق بابه.

    طرقت باب العمة ماريا بهدوء، فلم يجب أحد، فقلت في نفسي، ربما تكون نائمة

    فلا أريد أن أزعجها، ثم جلست على الدرج ثانية أنتظر، فربما يخرج أيمن أو

    تخرج العمة ماريا صدفة، فتدخلني إلى بيتها. كنت أفكر بأمور كثيرة، وقد شردت

    في هذا العالم الغريب الذي يجعلني أهيم في أرض لا أعرفها، وأطير محلقاً بأجنحة

    من طين، متحدياً النسور، متعدياً على الثوابت، متوهماً بنور يأتي من بعيد

    موجود في الخيال، أسابق الفراشات إلى النور، أرقص مع دوائر الضوء

    الملونة بجميع الألوان الزاهية مقترباً شيئاً فشيئاً من مبعث النور، فيعانقني

    بقوة، بشوق، بلهفة، فأحترق بحرارة لهيبه، فيتصاعد الدخان من أجنحتي،

    وأقع على الأرض، فتأتي الأفاعي ،وتطبق على نفسي الأخير

    أيقظني من شرودي صوت العمة ماريا وهي تصعد الدرج، وأظنها كانت تستعين

    بالله على صعود الدرج حتى الطابق العاشر.

    عَرفت على الفور العمة ماريا ماذا حدث، عندما رأتني أجلس على الدرج، بجانب

    الباب كال... ولكنها، ومن غير أن تنطق بأي حرف، ابتسمت لي، ثم مدت يدها إلى

    جيبها لتخرج مفتاحاً، وقد ربطته بخيط أبيض قصير، وأشارت لي أن أضعه في جيبي

    يا الله! ما أحسن هذه المرأة! لقد عانت مشقة النزول والصعود إلى الطابق العاشر

    لكي تصنع لي مفتاحا، أحتفظ به كي أدخل إلى البيت في حال غيابها...

    يا إلهي ما أروع هذه العجوز! وكم هو الفرق شاسع بين طيبتها، وبين عجرفة روكسانا

    وطبعها السيئ!

    دخلت مع العمة ماريا إلى بيتها، ولم أنتظر كثيراً حتى كان طعام العشاء جاهزا

    على المائدة. أكلت وحمدت الله، ثم نهضت لأساعد العمة ماريا في رفع الصحون، ولكنها

    صرخت بوجهي، ثم وضعت أصبعها على خدها، وكأنها تريد أن تقول لي بأنها تخجل بأن

    تدعني أرفع الصحون، وكانت تحاول أن تفهمني بالإشارات، بأنها مثل أمي.....أمي

    آه يا أمي! أعتقد أنها طارت عبر المسافات البعيدة وأتت إلى هنا لتتدخل

    روحها وأنفاسها الجميلة جسد العمة ماريا لكي ترعاني، فمن شدة امتناني

    للعمة ماريا، بدأت أناديها يا أمي، وكانت تبتسم لي في سعادة..

    مرت ثلاثة أيام على الأقل حتى استطعت أن أرى أيمن، فقد كنت أطرق على باب

    روكسانا مرات عديدة كل يوم، ولكنها لم تفتح لي الباب، وعندما كنت أدق الباب

    كثيراً، كانت تصرخ من الداخل، ولا أفهم شيئا مما تقوله!

    في مساء اليوم الثالث، كنت أشاهد التلفاز مع العمة ماريا، حين رنَ جرس الباب

    فذهبت العمة ماريا لتفتح، ثم عادت ومعها أيمن، وقد تغيرت ملامحه، وأثار الضرب

    كانت واضحة بشكل كبير على جسده المتورم.

    أخذته بالأحضان، وكأني لم أره منذ سنين، وجلسنا نتحدث، وبدأ أيمن يقص على

    العمة ماريا ما حدث معنا في الحديقة، وكانت العمة ماريا تُصلب بيدها بعد كل

    عبارة يتوقف عندها أيمن، وبعد أن انتهي أيمن من كلامه، قامت العمة ماريا

    وضمتني إلى صدرها، وقد بدأت الدموع تسيل من عينيها، وهي تقول لي كلمات

    لم أفهم منها شيئا، فقال أيمن مترجماً:

    -تقول العمة ماريا إنها سعيدة جداً بشجاعتك، وأنها تخيلت نفسها مكان العجوز

    التي ساعدتها في الحديقة، وأنها تحمد الله على عودتك سالماً

    نظرت إلى العمة ماريا، وقلت لها ساخراً، وبالإشارة حتى تفهمني جيداً

    : أنا عدت سالماً، ثم نظرت إلى أيمن وقد انتفخت عيناه وازرق جلده، وقلت

    . وهذا المسكين، لقد عاد سالماً أيضاً، ولكن بعد أن تورم جسده، وتغير لونه

    فضحكنا جميعاً بشدة، حتى أخذ أيمن يتألم من شدة الضحك.

    تحدثنا وتسامرنا حتى ساعة متأخرة من الليل، أما روكسانا، فقد كانت تأتي

    من وقت لآخر لتستعجل أيمن بالعودة إليها، ولم تجرؤ على الدخول، ليس خجلاً مني

    ولكنها كانت تعلم بأن العمة ماريا لا تحبها ولا ترتاح لرؤيتها.

    في الصباح، استيقظت على صوت أيمن يستعجلني بالنهوض من الفراش قائلاً

    هيا هيا بسرعة، ليس معنا وقت، لقد تعودت على النوم والكسل، هيا يجب

    أن نبحث عن عمل، بدلاً من الجلوس والنوم من دون فائدة!

    ؟ وماذا يجب أن نفعل، وما هو العمل الذي يجب أن نعمله ،وأين مكانه، وووو

    أسئلة كثيرة وجهتها إلى أيمن من غير أن أشعر، ولكني تلقيت إجابة واحدة فقط

    هيا بنا الآن وسوف تعرف كل شيء بنفسك!

    لم ينتظر أيمن العمة ماريا كي تُعد الفطور، وقال لي بأننا سنأكل أي شيء

    في طريقنا إلى مكان العمل، وطلب مني أن أدع جواز سفري وأي شيء مهم في البيت

    حتى إذا تعرضت للسرقة، فلا يجد اللصوص في جيبي شيئا.

    نزلنا على الدرج بسرعة بعد أن أفرغت جيوبي عند العمة ماريا، وتوجهنا إلى

    الحافلة التي كانت تقف في أول خط سيرها تنتظر الركاب، ولكن هذه المرة، جعلني

    أيمن أجلس بجانب النافذة، وجلس هو بجانبي، لكي يضمن بأنني لن أتحرك من مكاني.

    انطلقت بنا الحافلة تجوب شوارع المدينة، ولم يمضي وقت طويل حتى نزلنا، وركبنا

    حافلة أخرى، لأن الحافلة التي نزلنا منها لا تصل إلى المكان الذي نذهب إليه

    هكذا أفهمني أيمن...

    قضينا أكثر من ساعة جالسين في الحافلة وهي تجوب بنا الشوارع، وأنا لا أدري

    أين نذهب، وكانت الشوارع بالنسبة لي كلها متشابهة، لا أستطيع أن أفرق بين

    شارع وآخر، وكان أيمن كعادته يجلس بجانبي، مُرخياً رأسه على طرف المقعد

    متظاهراً بالنوم.

    كانت الحافلة قد خرجت من المدينة عندما توقفت في آخر موقف لها، فنزلنا

    لنسير على أقدامنا في شارع تمر منه سيارات كثيرة، جيئة وذهاباً، حتى وصلنا

    إلى سوق شعبي كبير جداً، يقع خارج المدينة، تحيط به الأراضي الزراعية، وبعض

    البيوت التي يقطنها المزارعون.

    دخلنا من بوابة السوق التي تدخل منها السيارات إلى موقف كبير، يكتظ

    بالشاحنات الكبيرة التي تُحمل بالبضائع، ثم تنطلق إلى مدن أخرى، فقد كان سوقا

    كبيرا للبيع بالجملة.

    أول ما لفت انتباهي، هو المحلات التجارية، فقد كانت كلها مصنوعة من الصفيح

    ولا يتعدى حجم المحل أربعة أمتار طولاً، ومترين عرضاً، ولولا أني على يقين بأني

    موجود في أوروبا، لظننت بأن أيمن أخذني إلى الصين!

    فقد كانت المحلات تكتظ بالتجار القادمين من الصين، ليبيعوا بضائعهم الرخيصة

    في أوروبا، وكان السوق مزدحماً لدرجة كبيرة، لأن كثيراً من أهل المدينة الفقراء

    يقصدونه لشراء حوائجهم، مستفيدين من فرق السعر الشاسع بين الجملة والمفرق.

    كان السوق عبارة عن صفوف طويلة من المحلات، وكل صف من المحلات يقابله صفٌ

    آخر والممر بينهما ضيق كثيراً، مما يساعد على الازدحام، ويساعد اللصوص أيضاً

    في تنفيذ مهامهم بجيوب الزبائن، ومما يزيد الازدحام أكثر، مرور عربات اليد

    التي يدفعها العمال أمامهم بين الممرات الضيقة، محملة بالبضائع، حتى أنها كانت

    تسد الطريق أحياناً.

