إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

أم الجود

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • أم الجود

    كل صباح تفتح أم محمود باب البيت للقط محمود كي يخرج ويتنزه في حينا والأحياء المجاورة.
    يخرج نافخاً عضلات جسده ويمشي ببطء جاراً معه ظله الثخين بينما تبقى أم محمود عند باب بيتها تراقبه إلى أن يغيب عن بصرها وهي تدعي له بصوت عالٍ :
    روووح الله يحرسك ويحميك من عيون الحاسدين.
    تقول جملتها تلك وهي تطلع بتكبرٍ إلى أم أحمد التي تقف عند باب بيتها وبيدها فنجان قهوتها، وفور سماعها ما قالته أم محمود ترفع صوتها وهي تخطو إلى الداخل:
    ـ رووووح الله لا يردك.

    هذا ما أخبرتني به الجارة التي تسكن قبالتي بعد انتقالي حديثاً إلى السكن في هذا الحي إثر التفجير الأخير الذي جعل من حينا خربة، ولم ينج منه إلا القليل من السكان. حملنا دموعنا ومضينا نبحث عن مأوى لنا، كنا نتطلع خلفنا بعيون يملأها الحزن والأسى، هذا يبكي ابنه وتلك تبكي عائلتها وأنا أبكي منزل عمري.

    لا أعرف أحداً في هذا الحي، ولم أكن أنوي التعرف على أحدٍ به حتى دقّ باب البيت بعد مضي أسبوعٍ، وكانت خلفه تلك الجارة التي تسكن قبالتي كما عرفتني عن نفسها دون أن تذكر اسمها؛ محملة بدلة من القهوة.
    قالت وهي تبتسم لي بعد أن دفعت الباب بقدمها ومشت حتى غرفة الجلوس:
    ـ ألديكِ فنجانين لشرب القهوة أم آتي بهما من منزلي؟!
    ثرثرت كثيراً عن أهالي الحيّ، كانت تحكي وتضحك وبين مقطع وآخر من ثرثرتها كانت توجه لي سؤالاً، وما إن أفتح فمي كي أرد عليها حتى تجيب هي على سؤالها وكأنها على علمٍ بكلّ تفاصيل حياتي الماضية، فأهز لها رأسي بالإيجاب:
    ـ متزوجة؟!
    لا يبدو عليك ذلك، فلم أر رجلاً يدخل بيتك..
    بعد قليل:
    ـ أين هم أهلك؟!
    بالتأكيد منهم من هو ميت ومنهم مسافر.. فلم أر أحداً يدق بابك..
    ثمّ:
    ـ هل أنت موظفة؟!
    لستِ موظفة، فأنت لم تخرجي منذ أن سكنتي هنا..
    وبعد ساعة من الثرثرة مشت نحو باب البيت وهي تقول:
    سأطبخ اليوم كوسا محشي باللبن وسأحسب حسابك بوجبة سخية..
    لم تنتظر مني جواباً ولا شكراً.. فتحت الباب وقالت :
    ـ تحبين الكوسا محشي هاااا؟!
    وبضحكة مجلجلة:
    ما أحلاكِ يا أم الجود من لا يحبّ الكوسا محشي خاصة إن كان من تحت يديك!
    ثم وهي تخرج:
    اسمعيني جيداً ولا تسألي.. هذا الحي تسكنه القطط .. كوني دائماً على حذر..
    ـ قطط! قلتُ متعجبة وبصمت..
    لم أفهم سبب تحذيرها ولم أسألها ماذا تقصد
    أغلقت بابي وأنا أقول لنفسي:
    لا شأن لي بهذا العالم الجديد، قريباً عندما تهدأ الأوضاع سأرمم بيتي وأعود إليه.
    عند غروب ذاك اليوم سمعت صراخاً وإطلاق رصاص؛ استمر الحال على ذلك المنوال حتى قرابة منتصف الليل؛ لم أحاول الاقتراب من النوافذ لمعرفة ما يحدث في الشارع؛ فمثل هذه الأصوات اعتدت سماعها، رفعت قليلاً صوت التلفاز إلى أن غافلني النوم على الأريكة حتى الصباح.
    استيقظت على خبطٍ على الباب، أسرعت بهدوء نحوه ونظرت في العين السحرية لأعرف من الطارق..
    ـ هي الجارة التي تسكن قبالتي وبيدها دلة القهوة.
    لن أفتح.. لستُ بمزاجٍ رائق لاستقبالها..

    جلست على الرصيف أمام الباب وبدأت تثرثر وكأنها تعلم أنني أقف خلفه لأسمع ما ستقوله.

    ـ البارحة وقع شجار بين قط أم محمود وقط أم أحمد.. كلاهما كانا يعاكسان قطة سكنت الحي منذ أيام قليلة.. وصل بهما الأمر إلى إطلاق الرصاص لم يصب أي منهما بأذى لكن الرصاص أصاب القطة.. وماتت.. لم يجرؤ أحد على الاقتراب من جثتها.. وما من أحدٍ يعلم من تكون تلك القطة..
    هذا الصباح قرر قطط الحي الكبار في جلسة صلحٍ ودية بين الطرفين حمل الجثة ودفنها في كومة الزبالة المتراكمة عند أول الحي..
    لا تقتربي من هناك الروائح كريهة والقطط الميتة كثيرة
    ماذا تقولين؟ .. وتضحك طويلاً..

    ـ يا إلهي هذه المرأة مخيفة.. تبدو كأنها مصابة بالفصام أو الهستيريا..
    تتوقف عن الضحك وتقول:
    ـ نعم نعم.. إنهم يصلّون عليها قبل دفنها..

    أشعر بدوار فأجلس على الأرض وظهري ملتصقاً بالباب المغلق..
    وأبكي.

  • #2
    على قدر قتامة المشهد السردي على قدر استمتاعي بلذة النص
    شكرا ماسه

    تعليق


    • #3
      شكراً مصطفى 🌹

      تعليق

      يعمل...
      X