إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

سذاجة

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • سذاجة

    سذاجة :
    عندما مدّ رأسه ويده ملوحاً لي من خلال نافذة الحافلة التي مرّت بقربي سريعاً وأنا أهمّ لركوب سيارتي؛ اعتقدت أنّ هذا الملوح يعرفني فجاء الرد مني لا شعورياً إذ لوحتُ له بكلتا يديّ، لكن الحافلة كانت قد قطعت مسافة بعيدة، ومن المؤكد أنه لم ير دهشة السؤال الذي رسمته أصابعي في الفراغ مباشرة، وبما لا يتعدى ثوان بين فعله وردة فعلي: من أنت؟!
    بعد قليل، وبينما كنتُ أقود السيارة تحول السؤال إلى : من هو ؟!
    لقد شغلني هذا الملوح رغم أنّ ملامحه التي طبعتها عيناي وأرسلتها إلى مخزن الذاكرة لم يكن لها شبيهٌ يسكن أيّاً من الملفات المحفوظة ضمنها.
    " من هو " تساؤلٌ لن يجد له جواباً في مدينة عالمية كدبي التي تحتوي كل الأجناس البشرية من أقصى شرق وشمال الكرة الأرضية إلى أقصى الغرب والجنوب، وكأنها بنيت خصيصاً لتكون تجمعاً للعولمة الإنسانية التي يشهدها القرن الحادي والعشرون، مدينة جميلة تتصفُ بالذكاء المدرج كقانونٍ يعمل به في كامل بنيانها، رشيقة متناسقة الجسد بحسب مقاييس الحداثة غير أنها بالنسبة لي تفتقد الحميمية التي يشتاق لها قلب المقيم الجديد بها، وخاصة ذاك المعجون من ذكريات بمدينة أخرى تفتح زهر شبابه فيها، وأحتم أن ذاك الملوح كان بحاجة لتلك الحميمية المفتقدة.
    تلك التلويحة أصابت قلبي بسهم الحنين إلى ركن دافئ بمدينة دافئة لم ترشح يوماً لمسابقة دولية لا في الجمال ولا في الذكاء لكنها موصوفة بالجنون اللذيذ، تقدم للمارّ فيها دعابة ونكتة حلوة كأنها صُنعت خصيصاً له ليدونها في ذاكرته وليبتسم قلبه منها كلما جاء نصيبها عندما يفتح صندوق الذكريات.
    تلك التلويحة استدعت أجمل الصفحات في حياتي الماضية، ولا أشك بتاتاً أنها الأجمل لكثر غيري. صفحات الطفولة والمراهقة العابقة بخيالات رسمتُها أحلاماً للغدِ الذي كنت أعتقد أنه مهما طال انتظاره فلن يكون أبعد من منام ليلةٍ أكتب تفاصيله قبل النوم ليصل بي صباحاً إلى طريق المدرسة. في ذلك الحين كان الزمن يسير بطيئاً كما الغندورة وألحق به بفرح مترقبة تحقق أمنية ما.
    كان اليوم يبدو لي أطول بكثير من أربع وعشرين ساعة، أكثرها ضجراً لي حصة درس الرياضيات وأكثرها متعة الحصة التي تتغيب بها المُدَرسة!
    من منّا لم يلوح في طفولته للمارين في الشارع من نافذة غرفته أو من باص المدرسة، أو من شرفة البيت؟!
    لماذا يحب الطفل هذه الحركة وماذا تعني له؟
    أجزم أنه أيما كان قصد الطفل منها فهي تدخل البهجة إلى قلب متلقيها تماماً كما حصل معي.
    كم منا في مراهقته لم يلوح بجفنه للحبيب بخفية عن الآخرين، تلويحة ترفع من معدل هرمون السعادة عند كليهما ونقول عنها غمزة، وتعني اشتقت لك، أو أحبك، أو لماذا تأخرت. معان كثيرة قد تتضمنها تلك التلويحة الغمزة لكن التشارك في فهمها يبقى لغزاً محصوراً بينهما.