    كنت أمشي وراء أيمن بهذا الازدحام، وأنا أشعر بأصابع اللصوص تجسُ جيوبي

    ثم تعود خائبة من غير أن تجد شيئا.

    وقفنا بجانب مطعم صغير، وقد اشترى أيمن بعض فطائر الجبن، ولأن المطعم لا يتسع

    سوى للبائع، فقد جلسنا على حرف الطريق نأكل ونحن ننظر إلى الزبائن المارين

    من أمامنا، وكأنهم نهر يجري بين الممرات.

    لم أمضغ أول لقمة حتى شعرت بها تقف في حلقي، وبدأت أعصابي ترتجف، وجسدي

    يقشعر وأنا أشاهد أحد اللصوص يتتبع فتاة تمشي لوحدها، وقد أفرغ كل ما في جيوبها

    من غير أن تشعر،وهي تتلفت يميناً ويساراً،مستمتعة بمشاهدة البضائع المعروضة.

    لم أستطع ضبط نفسي، ولكني لم أستطع التحرك، فقد كان أيمن يطوقني من خلفي

    بيديه، ويستحلفني بالله أن أبقى مكاني.

    جلست مكاني ودمي يغلي في عروقي، وأيمن يحاول تهدئتي قائلاً:

    - أرجوك يا فارس، لا تتدخل في شيء لا يعنيك، وإذا كنت لا تهتم لنفسك، فكر بي

    أرجوك فإن جروحي لم تلتئم بعد، افهمني جيداً أرجوك، فهنا لن يساعدنا أحد،

    سوف يضربوننا ولن يتدخل أحد من أجلنا، لقد جئنا نبحث عن عمل ولم نأتي

    لنصلح المجتمع، أرجوك ألف مرة أن تبقى هادئا، ولا تحاول أن تنجد أحداً، فمهما

    فعلت، فلن تغير شيئا، انظر إلى باقي الناس، كلهم ينظرون، ولا أحد يتدخل!

    لم يقنعني كلام أيمن ولكني هدأت قليلاً، ورحت أمضغ فطيرة الجبن بشدة، وكأنني

    أنتقم منها بدلاً من اللصوص....

    كنت أنظر إلى الزبائن يمرون من أمامنا وكأنني أشاهد التلفاز، بشر من جنسيات

    كثيرة، وبين الحين والآخر، يمر اللصوص مسرعين ومعهم حقيبة، قد سرقوها، ثم يقفون

    خلف المطعم ليتقاسموا الغنيمة، حتى المتسولون، كانت أشكالهم غريبة ومقززة للنفس

    فقد كانوا يمرون من أمامي وكأنني أشاهد استعراضا كبيرا، رجل مقطوع الأطراف

    تجره امرأة وراءها على عربة صغيرة، وبعد أن تبتعد، يأتي رجل يجر طفلة وقد

    حُرق نصف جسمها، ثم يتبعهم رجل أعمى وهو يغني ليستعطف الناس

    كنت أتألم كلما رأيت هذه المناظر، وسألت أيمن:

    أننا نجلس هنا منذ فترة، هل تريد أن تعلمني التسول أو السرقة؟

    ضحك أيمن وقال:

    أتظن أن المتسولين واللصوص يدخلون إلى السوق من غير أن يدفعوا، وأشار

    بأصبعه إلى رجل طويل وسمين يقف بعيداً بالقرب من بوابة السوق،
    وقال:

    هذا الرجل يتقاسم مع اللصوص ما يسرقوه، ويتقاسم مع المتسولين ما يكسبوه،

    مقابل حمايتهم إذا ما تعرض لهم بطل من أمثالك، وبضربة واحدة يجعله بصلا، وهو

    بدوره يتقاسم المال مع آخرين يحموه من الشرطة، ولكن اطمئن، فنحن هنا لنبحث

    عن محل فارغ كي نستأجره، ونبيع فيه بضائع مثل باقي التجار

    ولكن ماذا نبيع فيه؟

    أنا أعرف تجارا صينيين، سوف نشتري منهم بضائع ونبيعها، وسوف نأخذ منهم

    البضائع بسعر رخيص...

    ؟ ـ ولكن ما هو نوع البضائع

    ـ لا يهم.. البسة.. أجهزة كهربائية.. أي شيء نبيعه

    ؟ ـ ولكن كيف نستأجر محلا تجاريا ونحن لا نملك ترخيصا

    ضحك أيمن بصوت عال، حتى لفت انتباه أحد المتسولين الذي جاء يركض، وهو يمد يده

    فطرده أيمن، وتابع قائلاً:

    ! ـ في هذا السوق لا أحد يملك رخصة للبيع

    ؟ ـ هل تسمح لهم السلطات بمزاولة التجارة من غير رخصة

    ضحك مرة ثانية وقال:

    ـ بالطبع لا تسمح لهم أن يبيعوا من غير رخصة، لكي لا يتهربوا من الضرائب

    ولكنهم يغلقون محلاتهم ويهربون عندما تأتي الشرطة الاقتصادية، أو عندما

    يأتي المفتشون عن رخص البيع...

    تركنا مكاننا، ومشينا وسط الازدحام، نتلفت يميناً ويساراً، بحثاً عن مخزن فارغ

    نستأجره، وكلمات أيمن عن هرب التجار لا تفارق تفكيري، فكيف سيهرب مئات التجار

    بل آلاف التجار، ويغلقون محلاتهم عندما تأتي الشرطة، والزبائن ماذا تفعل؟

    لا.. لا أطن أن هذا يحدث.. أعتقد أن أيمن يسخر مني، فلا أعتقد أن سوقا بهذا الحجم

    الكبير والمستودعات الممتلئة بالبضائع، والعمال والزبائن والتجار، واللصوص

    كل هذا كان يدور في رأسي عندما سمعت صرخةً قوية من أحد الصينيين وساد بعدها

    الصمت لثوان، ثم ارتفعت رؤوس التجار تستطلع الصيحة، وعيونهم تحملق باتجاه

    البوابة، وكأنهم قطيع من الأرانب، قد حلق الصقر فوق رؤوسهم.

    فجأة قامت القيامة في السوق، فقد سمعت كثيراً عن يوم القيامة، ولكني هنا رأيته

    بأم عيني، أخذ التجار يرمون بضائعهم بسرعة داخل المحلات، وأبواب الصفيح تغلق

    بقوة فتحدث صوتاً مدوياً، والتجار يتراكضون في جميع الاتجاهات،والزبائن يهربون

    من مدخل السوق، فسألت: أيمن ماذا يحدث؟

    فقال: الشرطة الاقتصادية.. هيا لنهرب.. بسرعة!

    ؟ ـ ولكن لماذا نهرب؟ ماذا فعلنا، حتى أننا لم نستأجر محل بعد

    ـ المهم الآن اركض وانفذ بجلدك!

    وأخذ أيمن يركض، وأنا أركض وراءه، ومن غير أن أشعر اصطدمت بأحد الصينيين

    الهاربين، ووقعت معه على الأرض نهض الصيني وهو ينظر إلي بغضب، ثم تابع هارباً،

    ونهضت أنا أيضاً،ورحت اركض وراء ايمن الذي اختفى عن عيني بين الهاربين، ولم اعد

    أرى له أثراً.

    ركضت محاولاً الخروج من بوابة السوق، ولكني وجدت البوابة قد أغلقت، واكتظ

    المكان برجال الشرطة المقنعين، يحملون البنادق بأيديهم، وكأنهم في حالة حرب

    أشار لي احدهم بأن أقف جانباً، ولا أتحرك من مكاني.

    فُتحت البوابة، ودخلت منها شاحنات كبيرة تابعة للشرطة، وبدأ رجال الشرطة

    بجمع البضائع التي تركها أصحابها على الأرض، ليضعوها في الشاحنات، وكان قسم

    آخر من الشرطة يضع الشمع الأحمر على المحلات التي أغلقها أصحابها وهربوا.

    وبما أن حجم السوق كان كبيراً جداً بحيث أن الشرطة لا تستطيع وضع الشمع

    على كل المحلات، فقد اكتفوا بالمتاجر الكبيرة التي في مدخل السوق.

    اقترب أحد الشرطة مني، ولم يكن مقنعاً، وبدأ يكلمني ويشير لي بيده، وأعتقد

    أنه يسألني عن جواز سفري، فحاولت البحث عن شيء في جيبي لأخرجه له، ولكن

    جيوبي كانت خالية من كل شيء!

    لم ينتظرني الشرطي كثيراً، أخرج أصفاده الحديدية من جيبه، وقيدني بها، ثم دفعني

    إلى داخل سيارة الشرطة، وأغلق الباب الذي يُفتح من الخارج فقط.

    جلست بالقرب من نافذة باب السيارة، وقلبي يخفق والأفكار والأسئلة تدور

    في رأسي، لماذا اعتقلني الشرطي؟ فأنا لم افعل شيئاً، وقطع تفكيري صراخ

    قوي، نظرت من النافذة، فرأيت أحد الصينيين يصرخ رافضاً أن تفتشه الشرطة، والشعب

    الصيني، شعب شرس جداً، لا يرضخ لأحد، والشرطة تحسب لهم ألف حساب

    قبضوا على الصيني، وجاؤوا به إلى السيارة، وأجلسوه بجانبي.

    هذا الموقف الذي رأيته في هذا اليوم، جعلني أعرف الجواب عن سؤال، كنت قد

    سألته لنفسي كثيراً: كيف يستطيع مليار ونصف المليار شخص تقريباً أن يعيشوا في

    دولة واحدة مثل الصين؟ ويحكمهم رئيس واحد! فقد رأيت الجواب بعيني، عندما

    قبضت الشرطة على الصيني، خرج رفاقه من مخابئهم، من بين محلات الصفيح، يحملون

    السكاكين والسيوف، وهم يصرخون في غضب، يريدون إطلاق سراح صديقهم، وكان حمام


    من الدم على وشك الحصول، لولا أن رئيس الشرطة تدارك الأمر، وجاء إلى السيارة

    وأطلق سراح الصيني وسراحي ظناً منه بأنني معتقل معه في نفس الموضوع!

    علمت عندها، لماذا يعيش مليار ونصف المليار صيني في دولة واحدة، يحبون بعضهم

    البعض، ويهبون لنجدة أحدهم عندما يقع في مشكلة ما"مثلنا بالضبط"!! فتخيلت

    أيمن قادماً من بعيد على حصان عربي أصيل، يلوح بسيف طويل، ويصرخ بأعلى

    صوته: اتركوه أيها الأشرار، ويحاً لكم كيف، تقبضون عليه ألا تعلمون من يكون

    ألا تعرفون أنه عربي..عربي.. عربي.. عر....! وأيقظني من تفكيري أحد الصينيين

    يجرني من ذراعي كي يبعدني عن طريق الشرطة!

    بعد أن امتلأت الشاحنات بالبضائع المصادرة، فُتحت البوابة، وخرجت منها

    يتبعها رجال الشرطة، فقد انتهت مهمتهم، وذهبوا بالغنائم...

    كنت أنظر بكل الاتجاهات لعلي أرى أيمن، ولكن السوق كان شبه فارغ، وقد خيم

    الصمت على أرجاء السوق، حتى المتسولون لم يعد لهم أثر، واختفى اللصوص ،حتى

    قبل وصول الشرطة!

    شيئاً فشيئاً بدأ التجار والزبائن بالعودة، ولم يمض أكثر من نصف ساعة حتى

    عاد كل شيء كما كان، وكأنه لم يحدث شيء!

    تجولت في السوق لعلي أصادف أيمن، ولكن عبثاً، فقررت بأن أنتظره بجانب

    بوابة السوق، لعله يراني، عندما يغادر، أو يدخل السوق بحثاً عني.

    طال انتظاري كثيراً. وبدأت الشمس تميل نحو الغروب، والزبائن غادرت السوق

    ولم يبق سوى بعض الصينيين يجمعون بضائعهم من أمام متاجرهم لكي يغلقوها،

    وبعض العمال الذين يجمعون القمامة التي خلفها الزبائن وراءهم.

    احترت في أمري، ماذا افعل؟ أين اذهب؟ وأين أيمن؟

    فكنت أتنقل بين السوق وموقف الحافلة، لربما يكون أيمن على نفس الطريق يبحث

    عني. وكانت الساعة السابعة مساءً موعد الحافلة الأخيرة التي تغادر إلى المدينة.

    توقف تفكيري، وكنت لا أدري هل أركب الحافلة أم أبقى في السوق؟

    وإذا غادرت مع الحافلة، إلى أين اذهب؟ فأنا لا أعرف طريق العودة إلى البيت

    ولا اسم الحي الذي يقطنه أيمن ولا حتى أملك نقودا في جيبي، ولا أية وثيقة تثبت

    هويتي؟ فما كان مني سوى العودة إلى بوابة السوق والجلوس هناك منتظراً

    ايمن حتى يعود!

    كانت عيون حراس السوق تحدق بي كلما مروا من أمامي، وهم لا يدرون لماذا

    لم يغادر هذا الأجنبي، وقد غادر معظم التجار الأجانب؟

    اقترب احدهم مني، وبدأ يكلمني، وهو محتارٌ في أمري لا يدري عني شيئاً، ولكني لم أفهم

    شيئا مما يقول، وكل ما استطعت أن أقول له أيمن.. أنتظر .. أيمن، فتركني وذهب

    ولم يفهم مني شيئاً!

    خيم الظلام على المكان، إلا من ضوء يأتي من مصباح كهربائي موجود في غرفة

    صغيرة بجانب البوابة يجلس بداخلها حارس السوق بعد أن ينتهي من جولته

    لتفقد السوق، وبعد أن يتأكد من مغادرة جميع الزبائن والتجار للمكان

    دخل الحارس إلى غرفة الحراسة،ثم رمى بحزمة من المفاتيح كانت بيده على طاولة

    صغيرة، وجلس على مقعد خشبي بجانب باب الغرفة، وراح يحدق في.

    لم يتبق في السوق غيري أنا والحارس، الذي يبلغ العقد السادس من العمر، تقدم

    نحوي، وقد بان وجهه الممتلئ بالتجاعيد، وعيناه الكبيرتان اللتان تكادان

    تخرجان من محجرهما، وأنفه الكبير المنفوخ، وقال بصوت عالي:السلام عليكم!

    للحظات انتعش قلبي وانفرجت غيمة الخوف عني، ونهضت مسرعاً من مكاني، وقلت

    له:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلاً بك يا أخي، الحمد لله بأني وجدتك

    لقد أضعت صديقي أيمن، ورحت أشرح له وأكلمه عن حالي، وهو صامت لا يقول شيئاً

    وكانت خيبة أملي كبيرة جداً، عندما علمت بأنه لا يعرف من اللغة العربية

    سوى كلمة السلام عليكم، ربما سمعها من أحد العرب، ويرددها كالببغاء.

    من خلال الإشارات فهمت منه بأن رئيسه لا يسمح له أن يدع أحداً يجلس بجانب

    بوابة السوق، وسوف يوبخه إذا رآني، فأشار لي أن أرحل أو ادخل واختبئ

    داخل السوق كي لا يراني أحد، ولم يكن أمامي سوى الدخول إلى السوق الذي كان

    موحشاً جداً!

    مشيت خائفاً، لا أدري أين أنا أو في أي اتجاه أمضي، ظلام دامس،اختفى القمر

    من السماء، والنجوم حجبتها غيوم سوداء، والأشباح تغزو خيالي، تراقصه من

    وراء الجدران، وعيون تلمع كانت بانتظاري، ارتعدت أوصالي، وأردت الرجوع

    ولكن العيون الحمراء ملأت المكان، وفات الأوان!

    كانت الكلاب قد اشتمت رائحتي الغريبة عليها، وعندما نبح أول كلب، تبعته

    باقي الكلاب المشردة التي تنتشر في السوق، وتأتي من الأراضي الزراعية

    المتاخمة للسوق، وكانت تأكل الفضلات التي يرميها التجار خلال النهار.

    كان قلبي يخفق بقوة، حتى أني لم أر حجراً أرميها به، كي أبعدها عني، فوقفت

    أمام حائط من الصفيح كي لا تهاجمني الكلاب من الخلف، ورحت أضرب بكل قوتي

    على الصفيح محاولاً إخافتها، وقد نجحت في البداية، ولكنها كانت تعاود الهجوم

    كلما توقفت عن ضرب الصفيح، وكانت الكلاب كثيرة جداً، تنبح بصوت أقوى

    من صوت ضربي على الصفيح، وشيئاً فشيئاً بدأت قواي تخور، ولم أعد أستطع

    تحريك يدي من شدة الألم والتعب الذي أصابها من جراء الضرب على الصفيح.

    أرخيت جسدي المتهالك على الحائط، ولم تعد تحملني قدماي، فتهاويت على الأرض

    واستسلمت إلى قدري المحتوم.

    لم أدر ماذا جرى بعد أن وقعت على الأرض مغمى علي، ولكني عندما فتحت

    عيني شعرت أني قد نمت لمدة طويلة جداً، واعتقد بأنني نمت يومين أو أكثر من

    شدة التعب و الإرهاق، وكانت معدتي الفارغة تلتصق بظهري من الجوع

    وجدت نفسي مستلقياً على سرير في غرفة صغيرة، مبنية من الطين، وسقفها من جذوع

    الأشجار، فأدركت بأنني في بيت ريفي ....

    رفعت عني الغطاء، وكان عبارة عن بساط أحمر مصنوع يدوياً، أردت أن أنهض، ولكني

    لم أستطيع، فقد كنت مقيداً بالسرير...

    حاولت جاهداً فك قيدي، ولكني لم أستطع، فقد كنت مقيداً بإحكام شديد، بدأت

    أصرخ، أنادي لعل أحداً يسمعني، ولكن لم يجبني أحد!

    مر الوقت ببطء شديد، فأنا لا أعلم أين أتواجد الآن؟ وماذا حصل لي؟ ولماذا أنا

    مقيد هكذا؟ ومرة ثانية عدت للنوم، لعلي أستيقظ فأجد نفسي في غير هذا

    المكان، وربما أستيقظ من هذا الكابوس الذي يطبق على أنفاسي، ولكني استيقظت

    على يد الحارس الذي رأيته في السوق، وأعتقد بأنه هو الذي أنقذني في تلك

    الليلة، وجاء بي إلى بيته، ولكن لماذا قيدني؟

    فك الحارس قيدي، وتركني وخرج، من غير أن ينطق بأي كلمة. نهضت من السرير

    ولحقت به.