    هذه التداعيات الجميلة في ذاكرتي والتي أتت إثر تلويحة من غريبٍ كانت خواطر حدثتني نفسي بها مسافة طريقٍ إلى فنجان قهوة يبعد عن مكان إقامتي ثلاثين دقيقة بحسب خريطة جوجل التي تسيرني، ودقيقتين أو خمس تزيد على الوقت المحدد مع ازدحام حركة المرور في مدينة ضخمة بتخطيطها العمراني والإنشائي، وفي بعض الظروف الطارئة كما لو حصل اصطدام على الطريق بين سيارتين فإن مدة التأخير قد تتعدى نصف الساعة؛ بينما هناك حيث تعبق الذكريات لا أحتاج لأكثر من عشر دقائق أمدّ عليها خطواتي ببطء كي لا أصل قبل الموعد.
    ربما تبدو للآخر أن تلك مقارنة عبثية بين مدينتين إحداهما يتمنى غالبية سكان الأرض زيارتها لما لها من صيت يتعدى إدخال البهجة في قلب زائرها إلى رسم الدهشة على وجهه لكثرة ما تقدمه له من خيارات جميلة مبتكرة للاستمتاع، والأخرى لم يدر بها أحد إلا من كان يتابع نشرات الموت والحرب، ومن الطبيعي أن أسمع صوتاً منطقياً وقد يكون عربياً سورياً يقول لي بالعامية الدارجة : "إش جاب لجاب ليس فقط الآن بل ومن قبل الحرب " وله الحق بل كلّ الحق في ذلك، فليست سنوات الحرب هي من جعلت من مدينة مولدي تبدو للناظرعجوزاَ على حافة قبرها بل إنه عجز سكانها لنصف قرن مضى عن المطالبة بحق مدينتهم في الحياة. ذاك العجز كان وباءً مستعصياً علاجه واقتضت الحال الثورة عليه للخلاص منه .
    وصلت إلى قهوتي بالوقت الذي وصلت به إلى هاتفي تلويحة من صديقتي عبر ماسيج على الهاتف : "هاي.. وينك .. ناطرتك عند .... "
    صديقتي معتادة على صخب هذه المدينة ودائماً تنتقد عدم تأقلمي مع نمطية الحياة فيها :
    ـ أما أحببتها.. الحياة هنا جميلة .. وبها يجد الإنسان كل ما يحتاجه لأن يعيش بكرامة حسب ظروفه المادية لذلك هي تستوعب الهندي والصيني والباكستاني والعربي والأوروبي والأمريكي والأفريقي.. يجب أن تتقبلي أجواء الحركة السريعة حتى تعيشي يومك بطمأنينة.
    ربما بحديثها ذاك تحاول أن تظهر لي بأي اتجاه يسير مؤشر بوصلة السعادة هنا لاعتقادها بأن رؤيتي له يشوبها الكثير من التوتر جراء انهماكي بتتبع الأخبار القاسية المؤلمة التي يمر بها وطني، وبينما أنا أبتسم لحديثها ابتسامة التأييد والقبول وبصمت الرضا بالمقسوم كان يفور في أعماقي حديث آخر : كيف أصبح عالم "هنا" بهذه العقلية المنفتحة على التطور والحياة وكيف تراجع العقل "هناك" .. وكم نحتاج من عقول صاحية وعقودٍ طويلة لردم المسافة بين كلا اسمي الإشارة.
    من يتنصت إلى حديث صديقتي وحديث قلبي يدرك كم هي المسافة بيننا بعيدة على الرغم من التقاء جسدينا على طاولة واحدة، ومن خلف حديثنا رفعت يدي وحاجبيّ ملوحة لقادمٍ كان يلوح بيده، فسألتني:
    ـ ها .. من أتى ؟
    لم أكن مضطرة للإجابة على السؤال. احمر وجهي خجلاً، فالقادم الذي لوحت له و رد على تلويحتي بابتسامة مهذبة أضفت على ملامحه الأوروبية جمالاً أكثر كان قد وصل إلى الطاولة التي تشغل حيزاً خلفي تماماً وتجلس عليها صبية فليبينية .
    ضحكت صديقتي، وقالت لي: هنا دبي أنترناشيونال يا عزيزتي.. علامة الخجل على وجهك تقول لي "إكزاكتلي" أنك ما زلت " ناييف" .. طبيعي، فأنت "ميد إن" حمص ـ سوريا!
    ...................
    ماسه الموصلي
يعمل...
X