    عندما خرجت من باب الغرفة لم أستطع أن أفتح عيني، فقد سطعت أشعة الشمس

    بوجهي، وكأنني لم أر الضوء منذ فترة طويلة، وكما توقعت فقد كنت في بيت ريفي

    له حديقة صغيرة قد امتلأت بالأوراق الصفراء المتساقطة من الأشجار المحيطة بها

    معلنة قدوم الشتاء القاسي جداً في أوروبا الشرقية.

    كان البيت عبارة عن غرفتين ومطبخ كبير، والحمام موجود في الخارج بجانب

    الإسطبل، الذي يحتوي على قسم للدجاج، وقسم آخر للخنازير، وبقرة كبيرة.

    كان الحارس يُقيم في المنزل مع زوجته العجوز، التي لم تستغرب عندما رأتني

    أخرج من باب الغرفة، لأني كنت موجودا في بيتهما منذ أيام غائبا عن الوعي.

    ابتسمت لي العجوز التي كانت تقوم بجمع أوراق الأشجار المتساقطة من ساحة

    المنزل، وبدأت تكلمني، ولكن الحارس قاطعها بصوت عال، وأظنه كان يقول لها، ألم

    أقل لك إنه لا يعرف لغتنا! وتابعت العجوز الكلام، ولكن هذه المرة مع الإشارات

    وكنت قد بدأت أفهم بعض الكلمات، فقد كانت تدعوني لتناول الطعام.

    دخلت معها إلى المطبخ، وجلست أنظر إليها وهي تضع الطعام على المائدة، ثم

    نظرت بعيني، وهي تريد أن تقول شيئاً، ولكنها عجزت أن تُفهمني بالإشارة، وفجأة

    حملت صحن الطعام الذي وضعته على الطاولة، وجرتني من يدي كما تجر الطفل

    الصغير، ومشينا حتى وصلنا إلى الإسطبل، فقد كنت في حيرة من أمر هذه العجوز

    ماذا تريد مني ؟ هل تريدني أن أكل في الإسطبل مع الحيوانات؟

    أدخلتني إلى قسم الخنازير، ثم أشارت بأصبعها إلى الخنازير، ومن ثم إلى الصحن

    لتفهمني أن الطعام لا يحتوي على لحم الخنزير، وبعد ذلك، أدخلتني إلى قسم الدجاج

    وعملت نفس الشيء، لتفهمني بأن الطعام يحتوي على لحم الدجاج فقط!

    فوجئت بثقافة هذه العجوز التي تعلم بأننا لا نأكل لحم الخنزير، فشكرتها

    كثيراً بلغتها، ثم عدنا إلى المطبخ...

    ورحت ألتهم الطعام بشراهة من شدة الجوع...

    بعد أن تناولت الطعام خرجت من المطبخ، وجلست بجانب الحارس، وكنت أحاول

    ببضع كلمات تعلمتها أن أفهم منه السبب الذي جعله يقيدني بالسرير.

    فتشجع الحارس وراح يكلمني ويشرح لي بالكلام تارة وبالإشارات تارة أخرى، وبعد

    جهد جهيد، فهمت أنه بعد أن أنقذني من بين الكلاب المشردة، وجاء بي إلى بيته

    كنت أستيقظ بين الحين والآخر، وأصرخ بصوت عال، ثم أطرق على باب الغرفة بكل

    قوتي، ولا أتوقف حتى يغمى علي، فقرر تقيدي كي لا أجرح نفسي،

    وكي يضمن سلامتي أثناء نومه، فشكرته كثيراً، لما فعله من أجلي

    أمضيت وقتي في ساحة البيت، أنظر إلى السوق الذي بدا صغيراً من بعيد، وبصعوبة

    بالغة استطعت إخبار الحارس وزوجته العجوز بقصتي، وكيف فقدت أيمن في السوق

    فوعدني الحارس بأن يأخذني كل يوم إلى السوق كي أبحث عن أيمن، حتى أجده...بعد ذلك

    عدت للنوم....

    أيقظني الحارس، ولم تكن الشمس قد أشرقت بعد، فتعجبت لأمره! لماذا يريد أن يأخذني

    في هذا الوقت المبكر إلى السوق؟ ولكني عرفت الجواب عندما وصلنا إلى السوق

    فقد كان مكتظاً بالزبائن الذين يأتون قبل بزوغ الفجر ليشتروا بضائعهم

    ويغادرون قبل أن تزدحم الشوارع.

    لم يمض وقت طويل حتى انتشرت أشعة الشمس بالمكان، وكانت الشاحنات تدخل إلى

    السوق فارغة ثم تخرج ممتلئة بالبضائع. أما الحارس فقد كان يحمل

    البضائع على الشاحنات في النهار أو يفرغها، أما في الليل فقد كان يتولى الحراسة.

    جلست بجانب البوابة وأنا أراقب كل شخص يدخل ويخرج لعلي أرى أيمن، قد يأتي

    ليبحث عني، أو لعلي أرى أحد العرب فيساعدني أو يدلني على المنزل، ولكني

    لم أر سوى الصينيين، وعندما كنت أرى شخصاً يشبه العرب، كنت أركض نحوه

    كي أكلمه، ولكني أعود بخيبة أمل، عندما أكتشف أنه تركي أو إيراني،ل ا يفهمون

    من لغتي شيئاً سوى التحية (السلام عليكم، وعليكم السلام)

    جاء الحارس ومعه أكياس من النايلون، وطلب مني بأن أذهب إلى بيته، وأملأ هذه

    الأكياس بالطين من حديقة بيته، كي يغلق بها مجرى مياه الأمطار عن غرفة الحراسة

    لم أتأخر كثيراً، فقد ملأت الأكياس بمساعدة زوجته العجوز، ثم وضعتها على عربة

    صغيرة، دفعتها أمامي، وعدت إلى السوق.

    جلست بجانب البوابة، والعربة أمامي أنتظر الحارس كي يأتي ويأخذ الطين، ولكن

    الحارس تأخر بسبب تفريغ شاحنة كبيرة ممتلئة بالبضائع، فجلست في مكاني أنظر

    إلى زبائن السوق، ربما أرى أحداً من العرب يساعدني.

    شعرت بالجوع، فقد انتصف النهار ولم آكل شيئا، وكنت أنتظر عودة الحارس كي أطلب

    منه أن يجد لي عملاً في تحميل البضائع، أكسب منه بعض المال، ولا أكون عالة على أحد

    لم أستطع الانتظار أكثر، فقررت أن أذهب إليه، فربما يدعني أعمل معه

    في الشاحنة التي يفرغها، وما أن تحركت من مكاني، حتى رأيت رجلاً يقف بجانب الطين

    ويسأل عن سعر الكيس، فقلت له بكلمات متقطعة، ولكنه فهمها، هذا الطين ليس

    للبيع، ولكنه أصر على الشراء، وأخرج نقوداً من جيبه، ووضعها في يدي

    حملت كيسا من الطين، وأعطيته للرجل وأنا مصاب بالذهول، تعالي يا أمي لتري

    ابنك يبيع الطين! أنا متأكد بأنك لن تصدقي بأن الطين يباع، ولكني أنا

    هنا يا أمي أبيع الطين، ومعي نقود أستطيع شراء الطعام بها!

    جلست مكاني وراء أكياس الطين، ورحت أرتبها الواحد بجانب الآخر، ولم يمض

    وقت طويل حتى بعتها كلها!

    جاء الحارس، وهو ينظر إلي مستغرباً، فهو يرى العربة أمامي فارغة، وهذا يعني

    أنني ذهبت إلى المنزل، وأحضرتها، إذاً أين الطين؟

    ظن الحارس بأنني لم افهم جيداً، وقد أحضرت العربة فارغة، لكني قلت له

    أني بعت الطين، وطلبت منه أن يأخذ النقود، لكنه رفض، وضحك كثيراً

    لغرابة هذا الأمر، وضحكت أنا أيضاً رغم المصائب التي لا تفارقني...

    كنت ادفع كل يوم مبلغا من المال حتى يُسمح لي بالوقوف جانب بوابة السوق

    لأبيع الطين، وكنت صباح كل يوم أملأ الأكياس بالطين من الأراضي المجاورة

    للسوق، وأبيعها بجانب البوابة، ومضت الأيام وأنا أبيع الطين من أجل الزهور

    أو لأشياء أخرى، وكنت أمضي معظم وقتي في السوق وعيني تراقب مدخله،

    ولكن لم أرى أثراً لأيمن !

    كان كل يوم يمر، مثل اليوم الذي قبله، لا يتغير شيئاً، أجمع الطين في المساء

    وأذهب به إلى السوق في الصباح، وأحياناً كنت أبيع كل الكمية، وأحياناً

    أخرى تبقى نصف الكمية إلى اليوم التالي، وكنت أعطي زوجة الحارس نصف النقود

    التي أكسبها من بيع الطين، حتى لا أكون عالة عليهم، وكانت العجوز ترفض أن

    تأخذها، ولكني كنت أضعها في جيبها شاءت أم أبت..

    وفي يوم من الأيام حصل ما لم أكن أتوقعه ولا كان ليخطر على بالي! استيقظت

    في الصباح فوجدت كل شيء في الخارج أبيض، فقد تساقط الثلج طوال الليل، ولم

    أستطع الذهاب إلى السوق من شدة البرد، حتى الطين تجمد وأصبح قاسياً، وقد

    غطته الثلوج، وصار من المستحيل تعبئته في الأكياس.

    غيرت الثلوج كل نظام حياتي، وكنت كل يوم أنتظر أن تتوقف الثلوج، وأعود

    لعملي، ولكنها كانت تتساقط بغزارة، حتى ارتفعت بحوالي المتر عن سطح الأرض

    كنت اذهب كل يوم إلى السوق، وأقف بجانب البوابة، ليس لكي انتظر أيمن، لأني

    فقدت الأمل في إيجاده، ولكن ربما يحتاجني أحد التجار أو الزبائن، فأكسب بعض المال

    ولكن بسبب برودة الجو، والتي كانت تتجاوز العشرين تحت الصفر، فقد كان أكثر

    الأحيان السوق فارغاً، حتى المتسولون واللصوص هجروه إلى مرتع آخر...

    كنت أشعر بها تلاحقني بنظراتها كل يوم عندما أقف بجانب البوابة، وكانت

    الابتسامة لا تفارق وجهها عندما تقع عيني بعينها، ولكني حاولت مراراً أن

    أبقى بعيداً عنها، فما رأيته من روكسانا جعلني أكره كل الفتيات في هذا

    البلد، ولكن مع هبوب عاصفة ثلجية على السوق، وجدت نفسي أرتجف من البرد

    بجانبها، في المتجر الذي تعمل به..

    قالت:

    ـ لماذا تقف بعيداً عني

    ـ لا أريد أن أضايقك

    ـ تعال وأجلس بجانبي، البرد شديد وسوف تصاب بالزكام

    ـ لا عليك فقد تعودت

    ـ اقترب فأنا لا آكل البشر

    ضحكتُ، واقتربت منها، لتعطيني نصف الغطاء الذي تضعه على كتفها، ثم سألتني:

    ـ ما اسمك

    ـ فارس

    ـ فلوري

    ـ مرحباً بك

    ـ أهلا وسهلاً

    ثم صمتت فلوري ولم تعد تقول شيئاً، واسم فلوري يعني "وردة" وكانت وردة حقيقية

    فتاة في التاسعة عشرة من عمرها، وجنتاه مثل البرتقال، وعيناها خضراوان

    كبيرتان، فمها صغير، وشعرها الذهبي المتموج يتراقص على كتفيها، كانت وردة جميلة

    جداً، ولكني لم أشعر بها حتى الآن، ربما لكثرة الهموم التي تلاحقني...

    كانت فلوري تقيم في المدينة وتأتي كل يوم إلى العمل في السوق، فهي تعمل بائعة عند

    تاجر صيني. ومنذ أن تعارفنا كنت أقضي معظم وقتي بجانبها، حتى رآني

    الصيني، وعرض علي العمل عنده في تحميل البضائع من المستودع إلى المحل، ولكن

    الأجركان زهيداً، فوافقت ريثما تتوقف الثلوج، وأعود لبيع الطين...

    كانت الأيام تمر بسرعة، وكنت سعيداً جداً بمعرفة فلوري، فكنت أمضي معها معظم

    النهار، وفي الليل أنام عند الحارس وزوجته العجوز الطيبة.

    لم أكن أعلم أني قد وقعت في حب فلوري إلا عندما أتيت إلى السوق في الصباح

    ولم أجدها، فسألت الصيني عنها، ولكنه هو أيضاً، لا يدري عنها شيئا، وانتظرت

    قدومها طوال النهار، ولكنها لم تأت.

    لم يغمض لي جفن طوال الليل، كنت أفكر... ماذا حصل لفلوري؟ لماذا لم تأت؟

    وقبل موعد مغادرتي الاعتيادي كل يوم إلى السوق، ذهبت مبكراً، وانتظرتها عند

    البوابة، وبقيت واقفاً أحدق في كل الفتيات اللواتي يدخلن السوق، ولكنها لم تأت!

    وبين الحين والأخر، كنت أسأل الصيني عنها، فربما دخلت من غير أن أراها، ولكنه

    كان يجيبني بالنفي، وهكذا مرت ثلاثة أيام بلياليها من الانتظار والترقب...

    كانت عيناي لا تفارق البوابة، وفكري مشتت بين همومي...

    وفلوري التي ضمتني، حلقت بي إلى السماء، نسيت معها همومي وآلامي، عوضتني عن

    الحرمان

    أعطتني الحب والحنان، وقلبي دائم الخفقان، شعر معها بالأمان ،فأغمضت عيني بهيام

    فضاعت كل الأحلام، حبيبتي، قد خطفها الزمان، قدمت له القربان، صرخت ناديت،

    سخر مني الزمان، لن ترى حبيبتك بعد الآن، سحرها عفريت من الجان، فتلاشت مع زبد

    الشطآن، ارجع من حيث أتيت، قد فات الأوان

    لم أستطع البقاء كثيراً في السوق، فخيال فلوري يلاحقني في كل حركة أتحركها،

    عدت إلى بيت الحارس، وأنا محطم، مشغول البال، ارتميت على السرير، ووضعت الوسادة

    فوق رأسي، محاولاً الهروب إلى أعماقي الدفينة، لعلي أجد فيها شيئاً يواسيني

    فشعرت بشفتيها تلامس أصابعي، وأنفاسها تدق أبواب قلبي، لم يكن حلماً، كانت هي

    حبيبتي! لم أقول شيئا، شعرت بأن القلب الذي توقف، عاد ينبض من جديد، وضمتني

    إليها، ثم قالت:

    ـ اشتقت لك

    ـ وأنا أيضاً،أين كنت كل هذه المدة

    ـ لقد زرت عمتي، وكانت مريضة جداً، فلم أستطع تركها وحدها، حتى تعافت

    ؟ ـ وأنا

    ـ ما بك؟

    ؟ ـ لقد مرضت بسبب بعدك عني، فمن سيبقى بجانبي

    ضمتني بقوة وقالت:

    ـ لن أغيب عنك بعد الآن

    ـ وإذا مرضت عمتك مرة ثانية؟

    ـ عندها، سوف نذهب سوية إليها

    شعرت أن الحياة عادت من جديد، وكل شيء رجع كما كان، حتى الثلوج، لم تعد

    تتساقط بغزارة، وعدت إلى بيع الطين، ولم أكن أفارق فلوري نهائياً، كنت أبقى

    بجانبها حتى تركب الحافلة في آخر النهار، وأبقى واقفاً أنظر إليها حتى تغادر

    وفي الصباح كنت انتظرها عند موقف الحافلة، وعندما تأتي أضع يدي

    بيدها ونسير معا إلى السوق.

    عشت أياما جميلة مع حبيبتي فلوري، فقد نسيت كل الدنيا، ولم يبق في عقلي وقلبي

    سواها، اتفقنا على الزواج، وأن نبحث عن بيت نقيم فيه، ولكن بعد أن نجمع بعض

    المال، وكانت تحبني كثيراً، فقد كانت تبكي عندما تأتي في الصباح ولا تجدني

    بانتظارها عند موقف الحافلة، فكنت أضمها إلى صدري، وأشرح لها سبب تأخري

    فتهدأ، وتعود البسمة إلى وجهها الجميل.

    كان الشتاء في أيامه الأخيرة، يحاول عبثاً البقاء، ولكن الربيع لن يعطيه من

    وقته مهما هدده بالثلوج والأعاصير، والشمس كانت تساعده، فقد ملت الشتاء

    الطويل، وحنت للبلابل والعصافير..

    كالعادة كنت أنتظر فلوري كل يوم في الصباح عند موقف الحافلة، ثم تعانقني

    وأضع يدي بيدها، ونذهب إلى السوق، ولكن هذه المرة جاءت فلوري حزينة، وقد

    احمرت عيناها من البكاء، وبالكاد تستطيع الكلام، فسألتها: ما بك؟

    ـ عمتي مريضة جداً، وقد سهرت معها طوال الليل

    ـ وكيف حالها الآن

    ـ صحتها ليست جيدة، وقد جئت أخبرك بأني سوف أبقى بجانبها لبضعة أيام

    حتى تشفى من المرض.

    ـ ولكني لا أستطيع البقاء من دونك

    ـ سوف أخذك معي إلى عمتي لكي تتعرف عليك

    ؟ ـ هل أخبرتها عني

    ـ كلا، لم أجد الوقت المناسب، فقد كانت مريضة جداً

    ـ أمهليني بضع دقائق كي أخبر الحارس وزوجته،ثم نغادر فوراً

    ودعت الحارس وزوجته العجوز بعد أن أخبرتهم بأني سوف أغيب لبضعة أيام، مع

    فلوري، وأخذت نقودي التي جمعتها من بيع الطين، تحسباً لطارئ ما قد يحدث معي

    وبسرعة وجدت نفسي جالساً بجانب فلوري في الحافلة متجهين إلى المدينة، وكنت لم

    أر المدينة منذ شهرين، عندما جئت مع أيمن، وتركني في السوق أعاني الويلات...

    كانت فلوري تجلس بجانبي، وهي تمسك بيدي، وكأنني عصفور تخاف أن يطير منها،

    ويهرب من النافذة....

    نزلنا من الحافلة، ثم ركبنا بأخرى، لأن الحافلة التي تأتي من السوق لا تذهب

    مباشرة إلى بيت عمة فلوري، وكنت قد بدأت أتذكر الشوارع التي سارت فيها

    الحافلة عندما جئت مع أيمن، فسألت فلوري:

    ـ أين تقيم عمتك؟

    ابتسمت فلوري مع أنها حزينة على مرض عمتها، وقالت:

    ؟ ـ لماذا تريد أن تعرف

    ـ لا شيء، مجرد فضول!

    على كل حال، عمتي تقيم في حي يقع على أطراف المدينة، في منطقة تكتظ بالغجر

    ـ وما يضايقني أكثر إنها تقيم بالطابق العاشر، وأغلب الأحيان يكون المصعد

    معطل!

    فسألتها بسرعة:

    ؟ ـ وما اسم عمتك

    ابتسمت مرة ثانية، وحدقت في بدهشة، وكنت أتابع حركات شفتيها، وشعرت أن

    الكلمة تحتاج يوم كامل لتخرج من فمها!

    عندما سمعت اسم العمة ماريا تنطق به فلوري، أصابتني رعشة، سرت في عروقي

    وشعرت بدوار يلف رأسي، فكررت وراءها بسرعة

    ؟ ـ ماريا.. ماريا.. هل قلت عمتك اسمها ماريا

    نظرت إلي في دهشة وقالت:

    ـ نـعم ماريا، لماذا تتعجب هكذا؟ وكأنك تعرفها؟

    صمت لأن الكلمات التي أعرفها لا تساعدني كي أشرح لها كيف أعرف العمة ماريا

    وتركتها كي تعرف بنفسها عندما نصل إلى بيت العمة ماريا...

    نزلنا من الحافلة، ثم مشينا في الشارع الممتلئ بالغجر الذين كانوا يتابعون

    خطواتنا عن قرب، دخلنا المبنى، ومن حُسن حظنا لم يكن المصعد معطلاً،

    خرجت من المصعد لأصطدم بروكسانا، وهي تفتح الباب،فرمقتني باحتقار ودخلت

    إلى المصعد، ولم يكن أيمن معها، بل كانت تجر بيدها شابا أسود، ذو ملامح أفريقية،

    ولم أستطع أن أكلمها، فقد غادرت بسرعة، وكأنها لا تريد أن يعرف الشاب بأنني

    أعرفها، وكانت فلوري تضغط على جرس بيت العمة ماريا التي لم تفتح الباب، ثم

    انتظرنا قليلاً، وعادت فلوري لتضغط الجرس تارةً، وتارةً أخرى تدق على الباب

    ولكن لم يجب أحد، فتذكرت مفتاحي الذي أخذته من العمة ماريا، فمددت يدي إلى

    جيبي وأخرجته بسرعة، وفتحت الباب لأجد العمة ماريا ملقاة بجانب الباب ولم

    تستطيع الوصول لتفتحه، من شدة مرضها...

    أعنت العمة ماريا على الوقوف، ثم نظرت إلي وهي لا تصدق ما تراه، وصرخت مندهشة

    فارس.. نعم أنت فارس، وأخذتني بالأحضان، والعبرات تسيل من عينيها!

    أما فلوري فقد عقدت الدهشة لسانها، وهي تفكر، كيف تعرف عمتي ماريا فارس بائع الطين

    وكيف وصل إليه مفتاح بيتها، ولكن كل هذه الأسئلة، أجابتها عليها العمة

    ماريا عندما جلستا تتحدثان بسرعة، حتى أني لم أفهم إلا القليل من الكلام

    بسبب السرعة، أو كان يخيل لي ذلك لأني لا أعرف لغتهم جيداً

    سألت العمة ماريا عن أيمن، وفوجئت عندما قالت لي بأنها لم تره منذ أن

    غادرنا في ذلك اليوم!

    أين ذهب أيمن إذاً؟ هل ممكن أن يكون قد ذهب إلى القرية؟لا أعتقد ذلك، فلن

    يذهب من دوني، أخاف أن يكون قد أصابه مكروه!

    كانت العمة ماريا تتحدث، وقد بانت على وجهها علامات المرض والإرهاق، فطلبنا

    منها أن تدخل لتستريح على سريرها، وبقيت أنا و فلوري حتى ساعة متأخرة من

    الليل أقص عليها حكايتي الطويلة والشاقة، وكانت تهز رأسها باستمرار، لتقول

    لي بأنها تفهم ما أقول، مع أني كنت متأكداً بأنها لا تفهم ربع ما أقوله!

    مر أسبوع على وجودنا مع العمة ماريا، كنا نحرص على أن تأخذ الدواء

    في مواعيده، وكنت أخرج مع فلوري للتسوق، وكنت أقدم لها باقة من ورود الثلج

    اللبنية التي انبثقت من بين الثلوج المتبقية على الأرض، معلنة عن قدوم أول أيام

    الربيع، وبعد أن شعرنا بأن صحة العمة ماريا قد تحسنت، قررنا العودة إلى العمل

    في السوق، ولكن المفاجئة كانت قاسية على فلوري، عندما وجدت فتاة أخرى قد

    حلت مكانها في متجر الصيني، ولكن صديقي الحارس وعدها أن يجد لها مكاناً آخر

    تعمل به، وبقيت أنا أبيع الطين كالعادة بجانب بوابة السوق...

    انتقلت فلوري للعيش مع عمتها، بعد أن تركت الغرفة التي كانت تستأجرها

    ولم أفهم منها لماذا لم تقم عند عمتها التي تملك بيتا كبيرا؟

    أما أنا فكنت أبيع الطين، وأنام عند الحارس كل يوم، ماعدا أيام العطلة، فقد

    كنت أذهب إلى بيت العمة ماريا، كي أرى حبيبتي فلوري، التي كنت أشتاق إليها

    كثيراً، وأعد الدقائق، والثواني، كي أصل إليها..

    كنت أجلس بجانب بوابة السوق أبيع الطين، وفجأة دخلت سيارات الشرطة، وأنتشروا

    في كل المكان، وكالعادة كانت الزبائن تهرب من السوق والتجار يغلقون متاجرهم

    وأنا أيضاً تعودت على هذا الأمر، فكنت عندما تأتي الشرطة، أترك الطين وأهرب

    إلى بيت الحارس، حتى تذهب الشرطة. أعود فأجد الطين على حاله، لم يمسه أحد، ولكني

    هذه المرة قررت أن أذهب إلى فلوري، فقد اشتقت إليها كثيراً، ثم أعود في الصباح.

    أخبرت زوجة الحارس بأني لن أعود هذا اليوم، كي لا تقلق علي، فهي متعودة على

    غيابي أيام العطل فقط، ثم ارتديت ملابس نظيفة، واتجهت إلى الحافلة، أسابق

    خُطاي، لأصل إلى حبيبتي فلوري، كي أفاجئها بمجيئي، فهي لم تتعود أن تراني سوى

    أيام العطل، وأنا متأكد بأنها ستطير من الفرح عندما تراني، وسوف أبحث معها

    موضوع الزواج، فأنا الآن أعمل وأكسب المال ونستطيع أن نسكن في بيت واحد.

    كنت أشعر بأن الحافلة لا تتحرك من مكانها من شدة شوقي لرؤية فلوري

    حتى أني تمنيت لو نزلت من الحافلة، وركضت بأقصى سرعة حتى أصل إلى حبيبتي.

    كانت فرحتي كبيرة جداً، لأنني سوف أرى فلوري في منتصف الأسبوع، فأنا لم أعد قادراً

    على الانتظار حتى تأتي العطلة الأسبوعية. وكان قلبي يخفق بلهفة للقائها، وقبل

    أن أصل إلى البيت، اشتريت باقة من الورود الحمراء الجميلة، كي أعبر لها عن حبي،

    وكنت أمشي وأنا أشعر بقدمي ترقصان من السعادة، سوف نتزوج، وسيكون لنا

    بيت يجمعنا سوية، نملأه بالدفء والحب والحنان، وسوف أزرع لها الورود في كل

    مكان، وسوف أنظر بعينيها الجميلتين، إنها حبي الجميل، وردتي...

    الرائعة الجميلة "فلوري!"

    لم أطرق الباب، فتحته بمفتاحي كي تكون مفاجأة لفلوري عندما تراني

    دخلت، وأغلقت ورائي الباب، سمعت صوتها الحنون ينادي من داخل الغرفة

    ؟ ـ عمتي! لماذا عدت بسرعة يا عمتي

    لم أتكلم وقررت أن أدخل إلى الغرفة لتتفاجأ بي، وتأخذني بالأحضان كعادتها!

    ما رأيت لم يكن ماعرفت!

    وما سمعت لم يكن مافهمت!

    وما هزني أحزنني!

    والأرض لم تحملني

    والجدران تصعقني

    هل أنا.. أنا؟

    أم أنا لست مني؟

    وأنت يا قلبُ!

    ماذا ترتجي؟

    هل بنيت قصراً بين الغيوم؟

    وحبيبتك ألا تراها في أحضانه تخون؟

    والورود التي أحملها

    تمنيت لو حولتها

    نارا وسموما!

    خرجت مسرعاً من الغرفة، والسواد يغشي عيني، شعرت بالغثيان، ودارت بي الأرض

    ولكني استطعت سحب جسدي المتهالك من الصدمة، والوصول إلى خارج البيت، حيث

    ارتميت بجانب الباب، لا أرى أمامي سوى السواد.

    اقتربت مني فلوري، وقد سترت جسدها بغطاء السرير، ولمست رأسي بأصابعها، تحاول

    تهدئتي، فنفرت منها، وأبعدت يدها عني بسرعة، ولم أجد بين الكلمات التي تعلمتها

    كلمة تعبر عن الألم الذي بداخلي، فاكتفيت أن أقول لها.. دعيني واذهبي بعيداً

    عني، فقالت لي، وكأن شيئاً لم يكن:

    ـ حبيبي فارس.. لا تحزن أرجوك.. إنه صديقي القديم مايكل، وهو يأتي مرة في السنة

    من أمريكا، ولا يمكث سوى يوم أو يومين، ويغادر، أرجوك تفهم الوضع، فهو يترك لي

    مبلغا كبيرا من المال عندما يأتي، وأنا آسفة، لم أعلم بقدومك اليوم، ولو كنت

    أعرف، لما كنت استقبلته هنا، أرجوك حبيبي فارس لا تحزن، أوعدك في المرة القادمة

    لن تراه عندما يأتي!

    كانت فلوري تتكلم، ولا تعلم بأن كل كلمة تقولها لتخفف عني، تقطع

    شراييني من الصميم، كانت تهز أعماقي، تسحق كبريائي وكرامتي، تحرق قلبي

    فتجعله رمادا منثورا

    يااااااا أمي.. لا أريدك هذه المرة أن تأتي لتري ابنك، فهذا فسق وفجور

    ياااااااااا نساء بلادي.. ياهنادي، يا أمينة، يااااااا كل فتاة قُتلت حزينة

    من أجل ابتسامة بريئة، اسمعن فلوري ماذا تقول!

    جمعت قواي المتبقية من بعد الصدمة التي مزقت رجولتي، وجعلتها أشلاء مبعثرة

    حاولت فتح باب المصعد ولكنه كان قد تعطل، وعندما أردت نزول الدرج، كانت

    العمة ماريا قد وصلت وهي تلهث من التعب، ولم أقل لها شيئا، فقد فهمت كل

    شيء من نظرة واحدة، فراحت تصرخ وتشتم فلوري، وتلعن القرابة التي جمعتها بها

    وكانت فلوري تردد الاعتذار، وتحاول سحبي من يدي كي لا أذهب، ولكن.... ماذا

    أقول لك يافلوري، إنك لا تعلمين أن الدم الذي يجري في عروقي هو دم عربي

    دم ينتفض مثل حمم البراكين، دم لا يرضى بالمذلة، ولا يقبل بالهوان

    نزلت الدرج، وقدماي تحملان جسدي المنهك بصعوبة، وصراخ العمة ماريا وهي

    تشتم فلوري، يصل إلى مسامعي حتى خرجت من المبنى..

    أوقفت سيارة أجرة، وطلبت منه بلغتي الضعيفة، أن يأخذني إلى أقرب مكتب للطيران

    كي أحجز مقعداً في الطائرة، وكان حظي سيء، فالطائرة تغادر بعد ثلاثة أيام

    حجزت مقعداً، ثم تمشيت بالشوارع، وخيال فلوري، وكلامها لا يفارق تفكيري، كنت أريد

    أن أهرب بسرعة من هذا البلد، حتى أني نسيت الحارس وزوجته، فخطر لي أن

    أقضي باقي الوقت عندهم حتى يحين موعد الطائرة، ولكني فوجئت بدورية من الشرطة

    تسير باتجاهي، وقد شدهم إلي ملامحي العربية.

    اقترب أحد الشرطة مني وطلب جواز سفري، فأخرجته من جيبي، وقدمته له

    نظر إلى الجواز ثم ابتسم بسخرية وقال:

    ؟ ـ مدة الإقامة منتهية، منذ زمن طويل، فلماذا لم تغادر أو تمدد إقامتك

    ـ سوف أغادر الآن، وأعطيته تذكرة الطيران

    نظر إليها وقال بسخرية وتهكم:

    ـ هذه التذكرة لا تعني لي شيئاً، فما الذي يضمن لنا بأنك سوف تغادر البلد،أنا

    أسف يجب أن تذهب معنا إلى السجن، وعندما يحين موعد الطائرة سوف نأتي بك

    إلى المطار، كي نضمن بأنك لن تهرب.

    بسبب الألم الذي تركته فلوري في قلبي، لم أقاوم، وذهبت معهم إلى مركز الشرطة

    ولكني لم أبق كثيراً، فقد أتت شرطة الهجرة والجوازات، وأخذوني معهم.

    كانت سيارة الشرطة تسير بسرعة وهي تشق طريقها خارجة من المدينة، فسألت

    الشرطي باستغراب:

    ؟ ـ إلى أين تأخذوني

    ؟ ـ إلى المطار، كي تسافر

    ـ ولكن موعد الطائرة بعد ثلاثة أيام

    ! ـ أعرف ولكن لا نستطيع أن نضعك في السجن فأنت لست مجرما

    ؟ ـ فماذا أفعل؟ هل سنقيم في مبنى المطار ثلاثة أيام

    : ضحك الشرطي بصوت عال، وظننته يضحك من لغتي الضعيفة وكلامي المبعثر وقال

    ـ ستقيم لوحدك، ولكن ليس في مبنى المطار، فهناك مبنى أُعدَ من أجل المخالفين

    مثلك، والذين لا يرغبون في المغادرة، فنحن لا نستطيع إرغامهم على السفر

    فنحضرهم إلى هنا حتى ننظر في أمرهم.

    وصلنا إلى مبنى ليس بعيداً عن المطار، وسلمني الشرطي الذي معي إلى شرطة المبنى

    ثم غادر.

    رحب الشرطي بي، ولم يكن يرتدي لباس الشرطة، وقال:

    ـ أهلاً بك، سوف تقيم عندنا هنا، ريثما تسافر، وهذا المبنى بمثابة فندق، وليس سجناً

    ولكن غير مسموح لك بالمغادرة، وجواز سفرك سيبقى معنا حتى يحين موعد الطائرة

    فأرجو أن تعجبك الإقامة عندنا، والآن سوف أدلك على مكان نومك.

    مشيت خلفه وهو يعرفني على أقسام المبنى، وكان عبارة عن غرف كثيرة، لم أعرف

    منها سوى غرفة كبيرة للنوم، ينام فيها الجميع، والمطبخ الكبير، والساحة التي

    تتوسط المبنى من الداخل.

    تركني الشرطي بعد أن أوصلني إلى الساحة وقال لي:

    تعرف على رفاقك بنفسك!

    كانت العيون كلها تتجه نحوي ليتعرفوا على القادم الجديد، فقد كانت الساحة

    المتنفس الوحيد للنزلاء، يقضون فيها معظم وقتهم في النهار، وفي

    الليل يتسامرون في غرفة النوم الكبيرة كُل منهم على سريره.

    وكان النزلاء من جنسيات مختلفة، وأكثرهم من دول العالم الثالث، الذين هاجروا

    طمعاً في حياة أفضل!

    لم أعرف بأي طريقة أتعرف عليهم، فقد أكتفيت بتحريك يدي مشيراً لهم بالسلام

    وجلست على مقعد كان بجانبي، وسرعان ما عاد النزلاء إلى مشاغلهم وتنقلهم من

    زاوية لأخرى في هذه الساحة الصغيرة.

    كان كل شيء غريبا بالنسبة لي، وكنت أتساءل في نفسي، هل يوجد عربي بينهم

    أتكلم معه، وأردت أن أقف وأنادي بصوت عال، هل بينكم عربي؟ ولكني

    فضلت أن أنتظر قليلاً، فربما يتكلم أحدهم بالعربية فأعرفه..

    مضى أكثر من نصف ساعة ولم يكلمني أحد، وفجأة دخل شخص وهو يضع على رأسه

    منشفة، وأعتقد إنه خرج من الحمام، وعندما رفع المنشفة عن رأسه خفق قلبي

    وصرخت بأعلى صوتي...أيمن...أيمن....أيمن

    لم أصدق ما تراه عيناي، ركضت نحو أيمن ،وأخذته بالأحضان، شعرت بفرحة كبيرة

    تغمرني، وأيمن كان يبكي كطفل صغير!

    جلسنا على أحد المقاعد، ورحت أقص عليه ما جرى معي منذ أن افترقنا في

    السوق حتى الآن، ثم طلبت منه أن يخبرني، ماذا جرى معه؟ وما الذي أوصله إلى هنا؟

    تنهد كعادته وقال:

    ـ عندما هربنا من الشرطة في السوق، لم أستطع الفرار، فقد وقعت بين أيديهم

    وطلبوا رؤية جواز سفري، ولسوء حظي كانت إقامتي منتهية، ويجب علي تمديدها

    ولكن يلزمني مساعدة روكسانا لكي تأتي بوثائق تثبت بأني أقيم في بيتها.

    ؟ ـ وهل جاءت روكسانا بالوثائق

    ـ كلا، فقد ذهب إليها أحد الموظفين في الجوازات، ليتأكد إذا ما كنت أقيم في

    بيتها، ولكنها طردته، وقالت له: لا أعرف شخصاً بهذا الاسم!

    لم أخبر أيمن عن الشاب الذي رأيته مع روكسانا، كي لا أسبب له الإحراج أمامي

    ولكني حاولت معرفة فيماذا يفكر فسألته:

    ـ وماذا تريد أن تفعل الآن

    ـ لقد طلبت اللجوء الإنساني، وسوف أخرج من هنا، ثم أبحث عن عمل

    ـ أنا سوف أسافر ولن أبقى دقيقة واحدة في هذا البلد

    طال حديثنا وقاربت الساعة على الواحدة بعد منتصف الليل، ولم يبق في

    الساحة سوانا، فتركنا مكاننا وذهبنا للنوم.

    مر الوقت بسرعة، وحان موعد الطائرة، فودعت أيمن، الذي أراد البقاء، ليواجه

    المهانة والذل، وطلب مني أن أخبر أهله بأن وضعه جيد ولكن يلزمه بعض

    المال ليكمل مشروعه..

    ذهبت إلى المطار برفقة أحد رجال الشرطة، ولم يكن بعيداً عن المبنى، ثم توجهت إلى

    الطائرة مع المسافرين، بعد أن وضع الشرطي على جوازي تأشيرة الخروج

    كان قلبي يخفق فرحاً وأنا أغادر الطائرة متجهاً إلى القرية، وكانت الساعة

    تقارب على الواحدة بعد الظهر، والمزارعون يأخذون قسطا من الراحة تحت ظلال

    الأشجار...

    كنت أسير على طريق القرية، بعد أن نزلت من الحافلة قبل وصولها إلى ساحة

    القرية، كي أتمشى قليلاً على الطريق الزراعي، وكان حلقي قد جف من العطش

    فطلبت من إحدى الفتيات التي تعمل بالحقل بجانب الطريق، قليلاً من الماء

    ركضت مسرعة إلى وعاء من الفخار، يحفظ الماء بارداً، ثم ملأت كأسا من الألمنيوم

    بالماء وعادت تركض، لتقدمه لي

    نظرت إلى عيونها السوداء التي تلمع سحراً وجمالاً، وسألتها:

    ؟ ـ ما اسمك

    ـ سميرة

    ! ـ اسم جميل وصاحبته أجمل

    تركت الماء بيدي وراحت تركض بين الأشجار، لتخبئ وجهها من الخجل

    وصلت إلى البيت، وكالعادة كان باب التوتة الكبير مفتوح، وأبي يُنظف الإسطبل

    وأمي تخلط الطين مع التبن، لكي تعيد بناء الموقد.

    مددت يدي من خلف أمي إلى الطين ورحت أحركه بيدي...

    لم يخرج صوت أمي، بسبب المفاجأة، فقط دموعها كانت تسيل. وضعت يداها على

    وجهي وكأنها تتأكد مني، ثم مسحت الطين العالق على يديها بثيابها، وضمتني إليها

    وصرخت.. أبو فارس.. أبو فارس.. يااااا بو فارس.. لقد عاد فارس!

  • #2
    رد: بائع الطين..كاملة

    اسمح لي ابدي اعجابي بقلمك وتميزك واسلوبك الراقي وتالقك
    فالعمل مشوق جدا يسحر القارئ، و يستبقيه،لا يمكن مغادرته إلا إن بلغت نقطة النهاية، و ما زاده جمالا نفسكم طويل بالقص،الكلمات تتدفق دون تكلف ، و بوسعكم كتابة نصوص أطول
    و أتمنى أن تتاح لي فرصة قراءة المزيد لكم

    تعليق


    • #3
      رد: بائع الطين..كاملة

      فايز ..
      الحمد لله على عودتك سالما ..
      نفس سردي أنيق ..
      ومتصل ..
      أتمني لك التوفيق ..
      ومزيدا من الابداع ..
      دمت بود
      " الثورة هي حرب الحرية على أعدائها ..!! "

      تعليق


      • #4
        رد: بائع الطين..كاملة

        قصة جميلة وأسلوب جميل أستاذ فايز
        لك خالص التقدير ودعواتي بالنجاح

        تعليق


        • #5
          رد: بائع الطين..كاملة

          اسلوب سردي ممتع، مشوق، يذكرني بجدتي في القرية، وحاليا اكتب عن رحلة إلى القدس، ولا تصدق انني اشرت إلى النملية التي استغربت من تسميتها بهذا الإسم، فهل لأنها تحمي الطعام من النمل، أم لأن النمل يجد متعته بالدخول للتلذذ بالخبز وقطرميز دبس البندورة والبلح
          دام قلمك، الذي أخذني إلى ذكريات الطفولة، دمت ودام حسك الجميل
          هناء عبيد

          تعليق


          • #6
            رد: بائع الطين..كاملة

            الأستاذة منى بشلم

            شكراً لك على قراءة الرواية

            واهلاً بك معنا في معهدنا الجميل

            ننتظر أن نقرأ لك ما يخطه قلمك العذب

            تحيتي ومودتي.

            تعليق


            • #7
              رد: بائع الطين..كاملة

              الاخ العزيز علي ابريك

              الله يسلمك ولا يبعد عنك محب

              شكراً لك على المتابعة

              تحيتي
              ومودتي

              تعليق


              • #8
                رد: بائع الطين..كاملة

                الاستاذة العزيزة ماسة

                لك مني اجمل التحايا واطيبها

                شكراً لك على المتابعة

                تحيتي ومودتي

                تعليق


                • #9
                  رد: بائع الطين..كاملة

                  الاستاذة م.هناء عبيد

                  شكراً لتعقيبك الرائع على الرواية

                  تجمع العرب اشياء ومسميات كثيرة

                  وحكايات جميلة وعميقة

                  انتظر ان اقرأ ما يبدعه قلمك

                  تحيتي ومودتي

                  تعليق


                  • #10
                    رد: بائع الطين..كاملة

                    اخي فايز

                    كنت سعيدة للغاية الليلة في سهرتي مع نصين روائيين إبداعيين

                    تلال البلان وبائع الطين

                    أنت جميل هناك .. في القصة

                    لكنك -حقيقة- هنا أجمل

                    تحياتي

                    تعليق


                    • #11
                      رد: بائع الطين..كاملة

                      الأخت نور

                      شكراً لك ولكلماتك اللطيفة ويسعدني اعجابك بكتاباتي

                      تحيتي ومودتي

                      تعليق


                      • #12
                        رد: بائع الطين..كاملة

                        الأستاذ فايز الأشتر
                        بعد قراءة رواية بائع الطين
                        استطعت من خلالها أن تمنح فرصة للقارئ أن يتوغل دهاليز ذاتك
                        استطعت أن تكون وتبرهن على انك أنسان حقيقي بقدر الامكان من خلال ترجمة ذاتك
                        عميق هو انت بأسلوبك وأفكارك


                        همسة (كلانا يمقت الغجر)
                        وأعتقد ان الفكرة قد وصلت

                        تحيتي وتقديري
                        لقلم يترجم الذات بمصداقية

                        تعليق


                        • #13
                          رد: بائع الطين..كاملة

                          الأشتر الأديب
                          لك مزيد من التحايا

                          أتابع كتاباتك بشغف

                          ثريه ذات عمق

                          سأتابع قرأة روايتك على رويه

                          دمت بخير
                          ياطير النور دور

                          وأفرد ع الكون جناحك

                          تعالى نتوضى ونصلي

                          ركعتين الضحى قبل الأدان

                          أمسح دموعك

                          وكفكف نزيف جراحك

                          أبدر حب الأمل

                          ويا السنابل على سطوح الغيطان

                          http://nzarelmsry.maktoobblog.com/

                          تعليق


                          • #14
                            رد: بائع الطين..كاملة

                            المشاركة الأصلية بواسطة رولينا مشاهدة المشاركة
                            الأستاذ فايز الأشتر
                            بعد قراءة رواية بائع الطين
                            استطعت من خلالها أن تمنح فرصة للقارئ أن يتوغل دهاليز ذاتك
                            استطعت أن تكون وتبرهن على انك أنسان حقيقي بقدر الامكان من خلال ترجمة ذاتك
                            عميق هو انت بأسلوبك وأفكارك


                            همسة (كلانا يمقت الغجر)
                            وأعتقد ان الفكرة قد وصلت

                            تحيتي وتقديري
                            لقلم يترجم الذات بمصداقية
                            الأخت رولينا
                            شكراً لك على المتابعة الجميلة
                            ويسعدني اعجابك بالرواية
                            تحياتي ومودتي

                            تعليق


                            • #15
                              رد: بائع الطين..كاملة

                              المشاركة الأصلية بواسطة نزار المصري مشاهدة المشاركة
                              الأشتر الأديب
                              لك مزيد من التحايا

                              أتابع كتاباتك بشغف

                              ثريه ذات عمق

                              سأتابع قرأة روايتك على رويه

                              دمت بخير
                              شاعرنا الرائع والقدير نزار
                              يسعدني متابعتك الجميلة
                              تحياتي ومودتي

                              تعليق

                              يعمل...
                              X